Make your own free website on Tripod.com

alsalah alkalbia

Home
alasor alwosta
altagsd we taaseroh
althaloth we alalakat alagtmaia
alsalah end treesa
hawet almasehe
smile
drast klmat allah
hawet almasehe
alhabl bla dans
aldlil alrohy
alhob(the love)
alsalah alkalbia
hdor alah alaeem
alalmanieon
alfarah fe alktab almokads
almahba byn alfalsafa we alwegood
abona (aghstinos)

الصلاة القلبية
فى التراث الشرقي والغربي
الأب/ أغسطينوس موريس الكرملي
إن الصلاة القلبية بالمعنى الشرقي لهذه العبارة هي التوجّه نحو الله الساكن في داخلنا. وهذه الصلاة تُسمى أيضاً "صلاة القلب". ولكن هذه العبارة الأخيرة ليست دقيقة بالكفاية لأن كل صلاة يجب أن تصدر من قلب الإنسان، أي من عمق نفسه، في وقت أن الصلاة التي نقصدها هي صلاة موجّهة لله الحاضر في القلب. و"الصلاة القلبية" أيضاً تعادل عند الكثيرين "صلاة يسوع"، تلك الصلاة التي تستند بصورة جوهرية إلى ترديد عبارة تضم اسم يسوع. وسنتكلم عن هذه الصلاة البيزنطية وأنواعها فيما بعد.
ولنذكر فقط الآن أن في عبارة "صلاة يسوع" التباساً أيضاً. فصلاة يسوع هذه هي صلاة موجهة إلى يسوع وليست صلاة يصليها يسوع (وإن كانت في درجتها الأعمق صلاة روح يسوع نفسه الذي يصلي في داخلنا، كما يذكر القديس بولس في روم 26:8، فعند هذا المعنى يجوز التكلّم عن "صلاة يسوع"). وعلى كل حال علينا أن نميز بين "صلاة يسوع" و "الصلاة القلبية"، ذلك لأنه من الممكن أن تُجرى الصلاة القلبية دون أن تكون موجّهة بصورة خاصة أو مباشرة ليسوع.
من الممكن اعتبار صلاة يسوع، بالطريقة البيزنطية، إحدى الأشكال المطوّرة للصلاة القلبية، فأساسها، هو الانتباه إلى الله في داخلنا كما هو الحال في الصلاة القلبية عامة، غير أنها أضافت إلى هذا العنصر الأساسي عنصرين آخرين ألا وهما ترديد اسم يسوع وضبط معين للتنفس كما سنرى فيما بعد. فممارسة الصلاة القلبية، وهي ممارسة خاصة للكنيسة الشرقية، قد تطوّرت عبر الأجيال، منذ القرون الأولى وحتى أيامنا هذه. وفي الحقيقة لم تظهر في الكتاب المقدس إلا بصورة ضمنية. وإنما في القرن الرابع فقط ظهرت بصورة واضحة ممارسة الانتباه إلى الله الساكن في داخل النفس، وقد وصلت إلى شكلها الأعمق في القرن الخامس.
ولا يجب الاستغراب من أن هذا الشكل من الصلاة الذي أصبح إحدى مميزات الروحانيات المسيحية الشرقية، لم يظهر بوضوح من وقت العهد الجديد. فالكتاب المقدس، مثل ملكوت الله، هو بذرة مدعوة أن تصبح شجرة. فكلام الله في الكتاب المقدس ينمو كلما عاشته الكنيسة بقيادة الروح القدس. وما ستكون عليه الشجرة لا يظهر بوضوح في البذرة نفسها ولا في نبتتها الأولى. ومن الأكيد أن الصلاة في الكتاب المقدس مستندة بالدرجة الأولى إلى مفهوم ارتفاع النفس نحو السماء، باعتبار السماء رمزاً لسكنى الله، وبالتالي فوق الإنسان وخارجه. وهذا هو الموقف الطبيعي في جميع الأديان تقريباً وخاصة الأديان "السماوية". غير أن سكنى الله في القلب هي عقيدة أساسية في العهد الجديد، لم يبدأ تأثيرها على ممارسة الصلاة إلا تدريجياً، بحيث تولّدت منها صلاة موجّهة إلى الله الساكن في داخل الإنسان. غير أن فكرة هذه الصلاة كانت موجودة ضمنياً في عقيدة سكنى الله في القلب كالشجرة في البذرة. فسيكون من المفيد جداً في بداية كلامنا عن الصلاة القلبية أن نتوقف قليلاً للتعرّف على أسسها في الكتاب المقدس.
من الممكن أن يكون انطلاقنا من آيتين أساسيتين تابعتين للرسالة الثانية لأهل كورنتس وكأنهما في الحقيقة جزءان لنشيد واحد ذكرهما القديس بولس ضمن فصول تتكلم عن خبرة وجود المسيح القائم في داخلنا كمصدر للرسالة المسيحية. وهاتان الآيتان هما:
"ونحن جميعاً نعكس صورة مجد الرب بوجوه مكشوفة، فنتحولُ إلى تلك الصورة ذاتها, فهي تزداد مجداً على مجد, بفضل الرب الذي هو روح" (2كور18:3) .
"والله الذي قال: «ليشرق من الظلمة نور» هو الذي أضاء نوره في قلوبنا لتشرق معرفة مجد الله, ذلك المجد الذي على وجه يسوع المسيح" (2كور6:4).
إن بنية الخبرة الروحية المذكورة هنا تشير إلى بنية حدث تجلي الرب، وخاصة كما يأتي في (لو27:9-37) حيث تجلى وجه المسيح في جو الصلاة (لو28:9 ). ففي الحالتين يُذكر نور مجد الله على وجه المسيح (الذي هو في نص القديس بولس المرآة والصورة أي صورة الآب التي تُشع بمجده). ولكن، في وقت القديس بولس لم يكن المسيح مع رسله فحسب بل فيهم أيضاً. والتجلي الذي يشير إليه القديس بولس هنا يحدث في داخل قلوب المؤمنين: "أشرق الله في قلوبنا". وفيما بعد أشار القديس بطرس إلى هذا التجلي الباطني في رسالته الثانية عندما قال:
"فما أتبعنا نحن خرافات ملفقة حين أطلعناكم على قوة ربنا يسوع المسيح وعلى مجييئه, لأننا بعيوننا رأينا عظمته.
فإنه نال من الآب إكراماً ومجداً حين جاءه من مجد الله تعالى صوت يقول:«هذا هو ابني الحبيب الذي به رضيت».
سمعنا نحن هذا الصوت آتياً من السماء, وكنا معه على الجبل المقدس. فازداد يقينُنا بكلام الأنبياء, وأنتم تفعلون حسناً إذا نظرتم إليه كأنه سراجٌ منيرٌ يُضئُ في كل مكان مُظلم, إلى أن يطلع النهارُ ويُشرقَ في قُلوبكم" (2بط16:1-19)
وفعلاً فإن المسيح يسكن في قلوبنا (غلا6:4) بروحه (روم9:8) وهذا الروح ليس حاضراً فينا مثل قوة إلهية فحسب، بل إنه ساكن فينا شخصياً لأنه الروح الحي. "روح الله الحي" (2كور 3:3) "روح المسيح" (روم 9:8) الحي فينا (غلا 20:2). ولأن هذا الروح هو موجود شخصياً في قلوبنا، فإنه يكلم أرواحنا (روم 16:8) ويصلي معنا أبّا أيها الآب على مثال المسيح (روم 26:8؛ غلا 6:4) فنستطيع إذن أن نلتقي بالمسيح القائم وروحه في قلوبنا، أي في عمق كياننا، ونقترب هناك من مصدر إشعاع مجده.
ذلك كله يؤيده رمز كتابي مهم، عزيز على القديس بولس، ألا وهو رمز الهيكل أو المقدس. والجدير بالذكر أن الكلمة اليونانية التي يستعملها القديس بولس للإشارة إلى الهيكل هي دوماً "ناوس" أي "المقدس" (في وقت أن الكلمة التي تشير إلى الهيكل بجملته هي "هيبرون")”Santuario” “Tempio”. وهذه النقطة هي مهمة جداً لنفهم عبارات مثل "إنكم هيكل الله الحي" (2كور16:6؛ 1كور 17:3؛ 19:6). فإذا كان الإنسان قد أصبح هيكل الله فذلك لأن الله يسكن مقدسه الباطني الخفي أي في "قلبه" بلغة الكتاب المقدس.
إن تأملنا في رمز الهيكل يجب أن يتم على بعدين. فالهيكل أو بالأخص المقدس هو، في الكتاب المقدس، المكان الذي يسكنه الله على الأرض أولاً، ثم المكان الذي فيه يلتقي الإنسان بالمجد الإلهي ثانياً. وهذان البعدان يتجليان في نصوص كثيرة ومعروفة في كتاب المزامير وأسفار الأنبياء، مثلاً: "تأملتك في المقدس لأرى عزتك ومجدك" (مز3:63)، "أحببت يا رب جمال بيتك ومقام سكنى مجدك" (مز8:27)، "وعبر مجد الرب إلى الهيكل من الباب المتجه نحو طريق الشرق، فنقلني الروح إلى الساحة الداخلية، وإذا بمجد الرب قد غمر الهيكل" (حز4:43-5)، "مبارك أنت في هيكل مجدك القدوس!" (دا53:3). فبالمعنى الروحي لرمز الهيكل كما يستعمله القديس بولس يسكن الله مقدس قلبنا، وفي هذا المقدس نستطيع الاتصال بمجده. وهكذا فإننا نرجع إلى نص الرسالة الثانية إلى أهل قورنتس الذي انطلقنا منه، فإننا نرى مجد الله على وجه المسيح القائم في مقدس قلبنا.
لقد قلنا أعلاه أنه من الطبيعي أن يصلي الإنسان وعيناه موجهتان نحو السماء. ويسوع نفسه قد صلى هكذا، وخاصة عندما كان يصلي بصوت مسموع في وسط تلاميذه (مت 19:14؛ يو 41:11؛ 1:17). ونستنتج من ذلك أن الصلاة القلبية أي الانتباه إلى الله الساكن في مقدس قلوبنا، ليست الشكل الوحيد للصلاة المسيحية. فإن الله هو فينا، ولكنه أيضاً فوقنا وحولنا: "إله واحد، وأبو الجميع الذي هو فوق الجميع" (أفس 4:6) ويقول القديس بولس عين الشيء عن المسيح القائم نفسه الذي "يسكن فيه ملء اللاهوت" (كو19:1)، فيصرح أن المسيح فينا ونحن في المسيح (روم 32:6؛ 1:8-2؛ 1كور4:1-5؛ 2كور 17:5الخ). وكذلك يقول المسيح في إنجيل يوحنا 20:14: "إنكم في وإني فيكم" فعلى الصلاة القلبية أن تمارس بالتوافق مع أشكال أخرى من الصلاة الموجهة إلى الله الموجود أمامنا، مثل التأمل بصحبة المسيح الحاضر في كلماته وبأعماله في العالم، وتلاوة المزامير وخاصة الاحتفال بالإفخارستيا. غير أن التجربة تعلّمنا أن ممارسة الصلاة القلبية هي طريق أقصر ومباشر وأسرع لاختبار الاتصال الحي بالإله الحي.
»لذا فإن أردت يا أخي أن تكون صلاتك محمّلة بالثمر الكثير, لا تكتفِ بالكلامية منها وحسب, بل بادر كي تكون صلاتك بالقلب والذهن أيضاً. اجعل ذهنك يفهم وينتبه لما يُقال. دّرب قلبك على التحسّس لما يسمع. والأهم, أن تكون صلاتك من القلب. والتي هي هكذا, تكون كالبرق الذي يتحرّك بسرعة نحو السموات. وهكذا تقف صلاتك أمام عرش الله الرحوم, فيستمع إليها الله ويستجيب لها أكثر من سواها. هذه كانت صلاة موسى أيضاً عندما وقف أمام البحر الأحمر ونادى الله فسمع له (خر15:14), ومدّه بالقوّة كي يعتق شعبه من الأخطار التي كانت تتهدّدهم«
وإليكم لوحة تشير إلى محل الصلاة القلبية بين الأشكال الأخرى للصلاة:
أشكال الصلاة:
الصلاة الشفهية الصلاة الصامتة
الطقسية الفردية التأمل صلاة النظــــــر
إلى الله في الخارج إلى الله في الداخل= الصلاة القلبية
في لحظات متكررة طوال مدة من الزمن
ممارسة النظر اللقاء (الصلاة الصوفية)
الممارسة الأساسية للصلاة القلبية: الانتباه إلى الله في داخلنا
يجب أولاً أن نحدد معاني بعض المصطلحات التي سنستعملها:
1) القلب: علينا أن نتخلص هنا من مفهوم عاطفي لعبارة القلب، وهو مفهوم لا يعتبر القلب إلا مركزاً للعواطف وخاصة عواطف الحب. فالكتاب المقدس والفكر الروحي الشرقي يعتبران القلب مركز شخصية الإنسان كله، المركز الذي يأتي منه كل ما هو عميق من أفكار ومشاعر وقرارات، إن كانت موجهة للخير أو للشر. فالإنسان الكتابي هو حقيقة واحدة، لكنها تتضمن أبعاداً: فأولاً الجسد الذي هو الإنسان بجملته بحسب علاقاته مع العالم الخارجي المحسوس. فعن طريق جسدي أعرف العالم وبقية البشر، وعن طريق جسدي أيضاً يحس البشر بوجودي. ثم إذا توجهنا إلى العمق، نجد النفس التي هي الإنسان بحسب حياته الغير المنظورة من الخارج، أي الإنسان الذي يفكر والذي له مشاعر ورغبات وذكريات. وفي وسط النفس، أو في أعماقها، يوجد القلب، وهو المكان الأكثر صميمياً في كيان الإنسان ومنه تأتي حياة الإنسان النفسية العميقة كلها. إنه مثل ينبوع تفلت أعماقه من شعورنا العادي: إنه المكان الذي يتم فيه الاتصال بين الإنسان والله، بل الاتحاد بينهما.
وكما قلنا فإن القلب هو مركز النفس، ولكن النفس لا تنفصل من الجسد لأن الإنسان هو حقيقة واحدة. وأكثر من ذلك فإن النفس لا تسكن الجسد مثل شيء مجاور له، أو كما يسكن إنسان بيته، بل إنها حاضرة في صميم الجسد كله، وإن كان ذلك على درجات مختلفة. ولذا فإن مركز النفس سيكون مرتبطاً بمركز الجسم وكذلك سيكون هناك تطابق بين مواقف الجسد الخارجية ومواقف النفس الداخلية كما سنذكرها أدناه. وهكذا فإن القلب بالمعنى الكتابي وبالمعنى الروحي الشرقي، هو مركز كيان الإنسان حيث يتحد وجودي الإنسان اللحمي والروحي. ولذلك فإن الانتباه إلى أعماق كياننا التي يسكنها الله سيرافقه بصورة طبيعية تركيز الوعي الجسدي على مركز الجسد فالتنفس الروحي مثلاً سيتجسم في تنفس الجسد، وكذلك سيستند تركيزُ النفس على الله وحده، بترديد عبارة واحدة جسدية مؤثرة.
إلا أن عبارة القلب، حتى بمعناها الجسدي، يمكن أن يكون لها معنى مجازي. فهناك بعض ممارسي الصلاة القلبية يركزون انتباههم على القلب الجسدي بمعنى الكلمة، وعبارة القلب هي مأخوذة هنا بمعنى حرفي تماماً. غير أن البعض الآخر يركزون انتباههم (ويبدو لنا شخصياً أن هذا الموقف هو الأصح) على مركز الجسد، أي بيمين القلب وفوقه قليلاً. فهنا تتخذ عبارة القلب بمعنى مجازي، وإن كان بالمعنى الجسدي أيضاً، بما أن المقصود هنا هو مركز الصدر. إن اختيار هذا المكان الجسدي بالذات له مطابقة نفسية. فإن توجيه الانتباه إلى مكان هو بالقرب من خفقات قلبنا في داخل ذاتنا قد يذكرنا بقرب خفقات قلب الله نفسه الحاضر في داخلنا والذي إلى حضنه نضم أرواحنا، كما ورد في المزمور 131 "مثل فطيم على صدر أمه هكذا نفسي في داخلي". وكذلك فإن الموقع الذي هو فوق القلب بقليل يشير إلى بعد ليس فقط تابعاً للمشاعر بل أيضاً تابعاً للمعرفة باعتبار هذا المكان الأعلى من القلب متعلقاً نوعاً ما بالدماغ الذي هو الآلة الجسدية للفكر.
2) الروح: إن القلب هو المكان الذي يأتي منه كل ما هو عميق في الإنسان. أما روح الإنسان فهي اندفاع قلبه. إنها الدينامية الصميمية لشخصيتنا العميقة. إنها نظرنا الشخصي إلى العالم وإلى الله. إنها حركة حبنا المخلص والاندفاع الذي به يتوجه قلبنا بالإعجاب نحو ما هو عظيم وكريم وجميل. إنها الحركة التي بها نتكئ على قلب الله بالإيمان والثقة. فالروح هي في عمقها شوق إلى الغير المتناهي ولذلك تستطيع أن "تجاوز" كل ما هو أرضي ومحدود وكل ما هو زمني وزائل. وهي ترتكز على الله وعلى الأبدية. إن هذا التجاوز الذي هو في إمكانية الروح ليس في الحقيقة ترك لما هو زمني وأرضي. بل إنه يضيف بعداً جديداً لحياتنا الواقعية. إنني مثلاً أعيش مشكلة صعبة، غير أنني بروحي أنظر إلى الله واثقاً بأنه "يجعل كل شيء يساهم في خير الذين يحبونه" (روم 28:8). فالروح هي أصلاً القدرة على الارتفاع فوق المواقف الجسدية والنفسية، ليس لنتركها بل لنجذبها من بعدها الأفقي إلى بعدها العامودي، أي إلى علاقاتها مع الله والأبدية.
فالروح هي مثل طير في مقدوره دائماً أن يرتفع بحرية نحو السماء. وحركة التجاوز هذه التي هي من مميزات الروح تستطيع أن تتم باتجاهين: أي فوق النفس أو في عمق النفس: "إن الروح يتقصى كل شيء، حتى أعماق الله. فمن هو الذي يعرف ما في الإنسان غير الروح التي في الإنسان؟" (1كور10:2-11) فالروح تستطيع أن ترتفع نحو الله فوق النفس أو تغوص نحوه في أعماق القلب، وهي "تجاوز" كل فكرة محدودة وكل اهتمام زائل. وهذه القدرة التي تتمتع بها الروح، أي القدرة على أن تتوجه نحو باطن كيان الإنسان، هي في أساس ممارسة الصلاة القلبية، حيث تتوجه الروح، وهي حركة الشخصية العميقة، نحو الله الحاضر في عمق أعماق النفس.

روح الله
روح الله
النفس
الجسد
إن توجّه الروح نحو الداخل غالباً ما يعبّر عنه عن طريق صورة النظر إلى الله في الداخل. إن ميزة هذا التعبير هي أنه يدخل عنصر معرفة إلى الاندفاع الحيوي الذي نتوجه به نحو الله، غير أن له مساوئ أيضاً وهي أنه لا يشير بالكفاية إلى ذلك الاندفاع. فالنظر يمكن أن يكون فقط فعل فضولية أو رغبة في المعرفة دون أن يُلزم أصل كياننا. فعلينا إذن أن نتكلم هنا عن نظر محب وواثق وساجد، يجتذب معه كياننا العميق كله. وبهذا المعنى يكلمنا يوحنا الدالياني، وهو منشد الصلاة القلبية في العراق في القرن الثامن، عن مثل هذا النظر بالعبارات التالية: إنه "نداء صامت" و "إنصات إلى ما في الداخل"، إنه "سجود في المقدس الموجود في القلب" وهناك "ركوع في حضن الرب". إنه "أن نعانق الله في أنفسنا". فجميع هذه العناصر تتحد في حركة روحية بسيطة متوجهة نحو الداخل.
خامساً: درجات الصلاة الباطنية.
هناك درجات في الصلاة الباطنية. إن الدرجة الأولى تقوم على مجرد قطع علاقاتنا الشعورية مع العالم الخارجي المحسوس لنتوجه نحو الله وحده. والمطابقة الجسدية لهذا الموقف الداخلي هي إغماض العيون، وهي الباطنية التي يمارسها الغرب عامة في الصلاة الصامتة. هكذا في هذا النص للقديسة تريزا الأفيليلة وهي مُصلحة رهبنة الكرمل في أسبانيا في القرن السادس عشر:
"تذكروا ما قال القديس أغسطينوس الذي كان قد بحث عن الله في أماكن كثيرة، ثم وجده في داخل نفسه ... إن الذين يستطيعون أن يحبسوا أنفسهم في تلك السماء الصغيرة، أي سماء نفسنا حيث يوجد من صنعها وصنع الأرض، وسيعتادون على ألا ينظروا إلى حيث تتشتت الحواس الخارجية وألا يبقوا هناك، سيصلون بلا شك إلى مياه الينبوع ويشربون منها، لأنهم سيسيرون كثيراً في وقت قصير. كما أن الذين ركبوا سفينة يدفعها شيء من الريح الجيدة يصلون إلى هدف سفرهم بعد أيام قليلة، بينما يتأخر الذين يسيرون في طريق البر... تنسحب الحواس من الأشياء الخارجية وتتغافل عنها إلى درجة أن العيون تغمض تلقائياً لئلا تراها، ولكي تزداد بصيرة عيون النفس تيقظاً. وفعلاً فإن الذين يسيرون في هذا الطريق يغمضون عيونهم، تقريباً كلما يصلون. وهذه العادة هي ممتازة من نواح كثيرة. صحيح أنه تتطلب جهداً لئلا ننظر إلى أشياء هذا العالم، ولكن في البدء فقط. ففيما بعد لا حاجة إلى أي جهد، أو بالأحرى أن فتح العيون في هذا الوقت هو الذي يتطلب جهداً أكبر". (أنظر طريق الكمال2:28-4) .
إن هذا "الاختلاء" مع الله في داخل النفس هو نوعاً ما مثل اختلاء شخص يغلق باب حجرته ليكون فيها في السكوت بالنسبة إلى العالم الخارجي، غير أنه يبقى قرب الباب. ولكن هناك شكل آخر وأوضح للباطنية، وهو شكل باطنية "الصلاة القلبية" بالذات. فالباطنية الآن لا تقوم فقط على الانعزال من العالم الخارجي بل أيضاً على التوجه نحو داخل البيت. إن حركة التوجه نحو الداخل هذه تفترض في الحقيقة سنداً جسدياً. فإن النفس لا تستطيع أن تتوجه بصورة واضحة نحو مركز ذاتها، أي نحو "قلبها"، وأن تثبت فيه نظرها دون أن يتركز الجسد نفسه على داخل ذاته وهو يوجه نظر عينيه نحو داخل الصدر، قرب القلب، متخذاً بقدر الممكن موقفاً جسدياً عاماً يساعد على تركيزه هذا، مثل الجلوس مع انحناء الرأس أو السجود مع الجبين على الأرض.

خطوات للوصول إلى صلاة القلب:
نستطيع أن نجرّب بصورة واضحة الفرق الموجود بين هاتين الدرجتين للباطنية بالطريقة التالية: لنختر جملة بسيطة وقصيرة تعبر جيداً عن علاقاتنا االشخصية مع الله. فمثلاً: "يا إلهي قُد حياتي حسب قلبك!" أو الجملة التقليدية عند ممارسي الصلاة القلبية في كنيسة الروم: "أيها الرب يسوع المسيح، ارحمني أنا الخاطئ". ولنقل هذه الجملة بوعي عميق وبشيء من البطء وعيوننا مفتوحة ومثبتة على هدف ديني أمامنا في الخارج، مثل الصليب أو إحدى أيقونات المسيح. ثم لنقل نفس الجملة وبنفس درجة الوعي ونحن نغمض أجفاننا وعيوننا تبقى متوجهة إلى الخارج نحو نفس الهدف السابق. وأخيراً لنقل هذه الجملة ونحن نغمض أجفاننا، ولكن عيوننا تكون متوجهة نحو داخل الصدر. ففي كل مرة نختبر درجات مختلفة من القرب إلى الله. وفي المرة الثالثة نشعر بأننا نتوجه حقاً نحو مقدس الهيكل!
هكذا يجب أن يبدأ التدريب على ممارسة الصلاة القلبية، أي بترديد عدة مرات الجملة التي اخترناها، ونحن نوجّه عيوننا نحو مركز صدرنا. هناك أيضاً طريقة أخرى سهلة البدء ممارسة الصلاة القلبية، ألا وهي أن نغمض عيوننا ونوجهها نحو الداخل كلما نعمل حركة طقسية مثل الركوع أو الانحناء أو علامة الصليب. وعلينا أن نعمل هذه الحركات ببطء مع الوعي بما تعبر عنه. فالركوع يعبر عن السجود الداخلي، والانحناء عن الاحترام، وعلامة الصليب التي نرسمها على صدرنا نعبّر عن رغبتنا في أن نُدخل في مركز حياتنا صليب المسيح الذي هو هبة الذات والدخول إلى مجد الآب. وعندما نغمض عيوننا ونوجهها نحو الداخل عند قيامنا بهذه الحركات أو المواقف علينا أن نتذكر معانيها ليس بالضرورة بتفاصيلها ولكن بصورة ضمنية على الأقل. وإذا اعتدنا على ذلك فسيصبح بسيطاً وسهلاً.
إن هاتين الممارستين هما بمثابة تهيئة ضرورية لممارسة الصلاة القلبية المطوّلة. فإذا كان من السهل نسبياً أن نعتاد على التوجه نحو داخلنا، فإنه من االأصعب أن نبقى "بباب القلب" حسب عبارة يوحنا الدالياتي الذي سنقرأ نصوصاً منه قريباً. ولكن لنركز الآن انتباهنا على حركة الدخول التي ستتم دوماً ونحن نغمض أجفاننا ونوجه عيوننا نحو مركز الصدر، على يمين القلب وفوقه قليلاً، وذلك بالإيمان المحب بأن الله ينتظرنا في داخلنا.
قبل أن نذكر بعض النصوص للمؤلفين الروحانيين على التوجه نحو الله في داخلنا، لنذكر من جديد أن "القلب" قد لا يعني في هذه النصوص إلا المكان االجسدي الأكثر مركزياً. أي مكان قربَ القلب. أما التركيز على فوق القلب بقليل فإنه بعلاقة رمزية مع العنصر الذهني المرتبط دائماً بالرأس أكثر أو أقل. وبالإضافة إلى ذلك يمكننا أن نربط بين مكان الصدر فوق القلب وبين رمزية كتابية وروحية تُوحّد غالباً ما مفهوم العمق (الباطنية) بمفهوم العلو. هكذا نسمع كاتب الرسالة إلى أهل أفسس يقول لنا. إن المسيح ساكن في قلوبنا ومعه وفيه ملء اللاهوت. ويضيف، وهو يشير إلى هذا الملء: "أتوسل إلى الآب أن يقوى بروحه على مقدار غنى مجده قدرة الإنسان الباطن فيكم... فأمكنك أن تدركوا مع جميع القديسين ما هو العرض والطول والعلو والعمق"(أف.16:3-18). فالبعد الثالث المستعمل للإشارة إلى سعة الحضور الإلهي هو في آن واحد العلو والعمق. وبنفس المعنى سيقول يوحنا الدالياني أن الصلاة القلبية هي على حد سواء "نزول إلى العمق" (المقالة المئوية 41:1) و "ارتفاع نحو عالم ملائكة النور" (الرسالة 5:40). ويقرر يوسف حزايا "إن باب قلبنا وباب السماء هما باب واحد" (المقالة المئوية 72:3).
سادساً: بعض أقوال الآباء والنصوص التي تشير إلى تطور ممارسة الصلاة القلبية
إن أفغريوس (وهو من الرهبان الأولين في القرن الرابع بمصر) قد أثّر كثيراً على الروحانيات المسيحية إن كانت شرقية أم غربية، ولكن بصورة خاصة على الروحانيات السريانية الشرقية.
"عندما ستكون الروح قد خلعت الإنسان القديم ولبست إنسان النعمة الجديد، سترى في وقت الصلاة كيانها شبيهاً بالياقوت الأزرق أو بلون السماء؛ وهذا ما يسميه الكتاب "مكان الله"، ذلك المكان الذي شاهده القدماء على جبل سيناء". (أقوال 18).
يشير هذا النص إلى سفر الخروج : "رأوا إله إسرائيل وتحت رجليه أرضية كأنها مصنوعة من الياقوت الأزرق الشفاف أشبه بالسماء نفسها نقاء"(خر.10:24). فبالنسبة إلى أفغريوس تنور الروح الصافية في جذورها بالنور الإلهي ، بحيث تصبح مثل المكان الذي ظهر الله لموسى وشيوخ العبرانيين.
مكاريوس، في بلاد ما بين النهرين، وفي بداية القرن الخامس، قد ركز على وحدة الإنسان الجسدية والنفسية، وتكلم عن "القلب" باعتباره المركز االحياتي للإنسان كله. وهذا المكان هو نقطة الاتصال بين النفس والجسد، ونقطة الاتصال بين الإنسان والله. فمن مكاريوس ستأتي الأهمية التي ستعطيها الروحانيات السريانية الشرقية لدور الجسد حتى في الصلاة أكثر روحانية. وفي النص الآتي يكلمنا عن كيفية استضافتنا للمسيح في نفوسنا، ويشير بصورة مجازية إلى أفعال الألفة الروحية في الصلاة القلبية.
"لا نكن مثل أولئك النساء الشريرات اللواتي يبغضن أزواجهن واللواتي يتركن بيوتهن ليتجولن خارجها عندما يرجع أزواجهن المنهوكو القوى إلى بيوتهم ليرتاحوا فيها. وفي الحقيقة فإن المسيح نفسه يشتاق كثيراً إلى بيته الخاص، أي أجسادنا ونفوسنا، وهو الصالح الجميل والزوج الوحيد الذي تَعِبَ لأجلنا إلى أقصى حد وهو يفتدينا بدمه. إنه يقرع دوماً باب قلوبنا لنفتح له هذا الباب فيستطيع أن يدخل في نفوسنا ويرتاح فيها وهو يجعل فينا مقامه (يوحنا 23:14)...
"وفي يوم الدين سيقول للذين على الشمال والذين يرسلهم إلى جهنم مع إبليس: "كنت غريباً فما آويتموني، وعرياناً فما كسوتموني، ومريضاً فما زرتموني، وجائعاً فما أطعمتموني، وعطشت فما سقيتموني وكنت سجيناً فما عدتموني" (مت 43:25أ-ب؛ 42؛ 43ج). إن هذه الأقوال تقصد أولاً الذين يقومون بالأعمال الخيرية بصورة منظورة، بما أن الرب يتبنى كل خدمة قد قُدمت لخدامه كما لو قُدمت له (مت 26:25الخ)؛ غير أنها تُفهم بمعنى أكثر حقيقة وعمقاً عن إنساننا الباطني، ذلك لأن القوت الحقيقي للرب وشرابه وثوبه وسقفه وراحته إنما هي أنفسنا… فلنستقبله بإيمان كبير وحب شديد ولندخله إلى داخلنا. وهناك لنستضيفه ولنقدم له الطعام والشراب ولنكسه بإرادتنا المخلصة لخدمته والمطيعة بمشيئة روحه القدوس". (المقالات الروحانية 16 من المجموعة الثالثة).
ذياذخس، أسقف فوتيكي في اليونان الشرقي، في القرن الخامس، قد قرأ أفغريوس على ضوء مكاريوس، وتعليمه هو في أساس ممارسة الصلاة القلبية في الشرق اليوناني. لقد أضاف ذياذخس إلى معطيات أفغريوس ومكاريوس عنصراً تقليدياً عند الرهبان الأولين ألا وهو الترديد المتواتر لعبارة قصيرة تقال لله بوعي عميق. وبالنسبة لذياذخس فإن هذه العبارة هي اسم يسوع نفسه. ويتم كل ذلك في امتداد الباطنية التي يشير إليها الكتاب المقدس كما رأينا أعلاه.
"لا ننفك نشخص بعيوننا إلى غور القلب مع ذكر متواصل لله... (الفصول المئوية رقم 56). حينئذ فالذهن يلزمه حتماً، عندما نكون قد أوصدنا جميع نوافذه بواسطة ذكر الله، عمل يرضي به حاجته إلى النشاط. فعلينا أن نعطيه "الرب يسوع" كعمل وحيد يتلاءم حقاً وغايته. فقد كُتب: "لا أحد يستطيع أن يقول: يسوع هو رب، إلا بالروح القدس" . لكن على الذهن أن لا يكف عن إمعان النظر في هذه الكلمة وحدها والكنوز التي فيها بحيث لا يشرد نحو الخيالات. فجميع الذين يتأملون بلا انقطاع في هذا الاسم المقدس المجيد في أعماق قلبهم يبلغون أخيراً إلى مشاهدة نور ذهنهم . فهذا الاسم، إذ يُضبط في الفكر باعتناء صارم، يحرق بشعور شديد كل الدنس الموجود على سطح النفس. "إن إلهنا نار آكلة" يقول الكتاب . ومن ثم يدعو الرب النفس إلى المحبة القوية لمجده، لأن هذا الاسم المجيد المشتهى، إذا جعله ذكر الذهن يمكث في حرارة القلب، يركز فينا استعداداً يحمل على محبة جودته، بدون عائق من الآن فصاعداً. تلك هي اللؤلؤة الكريمة التي يستطيع المرء اقتنائها ببيع جميع أملاكه ليمتلك عند اكتشافها فرحاً لا يوصف . (المقالة المئوية 59).
"وإن سلب النسيان موضوع شوق النفس حيناً وإذا خرجت من تصلبها باشتداد الأهواء، فالذهن يعود في الحال إلى نشاطه الخاص ويركض ليقبض على تلك الفريسة المشتهاة الخلاصية. فالنفس حينئذ تعضدها النعمة عينها التي تتأمل وتهتف "الرب يسوع"، كما أن الأم تعلّم رضيعها كلمة "بابا" وهي ترددها معه إلى أن يتعود مناداة أبيه بدلاً من تمتماته الطفولية، حتى في أثناء النوم. لذلك يقول الرسول: "إن الروح أيضاً يأتي لنجدة ضعفنا لأننا لا نحسن الصلاة كما يجب، ولكن الروح نفسه يشفع لنا بأنات لا توصف"(رومة.26:8) إننا فعلاً مِثل أطفال وغير كاملين بالنسبة إلى فضيلة الصلاة، ولذا نحن في حاجة ماسة إلى معونة الروح القدس لتكون جميع أفكارنا متغلغلة ومليئة بعذوبته التي لا توصف، فنتوجه بكل وجداننا نحو ذكر وحسب إلهنا وأبينا" (المقالة المئوية 61).
سهدونا، في القرن السابع، هو أول الروحانيين الكبار في الكنيسة السريانية الشرقية. ومثل ذياذخس، ولكن بصورة مستقلة عنه، يتأمل في نصوص الكتاب المقدس على الباطنية في امتداد فكر افغريوس ومكاريوس. وأنه أول شاهد مهم لممارسة الصلاة القلبية في بلاد ما بين النهرين.
"قال الرب: "من أحبني حفظ وصاياي" وقال أيضاً: "إن كنتم تحبونني، حفظتم وصاياي "(يوحنا 15:14) وكذلك: "من تلقى وصاياي وحفظها فذاك الذي يحبني. والذي يحبني يحبه أبي، وأنا أيضاً أحبه وأظهر له نفسي" (يوحنا 21:14). ونأتي إليه فنجعل لنا عنده مقاماً (يوحنا 23:14). أرأيتَ كيف أن كل البر الآتي من حفظ الوصايا يكتمل بالمحبة، وكيف أن الذي يمتلك المحبة يصبح مسكناً للثالوث الأقدس وهو يتمتع بالرؤية الإلهية بصورة خفية؟
"طوبى لمن أهل لهذه الرؤية، وهو يصبح مسكناً للمحبة! طوبى لمن ارتاحت الألوهية في داخله! حقاً إنه يسكن من الآن ملكوت السماوات! فما الملكوت إن لم يكن السعادة مع الله؟ وما هي السعادة مع الله إن لم تكن الابتهاج بمحبته والفرح بحبه والنظر الدائم إليه واهتزاز النفس به؟ فكم هو صحيح كلام الرب القائل بأن ملكوت الله هو في داخلكم . لأن مَن امتلك في نفسه محبة الله، أي الله عينه، كيف لا يكون الملكوت أيضاً في داخله؟ ما أعظم رجل المحبة الذي أسكن في قلبه الله الذي هو محبة! (راجع 1يوحنا 16:4) وما أعجب هذا القلب الصغير الضيق الآوي روحياً في حضنه ذاك الذي لا تستطيع السماء والأرض احتوائه! يا عين القلب المنورة (أفسس 18:1) التي بنقاوتها ترى بجلاء ذاك الذي يستر السرافيون وجههم أمام رؤيته! (أشعيا 6:2).
"مَن يحبني يحبه أبي وأنا أيضاً أحبه وأُظهر له نفسي. ونأتي إليه ونجعل لنا عنده مقاماً". أين إذن سيُحَب الله إن لم يكن في القلب؟ وأين سيُظهر نفسه إن لم يكن هناك؟ فكما قيل: "طوبى لأطهار القلوب فإنهم سيشاهدون الله!" (مت 8:5). أين إذن يسكن الله إن لم يكن في داخل القلب؟ فكما كُِتب أيضاً: "سأسكن فيهم وأسير فيهم" (راجع 2قورنتس 16:6؛ وتث 11:27-12؛ الأحبار 14:13) أرأيت كم واسع هو القلب الطاهر والمملوء بالمحبة بما أن الله يستطيع حقاً أن يسلك فيه!
"طوبى لك أيها القلب الصافي، يا مسكن الألوهة طوبى لك أيها القلب الطاهر، يا رائي الجوهر الإلهي الخفي، يا كائن من اللحم والدم أنت الذي جُبلت من التراب، ها إنك صرت مسكن ذاك الذي يحرق العالمين (راجع سفر الأحبار 3:9؛ أشعيا 27:30-28 و 14:33) حقاً إنه لشيء مدهش ومحير أن نقول بأن ذاك الذي ليست السماء طاهرة أمامه (أيوب 25:15) والذي يقيم الانذهال في ملائكته (أيوب 18:4) يحلو له قلب اللحم إذا امتلأ من حبه، وبأن هذا القلب قد أصبح واسعاً بحيث يغدو مسكنَه المقدس، وطاهراً بحيث يخدم بفرح واحتفال ذاك الذي تقف أمامه عشرات الآلاف من ملائكة النار بمخافة (دانيال 10:7) وهم يخدمون وقاره.
"يا أيتها المحبة، لأي شيء أهلت القلب الذي أسكنك فيه! فأنت جعلته أعلى من الملائكة. وأكثر من ذلك فإنك أخضعتهم له وأنت تجعليهم يخدمون الرب في داخله، لأنه حيث ينزل الملك هناك يُسرع خدامه. وإذا نزل في بيت صغير فقير كم يُشرف هذا البيت فأي شرف سيكون شرف القلب الذي نزل فيه ملك العالمين؟ ويا لعظمة ثروته وفرحه وعزته!
"مبارك أنت أيها الرب، يا من يسكن في الأعالي، لأنك جعلت قلب الإنسان منزلاً لك، ولأنك أسكنته أيضاً معك في الأعالي، كي يكون معك فوق وتحت وفي كليهما يسبحك، وأنت تسكن فيه وتفرحه وتعزه! المجد لك يا من جعلت القلب الذي جبلته يداك يضيف حبك في داخله! حقاً سيبتهج الذين يتكلون عليك، إنهم سيمجدونك إلى الأبد، وستسكن فيهم، ويُعز فيك جميع الذين يحبون اسمك! (راجع مزمور 12:5) وأية بهجة ستعادل بهجة من يفرح بالله؟ وأية عزة تشبه عزته؟ فإن وجدانه هو حقاً السماء، إن الله وملائكته يسكنون فيه بالمجد؛ وكما أن تمجيد الله لا ينقطع في السماء فكذلك لا ينقطع في الوجدان الذي تملأه محبته؛ فكما هو مكتوب: "سيمجدونك للأبد، وأنت ستسكن فيهم". (كتاب الكمال.4:2) .
يوحنا الدالياتي: هو بلا شك أعظم مؤلف روحاني في أرض الرافدين وهو من تكلم أكثر من غيره بالتفصيل عن ممارسة الصلاة القلبية. ولد في نهاية القرن السابع في شمال العراق. وهذه بعض أقواله:
"انظر في نفسك وابصر( الله) في داخلك، حدق في قلبك ومنه سيشرق على نفسك. وإن نظرت هناك باستمرار، هناك تجد الملكوت، يعني أنك سترى في داخلك الله الذي هو ملكوتك..." (الرسالة 17:50) "فيكشف الله نفسه للقليل الذين يشخصون نظرهم إلى داخلهم بقوة اجتهادهم: هؤلاء الذين جعلوا أنفسهم مرآة يُرى فيها الذي لا يُرى..." (الرسالة 2:14) "لأن نهاية الشوط الزهدي وإكليل الكاملين هما الاندهاش أمام الله، وهذا لا يبلغه أحد بأي عمل غير النظر الدائم إلى داخل القلب". (المقالة المئوية 39:1) و "ليس للقلب فرح وسعادة كطوبى فعالية الروح القدس في النفس؛ ومن اشتاق إليها فليشخص على الدوام في ذاته. وسيرى، بلا شك، لُمع الروح تنبع من قلبه بلا انقطاع" (المقالة المئوية 40:1).
ويذكر يوحنا مراحل مختلفة في ممارسة الصلاة القلبية:
1) هناك أولاً فترة يصعب فيها على المصلي أن يُثبت روحه متوجهة نحو الداخل: "يا من بدأت بهذا المسلك الذي يجعل كل الزهد بهياً، لا تخر عزيمتك في البداية، عندما تجبر روحك على الولوج في داخلك ولا تستطيع ذلك. لا ترجع إلى الوراء ولا تلتجئ إلى الانفراج الذي يمنحه الطيش في الخارج منك... فإذا واظبت بباب قلبك وإذا ثبّت في هذا الضيق، وأنت تحدق- وإن لم يوجد هناك سند ومكان للراحة، بل بالعكس! وإذا ناديت رحمة من قال: "طوبى للأطهار لأنهم سيرون الله في قلبهم"، وأنت لا تحسب عملك باطلاً: فإن الذي يعطي العميان النور، شمس الأفراح، سيشرق لك في داخلك" (من المقالة العشرين).
2) ثم، وبعد فترة صعبة في ممارسة الصلاة القلبية، تجد الروح، في تحديقها نحو الداخل وفي انتظارها بباب القلب، سنداً وراحة، وإن لم تر شيئاً. "بواسطة نظرك المتواصل إلى الله، نقِ قلبك يوماً اثر يوم. فتجد روحك سنداً، حتى وإن لم تر، وتتلذذ وتستريح" (الرسالة 18:50).
3) ثم تبدأ رؤية شروق كوكب النور في القلب: "أيها المسيح، يا حسن الآب، يا من فتحت لنا باب أسرار أبيك المخفية فيك منذ الأزل، أعطنا أن ندخل عن طريقك إلى هيكل نفوسنا فنراك فيه، يا كنز الحياة المختبئ في داخلنا… فهذه هي الطوبى التي يقتبلها من الآن الذين يحدقون في أنفسهم دون صرف انتباههم... فهم سيرون باندهاش لا يوصف كوكب النور يشرق من داخل قلبهم وهذه هي رؤية المجد العظيم للحي الأزلي" (من المقالة 20).
وهذه بعض أقوال يوسف حزايا وهو روحاني عراقي معاصر ليوحنا الدالياني:
"افتح عينيك وانظر إلى داخلك فتجد راحة وهدوءً وسلاماً لا يستطيع لسان جسدي أن ينطق بها" (المقالة المئوية 57:5).
"انظر باستمرار إلى داخل مسكن قلبك لترى فيه الكوكب الذي يكشف نفسه في أرض قلوب المتواضعين" (المقالة المئوية 75:5)
"طوبى للراهب الذي ينظر إلى داخله خلال تلاوة المزامير وخلال الصلاة، ويرى المسيح الساكن في داخل نفسه ويتمتع بهذه الرؤية المجيدة" (المقالة المئوية 94:2)
"ينفتح أحياناً في داخل المصلي باب قدس الأقداس الباطني فيرى من يسكن فيه. وحينئذ ينسى أنه من بني الأرض ويتجلى إشعاع وجهه ويصبح غير ذاته" (المقالة المئوية 32:3)
في القرن الرابع عشر ظهرت في الغرب الصلاة القلبية بمعنى البحث عن الله في داخل الإنسان (ولكن دون الاستناد إلى عناصر جسدية). أليكم أولاً النص من رويسبروك وهو لاهوتي صوفي فلامنكي ولد في سنة 1294 وتوفي سنة 1381 .
"إن الله صميم لذاتنا أكثر من ذواتنا نفسها... لذا فإن فعالية الله تجري فينا من الداخل إلى الخارج، أما فعالية الخلائق فتجري من الخارج إلى الداخل. ولهذا السبب فإن النعمة وجميع هبات الله وملهماته تنبثق من الداخل، في وحدة روحنا، وليس من الخارج، في المخيلة وبصور حسية (كتابات مختارة، الجزء الأول، ص148) "إن المسيح يأتينا من الداخل إلى الخارج ونحن نأتيه من الخارج إلى الداخل" (كتابات مختارة، الجزء الأول، ص202).
واليكم الآن نصوصاً لتاولير وهو راهب دومنيكي من ألزاسيا، ولد في سنة 1300 وتوفي سنة 1361.
"عندما يجد الله الإنسان قد عاد نحو نفسه بالطهارة والتجرّد، ينحني عمق الله ويغوص في العمق (الإنساني الطاهر) والموجّه نحوه، ويحول العمق المخلوق ويجذبه نحو العمق الغير المخلوق، إلى درجة أن الروح تصبح واحدة معه" (كتابات 3:62)
"وهنا يتحقق كلام النبي في المزامير: "العمق يدعو العمق" (راجع مز.8:42). فالعمق المخلوق يدعو في داخله العمق الغير المخلوق وكلاهما يصبحان واحداً، أي كائنا إلهياً صرفاً. فالروح ضاعت هنا في روح الله، إنها غائصة في بحر دون قعر" (كتابات.2:42)
"فإنها أصبحت، في حضور الله، متحدة به بصورة أقوى من اتحاد الهواء بشعاع الشمس" (كتابات.2:52)
في اليونان الشرقية وفي نفس عصر رويسبروك، أي في القرن الرابع عشر، نجد غريغوريوس بالاماس وهو لاهوتي الصلاة القلبية في فرعها اليوناني. في النص الذي سننقله الآن يربط غريغوريوس بين اختبار النور الإلهي في الصلاة القلبية وبين تناول الإفخارستيا: فيها "يمتزج" جسد يسوع بأجسادنا ويتحد قلبه بقلوبنا" .
"إن ابن الله في حبه للبشر الذي لا مثيل له، لم يكتف بأن يتحد أقنومه الإلهي بطبيعتنا وهو يلبس جسداً حياً ونفساً عاقلة ليظهر على الأرض ويعيش مع البشر. بل إنه بمعجزة فائقة الغزارة، يتحد بالأقانيم البشرية نفسها، وهو يمتزج بكل واحد من المؤمنين بتناولهم جسده المقدس فيصبح معنا جسداً واحداً (أفس 6:3) ويجعلنا هيكلاً للاهوته كله، بما أن ملء اللاهوت كله يسكن جسدياً في جسد المسيح (كولوسي 9:2). وإذا كان الأمر هكذا فكيف سوف لن ينير الذين يتناولونه كما يليق بالشعاع الإلهي الآتي من جسده الذي فينا، وهو يضيء نفوسنا مثلما أنار أجساد التلاميذ على جبل طابور؟ إن هذا الجسد، ينبوع نور النعمة، لم يكن آنذاك متحداً بأجسادنا، فكان ينير من الخارج من يقترب منه كما يليق، كان يبث الإنارة إلى النفس بواسطة العيون الحسية. لكن اليوم ينير النفس من الداخل لأنه ممتزج بنا وحي فينا" (ثلاثيات3:1) .
سابعاً:الصلاة القلبية في لحظات متكررة
لقد كلمنا يوحنا الدالياني عن الصعوبات التي نلاقيها، عند بداية ممارسة الصلاة القلبية، في البقاء قرب "باب القلب" غير أن التوجه نحو عمق ذواتنا والبقاء هناك بعض اللحظات فقط، فهذا يمكن أن يكون ممارسة سهلة ومفيدة جداً. إن يوحنا الدالياني والروحانيين الشرقيين يركّزون بالدرجة الأولى على الصلاة القلبية الطويلة لكونهم رهباناً يعيشون في الوحدة والسكوت. ولكن يوحنا الدالياني نفسه يشير أيضاً إلى صلاة قلبية لا تدوم إلا بعض اللحظات لأجل اتصال قصير وشديد بالله، أساسه إيماننا بحضوره في قلبنا. ويطلب أن تتكرر مثل هذه الصلاة القلبية لكي تصبح حقاً مفيدة. ومثل هذه الممارسة لصلاة قلبية قصيرة في لحظات عديدة من النهار تبدو لنا مناسبة جداً للحياة المسيحية العلمانية.
بصورة عملية يمكن أن تكتفي الصلاة القلبية بالتوجه بسكوت نحو عمق ذواتنا وأن نضم هناك أنفسنا على صدر الله مدة بعض اللحظات (راجع مزمور 131: "نفسي في داخلي كفطيم على صدر أمه") ولكن إضافة بعض الكلمات إلى حركة التوجه إلى الداخل ستساعد على تشديد توجهنا نحو الله.
يقول يوحنا الدالياني: وهو يذكر "قدس الأقداس الموجود في داخلنا" (الرسالة 5:36): "هناك عليك أن تحدق عينيك... هناك اسقط على وجهك، وليحل لك أن تنادي فقط "أبا، أبا" (الرسالة 6:36). وينصح أيضاً يوحنا بترديد صلوات قصيرة وحارة أخرى مثل: "دبر حياتي بحسب مشيئتك" (المقالة 6) أو "أيها الآب الصالح أعطني حبك، وإن كنت غير أهل لذلك" (الرسالة 9:4) ويقول عن هذه الصلاة: "تضرع هكذا بصراخ خفي إلى الله ليلاً ونهاراً. هذه الصلاة تساوي جميع الصلوات الأخرى وليس هناك طلب يفرح الله مثل هذا الطلب" (المقالة 22 والمقالة 23) ويمكن أن تقال تلك الصلوات بطريقة صامتة: "ناد بصوت صامت وساكت: "أيها الخفي والمستتر في داخلي، جلّ فيّ سرك" (الرسالة 6:15).
إن عادة تكرار صلوات قصيرة هي عادة قديمة. لقد لاقيناها عند ذياذخس الفوتيكي، غير أنها تعود إلى بداية الحياة الرهبانية في القرن الرابع، أو إلى أبعد منها. فيذكر القديس أغسطينوس، في القرن الرابع، عن الرهبان الأولين في مصر أنهم "يستعملون صلوات قصيرة جداً وكأنها مرمية بسرعة" (الرسالة 20:20). وكسيانوس في القرن الرابع أيضاً يقول أن مثل هذه الصلوات تمنع العدو، المستفيد من فرصة عدم انشغالنا، من أن يدخل شراكه إلى قلوبنا ولكنها تساعد خاصة على مكافحة تشتت الأفكار الذي يحدث بالضرورة خلال الصلاة الطويلة. (إننا سنرى بعد قليل الأخ لوران القيامة يمارس مثل هذه الصلوات خلال صلاته الصامتة الطويلة). إن نصوص القرن الرابع احتفظت لنا بالكثير من هذه الصلوات القصيرة الحارة، المرمية بشدة نحو الله. فهكذا الأب أبوللوس الذي كان يردد هذا القول باستمرار: "لقد خطئت أنا كإنسان، فارحمني أنت كإله" وهذه هي أيضاً وصية الأب أمون: "ليكن على الدوام في قلبك كلام العشار "اللهم ارحمني أنا الخاطئ".
إذا كانت عادة تكرار صلوات قصيرة قديمة فعلينا أن نلاحظ أنها، قبل ذياذخس القرن الخامس وقبل الروحانيين النساطرة في القرن السابع، لا تبدو مرتبطة بالتوجه نحو الله في "القلب". فإنها كانت في البداية وعلى الأكثر "رفعات النفس نحو السماء" وفي الحقيقة أن الربط بين تلك الصلوات القصيرة المتكررة والصلاة القلبية سيجد شكله الأكمل في تعليم أحد الاخوة الكرمليين الفرنسيين في القرن 17، ألا وهو الأخ لوران القيامة وما يقوله لنا الآن هو مفيد جداً، خاصة للعلمانيين الذين ليس لديهم المجال لأن يمارسوا كثيراً الصلاة القلبية الطويلة.
إن التعليم الروحاني للأخ لوران هو مرتكز على ممارسة ذكر حضور الله. فإنه يطلب أن نتذكر حضوره معنا وفينا مرات عديدة في النهار وفي وسط أشغالنا نفسها، وأن نتوجه نحوه بعض اللحظات وذلك أكثر الأحيان في "قلوبنا" ، ونحن نستند إلى صلوات قصيرة. وهذه بعض أقواله:
"إن الممارسة الأكثر قداسة وبساطة وضرورة في الحياة الروحية هي ممارسة (ذكر) حضور الله. إنها أن نرضى بالصحبة الإلهية ونتعود عليها، ونحن نكلمه بتواضع ونتحدث معه بحب على الدوام وفي كل لحظة، دون قواعد أو تقيّد، وذلك خاصة في أوقات التجارب والأحزان واليبوسات والنفور، وحتى في أوقات التقصيرات والخطايا" (الحكم رقم6).
"علينا أن نتوقف عن فعالياتنا الخارجية للحظات قصيرة كلما استطعنا ذلك، لنعبد الله في أعماق قلوبنا ونتمتع بوجوده فيها، وإن كان ذلك بصورة خاطفة. وبما أنكم لا تجهلون أن الله هو حاضر أمامكم خلال أعمالكم وأنه لا يزال أيضاً موجوداً في أعماق نفوسكم وفي مركزها، فلماذا لا توقفون، من وقت إلى آخر، أشغالكم الخارجية وحتى صلواتكم اللفظية لتعبدوه، باطنياً، وتمدحوه وتسألوه وتعطوه قلوبكم وتشكروه؟" (الحكم رقم9).
"لكي نكون مع الله ليس من الضروري أن نكون في داخل كنيسة. فنستطيع أن نجعل من قلبنا معبداً نختلي فيه من وقت إلى آخر لنتحدث فيه مع الله بهدوء وتواضع وحب. إن القيام بمثل هذه المحادثات البسيطة هو في وسع جميع الناس، البعض أكثر والبعض أقل، فالله لعالم بما نستطيع عمله" (الرسالة رقم9) .
"سيكون من المناسب للذين يبدءون هذه الممارسة أن يكوّنوا في داخلهم بعض العبارات… مثل: "يا رب، اجعلني حسب قلبك أو بعض العبارات الأخرى التي يحدثها الحب على التو" (الحكم رقم 30).
"كنت أنظر إلى الرب في قلبي بصفته أبي وإلهي. وكنت أسجد له فيه بصورة متكررة اكثر ما يمكن، وأنا أثبت روحي في حضوره القدوس وأستدعيها كلما كنت أجدها قد ابتعدت عن هذا الحضور. لم تكلفني هذه الممارسة جهداً قليلاً، غير أني واظبت عليها رغم جميع الصعوبات، دون أن أضطرب أو أقلق إذا كنت مشتتاً بصورة غير إرادية وكنت أمارس ذلك خلال النهار وفي أوقات الصلاة الصامتة على حد سواء" (الرسالة رقم 12) .
ثامناً: الصلاة القلبية الطويلة
إن الصلاة القلبية بمعناها الشرقي العادي هي التوجّه نحو الله في داخل النفس خلال أوقات طويلة مع ترديد صلاة قصيرة يصاحبه إيقاع تنفسي.
إن الصلاة الصامتة الطويلة، إن لم تكن تأملاً بل مجرد نظر محب موجه نحو الله، تواجه حتماً مسألة تشتت الأفكار. فلقد سمعنا كسيانوس يوصي بالصلوات القصيرة "الموجه نحو الله" أثناء الصلاة الطويلة. وكذلك سمعنا الأخ لوران يذكر أنه يمارسها هو الآخر خلال فترات الصلاة الصامتة الطويلة كما تمارس في الكرمل. من الأكيد أن التوجّه إلى الداخل بشدة يُبعد تشتت الأفكار، ولكن لوقت ما فقط. لأننا لا نستطيع بسهولة أن نثبّت مدة طويلة توجهنا نحو الداخل بنفس درجة الشدة.
فنستطيع إذن أن نعتبر الصلاة الصامتة الطويلة مثل تناوب بين أوقات التوجه الشديد نحو الله الموجود في الداخل وبين أوقات تجتذبنا فيها التشتتات والتخيلات، بصورة غير إرادية، إلى خارج صحبة الله. وعندما نحس بهذا التشتت نعود في الحال للتوجه نحو الله بشدة. وهذا ما كان يمارسه الأخ لوران القيامة الكرملي.
ولكن نستطيع أيضاً ممارسة الطريقة التي استعملها الروم، اليونان والروس، منذ القرن 13 أو 14 ألا وهي جمع العناصر الثلاثة التي ذكرناها أعلاه، أي التوجّه نحو الله في الداخل وترديد عبارات قصيرة والإيقاع التنفسي. فإن ترديد صلاة قصيرة مقترنة بإيقاع تنفسي يساعد كثيراً على أن يبقى الانتباه إلى الله في الداخل شديداً، وذلك دون جهود قوية. والاتحاد بين هذه العناصر الثلاثة هي الميزة الرئيسية لما يُسمى "صلاة يسوع" كما يفهمها البيزنطيون، اليونان والروس. غير أن هذه العناصر الثلاثة لا تحظى بنفس درجة الأهمية. وفي الحقيقة فإن جمعها في "صلاة يسوع" البيزنطية هو الثمرة الحديثة نوعاً ما لالتقاء عدة تقاليد كانت في البداية مستقلة. فأقدمها هو الدعوة المستمرة لله، ثم جاء بعده العنصر الأهم ألا وهو الانتباه إلى الداخل، وأخيراً ضبط التنفس الذي هو أكثر حداثة. ومن الناحية العملية سنرى أن معلمي الصلاة البيزنطية الحاليين يعالجون هذه العناصر بشيء من الحرية، ماعدا مبدأ الانتباه إلى الداخل الذي هو العنصر الأساسي وإن كانوا في تعليمهم لممارسة هذه الصلاة لا يبدءون به.
لقد تكلمنا أعلاه عن ترديد صلاة قصيرة عند الرهبان الأولين، ورأينا أن اختيار كلمات هذه الصلاة كان شيئاً متروكاً للمصلي نفسه. ولكن منذ نهاية القرن 13 ظهرت عبارة تفرض نفسها تدريجياً عند اليونان والروس ألا وهي: "أيها الرب يسوع المسيح، ابن الله، ارحمني". ثم أضيف إلى هذه العبارة كلمات "أنا الخاطئ" أما في أيامنا هذه فإن معلمي صلاة يسوع يتصرفون من جديد بمطاطية وحرية عند اختيارهم العبارة المراد ترديدها.
لقد علّم بعض اللاهوتيين البيزنطيين المعاصرين (أمثال سرج بولكاكوف) أن لفظ اسم يسوع يجعل هذا الأخير حاضراً حقيقة معنا (وذلك نوعاً ما، على مثال االكلمات الطقسية التي تحقق، في سر المعمودية والإفخارستيا، ما تشير إليه). إننا، دون أن نتكلم هنا عن سببية متشابهة لسببية الأسرار، لا نستطيع نكران أن دعوة أي كائن محبوب باسمه تجعله حاضراً في النفس بطريقة ما، مهما كانت نوعية هذه االسببية.


لنتكلم الآن عن العنصر الثالث أي عن ضبط التنفس:
عن إشراك ضبط التنفس مع الصلاة القلبية (ترديد عبارة والانتباه إلى الداخل) لم يظهر إلا في القرن 13، وذلك في جبل آثوس وهو جزيرة قرب ساحل اليونان الشرقي).
وقبل هذا التاريخ يبدو أن الإشارة إلى التنفس بخصوص الصلاة عامة لم يكن إلا نوعاً من المقارنة. فمثلاً في هذه الجملة ليوحنا السُلمي، في القرن السابع: "السكينة عبادة وخدمة متواصلة لله. فليكن ذكر يسوع مرافقاً لتنفسك، وعند ذاك تفهم فائدة السكينة" فمرافقة ذكر يسوع للتنفس تعني هنا فقط كون هذا الذكر مستمراً وطبيعياً مثل التنفس. ومهما يكن من الأمر، فالجدير بالملاحظة أن هذا النص يقدّم لنا بخصوص الصلاة، استعمالاً حياً لرمز التنفس. وهذا الاستعمال الرمزي الطبيعي سيكون الأساس الرئيسي لممارسة ضبط التنفس عند البيزنطيين.
إننا نجد رمز التنفس في صدد الصلاة المستمرة عند سهدونا أيضاً، كما في النص التالي:
"قد يلازم روح الله قلبنا أكثر من كون الهواء الحسي قريباً من تنفس حواسنا الخارجية. وسينفخ ذكره في قلبنا في كل لحظة، وسيجعل ظهوره فينا يرافق تفكيرنا الدائم فيه. وسيغذي نفوسنا كما أن الهواء يغذي أجسادنا… "وكما أن الجسد إذا مُنع من التنفس يموت وتتركه حيويته، هكذا النفس إذا مُنعت روحها من ذكر الله فإنها تموت للحياة الحقة ويتركها روح النعمة القدوس الذي كانت قد اجتذبته واستنشقته في المعمودية.
"لذا فعلينا أن نفتح فمنا نحو الله في كل وقت وأن نستنشق روح نعمته الذي يغذي نفسنا بذكره. وهكذا، سيستديم عندنا اكثر من التنفس الخارجي. فكما قال أحد القديسين: "ليكن ذكر الله مستديماً فيك أكثر من تنفسك" (من كتاب الكمال.57:3)
إن إشراك ضبط التنفس بصلاة القلب لم يظهر، كما قلنا، قبل القرن 13. ولكن لا نجد من البداية اتفاقاً على تفاصيل هذه الممارسة. ولنضف إلى ذلك أن أهم النصوص هي نفسها غير واضحة من هذه الناحية. فنجد أولاً مجرد إبطاء إرادي للتنفس. ولكن ليس من الواضح، في أقدم النصوص على الأقل، إذا كان هذا الإبطاء يرافقه ترديد عبارة معينة. فعند نيكيفورس (القرن13) مثلاً يبدو أن إبطاء التنفس يترافق مع الانتباه إلى الداخل، ولكن قد لا يكونان إلا مجرد تهيئة تسبق الدعوة المستمرة لاسم يسوع.
وبالنسبة إلى غريغوريوس بالاماس (النصف الأول للقرن الرابع عشر) فإن إبطاء التنفس يساعد تركيز الذهن. وينصح، لتقوية هذا المفعول، ربط التنفس البطيء بموقف دائري للجسد وبتوجيه الانتباه إلى مكان الصدر . ولكن يظهر أن غريغوريوس السيناوي (القرن 13و14) يعلم المزامنة بين التنفس وتكرار الدعاء، وهذا الأخير يتم في وقت تعليق النفس (بين زفير وشهيق جديد). وفي نهاية القرن الرابع عشر يقترح الراهبان كاليكتوس وأغناطيوس نوعاً من التزامن المتراكب. فيوصيان المصلي أن ترافق كلمات "أيها الرب يسوع المسيح ابن الله" الشهيق. وبهذه الكلمات تندفع الروح نحو من ندعوه باسمه، وعند عبارة "ارحمني" تتوجه الروح نحو نفسها بتواضع (ويبدو أنه يتم ذلك عند الزفير، ولكن النص ليس واضحاً). ويضيفان أن المتقدمين يستطيعون اختصار الجملة إلى جزئها الأول فقط أو إلى مجرد اسم يسوع.
وفي القرن 18 يعلّم نيقوديموس النكساوي ان الجملة يجب أن تقال في وقت تعليق النفس. أما المدرسة الروحانية الروسية الحديثة فإنها تعالج ضبط التنفس بحرية، كما في هذا النص لأغناطيوس بريانتشانينوف في القرن 19:
"عندما تردد "أيها الرب يسوع المسيح ابن الله، ارحمني أنا الخاطئ"، عليك أن تنظر إلى عمق قلبك، وأن تسكت عن الأفكار، وأنت واقف أو جالس، أو متمدد إذا كانت صحتك ضعيفة، وتتنفس بطيئاً جداً…"
غير أن السائح الروسي (في نهاية القرن 19) قد مارس طريقة أكثر تراكباً فيقول: "كنت أستنشق الهواء وأحتفظ به في صدري وأنا أنظر بعين الروح إلى داخل قلبي قائلاً: "أيها الرب يسوع المسيح" ثم أزفر الهواء قائلاً: "ارحمني أنا الخاطئ".
هذه كانت بعض المعلومات من بين معلومات أخرى كثيرة. لقد ذكرناها للإشارة أولاً إلى استمرار طريقة ضبط التنفس في ممارسة صلاة القلب عند قديسين شرقيين خلال 7 قرون، وثانياً للإشارة إلى المطاطية التي تتسم بها هذه الممارسة.
هنا، في الشرق، يمارس بعض المؤمنين الصلاة القلبية بالطريقة التالية: الجزء الأول من الجملة (مهما تكن هذه الجملة) يقال مع الشهيق وجزأها الثاني مع الزفير ثم تأتي فترة استراحة دون تنفس أو كلام، فيها تضم الروح نفسها إلى صدر الله في الداخل. ولكل مرحلة من هذه المراحل الثلاث نفس الطول الزمني. ويتم تعاقب هذه المراحل بصورة بطيئة نوعاً ما بحيث يكون مثلاً طول كل مرحلة ثلاث ثوان أو أربعة. وبالطبع تكون عيوننا مغمضة و "نظرها" موجهاً إلى داخل الصدر؛ كما أن على الجملة المختارة أن تعبّر بأحسن وجه ممكن عن علاقاتنا الشخصية مع الله، وقد تكون قصيرة جداً مثل "الله/ يا إلهي" أو "يا يسوع / يا فرحي" … الخ.
تاسعاً: الصلاة القلبية لقاء
إن الصلاة عامة ليست فقط طلب معونة أو تأملاً ومراجعة حياة أمام الله أو حتى مذيعاً أو شكراً، بل يجب أن تكون في عمق ذلك كله اتصالاً شخصياً حياً بالإله الحي. ومثل هذا الاتصال سيتم عن طريق النظر أو الانضمام إلى صدر الله أكثر منه عن طريق الأفكار، وإن كان هذا الاتصال يفترض معرفة كافية بمن هو الله ولما هي أعماله الخلاصية بيسوع المسيح. والصلاة القلبية هي طريق قصير ومباشر ليتحقق مثل هذا الاتصال أو مثل هذا اللقاء.
لقد كلمنا يوحنا الدالياتي عن مراحل طريق الصلاة القلبية، وهذه المراحل هي في الحقيقة درجات في التقدم نحو اللقاء مع الإله الحي. فبعد صعوبات بدء المسير في هذا الطريق يأتي اختبار سلام عميق، ثم اختبار شعاع كوكب الصبح، أي المسيح القائم، في نور مثل نور الفجر (راجع 2بط 19:1). وفي أماكن يذكر يوحنا الدالياتي أن ذلك السلام العميق يصبح رويداً رويداً حرارة منيرة، قبل إشراق كوكب الصبح في القلب فيقول: "طوبى لمن يبحث عنك في داخله لأن قلبه يتقد بنارك" (الرسالة.52:2)؛ و "أعط مادة لنار يسوع (أي بالنظر إليه في داخلك) وعلى نور هذه النار، سترى طهارة نفسك وسترى حسن وجه الحبيب يشرق فيها" (الرسالة 8:15): أي سترى أعماق كيانك قد أصبحت شفافة وفيها ستشاهد شعاع مجد الله على وجه المسيح (راجع 2قورنتس.6:4 ، أعلاه ص2).
كيف تُشرح الأشكال التي تتخذها هذه المراحل أي السلام والحرارة والنور؟ إن الإنسان هو مثل جبل جزئه الأكبر مغطي بالبحر بحيث لا نرى منه إلا جزءاً صغيراً خارجياً. وهذا الجزء الأخير يمثّل ما يعرفه الإنسان عن نفسه وعن العالم، أي حياته الشعورية. غير أن الجزء الأهم والأعمق في كيان الإنسان يفلت من شعوره. ففي عمق أعماقنا يسكن الله نفسه. ولكننا مع الأسف اعتدنا على العيش نحو الخارج، العيش على سطح البحر، على سطح ذواتنا غير أننا عن طريق الممارسة المنتظمة للصلاة القلبية نتعلم أن نتوجه أيضاً نحو الداخل، وما كان غائصاً في اللاشعور يصبح شيئاً فشيئاً محسوساً. فمراحل الصلاة القلبية التي ذكرناها تطابق درجات متتابعة من نزول مستوى الوعي نحو أعماق كياننا، وبالتالي نحو اتصال أقوى بشعاع مجد المسيح المنبعث الحي فينا.




الشعور سطح البحر
----------------------------- السلام
----------------------------- الحرارة
----------------------------- النور
اللاشعور العمق
كوكب الصبح المسيح المنبعث

إننا نعيش أكثر مما يجب على سطح أنفسنا. فالصلاة القلبية ستضمن توازناً بين الخارج والداخل. وأكثر من ذلك فإنها ستضمن تعاملاً بين الداخل والخارج بحيث أن الحياة نفسها ستتم بخبرتنا الروحانية لحضور الإله الحي فينا.











أهم المراجع التي تخدم هذا المقال
1) يوحنا السلمي, السلم إلى الله, تعريب رهبنة مارجرجس الحرف, آباء الكنيسة (3) الطبعة الثانية, منشورات النور 1979.
2) اسحق السرياني نسكيات,نقله الى العربية الأب اسحق عطالله بالتعاون مع معهد القديس يوحنا الدمشقي اللاهوتي في البلمند آباء الكنيسة(7), منشورات النور1983.
3) الحرب اللامنظورة, نقله إلى العربية الأب منيف حمصي الطبعة الأولى 1991.
4) الشيخ الروحاني يوحنا الدلياتي, مجموعة الرسائل الروحية, نقلها عن السريانية وقدم لها الأب سليم دَكاش اليسوعي, دار المشرق بيروت 21992.
5) اختبار الحضور الإلهي, للراهب لورانس, ترجمة احدي الراهبات, لوجوس سنتر1996
6) Dizianario di Mistica, Cittą del. Vaticano 1989.
7) THOMAS ŠPIDLĶK, La spiritualitą dell’Oriente cristiano, Ed Orientalia Christiana 1978.
8) La Preghiera, Bibbia, Teologia, Esperienza Storiche, vol I-II, Cittą Nuova 1988.


As we add new product lines, we may add additional pages to our site.

For example, if we sold sporting goods, we might include the following product lines:

Outdoor Goods
Indoor Goods
Water Activities

This month's special:

Product 1 (#2311)

zencomputers.jpg

الموقع من تصميم /اليفاز