Make your own free website on Tripod.com
hawet almasehe
Home
alasor alwosta
altagsd we taaseroh
althaloth we alalakat alagtmaia
alsalah end treesa
hawet almasehe
smile
drast klmat allah
hawet almasehe
alhabl bla dans
aldlil alrohy
alhob(the love)
alsalah alkalbia
hdor alah alaeem
alalmanieon
alfarah fe alktab almokads
almahba byn alfalsafa we alwegood
abona (aghstinos)


كتاب هوّية المسيحيّ
المقدمة

ينمو الإنسان الطّبيعي دائماً، أمَّا الإنسان الذّي لا ينمو، فإنه لا يتوقف فقط عن النمو بل يرجع إلى الوراء، مثل الزّرع الذي لا ينمو ومن ثمَّ يموت، فالشّجرة التّي تنمو تكبر وتأتي بثمر يستفيد منه النّاس، أمّا الشّجرة التّي تتوقّف عن النّمو تذبل ولا تثمر، هكذا الحياة الرّوحّية، فكما أنَّ الشّجرة عندما تنمو تُخِرجُ ثمراً يأكل الناس منه، هكذا الإنسان الروّحيّ عندما ينمو يستفيد منه الآخرون. وقد قيل عن السيد المسيح له المجد إنه : " كان يتقدم في الحكمة والقامة والنعمة عند الله والناس"(لو 52:2) ونفس الكلام قيل عن يوحنا المعمدان وقيل عن موسى: "بالإيمان موسى لما كَبر أبى أن يكون ابن ابنة فرعون مُفضلاً بالأحرى أن يُذل مع شعب الله على أن يكون له تمّتع وقتيّ بالخطية حاسباً عاَر المسيح غنيً أعظمَ مِن خزائن مصر لأنَّه كان ينظر إلى المجازاة" (عبر 23:11-26).
فالنّمو هو سمة الحياة، ولا حياة روحّية مثمرة ذات تأثير على الآخرين بدون نمو، فالنّمو صفة مِن صفات الحياة، لكلّ كائن حيّ سواء كان إنساناً أو حيواناً أو نباتاً. وفي الطّب عندما يُولَدُ طفلُ ناقص النّمو (أقل من الطبيعي) يُحكَمُ عليه بعدم القدرة على النّمو، وهذا الطّفل نجده بعد أربعة سنوات بطول طفل عمر سنة واحدة، وذلك لأنَّ هذا الطّفل متوقِّف عن النّمو. وهناك فرق بين شخص متأخّر عن النمّو وآخر متوقِّف عن النمو.
أودُّ في هذا الكتاب الحديث عن هوّية الشّخص المسيحّي المولود مِن فوق عن طريق المعموديّة (بالماء والروح)، وكيفّية نمو هذه النعمة الفائقة الطّبيعة والوسائل الفعَّالة والإيجابيّة التّي تساعد على هذا النموّ، متجّنباً الحديث السّلبّي عن الأسباب التّي تعوق اكتشاف الشخّص المسيحّي لهوّيته، والمصاعب والعراقيل التي تحول دون هذا النمو، على سبيل المثال : المشغوليّة، والخطيئة، والانقسامات، وشكليّة العبادة ...الخ. وكذلك لن أتحّدث عن الطّريق النسُّكيّ الذي يجب أن يسلكه المسيحيُّ في طريق عَدْوِهِ نحو النمّو مؤجِّلاً ذلك إلى كتاب آخر. في الفصل الأولّ من هذا الكتاب سأتحدث عن أصول وجذور وهوّية المؤمن ومظاهر فقدانها. وفي الفصل الثّاني سأعرض فكرة عن النمّو وشواهد النمّو الروحيّ في حياة يسوع وأمثاله وكذلك حياة القديس بولس والمراحل المختلفة لمسيرة الكنيسة وكذلك بالتطّابق مع مسيرة شعب الله في سفر الخروج. ويأتي الفصل الثالث، لنستعرض فيه الوسائل الفعّالة، التي تساعدنا على تجلّي الهوّية الحقيقيّة للمؤمن. والعمل على نموها، وذلك، من خلال الأسرار، حيث تتجلىّ مفاعيل سّر المعموديّة في حياة المؤمن، وخاصة بذور الهويّة الرّوحيّة، والتي يجب أن تنمو بالإصغاء إلى كلام الله عن طريق الكتاب المقدس، وتتغذى بسر الإفخارستيّا لكي تنمو، ويتُّم تحرير هذه الهويّة عن طريق مسيرة التّوبة والمصالحة، وترتوي عن طريق الصّلاة الفرديّة والصّلاة الليتورجيّا، وتُعضّد وتُسند بالفضائل الإلهيّة، التي هي الإيمان والرجّاء والمحّبة، وتحتاج إلى المرافقة الرّوحيّة والإرشاد عن طريق أب الاعتراف، وتأخذ قوّتها وضمانها من المحبّة البنويّة للعذراء مريم وإكرامها، وكلّما تدرَّب المؤمن على الخدمة والتضّحيّة والأمانة كلَّما نَمَتْ بذرتُهُ التي زرعها الرّوح في أعماقه، لكي يكبر وينمو ويأتي بثمر. ونصل إلى الفصل الراّبع والذي يقدِّم أضواء على مسيرة النموّ الرّوحيّ في حياة الفرد واضعين خط النمّو البيولوجيّ والنّفسّي وبجوار خطوط النّمّو الرّوحّي لكلِّ مرحلة من مراحل عمر الإنسان (من سن 1-18، ومن 18-25، ومن 25- 45، ومن 45-65، ومن 65- 80) وبعد ذلك نقدمِّ بعض الملحوظات الهامّة لترافق مثل هذه المسيرة الرّوحّية، أهمّها مسيرة الارتقاء نحو الاتحّاد بالله موضّحين المراحل الثّلاثة الهامّة في طريق الاتحّاد بالله. وبدون شكّ نستعين باختبار القديس يوحنِّا الصّليبيّ في هذا المضمار. ونصل في النهّاية إلى خاتمة تُذكرنا نوعاً ما بما استطعنا أن نحيط به في هذه المسيرة وخاصّة الوسائل الرّوحّية التي تساعد على نموّ الهويّة الروّحيّة.

الفصل الأوّل
هويّة المسيحيّ والنموّ الجماعي والشخصي

أوّلاً: الهويّة المسيحّية

الموضوع الذي نريد أن نتناوله في هذا الكتاب هو "هويّة المسيحي"، بمعنى تقديم البطاقة الشخّصّية للمسيحيّ، لكي يعرف هويّته شخصيته الأساسيّة. فحينما يفقدُ الإنسان هويّته، يفقد معها معرفته بأصوله وجذوره أي ماضيه، وبالتاّلي يصبح حاضره مشوشاً متخبّطاً لا معنى له ولا طعم. وإذا كان حال الحاضر هكذا فكم بالأحرى يكون المستقبل ؟ أظن أنّه لن يكون هناك وجود له على الإطلاق. إن إنسان هذا العصر يعيش حياة التخبّط، غير مدرك لجذوره العميقة، غير واعٍ لتصرفاته في الحياة. يشعر بأن لا مستقبل له حيث لا أمل، ولا رجاء… إنسان يعيش خبرة كهذه : كيف تكون حياته؟ وما شكلها ؟
لهذا السبّب أريد أن أذكّر المسيحيّ بهويّته حتّى يرجع إلى ذاته، ويكتشفها، بل ويعيشها بقناعة وإيمان وحب ورجاء، ليكون شاهداً لحقيقة يجهلها البعض بسبب فقدان الهويّة، ممّا أتاح الفرصة للبعض أن يطالبوا المسيحية بالانسحاب من الوجود، لأنّها صارت في حالة إفلاس، ولم يَعَدْ لديها ما تقدِّمه لإنسان هذا العصر، فعليها أن تُغلق كنائسها أو محوّلةً إيّاها إلى متاحف، واضعةً كتابها المقدس مع المخطوطات الأثريّة، كسائر الكتب الأخرى التي طواها الزّمُن جانباً، إنّه لمِنْ الأفضل للمسيّحية، أن تترك السّاحة أو الميدان لغيرها من الأديان القادرة أن تقدّم شيئاً ما لإنسان هذا القرن، الذي يعيش في أزمة أقضت به إلى اغترابات مختلفة.
وأريد أن أوضّح ذلك مْن خلال قصة صغيرة : في أحد الأيام وَجَد فلاّح نسراً صغيراً على الأرض يئنّ بين حيّ وميّت. فتأثَّر لحاله وأخذته الشّفقة، فَحَمَله إلى بيته واعتنى به. وحين استعاد صغير النّسر عافّيُته، وضعه الفلاّح في عشّ الدجّاج ليعيش معها. ثلاثُ سنوات مضت، والنسّر في العش يلتقط الحَبّ بمنقاره المعقوف طوال النهّار، ويرفع رأسه عالياً حين يشرب الماء. وكان يهاب الديّك، كونه سيد العش. بالّرغم من جناحيه القويّين ومخالبه الحادّة. فيطأطئ رأسه حين يمرّ أمام الديّك. ويحثّ الخطى إلى زاوية آمنة.
وروي الفلاّح قصّة النسّر على صديقه العالِم وأنهاها بقوله: " لقد أحببّتُ هذا النسّر كثيراً، فحوّلت طباعه إلى طباع دجاجة لكي يبقى عندي آمناً، يأكل ويشرب من دون عناء ".
لم يَقْبَل العالِم هذا الكلام، وأصرّ على أنّه من المحال أن يتحوّل نسر إلى دجاجة أبدأً. واحتدّ الجدال بين الاثنين، فعقدا الرَّهان على أن يبذل العالِم جهده ليعُيد إلى الجارح ما فقد، وينسيه ما اكتسب. ودخل العالِم في اليوم التّالي إلى عش الدجّاج، وأخرج النّسر وأمسكه بين راحتيه، ورفعه نحو السّماء وقال: " أنت نسر، ملك السمّاء. مدّ جناحيك وطِْر ثم قذفه نحو الأعلى، لكنَّ النّسر لم يعرف كيف يستخدم جناحيه، فسقط على الأرض، وصرخ من الذُّعر، وجرى ليختبئ داخل العش، وهو يرتعد خوفاً. وبعد يومين، أخذ العالِم النسّر إلى الحقول البعيدة، وأعاد الكرّة. لكنَّ النسر سَقَط ثانيةً على الأرض، وتعفّر ريشُهُ بالتُّراب، وركض هارباً من العالم، تارةً نحو اليمين وأخرى نحو اليسار، على طريقة الّدجاج.
وأخذ العالِم النّسر بعد أسبوع إلى قمّة جبل عالٍ، ووقف على حافّة الهاوية، وأمسك الّطائر كما فعل في المرّات السّابقة وصاح به: " أنت نسر، ومكانك في السمّاء، في الأعالي. لأجل هذا ولِدتَ وفي سبيله تموت، فطِر عزيزاً أو مُتْ كريماً بطلاً. ورماه من أعلى: فرفرف النسّر بجناحيه هلعاً، وقوّس ظهره مقرّباً ذيله من رجليه استعداداً لملامسة الأرض. لكن الفجوة كانت عميقة. فأعاد النسّر إلى ظهره استقامته، وضرب الهواء بجناحيه الكبيرين، فكفّ عن السّقوط. وصفّق ثانيةّ، فارتفع نحو الأعلى. مكرّراً حركاته فطار، عندئذ صرخ صرخَة ردّد الوادي صداها، ودار في الفضاء دورتين، ثم توجّه نحو القرية، وانقضّ على عش الدجّاج حيث كان. فرأي من عليائه الدجَاجات تنقر الحبّ بهدوء. وحين اقترب منها، رآه الدّيك منقضاً، فهرب والدجّاجات خلفه، واختبأوا في زوايا العش المظلمة. فضرب النّسر الهواء بجناحيه وارتفع. وعاد إلى الانقضاض ثمّ الارتفاع مرّتين. وفي المرّة الثّالثة، صَرَخَ صرخةً عظيمةً اجتاز بها الغيوم، ولم يَره أحد منذ ذلك الحين.

تقديم الموضوع: يتكوّن موضوعنا من:

أولاً - أصول وجذور هوَّية المؤمن
ثانياً - هوَّية ناضجة
- معرفة سامية
- ملء الله
- مظاهر فقدان الهوَّية
- الخلاصة
أصولَ وجذورّ هويّة المؤمن
لاكتشاف هذه الهويّة، لابُدَّ لنا مِن وقفة عميقة لبعض الأحداث التي تُعْبَرُ عن محطات أساسّية في تاريخ الخلاص.
1) قصة الخلق التي من خلالها نكتشف جذوَر الإنسان: لأنَّ الخلق هو فيضَ من محبَّة الله الثالوث، ونتيجة للحبَّ المُتَبَادَل بين الآب والابن والروح القدس. وفي الخلق تتجلّى هويّة الإنسان من حيث إنّه كائن حيّ عاقلّ، ناطقَ، حَّر ومُريد، لقد خُلق الإنسان على صورة الله في الحبّ والبرّ والقداسة، ويمكن القول أيضاً بإنّه على صورة الابن الوحيد يسوع المسيح، ونستطيع أن نكتشف أيضاً هويّة الإنسان من خلال هذه الآية: " ثم جبل الرّبُّ الإله آدمَ من تراب الأرض ونفخ في أنفه نسمة حياة فصار آدم نفساً حية" ( تك 7:2 ) تتضمّن عبارة "من تراب الأرض" أنه ليس ثمة شيء ممّيز في المواد الكيميائيّة التيّ صُنعنا منها، فهي طين وماء والقليل من البروتين، فليس ثمّة شيء كثير في أجسادنا الطبّيعية. فما الجسد إلاّ شكلٌ خارجيّ لا حياة فيه، إلاّ عندما ينفخ الله فيه "نسمة حياة" وعندما يسترد الله هذه النَّسمة الواهبة للحياة، ترجع أجسادنا مرةً أخرى إلى التُّراب. وعليه فإّن حياة الإنسان وقيمته هما من روح الله. وهذا يُبّين بصورة واضحة حاجَتنا الدَّائمة إلى الله. وعندما نبحث عن معنى كلمة " نَفَخَ" المذكورة هنا، لا نظن تلك النفّخة الخارجيّة التيّ تخرج من فم الشَّخص. هذه النفخة تخرج من أعماق الله لتعبِّر عن كيانه، وإذا جاز التعّبير أقول إنَّ هذه النفخة هي جزء من كيان الله وضعه في الإنسان. أو أن بهذا المعنى يصبح الإنسان جزءاً من كيان الله، ويستمد الإنسان وجوده وحياته من الله. ولا يستريح الإنسان إلاّ في كيان الله. فالإنسان خَرَجَ من كيان الله، وبعد مسيرة الحياة، لا يرتاح، ولا يجد مكانه، إلاَّ في قلبِ الله. الأمر الذي حمل الأديبَ اللبنانيَّ جبران خليل جبران في كتاب النبي ليقول: لا تقلْ إنَّ الله في قلبيّ بل قُلْ إني في قلب الله.
أكبر هوّية للشّخص البشريّ تكمن في هذه الدَّعوة وهي دعُوة الحوار مع الله ، دعوُة الشَّركة مع الله (راجع1م1:1 –6 ) وهذا ما أكّده أيضاً المجمع الفاتيكانيّ الثّاني.

بقوله " إن أسمى مظاهر كرامة الإنسان تتمثّل في دعوته للاشتراك في حياة الله. وقد وجه الله هذه الدعّوة للإنسان في الحوار منذ بدء الخليقة . إذ إن الإنسان قد وُجدَ لأنَّ الله قد خَلَقَهُ بالحبّ، وبنفس الحبّ يستمر في منحه الوجود. والإنسان لا يعيش مَلَء حياته وفقِ الحقيقة إلاّ إذا عَرَفَ هذا الحبَّ بحريته، واضعاً نفَسُه بين يديَّ خالقه. لكنَّ الكثيرين منْ معاصرينا لا يشعرون بهذه النِّعمة، بل ينكرون علناً هذه العَلاقة التي تربط الإنسان بالله، إلي حدّ أصبح معه الإلحاد آفة من آفات زمننا تستحق البحث باهتمامّ كبير " دستور راعوي " الكنيسة في العالم المعاصر " رقم 19 فالإنسان بطبيعته وبفطرته لا يستطيع أن يجد له مُسْتَقرًّا إلا في قلبِ الله. كما أنّه لا يجد لذاته هويّة تمّيزه إلاّ في عَلاقته بالله.
الإنسان مخلوقَ على صورة الله: "فخلق الله الإنسان على صورته، على صورة الله خَلَقَه ذكراً وأنثى خلقهم" تك 27:1، وبالتّالي صورةُ الله مطبوعةَ في الخليقة، وقد وقعت تحت الظّل أو صارت محتجبةً بسبب الخطيئة.
" ذلك البرّ الذّي يمنُحُه الله على أساس الإيمان بيسوعَ المسيح لجميع الذّين يؤمنون. إذ لا فرقَ، لأنّ الجميع قد أخطأوا، وهَم عاجزون عن بلوغ ما يمجّد الله فهم مبرّرون مجاناً، بنعمته بالفداء بالمسيح بيسوع الذي قدَّمه الله كفارةً، عن طريق الإيمان، وذلك بدّمه" (رو 22:3-25).
" ولهذا فكما دخلت الخطيئة إلى العالم على يد إنسان واحد، وبدخول الخطيئة دخول الموت، هكذا جاز الموت على جميع البشر لأنَّهم جميعاً أخطأوا" (روم 12:5
2) بحضور المسيح وموته وقيامته: أعاد الآب خَلْقَ الإنسان من جديد "فإنّه إذا كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة: إنّ الأشياء القديمة قد زالت، وها كلُّ شيء قد صار جديداًُ" (2كو 17:5). أعاد المسيح إصلاح وتجديد وخلق الإنسان مرةً أخرى، بل يمكننا أن نقول أن المسيح أعطى للإنسان لمعاناً وجمالاً أكثر ممّا كان عليه قبل الخطيئة. حيث نستطيع أن نقول : " أنّ عمل المسيح الفدائيّ جعل الصورة والأصل قريبين في حياة الإنسان. فقد أظهر صورة الله الكامنة في الإنسان، وهكذا صار الإنسان على صورة خالقه ابن الله" .
" لأنّ الذّين سَبَقَ فعرفهم، سبق فعينهم أيضاً ليكونوا مشابهين صورة ابنه ليكون هو البكر بين أخوة كثيرين" رو 29:8.
" إنّ هدف الله النهّائيّ لنا هو أنّ يجعلنا مثل المسيح "أيُّها الأحباء، نحن الآن أولاد الله. ولا نَعْلَم حتىَّ الآن ماذا سنكون، لكنَّنا نعلّم أنّه متى أظْهِرَ المسيحُ، سنكون مثله، لأننَّا سنراه عندئذٍ كما هو" (1يو 2:3).
وعندما نزداد شبهاً به نكتشف ذواتنا على حقيقتها، الصورة التي خُلْقنا لنكون عليها. إنّ قيمتنا الذّاتّية كمؤمنين، مبنيّة على حقيقة الله محبّة الذي ويدعونا أبناء له. فنحن أبناؤه الآن وليس فيما بعد في المستقبل البعيد فقط، إنَّ معرفتنا أننّا أبناء الله تشجّعنا على أن نحيا مثل يسوع، الحياة المسيحيّة هي عملية الزيادة في التّشبّه بالمسيح، ولن تكتمل هذه العمليّة إلاّ حين نراه وجهاً لوجه.
" ونحن الآن ننظر إلى الأمور من خلال زجاج قاتم فنراها بغموض. إلاَّ أنّنا سنراها أخيراً مواجهةً. الآن أعرف معرفةً جزئيةً. ولكنّني عندئذٍ، سأعرف مثلما عُرفت" (1كور 12:3)
"الّذي سيحول له جسدنا الوضيع إلى صورة مطابقة لجسده المجيد، وفقاً لعمل قدرته على إخضاع كلِّ شيء لنفسه" (فيل 21:3).
لكن معرفتنا بأّن هذا هو هدفنا الأسمى تدفعنا أن نحيا الحياة الّتي تزداد كلّ يوم تشبُّهاً بالمسيح. ويتحّدث بولس الرسول قائلاً: " ونحن جميعاً ناظرين مجد الرب بوجه مكشوف كما في مرآة نتغير إلى تلك الصورة عينها من مجد إلى مجد كما من الرب الروح " (2كو 18:3).
إنّ المؤمنين هم رسالة المسيح التي يعرفها ويقرأها جميع البشر، كلُّ المؤمنين يتأمّلون ويعكسون، كمرآة، مجَد الله أو مجد المسيح. " الذين فيهم إله هذا الدهر أعمى أذهان غير المؤمنين لئلا تُضيء لهم إنارة إنجيل المسيح الذي هو صورة الله" (2كو 4:4)
المسيح هو صورة الله. أولاً كإنسان مثل جميع الناس، ثمّ كصورة الله النمّوذجيّة ونستعمل عبارة واحدة لندل بها على ناسوته ولاهوته. وهنا نجد أنّ الفكرة العظيمة التيّ أراد القديس بولس أن يبرزها ويؤكّدها هي أنّنا في يسوع المسيح نرى الله. قال يسوع: "الذي رآني فقد رأى الآب" (يو 9:14). عندما كان بولس يكرز لم يكن يقول: "انظروا إليّ". ولكنه كان يقول: "انظروا إلى يسوع المسيح" وفيه سترون مجد الله وقد أتى إلى الأرض في صورة يستطيع الإنسان أن يراها ويفهمها،فالمسيح هو أيقونة الآب، وهو الذي يعكس حقيقة الآب. وهكذا المؤمن هو أيقونة المسيح، حيث يعكس حقيقة المسيح للعالم.
يتحوّل المؤمن إلى شخص المسيح، ويَدُلُّ هذا التحّوّل على امتلاك "شكل" جديد هو نتيجة ثباته في المجد، حيث إن الله يفيض ويفيض ذاته. من هذه الوجهة يصبح المجد قريباً من الصّورة (أيقونة) التيّ تنطبق على المسيح فتعبّر عن كيانه (إنّه ملء صورة الله وكمالها) ووظيفته (إنه الواقع الذي يكشف الله للإنسان). والتحوّل الّذي موضوعه المؤمنون هو بداية تطّور سيحدّد مسيرته." لذلك لا نفشل بل وإن كان إنساننا الخارج يفنى فالداخل يتجِّد يوماً فيوماً. لأن خفة ضيقتنا الوقتية تُنشىُّ لنا أكثر فأكثر ثقل مجد أبدياً ونحن غير ناظرين إلى الأشياء التي تُرى بل إلى التي لا تُرى. لأنّ التي تُرى وقتية وأمَّا التي لا ترى فأبدية"( 2كور 16:4-18)
الإنسان الخارجيّ (الظّاهر) ينحطّ ،ويسير نحو الفساد، والإنسان الدّاخليّ (الباطنيّ) يتجدّد يوماً بعد يوم. حين زاد بولس "من مجد إلى مجد"، فقد عبّر عن تحوّل متدرّج يربطنا بالمعموديّة "فدُفنا معه بالمعمودية للموت حتى كما أُقيم المسيح من الأموات بمجد الآب هكذا نسلُكُ نحنُ أيضاً في جدة الحيوة. لأنَّهُ إن كنا قد صرنا متحدين معه بشبه موته نصيرُ أيضاً بقيامته عالمين هذا أنَّ إنساناً العتيق قد صُلب معه لبطل جسد الخطية كي لاَ نَعُودَ نُستعبد أيضاً للخطيَّةِ" (روم 4:6-6) أو بالعشاء السّريّ، فكلّ احتفال إفخارستيّ يربط المؤمن بمجد ذلك الذّي لا يُعطى ما يملك فقط بل يعطي في الوقت ذاته كيانه بعد أن بَذَلَه من أجلنا.
هوية ناضجة
توجد علاقة أكيدة بين دعوة المسيحيّ وهويتّه الجديدة، فمَنْ ُيْقَبلُ شخصَ المسيح في حياتِهِ يمنحه هويّةً جديدةً هويّةً ناضجةً في الحبّ والحياة، وهذا ما نفهمه من الشّاهد السّابق ومِن صلاة القديس بولس:"بسبب هذا أَحني ركبتي لدى أبي ربنا يسوع المسيح الذي منه تُسمى كُلُّ عشية في السموات وعلى الأرض. لكي يعطيكم بحسب غنى مجده أن تتأيدوا بالقوة بروحه في الإنسان الباطن ليحل المسيح بالإيمان في قلوبكم وأنتم متأصلون ومتأسسون في المحبة حتى تستطيعوا أن تدركوا مع جميع القديسين ما هو العرضُ والطولُ والعمق والعلو" ( أف 14:3-19). تقَّدم صلاة الرّسول مضموناً ملموساً ليتنازل الرب فيعطيهم أن يعبروا مرحلة جديدة في حياتهم المسيحيّة: أن يتقوّوا في نمو كيانهم، ويواصلوا بناء بيتهم الدّاخليّ. لهذا يلجأ بولس إلى الرَّبِّ لكي ينال مثل هذا النمّو. ويدل على أصل هذه العطية الإلهية وهدفها: "غنى مجده" ثّم نضوج الإنسان الباطنيّ.
فالرّحمة والنّعمة الإلهيّة تحقّقان العمل الفدائيّ بـ "غفران الخطايا"، وتوصلانه إلى مرحلة جديدة تعرف فيها سرَّ مشيئته "في كل حكمة وفهم" (أف 7:1-8؛ راجع روم 23:9؛ أف 18:1؛ 4:2-7). إنّ مجد الله الفيّاض ينتقل إلى الإنسان فيقويه وينميه. ويصوّر هذا العمل الإلهيّ في عبارتين تشرحان النتائج الحاصلة في قلب المؤمنين عَبْرَ تشبيهين: تشبيه النمّو البشريّ ، وتشبيه القوّة التي تقيمُ في الإنسان إقامةً مستمرة.
نحن أمام صورة الشّاب الذّي ينمو إلى أن يصل إلى قامته. وعبارة "الإنسان الباطن" التي دلّت في الرسائل السابقة على الطابع العقليّ لدى الإنسان، فقابلت الطابع العابر والمائت، قابلت "الإنسان الخارجي" (روم 22:7؛ 2كور 16:2) هذه العبارة تقابل هنا "الإنسان الجديد" الذي خُلق في المسيح يسوع خلال المعمودّية (أف 13:4، 22، 24؛ راجع كو 9:3) إنّ المسيح القائم مِنْ الموت بقدرة الله قد أقيمَ فأعطانا هذه القدرة الإلهيّة التّي هي روح القداسة كما يناله المؤمنون (روم 4:1). لهذا تعود بشكل واضح إلى "قوة روحه" هذه التي تقوّي المؤمنِ بما أنّ المسيح حاضر في تقوية المسيحيّ لكي يُنَّضَجُه، فلا نتعجّب إن عُرضت هذه المرحلة الجديدة من الحياة وكأنّها مرحلة بها "يحلّ المسيح في قلوبكم" (أف 17:3) نجد هذه الفكرة أيضاً في "مع المسيح صُلبتُ فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا فيَّ. فما أحياه الآن في الجسد فإنما أحياه في الإيمان إيمان ابن الله الذّي أحبني وأسلم نفسه لأجلي " (غلا 20:2). بفضل الإيمان أظهر المسيحيّ عملَ مجدِ الله، بفضل إيمان الإنسان البالغ، وهذا الإيمان يصبح مفتاح النمّو كما كان في ما قبل مفتاح التّنشئة المسيحّية.
وقبل أن يَعْبُر المسيحيون هذه المرحلة بتقبلهم عطيّة الله الجديدة، وقد أقيموا على أرض صلبة، أقيموا على الحبّ، و نالوا منذ الآن ثباتاً ومتانةً. فالحبّ هو الأرض الطيبة والخصبة التيّ فيها يتجذّر ويتأصّل وينغرس المسيحيّ. والحبّ هو الأرض الثابتة والمتينة التي تُؤَمِّنُ له أساساً حقيقيًّا. إن الحب الذي أظهره الله في المسيح يسوع، قدّم لنا أساساً ثابتاً ومستنداً كاملاً، وقد جاءت ساعة الاستقرار النهّائيّ، السّاعة التّي فيها نقيم في الحبّ. فالحبّ يدعونا إلى الحبّ وهكذا يكون تبادل بيننا وبين الله.
المعرفة المسيحية الساميّة أف 18:3-19
إنّ معرفة الحياة العميقة لدى حاملي السرّ، لا تنحصر في اللذّين تكرّسوا مِِنْ أجل الخدمة، فجميع المسيحيّين يتوقون إلى هذا الهدف وإليه يصلون: فالله يعطي الجميع عمق الإيمان هذا الّذي صاروا به متّحدون ولا شكّ بـ"المكرسين" لهذا العمل، ولكن كيف نحدّد هذه المعرفة التي تشكّل الهدف الأخير للحياة المسيحّية ؟ إنّ بولس الذّي تحدّث حتىَّ الآن عن السرّ في ألفاظ مأخوذة من عالم الحكمة، يصوّر الآن اتساعه في عبارة تدل على أنّه يتسامى على كلِّ مجهود بشريٍّ ولا يعود في متناولنا. إنّ موضوع هذه المعرفة هو سُّر المسيح نفُسُه الذّي أُعْلنَ " للقديسين" (راجع أف 3:3-5) هو المسيح نفسه، حكمة الله (راجع1كور 24:1، 30). ففي سِّر الله هذا تختفي كلُّ كنوز الحكمة والمعرفة"...سر الله الآب والمسيح المذخر فيه جميع كنوز الحكمة والعلم" (كو 3:2).
إنّه سّر لا يدركه الإنسان المتروك إلى نفسه. ولكنّ الحكمة الإلّهية التي تحقّقه، حتىّ بين الوثنيّين في كلّ اتّساع الكون، تستطيع أن تجعل المختارين يعرفونه. وإذ أورد الرّسول الأبعاد الأربعة: العرض، الطول، العلو، العمق، استعاد وطبّق موضوعاً حكيماً نجده في "من يقيس ارتفاع السماء وأتساع الأرض وعُمق البحار؟"(سيراخ 3:1)."أ إلى عمق الله تتصل أم إلى نهاية القدير تنتهي. هو أعلى من السّموات فماذاعساك تفعل. أعمق من الهاوية فماذا تدري. أطول من الأرض طوله وأعرض من البحر" (أي 7:11-9).
نحن لا نستطيع أنّ "نفهم" لا نستطيع أن ندرك عن طريق الحواسِ، سَّر المسيح إلاَّ بواسطة معرفة اختباريّة. بواسطة معرفة محّبة الله لنا. وهي محبّة جعلته يبذل ذاته عنَّا، يقدّم نفَسْه ذبيحةً لأجلنا (راجع أف 2:5). هي محبّة أظهرتها الكنيسة التي "بذل ذاته عنها ليقِّدسها مطهّراً إيَّاها بُغْسِل الماء وبالكلمة" (أف 25:5-26).
إنّها محّبة لا حدود لها، وممارسة المعرفة لا تستطيع أن تستنفد غناها، فالمعرفة المسيحّية تكتشف دوماً غنى جديداً في سرَّ المسيح. غير أنّ هذه المعرفة، الَّتي هي في متناول الجميع تظهر كثمرة الإيمان النّاضج والحبّ الكامل. والّروح هو الذّي ينفخ فينا هذا الوعي الجديد لسرِّ المسيح والكنيسة، ولقد رأى بولس دوماً في هذه المعرفة (أو هذا العلم، في اليونانية: جنوسيس) فضيلة ترافق المحّبة (راجع 2كو 3:6-6؛ 7:8؛ روم 13:15-14).

ملء الله
كتب القديس بولس: "حينئذ تمتلئون من (وتدخلون في) ملء الله" (راجع أف19:3). بهذه الجملة الموجزة كلّ الإيجاز، قدّم لنا بولس ملء النضّج المسيحيّ بعد أن أدخله في التعّليم عن "الملء" الخاصّ برسائل الأسر. " وأخضع كلّ شيء تحت قدميه، وإياه جعل رأساً فوق كلَّ شيء للكنيسة التيّ هي جسده ملء الذّي يملأُ الكل في الكل" (أف1: 22-23) " فإنّه فيه يحلُّ ملء اللاهوت جسديُّا. وأنتم مملوؤون فيه الذي هو رأس كل رياسة وسلطان" (كو 9:2-10).
إنّ المسيح القائم من الموت هو ملء الكون. جَمَعَ وْضَعُه الإلهيّ مع وضعه كأخ لكلِّ العالم المخلوق، بواسطة بشرَّيته. وتتركّز قوّة الحياة الإلّهية في المسيح لخير البشريّة. والحياة الجارية من الرأس (عطية الروح) تملأ الذّين يقتربون منها بواسطة المعرفة المسيحيّة. والكنيسة كلّها التي هي امتداد جسد المسيح، تجد نفسها في قلب هذا الملء الذّي فيه جعل بولس أيضاً الملائكة والكون. وتستفيد الكنيسة من هذه الحياة الإلهّية، وتتقّوى بها "إلى أن ننتهي جميعنا إلى وحدانية الإيمان ومعرفة ابن الله. إلى إنسان كامل. إلى قياس قامة ملء المسيح"( أف 13:4).
إنّ معرفتنا التّي تؤدّي شيئاً فشيئاً إلى حبّ المسيح، تجعلنا نصل إلى هذا الملء. هذا ما يُعَرّفُهْ الرّسول فيعبّر عنه: "نعيش حسب الحقّ، وفي المحّبة فتنمو في كلِّ وجه، نحو ذلك الذّي هو الرّأس، أي المسيح" (أف 15:4). ففي أمانة لالتزام تاّم في حياتنا، نسير نحو الملء، ساعة تتابع عطيّة الله عملَها فتملأ الإنسان وتملأ الكنيسة الَّتي هي خميرة البشرّية والكون. وحين نكتشف الحبَّ نسير نحو ملئنا الذّي هو يسوع المسيح.
نحن نعلم من الخبرة أن التغييرات الهامّة في حياة الإنسان، وشخصيته لا تحدث فجأةً، ولكنَّها تأتي تدريجيَّا وتستغرق وقتاً. وكلَّما كانت التغّييرات جوهريّة وأساسيّة، احتاجت إلى وقت أطول. والحياة المسيحيّة بمطالبها الطّموحة مثل عطاء الذّات بالمحّبة، والنمّو الداّئم في التَّشبّه بالمسيح، ليست أمراً سهلاً على مَنْ يبدأون السّير فيها. ومن اختبارات القديسين والمؤمنين نعرف أنّ مَنْ قطعوا شوطاً في الحياة المسيحيّة – حياة القداسة والنمّو إلى شبه المسيح – احتاجوا إلى زمن طويل، وكلَّما تقدمت بهم الأيام والاختبارات، شعروا بمزيد من الضعف والحاجة. وهنا ينبغي أن نذكر حقيقتين أساسّيتين لشرح الفكرة السّابق ذكرها:
نرجو ملاحظة أنّ التعبير "النمّو إلى شبه المسيح" يختلف عن التعبير "التشبه بالمسيح" لأن هذا التعبير الأخير خطابيّ غالباً دون مضمون عميق، بينما النمّو عمليّة لها أبعاد وأعماق وجهاد.
عندما نقول إنّ التغيّيرات الهامّة في شخصيّة الإنسان، لا تحدث فجأة، لا نُنِكرُ فكرةَ "التجّديد" الذّي يتّم في لحظة معيَّنة بقبول المسيح مخلِّصاً. إلاّ أنّنا يجب أنّ ندرك أنّ ما يحدث لحظةَ التجّديد هو قبول خلاص المسيح، وبذلك يسكن المسيح في القلب ليعمل فيه مدة الحياة كلّها. هذا العمل هو بداية الخلاص، وليس الخلاص كلّه. كالولادة الّتي هي بدء الحياة، لكنَّها ليست الحياة كلّها.
- إنّ ما يحدث عند التجّديد هو حُكْم شرعيّ من الله بالتّبرير مِنْ الخطية، وتغيير في اتّجاه الحياة. بينما عمليّة التّقديس هي استمرار للخلاص، تستغرق كلَّ الحياة.
مظاهر فقدان الهويّة
1- فقدان التوافق والتطابق في حياة المسيحيّ: حيث توجد هوّة بين كلامه وأفعاله، بين مبادئه وتصرفاته، هناك انفصال بين المثالّيات والواقع حيث تظلَّ المبادئ والقيم الرّوحيّة على مستوى التّفكير، والحديث، والحوار فقط كما أنها ليست موضوعاً للتطبيق أو برنامجاً للعمل والتحّقيق. إنّ التباعد بين ما يحمله الإنجيل أي كما جاء به المسيح وبين الحياة العمليّة، صار ملحوظاً بشكل واضح من قبلَ الآخرين ممّا دفع بعضهم- بعد اكتشاف هذه الثغرة في أتباع المسيح - إلى أن ينادوا بالعجز تارةً وبالإفلاس تارةً أخرى. فيقولون: "عجزت المسيحيّة على أن تتحوّل إلى حياة واقعّية تلمس حياةَ الإنسان في شموليتّه وكلّ أبعاده. ويعلنون إفلاساً حقيقيَّا للمسيحّية، لأنَّه لم يَعُدْ لديها ما تقدّمه لتغيير الإنسان وتجديده، والأخذ بيده أينما كان هو لتَرَتَفع به. والبعض الآخر استخلص فكرة أخرى: أن المسيحيّة تعمل على فصل المسيحيّ عن محيطه وواقعه، وتَدُفعُهُ ليعيش في عزلة عن الحياة والوجود، بحجة أنها تساميها، فلم تَعُدْ المسيحيّة في نظرهم إلاّ أيديولوجيّة فلسفّية أو حضاريّة، انتشرت في زمن معّين، وما عليها إلاَّ أن تلحق بالأيديولوجيات الأخرى في أرشّيف الزّمن ليطويها التّاريخ كسابقاتها.
2- عدم فهم أو اختبار شخص المسيح كما هو: حيث يتمّ تقديم شخص المسيح ليس عن اختبار أو اقتراب منه ولكن كمسيح آخر، لا صلة له بالمسيح الحقيقيّ ابن الله المتجسّد. لقد أدرك المسيح أنّ هذه سوف تكون مشكلة المشاكل، لذا وضع خُطة لمَنْ يريد أن يكون له تلميذاً أو رسولاً. وضع منهجيَّة الحياة الّتي تتميّز بالاختبار والعشرة معه شخصيَّا.
منهجيّة الحياة مع المسيح :
" فأقام منهم اثني عشر سمّاهم رسُلاً يرافقونه فيرسلهم مبشرين" (مر 14:3)
"وأقام اثني عشر ليكونوا معه وليرسلهم ليكرزوا" (مر 14:3) " فعيّن اثني عشر ليلازموه ويرسلهم ليبشروا" (مر 14:3). الكلمات المستخدمة في الترّجمات المختلفة والطّبعات المختلفة هي "يرافقونه" ،" ليكونوا معه" "ليلازموه" وفي بعض الترجمات " ليقيموا معه". على كلّ حال نجد أنّ هناك دعوةً للإقامة مع المسيح للحياة معه، ممّا يعني أنّ المسيح أراد أن يُدخِلَ الإنسان في أعماقه، في كيانه، وبالتّالي يدخل هو في أعماق الشخّص حيث تتّم عمليّة التبادل بين المسيح والمدعو، إنّها عمليّة مزدوجة : اختراق وتطبّع بين الشخّصين، عن طريقها(أي العملية)، يقبل المؤمن المسيح، ليُعتبّر المسيح نفسُه، أي أن يقدّم ذاته من خلال حياة المسيحيّ، وبهذا الشّكل يقدّم المسيحيّ المسيحَ بشكل واضح للآخرين، بعيداً عمَّا نلاحظه اليوم من تشويه.
فإن لم تكن هناك خبرة حياة مع يسوع المسيح، فماذا لدي المسيحيّ ليقَّدَمُه للآخر؟ قد يقدِّم تصوراتٍ وأفكاراً عن المسيح ولكن ليس المسيح ذاته، فالاقتراب والعشرة والخبرة والإقامة مع المسيح تسمح بتقديم شخص المسيح بشكل واقعيّ وحقيقيّ. أمّا الابتعاد عنه فيجعلنا نقدّم تصوراتٍ نابعةً من خيالنا عن شخص المسيح. وهنا نلاحظ الفارقَ بين الاثنين أن نسمح للمسيح أن يقدّم ذاته من خلالنا، وأن نقدّم نحن تصوراتنِا وأفكارَنا عنه. و هناك فرق بالطّبع و مسافة كبيرة بين المسيح المعاش كما هو، والمسيح الذّي تبتدعُةُ تصوراتنا.
علينا أن نفهم المسيح كما هو مسيح الوحي، الكائن في حضن الآب، والذّي جاء ليشاركنا حياتنا لكي نشاركه حياته.
3 - التّأرجُحُ ما بين المسيحيّة ووثنية المسيحيّة: عدم فهم شخص المسيح، أدّى إلى خلق واقعٍ مسيحيٍّ أقربَ إلى الوثنيّة، فالابتعاد عن شخصه يسوع المسيح، أعطى للبعض فرصة بالقول أن هناك مسيحيّة وثنّية وليست مسيحيّة حقيقيّة، إذ نقّدم المسيح كما نريد أن نراه وليس كما يريد المسيح، وهذا تحويل للمسيحيّة إلى مسيحية وثنية، حيث يضع الإنسان شخص المسيح في خياله كما يضعه في جيبه، لا فارق لديه في شيء، يستخدم المسيح لخدمة أغراضه، ويصبح المسيح موضوعاً قابلاً للتأويل الإنسانيّ كما يريد و يرغب، بقدر ما يخدم مصالحه وأغراضه واحتياجه، كلّ طائفة، كلّ مفكر، كلّ لاهوتيّ كلّ رجل دين يقدّم المسيح بطريقة ترضيه، ربما يعبّر هذا عن غنى شخص المسيح، ولكنَّ التخّوف في أن نبتعد عن المسيح الحقيقيّ، لنقدّمه بشكل يخدم الآراء والأفكار المتوافقة مع كلٍّ منا بحسب توجهه. ومما يؤثّر على المؤمنين في كلّ طائفة، وكلّ كنيسة. بالتّالي يتحوّل الإيمان بالمسيح إلى الإيمان بمسيح هذه الطاّئفة، أو هذا المفكّر وهذه الكنيسة…الخ. وبالتّدريج نقع في المسيحيّة الوثنية.

4 - المجتمع الاستهلاكيّ: في فكر البعض لم يَعُد للدين أهمّيّة في هذا الزمن، حيث نعيش في عصر يأخذ فيه الاقتصاد المكانة الأولى. فلم يعد للعلم، أو السياسة، أو الدّين من أهّميّة تُذُكر، فالبلد الذي ينعم باقتصاد قوي، ينعم بحياة مُرَفّهَةٍ، وبحياة هادئة، والبلد الذّي لا ينعم باقتصاد منتعش يعيش في فقر وبؤس واحتياج. ما نفع الدّين أو المسيح في مثل هذه الحالة؟ ماذا نفع الكنيسة. وما فائدة الصّلاة أو العبادة في الكنيسة؟ ماذا يعُطي المسيح للعالم في كلّ أزمة ؟ ما جدوى الرّوحانيّة أو غيرها أمام الاحتياجات الصّارخة للإنسان؟
لا نستطيع إنكار هذه حقيقة أننّا نعيش في مجتمع استهلاكي، يسعى وراء رغيف الخبز لسّد جوعه، ووراء المال لتأمين الحياة والمستقبل، لا يوجد وقت لسماع صوت الله ، فهذا الوقت هو وقت السعّي وراء الرّزق لأجل البقاء. لقد صار الدّولار واليورو أشهر من آلهة هذا العصر، وهكذا صار رجال الدّين، ورجال الكنيسة أيضاً في سعي كالآخرين، واقعون تحت تأثير المجتمع الاستهلاكي كسائر البشر، وأصبح منطق الاقتصاد يعلو ويرتفع في حياتنا وفي المجتمع ككلّ، في ظّل هذا التطّور الاجتماعيّ، والاقتصاديّ أين توجد الهويّة الحقيّقية للمؤمن بالمسيح ؟
أريد أن أعبّر عمّا سبق، وعما يجب قوله في الفصول القادمة من خلال هذه القصة: وجد فلاّح في أحد الأيام بيضةً غريبة الشّكل واللّون في وكر داخل صخرة عالية، فأخذها ووضعها تحت بطّة تحتضن بيضها، ليعرف جنس الطّائر الذّي فيها. وفقس البيض، وخرج الصّغار يجرون ويمرحون في كلّ مكان. أمّا صغير البيضة الغريبة، فقد كان ضعيفاً جداً وعينيه مغلقتين، ولا يقوى على السّير. فحنّ قلب البطّة عليه، وبدأت تلقّمه الطّعام بمنقارها المفلطح لكي لا يموت جوعاً.

وبعدَ ثلاثة أسابيع، بدأ الصّغير يسير، وانفتحت عيناه، ونما في جسمه ريش أسمر، وصار يرافق البطّة وصغارها إلى النهر. لكنَّه لم يكن يجيد السِّباحة، ويكره النّزول إلى الماء. وكان أولاد البطّة يسخرون منه وينعتونه بالجبن. فأشفقت البطّة على صغيرها، وطلبت منه ألاّ يقف على ضفّة النَّهر ليتفرّج عليهم، بل ليتسلّ في تسلّق الصُّخور والقفز منها على الأرض. وبدأ صغير البيضة الغريبة يقوم بهذا اللعب حتىّ اكتشف أن جَنَاحيه يصلحان للطيران.

وفي أحد الأيّام، بينما كان صغار البطّ يسخرون منه وهو يلعب على اليابسة، شعر بضيق شديد من الحياة معهم. فطار وحلّق في الفضاء وغاب عن العيون. وعاد صغير البيضة الغريبة عند المساء إلى المزرعة فرحاً، وبدأ يروي للبطّة ما رآه خلال النَّهار، وكيف حلّق عالياً فوق الجبال وتفرّج عليهم يسبحون في النَّهر تحت قدميه. فاستاء صغار البطّ منه واعتبروا كلامه كبرياءَ، وحاولوا تجريحه بالهجاء. أمَّا البطّة،فقد أصغت إلى ما قاله هذا الصّغير بانتباه شديد، وعنفّت صغارها على كلامهم، وقالت لابن البيضة الغريبة: " مكانك يابنيّ ليس هنا... لقد أتى بك الفلاّح وأنت في البيضة، ووضعك تحتي. فحضنتك ورعيتك كواحد من أولادي. وحين رأيتك اليوم تطير، في المزرعة "، بل على رؤوس الجبال. امكث معنا هذه اللّيلة، وانطلق غداً إلى الأعالي لتعيش وفق طبيعتك ففي ذلك فرحتي، وافتخاري لأني كنت يوماً أماً لصقر.

كما نجد في كتاب تعليم الكنيسة الكاثوليكية الآتي :-

" تطلُّبُ الله رغبةٌ منقوشةٌ في قلب الإنسان، لأنَّ الإنسان خليقةٌ مِنْ الله ولله؛ والله يجتذب الإنسان إليه اجتذاباً متواصلاً، والإنسان لن يَجِدَ الحقيقة والسّعادة اللتّين يسعى إليهما دائماً إلاّ في الله:

" إنّ في دعوة الإنسان هذه إلي الاتّصال بالله لأسمي مظهر من مظاهر الكرامة البشريّة . ودعوة الله هذه التيّ يُوجّهها إلي الإنسان ليُقْيم معه حواراً تبدأ مع بدء الوجود البشريّ. ذلك إن الإنسان إذا وُجد فإن الله خلقه بمحبّة، وهو بمحبّةٍ يمنحه الكينونة علي الدّوام؛ والإنسان لا يحيا حياةً كاملةً بحسب الحقّ إلاّ إذا اعترف اعترافاً حرًّا بهذه المحبّة وسلَّم أمَرُه لخالقه".

" عمد البشّر، علي مدي تاريخهم وإلي اليوم، إلي طرائق متعدّدة للتعبير عن تطلّبهم الله بعقائدهم وسلوكهم الدّينيّ ( صلوات، ذبائح، عبادات وطقوس، تأمُّلات... الخ). وعلي ما قد يكون في هذه الطَّرائق التّعبيريَّة من ملابسات، فإنّها عامّة إلي حدّ أنّنا نستطيع إن نسميّ الإنسان كائناً متدّيناً :"إن الله "صنع من واحدٍ كلِّ أمّةٍ من البشر، ليسكنوا علي وجه الأرض كلّها، محدّداً [ لهم] مدى الأزمنة وتخوم مساكنهم؛ لكي يطلبوا الله، لعلَّهم يجدونه متلمّسين، مع أنه غيرُ بعيدٍ عن كلّ واحدٍ منّا، إذ به نحيا ونتحرّك ونوجد" ( أع 17 : 26-28 ) .”ولكنّ هذه " العلاقة الحميمة والحيويّة التيّ تجمع بين الإنسان والله " قد ينساها الإنسان ويتجاهلها، أوقد يتوصَّل إلي رفضها صريحاً. وقد يكون لمثل هذه المواقف أسبابٌ شديدة التنوّع: الثّورة على الشّرّ في العالم، الجهل أو اللامبالاة في الدّين، هموم العالم وهموم الغنى، سلوك المؤمنين السّيء، التيّارات الفكريّة المعاديّة للدّين، وأخيراً هذا الموقف الذّي يقفه الإنسان الخاطئُ فيختبئُ، خوفاً، من أمام وجه الله، ويهربُ من دُعائهِ"

" الابتهاج لقلوبِ مُلتمسي الله " ( مز 105 : 3 ). إذا كان بإمكان الإنسان إن ينسي الله أو يرفضهُ، فإنّ الله لا يفتأ يدعو كلّ إنسان إلى التماسه، لكي يحيا ويبلغ السّعادة. إلاّ إن هذا الالتماس يقتضي من الإنسان جهدَ عقله الكامل، واستقامة إرادته، و" قلباً مستقيماً"، كما يقتضي أيضاً شهادة الآخرين الذّين يعلّمونه كيف يلتمس الله". "إنَّك عظيم يا ربّ، وأهلٌ لأسمى مديح: عظيمةٌ قدرتُكَ وليس لحكمتك حَدّ. والإنسان، هذا الجزء الصّغير من خليقتك، يَدَّعي مَدحَك، هذا الإنسانُ ذاته، في تلبُّس حاله القابلة الموت، يحمل في ذاته شهادةَ أثمه، والشّهادة على أنَّك تقاومُ المتكبرين. مع ذلك كلّه، يريدُ الإنسان- هذا الجزءُ الصّغير من خليقتك - إن يمَدَحَك. أنت نفسُك تحضّه على ذلك، إذ تجعله يجد متعةً في تسبيحكَ، لأنّك خلقتنا لك، ولأن قلبنا لا يجد الرّاحة إلاّ عندما يستقرُ فيك ( اعترافات القديس أغسطينوس 1،1،11)" التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية الأرقام من 27-30 ) .
الله في علاقة تواصل مع الإنسان، وهذا ما نسمّيها "شركة" "Comunione". وتفضّل القديسة تريزا لغة الصّداقة للتواصل بين الأصدقاء . ويظهر منذ البداية مفهوم الشّركة والتّواصل في كتاب المنازل أو القصر الداخّليّ.

" فكما أنّه لا يضيرنا التّأمل في أمور السَّماء، وما يتمتّع به الطُّوباويون فيها، بل نفرح ونسعى لإدراك ما يتمتّعون به، فلن يضيرنا النّظر ُفي أنَّ إلهاً عظيماً كهذا الإله يمكن أن يتِّصل في هذا المنفي بديدان خبيثةِ الرّيح بهذا القدر، وان نحبَّ صلاحاً خيراً كهذا ورحمةً لاحدّ لها" (1م1: 3 )2 .
.
كتاب المنازل يُعد كتاباً وثائقياًً لعطاء الله لذاته للإنسان، عطّية الكشف عن الحقيقة والحياة الَّتي تحّول الشّخصَ داخل الثّالوث ذاته، وبهذا الشّكل نستطيع أن نصف الثَّالوث القدوس، بأنَّه إله في علاقة وتواصل وشركة 3 .

"...لأن المتعة العظمي الّتي تنعم بها النّفس عندئذٍ إنّما هي رؤيتُها ذاتها بقرب الله. أمّا حين يَقرنها به فلا تفهم شيئاً، لأنّ القوى جميعها تتعطَّل. أمّا هنا فالأمر مختلف، فإن إلهنا الصّالح يريد أن ينزع الحَرشَف(قشر السمك) عن عينيها لتري وتفهم شيئاً من النعّمة التّي يصنعها معها، ولو بطريقة غريبةٍ. فهي، وقد أدخِلت تلك المنزلة برؤيا عقلّية، يُكشَفُ لها بطريقة ما تَمَثِّل الحقيقة، الثّالوث القدوس بأقانيمه الثّلاثة بالتهابٍ يجتاح روحَها أولاً كغمامة وضّاءة، فتعرف، بعلمٍ عجيبٍ يُعطي للنفس، معرفة يقينّية أن هذه الأقانيم المميَّزة هي ثلاثة اقانيم، وجوهر واحد، وقدرةٌ واحدة، وعِلمٌ واحد، وإله واحد، بحيث نستطيع القولَ: إن ما نعتقده بالإيمان تدركه النفّس هنا بالبصر، ولو لم يكن بعيني النّفس، لأنّها ليست رؤيا خياليّة. هنا يتّصل بها الأقانيم الثّلاثة جميعاً، ويخاطبونها، ويتُيحون لها أن تفهم تلك الكلمات الّتي يَرويها الأنجيل عن لسان الرَّبِّ، إنّه يأتي والآب والرّوح القدس، ليسكن في النّفس الّتيّ تحبُّه وتحفظُُ وصاياه"(7م 1: 5-6 )4 ونتيجة للتواصل بين الشّخص والله نجده أن هناك عمليّة تواصل تتمُّ بين الشخّص والقريب، ونجد الشّركة بين الشخّص والقريب والله الثّالوث ( 1م 1:1) 5.
.
ـــــــــــــــــــــ
1- تريزا الأفيلية، المنازل، نقله عن العربية انطوان سعيد خاطر تراث الكرمل بيروت 1991.
2- نفس المرجع ص 71
3- وتكّرر القديسة تريزا بشكل متواتر هذه الفكرة حتى في المنازل السادسّة والسّابعة (6م8: 1،9: 18 ؛10 :1 ؛7م 1:1 ؛ 3: 9 ) .
4- نفس المرجع ص 278
5- نفس المرجع ص 71
.
الخلاصة
الهدف الذّي يجب على كلّ مسيحي أن يتبعه هو مشابهةالله بمعنى أن يكون إلهاً أو بأن يتألَّه، لأنّ كلمة الله صار إنساناً، كي يستطيع البشر أن يصبحوا آلهة وهذه هي الغاية يمكن تحقيقها لا بالابتعاد عن الحياة العامّة والتجّرّد عنها فقط، إنّما أيضاً بكل السّبل الممكنة وأهمّها الصّلاة المستمرة. يصبح الإنسان البشريّ المنظور عابداً لله غير المنظور، الذي خلق كلَّ شيء مِنْ العدم بقدرته الفائقة… يرتفع نحو الله بالمعرفة والحبّ… يتأمّل بإعجاب في الطبّيعة انعكاسات الصفّات الإلهّية والطّبيّعية غير المفهومة التي لله. فاعتداد الإنسان الحقيقيّ بنفسه يعني الاعتراف بالاعتماد على الله: العظائم التي صُنعت لي. فكرامتي الحقيقيَّة في أن أكون أنا مَن أكون، هي كرامةٌ وُهِبتُها. وهذا لا يجعلها أَقلّ قدراً. الوعي بالأصل الإلهيّ هذا يجعلها كلّها أكثر قيمة وأَولى بالثّقة. ثمَّة سلام عميق في هذه الثّقة في الأصل الإلهيّ، ثقة لا يستطيع العالم إعطاءها أبداً.


الفصل الثّاني
النّمو
النمّو كلمة مُستقاة من الحياة الطبّيعية، كلّ كائن حيّ يوَلدُ ويكبُر، ويبلغ قامته الملائكيّة لطبيعته الأصليّة، ولا يستطيع الكائن الحيّ أن يُسّرعَ نموه اصطناعيَّا. بل أنّه يخضع لناموس الزّمن، أو الدّورة السّنويّة للفصول، أو دورة الأرض حول الشّمس، كفيلة بإعطاء كلّ كائن حيّ ماديّ، الظروف والأُطر الحسّية الملائكيّة لنمّوه. كذلك الإنسان يخضع في عناصر عدة منْ كيانه إلى هذا النّاموس الكونيّ، فالّنمو البيولوجيّ ملازم للعمر، ويكيف الّنمو النّفسيّ. فهل يرتبط هنا أيضاً بالنمّو الرّوحيّ؟ جوابنا من البدء هو نعم، ولذلك علامات:
1- إن وحَدْةَ الشّخص الإنسانيّ تفترض أن يحصل بين سائر عناصر الإنسان، خاصّةً البيولوجّية والنفّسّية والرّوحّية تجانس وتناغم، وإلاّ وقع الإنسان الفرد في ازدواجيّة نفسّية تقوده إلى حالة مَرَضيّة.
2- كما أنّ النمّو البيولوجيّ والنّفسيّ مرتبطان ببطيء الزّمن وتدرجه عبر السّنوات، كذلك يفترض أن، يتدرّج النمّو الرّوحيّ عبر السّنوات، ولا يحصل نضوج روحيّ قبل عمر معّين أو بعد مضي مدة معيّنة من بدء الحياة الرّوحّية.
3- ربما أنّ مفهوم الرّوح في الإنسان ينمو مع المادة ويستقل عنها، فليس من المستحيل إذاً أن يحصل نضوج روحيّ قبل وقته. لأنَّ روح الإنسان، وإن بدأ مع المادة، لا ينتهي بها ولا ينحصر فيها بل نؤمن بأنه يتخطّى المادة.
4- وأهمّ الأسباب الّتي تُحتِّمُ النُمو الرّوحيّ وتدرجه عبر ثقل الطّبيعة البشريّة هو حقيقة التّجسّد. فرغم أن الخلاص كان بوسعه أن يتّم في ملء الأزمنة وبسرعة الأزليّة، إلاّ أن الله اختار المادة صورةً للتجسد. فلا يعقل أن ينمو الّرأس بالحكمة والسّن والنّعمة، ولا يكون هذا النمّو قاعدة لمشاركة المؤمن في حياة الابن، ولنا على ذلك شواهد، في مثل يسوع المسيح، وأمثاله وحياة بولس الرّسول ونمو الكنيسة.
5- والنمو هو أيضاً دليل الحياة، فمِِن الممكن أن نضع البذرة في تربة جيّدة، ونرويها ونهتم بها، ونشبعها بالغذاء المناسب، لكنّها – لأنهّا ميتة – لن تنمو على الإطلاق. الإنسان اليقظ روحيًّا هو الحيّ في المسيح والذّي يحيا فيه المسيح. أمَّا الإنسان الذّي لا ينمو فحياته بعيدة كلّ البعد عن حياة يسوع المسيح.

شواهد على النمو الروحي
1- مثل يسوع المسيح
يقول لوقا في إنجيله مختصراً ثلاثين سنة من حياة يسوع، إنه كان ينمو في الحكمة والسّن والنعّمة أمام الله والنّاس "وأمَّا يسوع فكان يتقدَّمُ في الحكمة والقامة والنعمة عند الله والناس" (لو 2، 52).
أ- ينمو في الحكمة
في الحكمة كلمة مرتبطة بعقل الإنسان ووظائفه الأصليّة في جمع المعارف وتنسيقها، وتحليلها وربط الأسباب بالنتّائج. ونفهم معناها من خلال أسفار العهد القديم أنّها عقل الإنسان المؤمن الّذي يكتشف أسرار معرفة الله وعلاقته بالإنسان. وقد ظهرت هذه الأعمال العقليّة كلّها في تعليم يسوع وتبشيره.
ب- ينمو في السّن
لقد صَدَمَ سرُّ التجسّد عقليّة اليهود وصار حَجَرَ عثار لهم، لأنهَّم انتظروا المسيح آتياً على سحاب السّماء ساطعاً كالبرق، فجاءهم إنساناً عادياً خاضعاً لحدود المادة ومقياس الزّمن، فالسّن أو العمر هو مقياس الإنسان في الجغرافيا و التاّريخ. وهو ارتباط الشخّصّية بتعاقب السّنين، ليس عدداً متراكماً بل نموّاً باطنيّاً منسّقاً. فعبر السّن، رَبَطَ الله ظهوره وتجلّيه وتجسّد بتعاقب السنّين ونضوجها. لذلك قيل: " لما بلغ مَلء الزّمن " أي أن الزّمن أصبح كائناً حيَّا ينمو وينضج، مدفوعاً بقوّة سرّية تسري في شرايين التّاريخ جيلاً بعد جيل، إلى أن بلغ قامة المسيح (أفس 4: 13).
ج- ينمو في النعمة
النعّمة كلمة تختصر عملَ الله الحيّ. لا تُفْهَمُ إلاّ في ضوء بشري الخلاص. إنها عمل الله الخلاصىّ وتجلّيه وفعاليّته في حياة الإنسان. فليس قليلاً أن يُقال: إن تجلّي الله وعمله كان ينمو في يسوع، وعبر نموّه الزّمنّي. بذلك يبدو يسوع مثالاً لأي نمو روحيّ.
2- أمثال يسوع:
يسعنا التّذكير ببعض أمثال ضربها يسوع ليوضّح أسرار الملكوت:
أ- مَثَلُ حبّة الخردل (مت 13، 31-32). قد لا تكون حبّة الخردل هي أصغر جميع البذور في كلّ النّباتات، لكنَّها كانت تُسْتَخْدَم في التّعبيرات الشّرقّية كنموذج للصغر. وقد كان اليهود يستخدمون التعبّير "حبّة خردل" عندما يصفون شيئاً دقيقاً صغيراً فكانوا يقولون "نقطة دم صغيرة كحبّة خردل" – أو "كسر للشريعة في نقطة دقيقة صغيرة كحبة الخردل". وقد استخدم يسوع هذا التعبّير حين تحّدث عن الإيمان الّصغير و لو كحّبة خردل (متى 20:17). وفي بلاد فلسطين كانت هذه الحبّة الصّغيرة تنمو حتىّ تصير شجرة، يقول بعض مَنْ زاروا تلك البلاد: " أنهَّا قد تصل إلى ارتفاع اثني عشر قدماً في بعض الأحيان ". ومن المعتاد أن يري النّاس هذه الشّجرة محاطة بمجموعة كبيرة من الطّيور لأنَّ الطيّور تحبُّ الحبوب السّمراء الّتي تنتجها الشّجرة، لذلك فهي تأتي لتأوي في أغصانها. والنّقطة البارزة في هذا المثل هي أن ملكوت السَّموات يبدأ بداية صغيرة جداً، ولكن لا يستطيع أحد أن يعرف كيف سينتهي. يبين لنا هذا المثل أن ملكوت السَّموات يبدأ في أصغر صورة، لكنَّه سينمو وفي النّهاية ستجتمع فيه أمم كثيرة. وهذه هي حقيقة من حقائق التَّاريخ. إنَّ أعظمَ الأشياء تبدأ أصغر البدايات.
ب-مثل الخميرة في العجين (مت 13، 33). فقد كان الناس في فلسطين يصنعون الخبز في البيوت. ولعل يسوع استقي هذا المثل مّما كان يراه في النّاصرة، عندما كانت مريم أمه تضع الخميرة في ثلاثة أكيال دقيق، استعداداً لعمليّة صناعة الخبز. وقد كانت الخميرة في تفكير اليهود تشير إلى التّأثير السّىء، لأنَّ اليهود كانوا ينظرون إلى التخّمير بحسبانه مرتبطاً بالتّعفن والفساد، ولذلك كانت الخميرة تشير إلى الشَّرّ وقد قال يسوع: "تحرزوا مِنْ خمير الفريسيين والصّدوقيين" (متى 6:16) وقال بولس "نقوا منكم الخميرة" (1كو 7:5) – وكان من بين مراسيم إعداد وليمة الفصح تنقية البيت من أي أثر للخميرة. وربما اختار يسوع الخميرة ليشَّبه بها الملكوت عن قصد، لكي يثيّر انتباه النَّاس عندما يسمعونه يشبه الملكوت بشيء لم يتوقعوه. والفكرة الجوهرية في المثل كامنة في قوّة الخميرة المغيرة للعجين والمؤثّرة فيه. فإَّن الخميرة الصغّيرة تؤثّر في كلّ الدّقيق، والخبز المصنوع دون خمير يصير جافاً وغير سائغ المذاق. وكما تغير الخميرة العجين وتؤّثر فيه، هكذا ملكوت السمّوات له قّوّة مغيّرة في الحياة. والفكرة الأخيرة في هذا المَثَلَ تدور حول عمل الخميرة. إنَّ عمل الخميرة يتُّم في هدوء دون أن نراه، فنحن لا نستطيع أن نرى كيف تعمل الخميرة في الدّقيق، كذلك لا نري كيف يعمل الملكوت. وهذه رسالة تشجيع، وتوصية بأن ننظر النظَّرة البعيدة، لأنَّنا وإن كنا لا نرى بحسب الظّاهر كيف يعمل الملكوت، إلاَّ إنّه يعمل في الدّاخل كالخميرة، والملكوت يتقدّم من دون شك. لقد أطلق يسوع وانجيله قوّة جديدة تعمل في العالم، بهدوء ولكن بثقة وبتأكيد، والله يحقّق مقاصده كل يوم. وفي الوقت عينه يري البعض أنّ عمل الخميرة ظاهر في آثاره في العجين. إنّ عمل الخميرة يراه كلَّ النَّاس من تأثيره، هكذا عمل الملكوت له آثاره الشديدة الظّاهرة. ويوم دخلت المسيحية إلى تسالونيكي قيل عن المسيحيين إنّهم فتنوا المسكونة (أع 6:17). إنَّ هذا المثل يعلمنا أن ملكوت الله ينمو بعمل غير منظور، ولكن آثاره قد تظهر أحياناً في بعض الأفراد وفي التَّاريخ بقّوة بحيث يري جميع النّاس هذه الآثار.
ج-مثل الزّرع الذي ينمو (مر 4، 26-29). ونحن نري في هذا المثل رسالة ودرساً لجماعة التّلاميذ الخاصّة أيضاً. وليس من العسير أن نتصّور مشاعر التّلاميذ. وكيف كان اليأس يتسلّل إلى قلوبهم. لقد كان يسوع بالنسبة لهم كلّ شيء في حياتهم، وكانوا يرون في شخصه كمال الحكمة والصّلاح والرّوعة، ولكنَّهم بنظرتهم البشريّة كانوا يرون أنَّ نصيبه مِنْ النجاح قليل.. فقد كانت أبواب المجامع على وشك أن تُسد في وجهه، وكان رؤساء الدّين الرّسميّ هم أكثر النّاس نقداً له، ورغبة في التخّلصّ منه. إنَّهم لا ينكرون أنَّ الجموع كانت تتهافت لتسَمَعُه، لكن قليلين هم الذَّين تغيرت حياتهم، والأغلبية السّاحقة كانت تأتي لتستفيد من قدرته المعجزية على الشّفاء. وحالما ينالون ما يريدون، يمضون ناسين أو متناسين، هكذا تصور التّلاميذ أن يسوع يخسر أكثر ممّا يربح، ويثير كراهية القادة أكثر ممّا يجتذب حبّ الناس.. وهكذا يمكننا أن نتخيل الفشل واليأس يدخل إلى نفوسهم.. لذلك كان هذا المثل درساً ضدّ الفشل واليأس، لأنّه يبين أو يظهر أن الحصاد أكيد، وذلك لأن قمّة المثل في نهايته تحمل صورة الأرض الجيّدة الّتي تحمل الثّمار ثلاثين وستين ومائة. حقاً قد تسقط بعض البذار على الطّريق، وقد يسقط البعض الآخر في الأماكن المحجرة فلا يكتمل نموه، وقد يسقط البعض بين الأشواك فيختنق.. لكن على الّرغم من كل ذلك فإنّ الحصاد مؤكّد.. إنّ أي مزارع لا يتوقّع أنَّ كلُّ البذور الّتي يزرعها سيكتمل نموها وتأتي بالثّمار، فالرّيح ستحمل بعض البذار بعيداً، كما تسقط بعض البذار في بعض الأماكن التي لا يمكنها أن تنمو فيها، وعلى الرّغم من ذلك فإّن الزّارع لا يتّوقّف عنَ بذر البذار لهذا السّبب يأتي هذا المثل تشجيعاً لكلِّ الذّين يزرعون كلمة الله. وعندما يقوم أي شخص برمي بذار الكلمة، لا يستطيع أن يعرف نتيجة هذا العمل، وما هو الأثر الّذي ستحدثه كلمة الله الّتي ينطق بها. وعندما يبذر أحدٌ البذار، لا ينبغي أن يتوّقع نتائج سريعة. إنَّ بعض الأشجار تحتاج إلى زمن طويل لتنمو، وقد تحتاج كلمة الله إلى زمن طويل لتعمل في قلب الإنسان. فقد تقع كلمة الله في قلب صبيّ صغير وتظلّ ساكنة زمناً طويلاً، وفي وقتٍ ما تحميه من تجربة شريرة وتنقذ نفسه من الموت. إنَّ العصر الذّي نعيش فيه يتوقّع دائماً أسرعَ النتائج، لكنَّنا في انتظار نمو كلمة الله ينبغي ألا نيأس، بل نلقي البذار بصبر ورجاء وانتظار، وسنحصد في وقت حصاد مؤّكداً.
نستنتج ممّا سبق أنّ الملكوت الّذي يبُشّر به يسوع يتميّز بنمو شبيه بنمو الطبّيعة الماديّ، وبثمار ملائمة وتحوّل يشابه تحوّل المزروعات في تقلّبها من بذرة إلى نبتة فشجرة، ثم من موت إلى عودة للحياة. فالإنسان الرّوحيّ يمرّ أيضاً عَبْرَ هذه التحوّلات.

3- بولس الرسول:
يظهر لنا بولس الرّسول في اختباره الشّخصيّ وتعليمه أن المسيحيّ يبدأ بالعماد حياة جديدة شبيهة بالحياة الطبّيعية، من حيث أنها لها بدايةً ومراحل نموّ وتتخللّها صراع ومجد. تبدأ بالعماد وتستمر في مسيرة إيمان ورجاء ومحّبة حتىّ تجلّى أبناء الله، وبلوغ قامة المسيح. فبعد أن وصل بولس إلى الكمال في حفظ الشّريعة يبدأ مع المسيح بالارتداد حياة مسيحيّة ورسوليّة تقوده حتىّ الاستشهاد في رومة. ويقرّ قبَيَل استشهاده بأنّه لم يِصَلْ بعد، ولكنّه ينسى ما مضى ويتخطّى إلى الأمام إلى حيث المسيح (فيلبي 3، 12-16).

نمو الكنيسة
منذ أن بدأ يسوع بشارته أسّس جماعة جعلها جماعته تتبعه أينما ذهب، وتشهد لأعماله وتستمع إلى تعاليمه. سلّم إليها مفاتيح الملكوت. ولما قام من الموت جمّعها بعد تشتتها، وعند صعوده سلّمها رسالته، ويوم العنصرة ألبسها روحه وقوّته. فالخلاص سلّم إلى الكنيسة وقواعده ومراحله، ثمّ نرى النمّو الرّوحيّ في المؤمن.
الكنيسة يوم الصعود:
( متى 16:28-20) نأتي هنا إلى نهاية قصَّة الإنجيل، ونصغي إلى كلمات يسوع الأخيرة لتلاميذه. ففي هذا اللقّاء الأخير عمل يسوع ثلاثة أشياء:
أ‌- أكدّ يسوع لهم قوِتّه. فمِنْ الطّبيعيّ أنَّه لا يوجد شئ ليس في متناول ذاك الّذي مات وانتصر على الموت. إنهّم الآن يخدمون سيداً له سلطان في السّماء وعلى الأرض، بلا منازع.
ب‌- بعثهم في مَهَمَّة خاصّة، إذْ أرسلهم ليجعلوا العالم كلَّه تلاميذاً له. مِنْ المؤكّد أنّ المسيح أراد أن يربح جميع النّاس لشخصه.
ج- وعَدَهُم أن يكون دائماً معهم. لقد كان من المذهل أن يخرج أحد عشر جليلياًّ ليربحوا العالم. ولا شكّ أنهَّم عندما سَمِعوا الأمر بُهتوا وتعَجبوا، لكنّه سرعان ما أعقب أمره بوعده. إنهّم إذ يخرجون إلى العالم لن يكونوا وحدهم، بل سيكون معهم كلَّ الأيام وإلى انقضاء الدّهر.
( مر 16، 15-20) في هذا النص نجدُ ملخّصاً لعمل الكنيسة وحياتها:
أ‌- للكنيسة عمل وعظيّ: إنّ الوعظ واجبّ على الكنيسة، وواجب على كلّ مسيحيّ، حتىّ يمكن للعالم كلّه أن يعرف ويسمع الخبر السّار عن يسوع المسيح وخلاصه.
ب‌- للكنيسة رسالة شفائيّة: ينبغي أن تهتم الكنيسة بأجساد النّاس مثلما تهتّم بأرواحهم. فيسوع جاء لكي يشفي الرّوح والجسد معاً.
ج‌- الكنيسة هي مجتمع القّوة: ولا أقصد بهذا أنَّ المسيحيّ يمكن أن يشرب السّم أو يدوس على الحيّات فلا يحدث له شيء ما، لأن وراء هذه الصّورة جوهر آخر هو جوهر المسيحيّ الذّي يستطيع أن يتعامل مع الحياة بقّوة لا يستطيعها غيره من النّاس... إنَّه شُجَاَع.
د‌- الكنيسة لا تعمل هذا العمل بمفردها، فالمسيح في وسطها يعمل فيها وبواسطتها وهو لن يتركها.(لو 24، 44-49) نقرأ في هذا المقطع كيف أتي يسوع إلى خاصته وتلاميذه عندما اجتمعوا في العلية ونري الآتي:
• التّركيز على حقيقة القيامة، فلم يكن السّيد المقام من الأموات شبحاً أو روحاً أو خرافة، بل يسوع الذّي مات هو بالحقيقة المسيح الذّي قام، فالمسيحّية لم تقم على أفكار النّاس المشوشة أو رؤى الأعين المحمومة، بل تقوم على حقيقة تاريخيّة ثابتة، قابلت، وقاومت، وانتصرت على الموت وقام حقاً من بين الأموات.
• التنّبير على ضرورة الصّليب بل ووجوبه ، فكلّ الأنبياء تنبأوا عنه، ولم يكن الصّليب إجباراً اضطراريًّا بالنسبة للمسيح بل هو ترتيب إلهيّ أزليّ، ففي الصّليب نري محبَّة الله الأزليّة للبشر.

- التشّديد على ضرورة العمل والكرازة، إذ ينادي كلُّ إنسان أنَّه لا مغفرة ولا توبة إلاَّ بالصّليب، فلم تُتْرَكْ الكنيسة لتدوم في العلية بل أرسلها الله إلى كلِّ العالم، لقد مضت أيام الحزن والآن يجب أن تصل الأخبار السّارة إلى كلِّ النِّاس.

- إبراز سرّ القوّة، إنهَّم ملزمون بالمكوث... في أورشليم إلى أن يلبسوا قوّةً مِنْ الأعالي في يوم الخمسين، توجد أوقات فيها يبدو المسيحيّ كأنّه يضيّع أوقاتهٍ، ولكنّه بالحقيقة يستسلم بحكمة إلى مشيئة الله، لأن العمل بدون استعداد يفشل، يوجد وقت فيه ننتظر الرب، ويوجد وقت فيه نعمل للرَّبِّ.

ملاحظات:

- وعَدَ يسوع تلاميذه بانتظارهم في الجليل، ولمّا حضروا ظهر لهم.
- ظَهَرَ لهم كجماعة الأحد عشر، وككنيسته.
- طلب إليهم أن ينتظروا موعد الآب في أورشليم، ووعده هو بإرسال الرّوح.
- كما أرسلني الآب كذلك أرسلكم: رسالة الكنيسة من رسالة يسوع.
- مضمون رسالة الكنيسة:
• ذهاب إلى أقاصي الأرض، كلّ الأمم، الخليقة كلهّا.
• تلمذوا، عمّدوا، علّموا.
• كلّ النّاس، كلّ الأمّم، كلّ الأيام، كلّ الوصايا.
- وعد جديد: ها أنا معكم كلّ الأيام حتىّ انقضاء الدهر.
- اللّقاء: في أعمال 1 /11: هذا الذّي رفُعَ عنكم سيعود كما رأيتموه ذاهباً إلى السّماء.
- بالاختصار: تلقت الكنيسة يوم الصّعود رسالة واضحة: أن تُؤْمَن بحضور الرّبّ معها كلّ الأيام وتحفظ هي كلامه فتنطلق إلى الشعّوب وأقاصي الأرض وكلّ الأيام، فتَتُلَمّذُ وتُعَمِّدُ وتُعَلِّمُ كلَّ الخليقة وصايا يسوع. في مسيرتها يدفعها حضور الرَّبِّ في وسطها إلى ملاقاة الرّبّ العائد كما ذهب.
2- من الصعّود والعنصرة إلى انقضاء الدّهر: نمو الكنيسة
يصف لنا كتاب أعمال الرّسل مسيرة الكنيسة في السنّين الثّلاثين الأولى. الرّسل وهم ينتقلون من مكان إلى آخر، ينقلون البشارة من مكان إلى آخر، يُعَمِّدون، يُتَلّمِذون ويُعَلّمون، أي يتمّمون الرّسالة الّتيّ أوكلهَاَ يسوع إلى كنيسته. فنرى التحّوّلات التّاليّة:

- تنطلق من جماعة صغيرة، ثّم تضمّ إليها أعضاء جُدداً من اليهود والوثنيين، أي مِن البشرّية الموجود قبلها. فتكبر بهم، وتختبر حضور الرّبّ في وسطها بالمعجزات وتدفق المؤمنين عليها. هنا أيضاً نستطيع تميّيز نوعين من الولادة: ولادة جماهيريّة جماعيّة على طريقة بطرس وولادة فرديّة على طريقة بولس في آسيا الصّغرى وبلاد اليونان.
- لكنها بدت لوقت وجيز كمن يبتلع ابتلاعاً دون هضم. فبدأت أزمة بين الشّعبين اليهوديّ والوثنيّ، بدءً بقصة الأرامل ثمّ قصة التبّشير بين اليهوديّ والوثنيين، ثمّ قصة الشّريعة والختان للوثنيين. لقد جَمَعَتِ الكنيسة في وسطها عناصرَ غير متجانسة، فاضطرت إلى ابتداع حلّ لكلِّ أزمة، بالفصل بين خدمة الكلمة وخدمة الموائد؛ وضرورة تبشير الوثنيين (عنصرة كورنيليوس) وضرورة وَحْدَة المسؤولين، لقاء بطرس وبولس (كي لا أكون قد تعبت سدىً)، وفهم أعمق لسرّ الخلاص بالإيمان بالمسيح لا بالشّريعة.
- بعد الاضطهاد اليهوديّ والتّشّت المسيحيّ واليهوديّ، وخسارة الهيكل والذّبائح، ظهرت كتابات الرّسل تحث المؤمنين على الثّبات في الإيمان.
- ظهور الهراطقة والمرتدّين والمتطاولين على صلاحيات الرّسل، استدعى إرسال سفراء، أو كتابة وسائل توضيحية أو تعليمية.

في هذه الحقبة القصيرة من التّاريخ، نجد الكنيسة تجتاز أزمات قاسّية، تُوجِدُ لكلِّ منها حلاً لم يكن مذكوراً في الرّسالة الأولى؛ بل أنها في كل أزمة اختبرت اندفاعاً أقوى للانطلاق إلى مدى أبعد في رسالتها (رحلات بولس التبشيرية).

ولم تكن هذه الحقبة إلا البداية. فإن تابعنا مسيرة الكنيسة في هذه الأماكن نفسها بعد قرنين أو ثلاثة، نرى الفرق الشّاسع والّنمو السّريع رغم الاضطهاد والشّهداء، وعوامل الهرطقات والتشّرذم.

3- روحانّية سفر الخروج
هذه المسيرة تُشْبُه مِنْ حيث تعّرجها وتقلبّها وأزماتها مسيرة شعب الله في سفر الخروج وسفر العدد. كان خروج العبرانيين من مصر اختباراً أساسيًّا في حياة الشّعب اليهوديّ الرّوحّية والدّينيّة والسّياسّية. فيه وعي الشّعب نفسه أمَّة مقَّدسة وشعباً مختاراً وكهنوتاً ملوكيًّا، مدعواً لحمل رسالة الشّهادة للإله الواحد، إله الآباء. نستطيع أن نرى فيه خمس مراحل:
الأولى: لقاء وتحرير: المبادرة من الله على يد موسى الّذي اختاره لرسالة خاصّة وزوده بالقوّة والدّعم والّسلطان لإخراج العبرانيين من مصر. وقد صنع لذلك العظائم، "أخرجنا بيد قديرة وذراع مبسوطة". صار الشّعب في حالة حّرية.
الثّانية: مسيرة في الصّحراء: الشّعب يسير خلف قائده، لا يعرف وجهة سفره، لكنَّه يذكر قدرة الله في تحريره ويذكر العبوديّة في مصر. لكنّه ما لبث أن بدأ التّذمّر والّرغبة في العودة إلى مصر، بسبب العطش والجوع، فسقاه الله ماء، وأطعمه خبزاً من الّسماء إلى أن وصل إلى سيناء.
الثالثة: لقاء وعهد في سيناء: اللّقاء في سيناء لقاء عام بين الله وشعبه، وجهاً لوجه ، وبكلّ حرية يقيم الله عهداً مع شعبه، عهد أمانة ووفاء مشترك، ويبُنى هذا العهد على دم الذّبائح. عندها تكوَّن الشّعب أمّة منظمّة لها قائدها، لها شريعتها، لها هدفها، وهو أرض الميعاد، ولها إلهها يسير وسط شعبه، برمز الغمام وتابوت العهد. يرتحل إذا ارتفع ويكون له قوّة وحماية ونوراً، ويستقّر إذا نزل.
الرابعة: مسيرة طويلة في الصحّراء : لكن ما أن يعود الشّعب إلى السّير حتىّ يعود إلى الّتذمّر وينسى العهد ويشتاق إلى أرض العبوديّة، ويعود فيتمرّد على الله. وفي كلّ مرة يضرب الرّبّ شعبه ويربيه إمّا بالمرض، أو بالنّار، أو بالطّاعون، أو بالقتل، إلى أن خلق منه جيلاً جديداً لم يعرف عبودّية مصر.
الخامسة: لقاء في أرض الميعاد: في نهاية المطاف، يصل الشّعب الجديد على يدي يشوع إلى أرض الميعاد، فيبيد أعداءه ويقتسم الأرض، ويجدد العهد في شكيم ويتمَّ التوّافق بين القبائل على حفظ المودة والتّضامن وحفظ شرائع الله وعهده.

نرى في اختبار الخروج صورة نموذجيّة لما يحدث في الكنيسة، ولما يحدث في حياة المؤمن. لا بل إنّ حياة المؤمن تعُيِد بشكل ضيّق اختبار الخلاص الجماعيّ، يشارك فيه ولا يستوعبه كّليَّا في شخصه. مَنْ ينكر أنه في وقت من الأوقات لم يتذمّر على الله، أو على رئيسه، أو على كنيسته، وكاد يعود إلى الوراء؟
4- نظرة تعاقبيّة:
إنّ فهم نموّ الكنيسة، يتطلّب مساعدةً الأمر الذي نجده فيما يرسمه لنا الدّارسون، من تصاميم مختلفة، نعتمد أحدها في حديثنا، يمكن أن تمرّ الكنيسة في أطوار أربعة:
أ‌- طور الرّبيع أو الولادة: يمثّل بداية دخول الإيمان في شعب جديد أو حضارة جديدة وهذا يكلّف تعباً ومشقات أو بما شهداء.
ب‌- طور الازدهار: يكثر المؤمنون وتنتظم الكنيسة بهيكلتها ونظمها وأسرارها ومعابدها، ويبدأ التأثّير في الفكر والثقّافة، ثمّ في النّظُم والعادات الاجتمّاعية، وتقدّم للكنيسة تسهيلات كثيرةً ماديّة ومعنويّة ويولد انسجام بين رسالة الكنيسة وحياة المجتمع. وتتجسّد الكنيسة فعلاً في مؤسّسات وخدمات اجتماعيّة، تصبح الكنيسة ضرورة اجتماعيّة.
ج - طور الأزمة: إنّ الازدهار الذي يعمّ الكنيسة، يخلق استقراراً في انتصارات قديمة ويولِّد الفتور في حياة المؤمنين لم يعتادوا الحرب السابقة، ويدخل المؤسّسات الكنسّية منطق المؤسّسة المدافعة عن مصالحها، ويكثر المستفيدون من ازدهار الكنيسّة لتزدهر تجارتهم، فتولد الشّكوك حول دور الكنيسة، وأمانتها على رسالتها الأولى، وتبدأ في قلب الكنيسّة أزمة ضمير، أو عدم ارتياح وتشنج ومحاولات إصلاح غير ناضجة وانتقادات للسلطة الكنسية. وقد تأتي الأزمة من الخارج عندما تظهر في المجتمع البشّري تطلُّعات مخالفة لرسالة الكنيسة فيحصل طلاق بين المجتمع والكنيسة أو حرب أو صراع مكشوف أو حرب تقضي على ما بناه الإيمان في أجيال.

د- طور الانهيار: إن تجاهلت الكنيسة الأزمة، واستمرت في استقرارها وتعاميها، لن تستطيع فهم زمنها واتّخاذ القرارات المناسبة في وقتها، فتعيش على هامش الزّمن والأحداث وتخسر التّجسد. لكن إن استطاعت خلق روح جديدة وأُطر جديدة تبعث الإيمان في النّفوس، يمكنها أن تستبق الانهيار فتشهد حركة نموّ جديدة خلاّقّة تعِدُِ بازدهار جديد.
ه- مواقف إيمانيّة وقت أزمة الكنيسة:
1- الثبّات في الإيمان بحضور الرّبّ معها كلّ الأيام، وعيش الرّسالة الأولى (مت 28، 16-20).
2- التّمسّك بحضور الرّبّ والأمانة لوعوده: "صلّيت كي لا ينقص إيمانك" (لو 22، 32).
3- التمسّك بالصّبر: "بصبركم تقتنون أنفسكم"(لو 19:21).
4- لا هروب بالتّباكي على الماضي: أمانة للتجسّد في إنسان اليوم.
5- لا هروب نحو المستقبل بتصوّر مستقبل مزاجيّ قسريّ: ليس لكم أن تعرفوا الأوقات والأزمنة (أع 1، 7).
6- السير في الأمانة الخلاَّقة: شقّ طريق للرَّبِّ حيث لا طريق. وعدم تطبيق حلول سابقة لأزمات لاحقة.
7- دفع الأشخاص والجماعة إلى الأمانة لأنّ فيها الضّمان بتحقيق وعود الرَّبَّ، لأنَّ الرَّبَّ مع كنيسته كلّ الأيام حتىّ انقضاء الدّهر.

الفصل الثالث
النّمو الرّوحيّ الشّخصيّ

إنّ السّؤال المطروح علينا هو: كيف ننمي حياتنا المسيحيّة وكيف تتجلّى هويتّنا بالنسّبة لنا وبالنسبة للأخرين ؟

كما أن الطّفل يحتاج إلى أمور لا يستغني عنها كذلك المؤمن الذّي ولد ثانية يحتاج إلى أمور ضروريّة للنمو. فالطّفل بعد ولادته لا يستطيع أن يحيا أو أن ينمو نمواً طبيعيَّا إنْ لم تتوفّر هذه الأمور:
1- التنّفس ضرورة للحياة، في الشّهيق يدخل الأوكسجين إلى الرئتين، وفي الزّفير يخرج ثاني أوكسيد الكربون السّامّ.
2- والطعّام ضرورة للنمو.
3- وكذلك الحماية من الجراثيم، كما يقول المثل " درهم وقاية خير من قنطار علاج".
4- إنّ النوّم، فرصة لتجديد القوّة.
5- وتتّم معالجة الأمراض بسرعة قبل أن يستفحل الدّاء.
6- كما أنّ الحركة والتّمرين ضرورة لحفظ الجسم من الخمول أو الضّعف أو حتىّ الشّلل.
7- كما أنّه من الواجب تغيير الملابس وتنظيف الطّفل.

أمّا في الحياة الرّوحيّة فإننّا نستطيع أيضاً أن نري ضرورة لسبعة أمور توازي هذه الأمور في أهّميّتها:
1- التّنفس = علاقة مستمرة بالله بالصّلاة.
2- الطّعام = الغذاء من الكتاب المقدّس.
3- الحماية من الجراثيم = الحماية من الشّكوك ومن هجمات إبليس عن طريق الافخارسّتيا.
4- النّوم = الرّاحة في المسيح وإلقاء أحمالنا عليه عن طريق التأمّل.
5- معالجة الأمراض بسرعة = الّتخلّص من الخطية ومن تأثيراتها عن طريق الاعتراف.
6- الحركة والتمرين = الشّهادة والاعتراف بالمسيح عن طريق الخدمة وحياة النسك والتصوف.
7- تغييّر الملابس والتنّظيف = أب روحيّ يتحّمل مسئولية خدمة المؤمن بضعفاته وأخطائه عن طريق المرافق الرّوحيّ.

ترتبط الحياة المسيحيّة، ارتباطا وثيقا بحياة، الثالوث الأقدس: الآب والابن والروح القدس الإله الواحد، وذلك من خلال الأسرار الّتي يقتبلها المؤمن، وخاصّة سّر العماد، سرّ البداية الذّي يُدخِلُنا في حياة أبناء الله، حيث لا يعود المسيح بالنسبة إليه حدثا تاريخياًّ فقط، إنَّما يصبح حياة الإنسان الجديد الذي رمّمته نعمة الله وأعطته روح البنّوة، وبالتّالي أزالت عنه الإنسان القديم، إنسان المعصية والخطيئة، وألبسته الإنسان الذّي خُلق على صورة الله كمثاله، " إن كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة"( 2كو5:7)
النّمو علامة الحياة. وحيث يغيب النّمو يحلَّ الموت. فالنمّو هو تطوّر في الحياة الرّوحيّة. يمكننا أن نعرِّف الحياة الرّوحيّة من وجهاِت نظرٍ عديدة. سأختار نقاط الانطلاق من كلمة الرسول بولس: "أنتم الذّين اعتمدتم بالمسيح قد لبستم المسيح". بهذه الكلمات يرسم لنا بولس الرسول، بدء الحياة الرّوحيّة وشكلها أو صورتها. تبدأ بالمعموديّة وتأخذ شكل المسيح وتبلغ ملء قامته.
1) الحياة الروحية أو مفاعيل المعمودية:
1- بالمعموديّة يدخل الإنسان في الكنيسة، أي شعب الله الجديد المفتدى بدم
المسيح. فيعيش في جو الخلاص وتتغذى حياته من غذاء السكني في بيت
الله، فيفرح بأفراحها وينمو معها ويشاركها آلامها وفشلها.

2- ينال المؤمن عطيّة الفداء وهي المصالحة مع الّربّ بمحو الخطيئة الأصلية والشخّصيّة.
3-يبدأ حياة جديدة على صورة المسيح، في التّجسد العمليّ والظهّور التّدريجيّ لحضور المسيح فيه.

4- يشترك في وظائف المسيح الثّلاثة: كونه ملكاً، ونبيَّا، وكاهنَّا.
1- يبدأ مسيرة اتباع المسيح العمليّة ويشارك في الصّراع ضدّ العدو المشترك، أي الشّرير.
2- يشترك في آلام المسيح وموته، ليسير على إيقاع السّر الفصحيّ، بالألم والتكّفير.
3- يصبح ابن الآب، فيقتدي بطاعة الابن ويتمّم مشيئة الآب، ويدعو الآب أبا "اختارنا نحن جميعاً لنكون مشابهين لصورة ابنه" (رو 8: 29).
4- يبدأ علاقة جديدة مع الثّالوث الأقدس، وهي علاقة حوار حرّ كيانيّ، واع ، أي إراديّ وسّريّ مع الثالوث الحاضر سرياًّ في شخص المؤمن (يو 14، 23) وجوهر هذه العلاقة هي المحبّة.
5- قّوة الدّفع في هذه الملامح كلّها، هو الرّوح القدس، الذّي يخلق الإنسان من جديد، ويزينه بعطاياه ومواهبه. الرّوح ينفذ إلى أعماقه الواعية واللاواعية، الغريزيّة والإراديّة، العاطفيّة والعقليّة، ويجعلها تعمل بما يناسب طبيعة الإنسان الجديد. وحضور الرّوح القدس فيه. فهذا الرّوح لا يعمل بعنف، ولا يفرض نفسه ولا يزيد على الإنسان حياة مستقلة عنه، ولا يجري عليه ضغوطاً خارجيّة.
6- عمل الرّوح القدس يُختْصَرَ بتعبير الحياة الفائقة الطبيعية، أو الحياة الإلهيّة بالإيمان والرّجاء والمّحبة.
7- تنتهي مسيرة المؤمن الأرضية بقبوله الموت طاعة للآب، وتقدمة ذاته وتسليمها نهائياًّ للآب مع الابن في الرّوح.
8- تكتمل صورة المسيح في المؤمن عندما يتجلّى فيه وفي اخوته، مجدُ المسيح القائم من الموت. بين البدء في المعموديّة ومجد القيامة، مسيرة تُشْبًه مسيرةَ المسيح نفسه، تتخللّها مِحَنٌ، وتجارب، وتقلّبات يختصرها بولس الرسول في ثنائيات عديدة.
• الأولاد: البالغين في المسيح.
• النّاقصين: الكاملين في المسيح.
• الضّعفاء: الأقوياء.
• المنساقين مع كلّ ريح: المؤسسين على التعّليم الصّحيح.
• السّعي: الفوز
• الجهاد: إكليل المجد
• الإنسان القديم: آدم وترسبات خطيئته. والإنسان الجديد: الذّي خُلِقَ على صورة المسيح.
هذه الأفكار ليست معطيات عقائديّةّ فقط، بل هي حياة المؤمن وقد اختبرها ووعى حقيقتها عبر اختبار الرّسل والكنيسة والمصليّنً الرّوحيّين. ويمكن أن تصبح أية ناحية من فعالّية المعموديّة منْهَجَاً روحيَّا متكاملاً يملأ حياة المؤمن، لكن مهما انعزل المؤمن في اختياره لهذه الّناحية أو تلك، لن يكون اختياره سوى تركيزاً جزئيَّا، يفترض وجود النوّاحي الأخرى ونموّها. فالحياة كلٌّ لا يتَجَزأ ، والمسيح واحد لا ينفصم، وقميصه غير مخيّط لا يشقّ (يو 19، 23).

تقول القديسة تريزا ليسوع الطفل: "لا يزال التسّليم مختلفاً عن مشيئة الله. بينهما من الفرق ما بين الاتّحاد والوَحْدَة. ففي الاتّحاد مانزال اثنين, أمّا في الوحدة فلا نعود إلاَّ واحدا ً". نعم, لا نكن واحداً مع الله، حتىّ ونحن لا نزال في هذه الدّنيا. ولكي يتمّ لنا فليكن ما بنا أكثر من التّسليم.. لنقبل الصّليب في فرح" 6
يقول القديس يوحنا الصليب: " الدرّجة العاشرة والأخيرة من سلم الحبّ السّريَّة, تجعل النّفس شبيهةً كلَّ الشّبه بالله، بفضل الرؤية الجليَّة التي تحصل عليها النفّس حالاً. فما إن تصل في هذه الحياة إلى الدّرجة التّاسعة حتّى تخرج من الجسد. فهذه الأنفس، وهي قاسية جداً، بما أنّها قد تطهّرت بالحبّ أشدّ التطهير، لا تدخل في المطهر. لذلك يقول القديس متى(8:5): طوبى لأنقياء القلوب، فأنهم يعاينون الله،... وهذه الرؤية كما قلنا، هي السّبب في تشابه النّفس التّاّم مع الله؛ فالقديس يوحنا يقول: "نحنُ نَعرِفُ أنَّ المسيح متى ظهرَ نكون مثله"(1يوحنا2:3), لا لأنّ النفّس تصير كفوءةً (بالطبيعة) الله، وهذا مستحيل، بل لأن كلَّ ما في ذاتها يصبح شبيهاً بالله. ولذا فإنّها سوف تصبح الله بالمشاركة"(ك2 ف5:20)

ولكي يحيا الإنسان المؤمن حياة الإيمان، معززا فيه النّعمة ومنميا فيه مواهب الفضائل الإلهيّة: الإيمان، الرجاء والمحبة، لابدَ له من التّدّرب على وسائل التّنشئة الإيمّانية التي تنمي فيه الحياة الإلهية.
أولا: الإصغاء لكلام الله" كلمتك مصباح لخطاي ونورٌ لسبيلي".
أن يواظب المؤمن على قراءة الكتب المقدسة ومعايشتها، ليكتشف حكمة الله وكلمته,"لأن مَن يجهل المسيح ، يجهل الكُتَبَ المقدَّسة".
قراءة فرديّة مصليّة في الجماعة وفي الليتورجيّة." لأنّنا نكلمه في صلاتنا ونستمع إليه عندما نطالع أقوال الله"
وبإيجاز العبارة التّعرف إلى هذه الكتب، الّتي تحتوي على كلمة الله "ففي الأسفار المقدَّسة يلتقي الآب السّماويّ بأبنائه بمحبة ويكالمهم"(في الوحي 21).
من أقوال الأب متى المسكين:
"وهكذا أصبحت كلّ قراءة للكتاب بتقوى وخشوع وتعّبد وقلب مفتوح مصدرَ انسكاب سرّيّ للتقديس بواسطة الآب والابن الذّي يتغلغل في الفكر والضّمير والشعّور والإرادة والسّلوك يوماً فيوماً لبناء النّفس بناء جديدا يلتحم مع المسيح فى شركة سرّيّة مع الله، غير مدرَكة، كِعشرة حياة بواسطة الكتاب المقدس أقرب ما تكون إلى عِشرة زوجين متحابين حبًّا أبديًّا!!
هكذا كلّ مَنْ يقرأ الكتاب المقدس بعهديه بوعي وقلب مفتوح, يدخل شيئاً فشيئاً في سّر الآب عن طريق إعلان المسيح حيث يصبح كلام المسيح مدخلاً لسّر الآب للحفظ والتّقديس. لأن مِن "كلام الآب" الذي عبر عنه المسيح أنه "حق":"كلامك هو حق"، يتقبل القارئ اسم الآب –أي شخصه- كحق حافظ ومعين ومقدس: "أيها الآب القدوس احفظهم فى اسمك", ومن شخص المسيح يتقبل القارئ تقديس ذات المسيح" أُقدس أنا ذاتي ليكونوا مقدَّسين" 8
ــــــــــــــــــ
6- كلمات القديسة تريزا ليسوع الطفل, كنيسة القديسة تريزا ليسوع الطفل-شبرا القاهرة, الطبعة الثانية1988ص57.

من كلمات القديسة تريزا ليسوع الطّفل في هذا الموضوع:
"ففي أوقات التأمّل، يغذيني الإنجيل أكثر من أيَ كتاب آخر، وفيه أجد كلَّ ما لابد منه لنفسي الصغيرة المسكينة. ففيه أكتشف دائما أنواراً جديدةً، ومعان خفية وسرّيّة..." وهي تقرَّ بأنَّ الكتب الأخرى كلًها تترك نفسها في اليبوسة."يبدو لي أنً كلام يسوع هو[يسوع] نفسه... هو يسوع، الكلمة، كلمةُ الله!". وهذه الكلمة تقرأها، وتتبصر فيها. في الكتاب المقدس تبحثُ عن طريقتها: "كلامُك هو السّراج الذّي يُضىءُ لخُطاي". والّترجمات المختلفةُ تُحِزنُها: "لو كنتُ كاهناً لدرست العبريّة واليونانيّة لكي أعرف الفكرَ الإلهيّ كما شاء اللهُ أن يُعبرَ عنه في لغتنا البشرية"

الكتاب المقدس هو طعام الرّوح، وتوجد عدة أوجه شبه بين الطعّام الذّي نأكله وكلمة الله، طعامنا الرّوحّي. لكن هناك فارقاً واحداً كبيراً. فمن ناحية الطّعام الجسديّ نري أن الشّهية للطعام تنشأ عن الجوع فكلما جاع الإنسان اشتدت شهيته للأكل. أمّا في الطّعام الرّوحيّ فنري أن الحالة معكوسة. إذ أن الشّهية للطعام الرّوحيّ تزداد كلّما أكلنا أكثر وتنقص كلّ ما طال صيامنا عن الكتاب المقدس.
أستعمل القديس بطرس فعل الأمر عندما كتب يقول: "وكأطفال مولودين الآن اشتهوا الّلبن العقلّي العديم الغش لكي تنمو به أن كنتم قد ذقتم أن الرّبّ صالح" (1بط 2:2-3).
إنّك تستطيع أن تزيد شهيتك لكلمة الله أن أنت ابتدأت في قراءة الكتاب المقدس. ليس هذا فقط بل أن تتأمّل فيها، تفكر في الكلمات وتتلذّذ بها، تمضغها وتخزنها في فكرك ثمّ خلال اليوم ترجعها إلى وعيك وتجّتر عليها وتتمتع بها. طوبى وهنيئاً للإنسان الذّي يتلذَّذ بكلمة الله ويلهج بها نهاراً وليلاً فيكون كشجرة مغروسة عند مجاري المياه وتعطي ثمرها في أوانه وورقها لا يذبل، هذا الإنسان كلّ ما يصنعه ينجح به. وسينمو وينمو ويتقوى.
يستعمل أطباء الأطفال أحياناً رسماً بيانياًّ لقياس نمو الطّفل. فالطفّل الطّبيعيّ عند الولادة يزن حوالي ثلاثة كيلوجرامات ويكون طوله حوالي 45 سنتمتر. أمّا في الشّهور الّتي تلي فمِنْ المفروض أن يزداد الطّفل في الوزن والطّول، ولكلّ سن مقياس. فإذا رأينا طفلاً عمره ثلاث سنوات ووزنه أربعة كيلوجرامات، سيكون منظره غريباً إذ سيكون أقرب شيء لهيكل عظمي مُغَلَّف بالجلد. وعندما ينظر الله إلى أولاده الذّين أحبّهم محّبة لا تقاس، كثيراً ما يري فينا وجوهاً شاحبة وأجساماً أشبه ما تكون بالهيكل العظمي، لأننا اكتفينا بأقل القليل مِن الطعام الرّوحيّ وتعودنا أن نكتفي بما يمضغه لنا الآخرون ويضعونه في أفواهنا.
ــــــــــــــــ
7- يوحنا الصًليب, المؤافات الكاملة, الليل المظلم, نقله عن الاسبانية الأب اسطفان طعمة الكرملى, تراث الكرمل 13بيروت 1995ص248.
8- الأب متى المسكين, الكتاب المقدس رسالة شخصية لك مطبعة دير القديس أنبا مقار-وادي النطرون, الطبعة الثانية 1987ص4-5.
9- غي غوشيه, قصة حياة تريز مرتان, نقله عن الفرنسية الأب يوسف قوشاقجي, بحوث الكرمل 2, بيروت 1992ص170-171.
ثانياً: سرّ الأفخارستّيا الذّي هو قلب الحياة المسيحّية، والمنهل، المنبع والغذاء للمؤمنين. إن الله أعطانا جسده ودمه مأكلاً حقاً ومشرباً حقاً، لكي نتعّلم نحن العطاء في الخدمة المجانيّة بالتضامن، خاصة مع الفقراء والمهمشين والمقهورين...ويكون لهم الخبز الذّي حوَّله المسيحُ إلى قربانٍ يُشفي ويُعزي ويغذًي.
تقول القديسة تريزا إلى ابنة خالها مارى جيران:
"قبل أن أتلقي نجواك(في صدد الوساوس) كنت أحزر هلعك. كان قلبي مُتَّحِدا مع قلبك ومادمت من التوّاضع بحيث تستشرين عزيزتك تريزا الّصغيرة، فها هي تصارحك بما ترى. لقد كدرتنى جدا بالعدول عن تناول القربان المقدس لأنّك كدرت يسوع جدا..لابد أن يكون إبليس داهية ليخدع هكذا النّفس. أمّا تعلمين, يا عزيزتي, أنّك هكذا تنيلينه غرضه؟ هو الخبيث لا يجهل أنه لا يستطيع أن يدفع إلى الخطيئة نفسا تريد أن تكون كلّها لله. لذلك لا يسعى إلا ليقنعها أنّها تخطىء. هذا وجده كثير ولكنّه في غيظه يرى أن هذا لا يكفى بعد، فيطلب شيئا آخر. يريد أن يحرم يسوع هيكلاً محبوباً. لا يمكنه أن يدخل هو هذا الهيكل فيريد في الأقلّ أن يبقى هذا الهيكل خاليا بلا سيد. واحسرتاه! فما عساه يغدو هذا القلب؟ حين يتوصّل الشّيطان أن يبعد نفساً عن القربان المقدس، يكسب كلّ شيء، فيبكى يسوع.
عزيزتي الصّغيرة مارى، ألا فكرى أن يسوع الرقيّق هذا هو هنا في الهيكل خصيصاً لك، لك وحدك وأنّه يتحرق شوقاً إلى دخول قلبك. فلا تستمعي للشيطان، بل اسخري منه واذهبي بلا خوف لتناول يسوع السّلام والمحبّة.
ولكنى أسْمَعُكِ تقولين: " إنّ تريزا تظن هذا لأنَّها لا تعرف نقائصي، بل تعرف كلَّ شيء وتدركه بالحدس وهي تؤكّد لك أنه يمكنك أن تذهبي بلا خوف لتناول صديقك الحقّ الوحيد. عانت هي أيضا ما في الوسواس من عذاب مُبْرح، ولكن يسوع أنعم عليها بالا تبرح تتناول حتىّ وهي تظن أنّها قد أتت أوزاراً. وحقُّكِ أؤكد لكِ أنّها عرفت أن هذه هي الوسيلة الوحيدة للتخّلص مِنْ الشيطان. إذا رأي أنّه يُضَيّع وقته، تركنا آمنين.
كلا.. القلب الذّي كلُّ ارتياحه أن يتأمّل الهيكل- وهذا شأنك على قولك- مِنْ المُحال أن يسيء إلى الرَّبِّ بحيث لا يمكنه أن يتناوله. ما يسيء يسوع، ما يجرح قلبه هو عدم الّثقة. صلِّ إليه كثيراً حتىّ لا ينقضي أجمل سنيك في مخاوف وهّميّة. ليس لنا ما نصرف لمجد الله إلا آونة الحياة، آونتها القصيرة.. يعلم الشّيطان ذلك جد العلم. لذلك يحاول أن يجعلنا نصرف هذه الآونة في أعمال عديمة الفائدة. أختي الصّغيرة الحبيبة تناولي كثيراً، كثيرا جدا.. هذا هو الدّواء الوحيد إذا أردت الشفاء"10
بعض الملحوظات النّاتجة عن حديث القديسة تريزا مع ابنة خالها مارى جيران:
محاولات عدو الخير المُتكّررة ليقنع الّنفس بإنّها في حالة الخطيئة، وبالتّالي فهي غير مستحقة للتناول. فهو بهذا الشّكل يريد أن يَحَرَم يسوع هيكلاً محبوباً، أو أن يبقي هذا الهيكل خالياً بلا سيد.
"المناولة تنمّي اتّحادنا بالمسيح. قبولُ الافخارستّيا في المناولة، ثمرته الأولى الاتّحاد الحميم بيسوع المسيح. فالرّبّ يقول لنا: "من يأكل جسدي ويشرب دمي يثبت فيَّ وأنا فيه" (يو 56:6). والحياة في المسيح ركيزتها الوليمة الافخارستيّة: "كما أنّ الآب الحيَّ أرسلني وأنّي أحيا بالآب، فكذلك الذي يأكلني سيحيا بي" (يو 57:6). (تعليم الكنيسة الكاثوليكية رقم 1391).
إنّ غاية عمل الشّيطان هو أن يبعد نفساً عن التّناول المقدس, فيكسب هذه النفس، وفى نفس الوقت يبكي عليها يسوع. يسوع الرّقيق القلب هو خصيصاً للّنفّس ولها وحدها، ويتحرق شوقاً إلى دخول قلب المؤمن.
"مفعول الطّعام في حياتنا الجسدّية، تحقّقه المناولة بطريقة عجيبة في حياتنا الرّوحّية. الاشتراك في جسد المسيح القائم "الذّي يحييه الرّوح القدس ويفيض فينا الحياة"، يصون حياة النعّمة التي تلقّيناها في المعموديّة، وينميها ويجدّدها. هذا النمّو في الحياة المسيحيّة يحتاج إلى غذاء المناولة الافخارستّيا، خبزِ حِجّنا [ في هذه الحياة] إلى أن تحينَ ساعة الموت (الانتقال) فنُعطاه زاداً [ للحياة الابدية]. (تعليم الكنيسة الكاثوليكية رقم 1392).
علي المؤمن ألا يستمع للشيطان، بل عليه أن يسخر منه، ويذهب بلا خوف لتناول يسوع السّلام والمحبّة.
سّر القربان المقدس بمثابة الوسيلة الوحيدة للتخلّص من الشيّطان، وهو الدّواء الوحيد للنفس إذا أرادت الشّفاء.
" المناولة تفصلنا عن الخطيئة. جسد المسيح الّذي نأخذه في المناولة قد "بُذِلَ لأجلنا"، والدّم الذي نشربه قد "سُفِكَ عن الكثيرين لمغفرة الخطايا". وبالتّالي، فالافخارستّيا لا تستطيع أن تضمّنا إلى المسيح، مِنْ دون تطهّرنا من الخطايا السّالفة وتحفظنا من الخطايا الآتية: "كلّ مرة نتناوله، نخبر بموت الربّ. فعندما نبشّر بموت الربّ، نبشّر بمغفرة الخطايا. وإذا كان كلَّ مرة يراقُ دمُه، إنّما يراقُ لمغفرة الخطايا، فعليّ أن أتناوله دائماً لكي يصفح دائماً عن خطاياي. فأنا الذّي يرتكب الخطيئة دائماً، أحتاج دائماً إلى علاج". (تعليم الكنيسة الكاثوليكية رقم 1393).
قد يجد الإنسان ذاته وكأنه مقيداً، والتّجارب والمشاكل تنهال عليه من كلّ جانب، وذلك لاتّخاذه قراراً بأن يعيش حياة التّسليم للمسيح. ولكي يتعلم الإنسان كيف يجابه عدوه إبليس فمِِنْ الواجب أن يعرف طرق هجومه . إذ إنّه عادة يدخل ويسبب إحدى هذه الأمراض. الشّكّ الذّي يقود إلى الاستسلام، الشّعور بالفشل أو باليأس، وروح الانقساميّة وعدم الخضوع، والاهتمّام الزّائد بأمور ثانويّة والانحراف عن الأولويات والأوليات.
ــــــــــــــــ
10 كلمات القديسة تريزا ليسوع الطفل, كنيسة القديسة تريزا ليسوع الطفل-شبرا القاهرة, الطبعة الثانية1988ص95-96.

فِمْن ناحية الشّكّ تستطيع أن تقطع الطّريق على إبليس برفضك أن تسمع له، وبتصديق كلمة الله ووعوده، وأن تضع ثقتك وإيمانك بها. أمّا من ناحية الشّعور بالفشل واليأس فتذكّر أن الله هو الأب ويمتحن إيمانك لكي يطهرك ويبرهن لك أنك قادر أن تنتصر. أمّا إبليس فهو الذّي يجربك وهدفه أن يسقطك ويتركك ساقطاً مهزوماً ومغلوباً بشعور الفشل واليأس. ففي اللحظة التي تشعر بها بأن إبليس يهاجمك أرفع عينيك إلى المسيح وتذكر مِنْ هو؟ وماذا فعل من أجلك؟ وأحتمِ في سرّ الإفخارستّيا. ثم أنظر إلى نفسك وإلى مركزك، وتذكر أنّك جالس مع المسيح في السّموات وأن لا قدرة ولا سلطان لإبليس عليك إذ المسيح سحق رأسه (تك 15:3).
أمّا النّاحية الثّالثة التي كثيراً ما يربح فيها إبليس فهي روح الانقساميّة وعدم الخضوع. لأن الخضوع مبدأ عامّ، نراه في الكتاب ككلّ ويصف معظم العلاقات البشريّة. فالزّوجة يجب أن تخضع لزوجها، والمواطن يجب أن يخضع للرؤساء والعضو في الكنيسة يجب أن يخضع للراعي والموظف يجب أن يخضع لرئيس العمل والحديث في الإيمان يجب أن يخضع للمختبر والمؤمنون يجب أن يخضعوا الواحد للآخر. فالخضوع هو فضيلة بين رذيلتين. الرذيلة الأولي هي الّتمرّد والعصيان، والثانية هي الخنوع.
أمّا الحالة الرّابعة وهي الاهتمام الزائد بأمور ثانوية، والانحراف عن الأولويات والأوليات، ففي هذه المعركة سقط كثيرون من عائلة الله وبينهم أتقياء وقادة كنيسة المسيح. إذ إنه عندما يفشل إبليس في معاركه السابّقة يهاجم في هذه المعركة وكأنه ملاك من نور يأتي ويغوي المؤمنين واهتمامات براقة وهامّة ليسّت الأهمّ.
لقد عاش المسيح على الأرض بهدف واضح وأولويات واضحة ولم يدع الظّروف أو المسئوليات أو الاهتمامات تبعده عن تحقيق هدفه (مز 4:27، لو 41:10-42، أف 24:5-25،كو 23:3؛ متى 18:28-20؛ يع 7:4)
ثالثا: سر الاهتداء والمصالحة.
لكي نتابع المسيرة مع الرّبّ يسوع، علينا أن نتجاوز كلَّ يوم ذواتنا"لنصل إلى الّشاطىء الآخر". ألا نسمع الابن الضّال يقول: "أقوم وأرجع إلى أبي"، ونحن نتوق إلى هذا الأب الحنون الذي لا يمكن لأحشائه التي ولدتنا في المعمودية أن تتنكر لنا عندما نعود إليه بالتّوبة الصّادقة.
علينا أن نعترف بخطايانا لأبينا الذي يحبنا كما اعترف الابن الضال...علينا أن نخرج من الظّلام، من انطوائيتنا لنلتقي بالنور وبالحياة. أيّ أب إنساني ذلك الذي أحبّ بلا نقصان وبلا شكوى؟ هذا غريب جداً على خبراتنا الإنسانية حتّى إنّنا نعاني مشقّة كبيرة في الإيمان بأنَّ هذا الأسلوب هو نفسه الذي يسلكه الله تجاهنا. كم واحد منَّا لم يقع في شرك الحيرة بين أن يكون إثمنا حقيقياً وبالتّالي فلا يمكن لله أن يحبّنا، أو أنَّ الله يحبّنا حقاً لكن ذنوبنا غير واقعيّة. مثل الابن الشّاطر يخترق هذه الحيرة في لبّها وجوهرها، في محاولة لإقناعنا أنّ "أفكاري ليست أفكاركم" (أش 8:55). إن فهم هذه الحقيقة يساعدنا كثيراً على تجاوز الأسلوب الضيّق الذي نستخدمه في التّفكير في ردّ فعل الله تجاه ذنوبنا. فالآب لم يضع شروطاً أو يستوجب عتاباً، بل غفر بكلّ سهولة وسلاسة. وبهذه الطّريقة استعاد ابنه كاملاً. فكان هذا اليوم من أسعد أيّام حياته: يوم عاد أبنه إليه. فنحن نهب الله سعادة اللّقاء ونجعل الآب مغتبطاً حينما نعطيه فرصة مغفرة خطايانا! فاعترافاتنا هي فرصة الله في أن يمارس رحمته معنا وأمانته: " وطفقوا يفرحون".
"التوبة الباطنة هي إعادة توجيه جذريّة للحياة كلّها. إنّها عودة وارتداد إلى الله من صميم قلبنا، وإمساك عن الخطيئة وبغض للشرّ، وكره لما اقترفناه من أعمال ذميمة. وهي تنطوي، في الوقت نفسه، على الرغبة والقصد في نجدّد حياتنا معتصمين برجاء رحمة الله، والثّقة بمعونة نعمته. ارتداد القلب هذا يرافقه توجّع وحزن خلاصيّان سمّاهما الآباء غمّ الروح، وانسحاق القلب". (تعليم الكنيسة الكاثوليكية رقم 1431).
في القطب الشمّالي تستعمل وسيلة خاصّة لصيد الدببة وهي وسيلة سهلة لا تتطّلب أي مجهود. يجمع الصياد عدداً من الّضلوع العظمية المرنة ويدبب كلّ منها من الجانبين إلى أن تصبح حادة كالمخرز ثمّ يثنيها لتشكل حدوة حصان. ثم يلفها ويغلفها باللحم. بعد هذا يربطها بخيط لتبقي العظمة داخل اللحم مثنية بشكل حدوة حصان. ثم يضع هذه القطع اللحمية في الثلّج إلى أن تتجّمد فيقطع الخيط. ثّم يذهب إلى الأماكن التي تمرَّ بها الدّببة ويضع بعض قطع اللحم في المكان المعّين ويختبئ. وما أن يشتم الدّب رائحة اللحم حتىّ يندفع ويلتهمها الواحدة بعد الأخرى بدون أن يمضغها وينطلق في طريقه. وفي هذه المرحلة كلّ ما على الصياد أن يفعله هو أن يتبع الدب. فعندما يذوب اللحم المجمد داخل معدة الدّب تنفك قيود العظمة المثنية وتمزق معدة الدّب من الجانّبين. وهكذا دواليك العظمة تلو الأخرى، حتى يأخذ الدّب بالترنح تحت وطأة الألم والنزيف الدّاخليّ. وما أن يسقط على الثّلج حتىّ يأتي الصّياد وينهي عليه.
هل تستطيع أن تتخيل الله الآب ينظر إلى أولاده الذين أحبّهم، وأحبّهم محبةًّ لا حدود لهاحتى يبتلعوا عظام الخطية المثنّية واحدة تلو الأخرى ويترنحون تحت وطأة الألم والنزيف الدّاخلي؟ هل تستطيع أن تتخيّل عمق الألم الذي يختبره أي والد حينما يري ابنه وقد ابتلع شفرة حاّدة ووصلت إلى معدته. هذا هو ما تسببه الخطية لنا ولوالدنا السّماوي، ولعائلة الرّبّ التي ننتمي إليها.قلب الإنسان باهظ ومتصلّب، ولا بد للإنسان من قلب جديد ينفحه به الله. والارتداد إنمّا هو أوّلاً عمل نعمة الله الذّي يرّد قلوبنا إليه: "أعدنا يا ربّ إليك فنعود" (مرا 21:5). ويؤتينا الله قّوَّة لنبدأ من جديد. وعندما نكتشف عظمة محبّة الله، يتفطّر قلبنا من هول الخطيئة وثقلها، ويدبّ فيه الخوف من أن يهين الله وينفصل عنه. القلب البشري يرتدّ إلى الله عندما يشخص إلى ذاك الذي طعنته معاصينا: ولنجعل عيوننا شاخصة إلى دم المسيح ولنفهم كم من نفيس في نظر أبيه، لأنه أُريق لأجل خلاصنا، فأسبغ على العالم كلّه نعمة التّوبة" (تعليم الكنيسة الكاثوليكية رقم 1432). والغريب في عالمنا هذه الأيام أننا نحن المؤمنين تقبلنا المفهوم القائل بأن : المؤمن الذي له ضمير بلا عثرة نحو الله والنّاس، أي المؤمن الذي لا يدع العظام الحاّدة تبقي في داخله بل يتخلص منها باستمّرار وعند الضّرورة، هذا المؤمن غير عادي ونادراً ما تجده. ولكنَّ الشيء العادي هو أن تري معظم المؤمنين يترنحون تحت وطأة خطية ما، وكأن راحة الضّمير هي اختبار عابر يختبره المؤمن لأيام أو لأسابيع قليلة في السّنة. يالا تعاسة مسيحيتنا إذ إنّنا عملنا من الشّاذ والمريض الحالة العادية ومن الصحيّح والحرّ الحالة الشّاذة.
والذي يحيا بضمير متعّثر يجد نفسه ضعيف الطّاقة يعمل بمجهوده الشخّصيّ ويفقد لذة الاتّكال على المسيح. فهو أشبه ما يكون بصاحب سيارة خزان وقودها مثقوب وينبغي أن تعبأ كلّ ساعة مرّة. فهذا الإنسان سيتعب من تعبئتها في دفعها (راجع متى 15:18-17). عندما تذهب لتتصالح مع شخص ما تذكر هذه النقاط العملية:
أ‌- الهدف هو المصالحة، وليس الاعتذار. أي من الممكن جداً أن تقول عفواً وتتركه كما أتيت وكأن شيئاً لم يكن، لكن المشكلة لا تزال كما هي. الهدف هو أن تتصافى القلوب.
"دعوة يسوع إلى الارتداد والتّوبة، على غرار دعوة الأنبياء، لا تتوخَى أوّلاً الأعمال الظّاهرة: "المسح والرَّماد"، والأصوام والتّقشّفات، بل ارتداد القلب والتّوبة الباطنة. بدون هذه التّوبة الباطنة، تبقى أعمال التّوبة الظّاهرة عقيمة زائفة، بينما الارتداد الباطن يهيب (يقود) بالإنسان إلى أن يعبّر عن توبته بأدلة حسّيَّة وأفعال توبة وأعمال" (تعليم الكنيسة الكاثوليكية رقم 1430).
ب‌- قبل ذهابك للمصالحة صل. فكّر وتذكّر الحادثة التي سبّبت الخلاف، وما هي خطيتك أنت. قد تستطيع أن تقول في لحظة وبوضوح ما هي خطية الشّخص الآخر. ولكن ما هي خطيتك؟ أذهب إليه بروح التّواضع وأعتذر له عن الخشبة التي في عينيك، وأساله أو سله أن يغفر لك خطيتك. فإن أختار هو أن يتكلم أو أن يعتذر عن خطيته فأنظر إلى تلك الخطية كالقذى أو كحشرة صغيرة دخلت في عين أخيك المؤمن وطلب منك أن تخرجها بطرف منديلك. لا تتكّبر وأنت تقوم بهذه الخدمة لأن الخشبة لا القذى هو في عينك أنت.
" توبة الإنسان الباطنيّة قد تتّخذ تعابير غايةً في التنوّع. ويلحّ الكتاب المقدس والآباء على ثلاثة أشكال لها: الصّوم، والصّلاة، والصّداقة، وهي تُعَبرُ عن الارتداد في علاقته مع الذّات، ومع الله ومع الآخرين. فإلى جانب الّتنقية الجذريّة التي تتمّ بالمعموديّة أو بالاستشَهاد، يذكرون من بين الوسائل المعتمدة لنيل مغفرة الخطايا: الجهود المبذولة للتصالح مع القريب، ودموعَ التّوبة، والاهتمامّ بخلاص القريب، وشفاعة القديسين وممارسة المحبّة التي "تستر جمَّاً من الخطايا" (1بط 8:4). في الحياة اليوميّة يتمّ الارتداد عبر أفعال مصالحة، والاهتمام بالمعوزين، وممارسة العدالة والحقّ والّدفاع عنهما، والإقرار بالذّنوب أمام الآخرين، والتأديب الأخويّ، ومراجعة الحياة، ومحاسبة الضّمير، والإرشاد الرّوحيّ، واحتمال الأوجاع والصّبر على الاضطهاد من أجل البرّ أن نحمل الصَّليب كلَّ يوم ونتبع يسوع هو الطّريق الآمَنُ إلى التوبة" (تعليم الكنيسة الكاثوليكية الرقمين 1434- 1435)
ت‌- لا تقل "عفواً"، بُلْ قُل "هل يمكنك أن تسامحني على الخطية الفلانية؟" حتىّ تسمع منه الجواب "نعم". وهذا ما يساعدك لكي تريح ضميرك.
ث‌- ممّا لاشكّ فيه أَن في مَثَل "الابن الضّال" قد تساءل الابن في طريق عودته مرََّات ومرَّات: "ماذا سيقول أبي؟" "كيف ستكون ردّة فعله؟" وجاء تصرّف الأب فائقاً كلّ توقعاته، حيث الرّحمة والرّأفة والحنان. أعاد الأب لابنه كلّ شيء: الحلة الأولي، الخاتم، والحذاء. لقد داوى الجرح. نحن أيضاً نلتقي على طريق الحياة أناساً فجعتهم الحياة وأدمتهم بجراح لم تلتئم. وغالباً ما يملأ الحزنُ والألم والمرارة هؤلاء النّاس، فيحطمون شخصيّاتهم. ولهذا السّبب فإنَّ الاعتراف الشخصيّ والصّريح بالخطيئة أمرٌ مهمّ وضروريّ. فالمشكلة ليست الله. بل نحنُ ذواتنا. فالله يغفر بسهولة وطواعية، برضا وعن طيب خاطر. ولكنّه شاقّ علينا استيعاب غفرانه. فاستجابة الله سريعة فوريّة سرمديّة، أمَّا نحن فبطيئون، خاصّة في دور النقاهة، في التّعافي من جراح عميقة ولَّدت شعوراً بالذّنب. إنَّها خطوات تدريجيّة تلك التي نخطوها باتجاه القبول التامّ عقب اختبار إثم حقيقيّ. ليس غريباً أو نادراً أن نلتقي بأفراد اعترفوا بخطاياهم، مدركين عقليًّا حقيقة مغفرة ذنوبهم، وجراحهم مازالت دامية. في هذا النّص تكمن الجذور النّفسية لسرّ الاعتراف، فإن لم نعبّر عن ذنوبنا إلى شخص آخر، مفصحين عنها بوضوح في حديث، ونصغي إلى ذلك الشّخص يعطينا الغفران باسم الربّ، فالمغفرة لا تصل إلى القلب. لهذا أكَرِّر: "علينا أن نفصح عن خطيئتنا"، ونحن لا نستطيع أن نفعل ذلك منفردين بأنفسنا. وهنا يكمن واجب مهمّ للمُعَرِّف أيضاً؛ أولاً: عليه أن يعطي النّادم فرصة حقيقيّة للحديث عن خطيئته بلا تقليّل من شانها، وبلا عجلة (وهذا ليس دفاعاً عن أيّ فضول مفرط من جانبه). ثانياً: على المعرّف أن يغرس في قلب التّائب مغفرة الله، بحيث لا تغفر له فحسب، بل تشفيه أيضاً. الله يغفر في طرفة عين، ولكنَّ الإنسان يحتاج إلى وقت أطول وإلى مساعدة ليتحرَّر من إثمه.
يقول القديس يوحنا الصّليب إلى الرّاهبة التّقية مريم دِ سوتو:"احترزي، وقولي لأخواتك أن يحترزن هُنً أيضاً، فلا تهملن جميعاً اعترافاتكُنً…"
يقول القديس فرنسيس الأسيزي:" ثم علينا أن نعترف للكاهن بكلّ خطايانا، ونقبل منه جسد ودم ربنا يسوع المسيح. فإن مَنْ لا يأكل جسد المسيح الرّبّ ولا يشرب دمه, فلا يستطيع أن يدخل ملكوت الله. إلا أن عليه أن يأكله باستحقاق, لأن من يتناوله بدون استحقاق, إنّما يأكل ويشرب دينونة لنفسه, لأنّه لم يميز جسد الرّبّ عن باقي الأطعمة. كذلك علينا أن نثمر ثمراً يليق بالتّوبة(لوقا 8:3). ولنحبب القريب كأنفسنا. إلاّ أنّه إذا كان هناك أحد لا يريد، أو بالأحرى لا يستطيع أن يحبه كنفسه، فعليه على الأقل, أن يحسن إليه، وألا يوقع به أي ضرر."12

"الافخارستّيا والتّوبة: الارتداد والتّوبة، كلَّ يوم، منبعهما وغذاؤهما الافخارستّيا، ففيها تتجدّد ذبيحة المسيح الذي صالحنا مع الله. بالافخارستّيا يتغذّي ويتقوّى الّذين يحبون حياة المسيح، "وهي التّرياق الّذي يُعتقُنا من أخطائنا اليوميّة ويصوننا من الخطايا المميتة" (تعليم الكنيسة الكاثوليكية رقم 1436).

تقول القديسة تريزا ليسوع الطفل:"أشاطرك الرّأي تمامَّا، فانَّ قلب يسوع ليكتئب مّما بأصدقائه مِن النَّقائص الصّغيرة الوافرة العد أكثر جداً من اكتئابه للذنوب التي يرتكبها أعداؤه حتىّ الكبيرة. حقاً، يا أخي، يبدو لي أنه لا يستطيع أن يقول: "هذه الجراحات التي ترونها في وسط يدي أصبت بها في بيت من كانوا يحبونني"(زكريا6:13) إلاّ حين يعتاد خلانه الخشونة نحوه ولا يستغفرونه عنها.أمَّا مَنْ يحبونه وبعد كلّ هفوة صغيرة يأتونه ليرتموا بين ذراعيه وهم يستغفرونه، فإنّ يسوع يهتز فرحاّ بهم ويقول لملائكته ما قال والد الابن الضَّال لخدامه: "اجعلوا في يده خاتما ولنفرح"(لوقا12:15). آه، يا أخي، ما أقلّ معرفة النّاس لما يُطْبَعُ قلب يسوع من الحنان والحبّ الرحّيم! ولكن على الإنسان أن يتَّضع ويعترف بعدمه ليتنعم بهذه الكنوز وهذا ما لا تريده نفوس عديدة"13 " ويسوع الذّي كان يرى شوقه واستقامة قلبي، سمح بأن يأذنَ لي مُعَرّفي، خلال شهر أيار، بأن أقومَ بالتّناول المقدَّس أربع مراتٍ في الأسبوع. وبعد انقضاء هذا الشّهر الجميل, أضاف إليها مرة أخرى، أي كلمَّا صادف عيدٌ في الأسبوع. ولقد سالت دموعٌ عذبة من عيني لدى خروجى من كرسي الاعتراف. فكان يُخَيّل إلي أن يسوع نفَسَه هو الذَّي يريد أن يمنحني ذاته. فإني لم أكن أمضي في الاعتراف سوى وقت قصير جداً، ولم أقل قط كلمةً عن مشاعري الدَّاخليّة. فالطّريق الذي كنتُ سائرة فيه كان مستقيماً ونيراً إلى حدّ أني لم أكن بحاجة إلى دليل آخر غير يسوع... وكنت أشبهُ المرشدين بمرايا صقلية تعكس يسوع في النّفوس. وكنت أقولُ إنّ الله لم يستخدم معي وسيطا بل كان يعمل في مباشرة..." 14
ـــــــــــــــــ
11- يوحنا الصليب,عبر رقم( 5) المؤلفات الكاملة(1) الأعمال الصغرى, ثراث الكرمل(11), بيروت 1992 ص341.
12- مجموعة مؤلفات القديس فرنسيس الأسيزي, تعريب الأب لويس برسوم الفرنسيسكانى, القاهرة 1993ص94.
13- كلمات القديسة تريزا ليسوع الطفل, مرجع سابق ص104-105.








"الاعتراف بالخطايا (أو الإقرار)، حتىّ من النّاحية البشريّة البحتة، يحرّرنا ويسهّل مصالحتنا مع الآخرين. الإقرار يتيح للإنسان أن يواجه الأخطاء التي اقترفها، ويتحمّل مسؤولياتها، ويعود من ثمَّ ثانية إلى الله وإلى الشّركة الكنسيّة ليُعِدَّ لذاته مستقبلاً جديداً. الإقرار بالخطايا للكاهن هو جزء جوهريّ في سرّ التوبّة: "على التّائبين أن يعدّدوا، في الاعتراف، كلّ الخطايا المميتة الّتي يتذكّرونها، بعد محاسبة للنفس متقنة، حتّى وإن كانت هذه الخطايا حميمة جداً، واقتصرت على مخالفة الوصيتين الأخيرتين في لائحة الوصايا العشر، فهذه الخطايا تجرح النّفس أحياناً بجرح أبلغ وأخطر من الخطايا التي تُرتَكب بمشهد من الجميع. الاعتراف بالخطايا اليوميّة (الخطايا العرضيّة) ليس مُلزِماً حصراً، ولكنّ الكنيسة تحبّذه بشدّة. ولا غرو، فالاعتراف المنتظم بخطايانا العرضيّة يساعدنا في تهذيب ضميرنا، ومكافحة ميولنا الرّديئة، والتمّاس البُرء من المسيح، والتّقدُّم في حياة الرّوح. ولا شكّ أنّنا إذا نلنا، بهذا السرّ، موهبة رحمة الآب، بطريقة متواترة، فذلك يدفعنا إلى أن نكون رحماء على مثاله" (تعليم الكنيسة الكاثوليكية الأرقام من 1455-1458).
رابعا: الصّلاة الفرديّة والصّلاة اللّيتورجيًة.
الصّلاة هي صلة وعلاقة مع الله. الصّلاة الشّخصيّة توطّد فينا هذه العلاقة الرّائعة مع الله وتفتح قلبنا على النّور، وعلى تذوق الله "ذوقوا وانظروا ما أطيب الله" "ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، ولكن بكّل كلمة تخرج من فم الله". نتحدث إلى الله بالصلاة ونشعر بحضوره، ونشعر أنه آبٌ يحبنا جميعا، "من رحمة الله امتلأت الأرض كلًها".
ومع الصلاة الشخصية، نحن مدعوون أيضا للمشاركة في الصلاة الليّتورجّية حيث يتجلًّى الله في كنيسته، في جماعة المؤمنين, "كلًما اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمي، كنتُ الثالث بينهم..."
فالصّلاة الفرديّة والصّلاة الليّتورجيّة، تجعلنا نكتشف قيمة الفرد كشخص حيّ في بناء جماعّي حيّ. حيث يوجد التّرابط والتّداخل، والتّأثير المتبادل والمزّدوج بينهما. فالفرد القوي يُشَكل الجماعة القويّة، والفرد القديس يرفع روحيَّا الجماعة، كما أنَّ الجماعة تتأثّر روحيَّا بالفرد الشّرير. ومن خلال هذا التّرابط بين الفرد والجماعة داخل الكنيسة والمجتمع نكتشف معني الحياة الخفيّة والحياة العلنيّة. لقد عاش المسيح ثلاثين سنة حياة خفيّة، حيث كانت هناك الفرصة لكي يحتفظ بعلاقته الحقيقيّة مع الآب السمّاويّ. وكذلك عاش المسيح ثلاثة سنوات حياة علانية، انطلق فيها للتبشير والإعلان عن اختباراته الرّوحّية في حياته الخفية. فالحّياة الخفية تقود إلى الحياة الكنسيّة والعلنية، وبهذا الشّكل تصبح حياة الإنسان مثمرة روحيَّا. فالصّلاة الفرديّة الحقيقيّة تقود النَّفس إلى الصّلاة الليّتورجيّة والكنسّية. فلا يتسّرع الإنسان بالخروج للحياة العلنية، بدون المرور بالحياة الخفية، أي حياة المخدع. حيث يكمن هناك خطر، وهو السّقوط في السّطحية والوقوع في دائرة الفراغ، وفقدان القدرة على معرفة ما يريد وما يجب علي الإنسان أن يقوم به. والاستمراريّة في الحياة الخفية، بدون الخروج إلى المجتمع والحياة الكنسّية والمشاركة في الليتّورجيّة بغني وثراءٍ يُعد انغلاقاً وانطواءً. فالإنسان المسيحيّ عليه أن يندمج في الحياة الكنسيّة والصّلاة الجماعيّة وفى المجتمع العام الذّي يوجد فيه, وبقدر هذا الاندماج عليه بالانسحاب والدّخول في الحياة الخفية، وهذا لكي يحافظ دائما علي هوَّيته الفرديّة وعلاقته السّرّيّة مع الله. ولكي يشعر الآخرون بأنّ هذا الشّخص متمّيز في نمط حياته، ويعطى شهادة عن حقيقة ما يعيشه ويختبره، ولكي لا يخسر الإنسان هوَّيته كنور وملح للعالم. فالصّلاة الفرديّة والتي تتغّذى علي التّأمّل اليوميّ والصّلاة الباطنّية والعشرة مع الله، هي مهمّة لمعرفة الثّالوث القدوس، ولمعرفة حقيقة النفّس بلا هروب من الذّات، وبلا انغماس في حياة الثرّثرة. والصّلاة الليّتورجيّة تتخذ أهمّيتّها من البعد الكنسيّ، فالمسيحيّ يمّثل الكنيسة ويعمل علي تنفيذ رغبة الكنيسة، وبالتالي أي تجاهل للصلاة اللّيتورجيّة والتي هي صلاة الكنيسة يعبر عن نقص في البعد الجماعيّ والكنسيّ. لا يستطيع أحّد أن يقول أنّه يصلي في مخدعه، ويقوم بوجباته الشخّصّية ويكتفي بذلك، وهو يظن بأنه علي علاقة قويّة بالثّالوث الذّي هو شركة. الصّلاة الباطنيّة الحقيقيّة أو الصّلاة الفردية الحقيقيّة تقود إلى فهم أفضل لمعني حضور الجماعّة والكنيّسة. والصّلاة الجمّاعيّة الكنسّية تغذىّ روحانيّة الفرد وتمنحه قّوّة في صلاته الباطّنية وتقوده إلى التأمّل الشّخصيّ. والصّلاة الحقيقيّة في بعديها الفرديّ والجماعيّ، تقود المصلّي أو المؤمن إلى العمل والخدمة، فالإنسان مكَّون من روح وجسد. والصّلاة هي بمثابة الرّوح والعمل بمثابة الجسد، والاثنين يشكلان وحدة الإنسان الواحد أو الشخص الواحد. لا يستطيع الإنسان أن يكون روحاً بلا جسداً، ولا يستطيع أن يكون جسداً بلا روح، الاثنين معاً يكونان الإنسان. فالصّلاة بلا عمل تجعل الإنسان يعيش على مستوي النّظريات واللاواقعيّة. والعمل بلا صلاة يجعل الإنسان يسقط في تطرف آخر ألا وهو البّر الذّاتيّ، وكأن الإنسان يستطيع أن يعيش حياته ويحقّق ذاته بدون المعونة الإلهّية.
يقول الأب متى المسكين:
" وهذا هو أوّل معنى للكنيسة ليست اجتماع مؤمنين بل اجتماع الله بالمؤمنين كما أنّه ليس اجتماعاً وحسب، بل وجود في الحضرة الإلهيّة لسماع كلام ونوال معرفة للحياة 15 "لذلك، فإن الكنيسة تعتبر شخصيّة فذة فريدة في نوعها، كلّ عضو فيها هو في حقيقته كنيسة، والكنيسة مجتمعة هي المسيح بجسده وشخصه !!" 16
ــــــــــــــــــــ
14- القديسة تريز الطفل يسوع معلمة الكنيسة, الأعمال الكاملة, تراث الكرمل20بيروت1997ص112-113.




خامساً: الحياة الإلهية: إيمان ورجاء ومحبة
كلّ ما ذكرناه سابقاً عن مفاعيل المعموديّة، يمكن اعتباره نموذجاً مرجعياًّ للحياة المسيحيّة من حيث مرجعها الذّي هو المسيح، ووصفاً تاريخيَّا يرسم في الصّيرورة الشّخصيّة ظهور الحياة عَبَرَ الزّمن. سنحاول الآن أن نعطي تحليلاً روحيَّا ولاهوتيَّا لهذه الحياة عينها ونختصره في الثَّلاثيَّة المعروفة بالفضائل الإلهيّة: الإيمان والرّجاء والمحبّة.
تَعْتَبر بعض المدارس الرّوحيّة، الفضائل الإلهيّة، الدّيناميّة الأولى في الحياة الرّوحيّة والباقي تجسيد خارجيّ. الأعمال المسيحيّة كلّها، وحياة الكنيسة وتنظيمها والأسرار والدّعوات الرّهبانيّة مؤسسّة على هذه الفضائل الثلاث ونموها، وفيها تتجلّى الخليقة الجديدة هذه الثلاثة باقية وأعظمها المحبة (1كو 13:13).
الإيمان يجعلنا نعرف سرّ الله ونقبله كما يوحيه الله نفسه ويعرفه. والرّجاء يوجّه رغباتنا إلى انتظار السّعادة الّتي يعدنا بها الله.والمحبّة توجّه عاطفتنا فنحبّ ما يحبّه الله وكما يحبه. يقول القديس يوحنّا الصّليبيّ: "الإيمان هو الله الذي يُدرك فينا، والرّجاء هو الله الذي يرغب ويرجو فينا، والمحبّة هي الله الذي يحبّ فينا" فالفضائل هي في آن معاً عمل الله وعمل الإنسان، أو عمل الله بما يناسب الإنسان في طبيعته البشريّة، وهي وسيلة الاتّحاد بالله. " تتأصّل الفضائل الإنسانية في الفضائل الإلهيّة، التي تجعل القوى الإنسانيّة ملائمةً في الطّبيعة الإلهيّة، لأن الفضائل الإلهيّة تستند مباشرةً إلى الله. وهي تهيّئ المسيحييّن لأن يحيوا علاقة مع الثّالوث الأقدس. فمصدرها وعلّتها وموضوعها الله الواحد والثّالوث" (تعليم الكنيسة الكاثوليكية رقم 1812).

" الفضائل الإلهيّة هي في أساس الفعل الأخلاقيّ المسيحيّ، وهي تُنعشه وتمّيزه. وهي التيّ تعطي الفضائل الأخلاقيّة صورتَها وتحييها. ينفح الله بها نفس المؤمنين ليجعلهم قادرين على أن يسلكوا كأبنائه، وأن يستأهلوا الحياة الأبديّة. إنّها عربونُ حضور الرّوح وفعلهِ في قُوى الكائن البشريّ. والفضائل الإلهيّة ثلاث: الإيمان والرّجاء والمحبّة" (تعليم الكنيسة الكاثوليكية رقم 1813).

ــــــــــــــــ
15- متى المسكين, الكنيسة الخالدة, دير القديس أنبا مقار- وادى النطرون, الطبعة الثالثة 1984ص27.
16- المرجع السابق ص149.




عمل الفضائل الإلهية
الآب والابن والرّوح القدس
الله محّبة ــــــ> يقيم علاقة خلاص مع ــــــــ> الإنسان الخاطئ


تفكير
الإيمان معرفة ــــ عقل
حدس

مستقبل ــــ تخيّل
الرّجاء ذاكرة نفس جسد الموت
ماضي ــــ حفظ الحواس

قرار حرّ المشاعر
المحبّة إرادة
حبّ
ومن هنا سوف نتأمّل وندرس معاً الفضائل الثّلاثة.نحن شركاء الطبّيعة الإلهيّة (2بط 4:1)، ما يجمعنا بالله هي الفضّائل الإلهّية: الإيمان والرّجاء والمحبّة. نسميها الإلهيّة، لأن الله هو مصدرها ومعطيها، ولأنَّها وسائل عيش الحياة الإلهيّة، ولأنّ الله هو غايتها. يضعها الله في المؤمنين ليجعلهم كمؤمنين أن يتعرفوا كأولاد الله وان يستحقوا الحياة الأبديّة.
أوّلاً الإيمان المسيحيّ (فعل الإيمان) أصل كلمة إيمان في العبريّة يميل في العهد القديم إلى العامل الأدبيّ الأخلاقيّ دون العقلي كهبة تمنح للإنسان للثبوت في المواقف مع الله. أمَّا في اليونانية في العهد الجديد فتميل الكلمة بالأكثر إلى عامل المعرفة للتقرب إلى الله عن طريق الحقّ..
نؤمن بالله وبكلّ ما قاله لنا وكشفه لنا، وبما تعرضه الكنيسة "الأم والمعلمِّة" لنؤمن به ونحيا وفق إيماننا. "البار بالإيمان يحيا" (روم 17:1). "الإيمان بلا أعمال ميت" (يع 26:2). على تلميذ المسيح أن يحفظ الإيمان، ويحيا به، ويعلنه، ويشهد له، وينشره: "مِنْ أعترف بي أمام النّاس، اعترفت أنا به أمام أبي الذّي في السمّاوات" (متي 33:10). الإيمان هو موقف الإنسان من الوحي، ومن التّجسد والفداء. "وهكذا نكون مع الرب دائماً" (اش 17:4). والإيمان يدفع إلى الرّجاء. "الإيمان هو الإيقان بأمور مرجوة" (عبر 11).
"تلميذ المسيح مُلزَمٌ لا بأن يحافظ على الإيمان ويحيا به فقط، وإنّما أيضاً بأن يعترف به، ويشهد له باطمئنان، وينشره: "على الجميع أن يكونوا مستعدّين للاعتراف بالمسيح أمام النّاس، وأن يتبعوه على درب الصّليب، وسط الاضطهادات التي لا تفارق الكنيسة أبداً". خدمة الإيمان والشّهادة له لابدّ منهما للخلاص: "كلّ مِنْ يعترف بي قدّام الناس، أعترف أنا أيضاً به قدام أبي الذّي في السمّاوات. وأما من يُنكرني قدّام الناس، فإني أنكره، أنا أيضاً قدّام أبي الذي في السماوات" (متى 32:10-33). (تعليم الكنيسة الكاثوليكية رقم 1816).
أ- السّؤال الذّي لابد للمسيحيين من أن يطرحوه اليوم: بماذا نؤمن اليوم؟ على هذا السّؤال تجيب رسالة البابا "إطلالة الألف الثالثة، الصادرة بتاريخ 10-11-1994، الأرقام 40-43."الدّين في المسيح أذن لم يعد" السّعي في طلب الله على غير هدى" (انظر أعمال 27:17)، إنَّما هو جواب الإيمان على الله الذّي يعلن ذاته، جواب به يتكلّم الإنسان مع خالقه كخالقه وأبيه. وجواب غدا ممكناً على يد هذا الإنسان الفريد الذي هو في آنٍ معاً الكلمة المساوي للآب في الجوهر، فيه كلَّم الله كلَّ إنسان، وبه غدا بوسع كلّ إنسان أن يتجاوب مع الله" (إطلالة رقم 6).
"الإيمان هو الفضيلة الإلهيّة التي بها نعتقد وجود الله، وكلّ ما كلّمنا به وأوحى، وتعرضُه الكنيسة المقدَّسة علينا لنعتقده، لأن الله هو الحقّ ذاته. بالإيمان "يسلّم الإنسان أمرَه كلَّه لله". لذلك يسعى المؤمن إلى معرفة إرادة الله وإلى فعلها. "البارّ بالإيمان يحيا" (رو 17:1). والإيمانُ الحيّ "يعمل بالمحبة" (غل 6:5). (تعليم الكنيسة الكاثوليكية رقم 1814).
ب- "فكما أتّخذ المسيح، كلمة الله الأزليَّ، طبيعتنا البشريّة وتجسّد في تاريخنا، كذلك يدعي كلّ مسيحيّ إلى تجسيد إيمانه في الأرض التي أراده الله فيها، وفي الجماعة البشريّة التي دعاه إلى أن يكون جزءاً منها" (إطلالة رقم 9). جميع مواقف المسيحيّ يجب أن تستند على إيمانه المسيحي. في "فلابدَّ للاحتفال اليوبيليّ من أن يعزّز في مسيحيّي اليوم إيمان بالله الذي اظهر ذاته في المسيح" (إطلالة رقم 31). "وإذا ركّزنا على المسيح وكلمة الله والإيمان، فلن نفشل في إثارة اهتمام مسيحييّ المذاهب الأخرى وموقفهم الإيجابيّ" (إطلالة 41).
فشخص المسيح في الإيمان المسيحيّ "عامل حيوي" يعيش به الإنسان ويعيش فيه ويعيش معه "مع المسيح صُلِبْتُ فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا فيّ. فما أحياه الآن في الجسد فإنما أحياه في الإيمان إيمان ابن الله الذّي أحبّني وأسلم نفسه لأجلي" (غلا 20:2)، ويلاحظ هنا عبارة "المسيح يحيا فيّ" جاءت مساوية لعبارة "أحيا في الإيمان إيمان ابن الله". وهذا تعبير عن الشّركة المتبادلة ويوضحّها الرّسول جيداً بقوله "جربوا أنفسكم هل أنتم في الايمان؟ أم لستم تعرفون أنفسكم أن يسوع هو فيكم إن لم تكونوا مرفوضين" (2كو 5:13).”عطيّة الإيمان تبقى في مَن لم يخطأ إليها. ولكن "بدون الأعمال يكون الإيمان مَيتاً" (يع 26:2). وإذا فُقِدَ الإيمان والرّجاء والمحبّة فهو لا يجعل المؤمن متّحداً اتّحاداً كاملاً، ولا يجعله عضواً حيًّا في جسده". (تعليم الكنيسة الكاثوليكية رقم 1815). أي أن شخص المسيح في الإيمان المسيحيّ ليس شخصيّة تاريخيّة نؤمن بما فعله فقط بل "طاقة فعالة والأفضل نقول أنه شخصيّة إيمانيّة فعالة" حيث إنّه في المسيح "قوّة حياة" لا تزال تعمل فينا كلّ يوم وباستمرار.
ج- "أغفر لنا ذنوبنا كما نغفر نحن للمذنبين إلينا". هذه الصلاة بتجبرنا نعيش بصدق مع أنفسنا ومع الإيمان. فالإيمان المسيحيّ يقوم عمليًّا على غلبة الخطية والموت وعلى قبول الحياة الأبديَّة، وذلك بالإيمان والاتحاد المزدوج معه في موته وقيامته.. باعتبار أن المسيح بموته عنا غلب الخطيئة وغلب الموت لنا وبقيامته من الموت أعطانا الحياة الأبديّة. لذلك فالاتّحاد به هو دعوة يدعونا هو إليها بنعمته ويتمّمها لنا بقدرته الإلهيّة يوماً فيوماً حتىّ نحصل بواستطها على غلبة الخطية والموت وعلى الحياة الأبديّة.
د- الهدف العامّ الأساسّي الذي يصبو إليه كلَّ مؤمن هو أن يصل إلى "الرّجولة الرّوحيّة" (أف 13:4)، حالة الكمال والثبّات في الإيمان ومعرفة الله، متخطياً "الطفولة"(أف 14:4)، حالة النّقّص والتّغيير، عقليَّا وروحيَّا (اكور 1:3؛ 11:13؛غل 1:4-3). "فانظروا كيف تسلكون بالتّدقيق لا كجهلاء بل كحكماء مفتدين الوقت لأنّ الأيام شريرة. من أجل ذلك لا تكونوا أغبياء بل فاهمين ما هي مشيئة الرّبّ" (أف 15:5-17).
ه- ما يمّيز المسيحيّ ليس الإيمان بالله، ولا الإيمان بالثّالوث. "حتىّ الشّياطين تؤمن أيضاً" كما يقول القديس يعقوب. ما يميّز المسيحيين هو أن الله يؤمن بالإنسان. ولو لم يكن الله مؤمناً بالإنسان لما تجسد، ولما تألم، ولما كان من فداء. فحلاوة الإيمان المسيحيّ: أن الله يؤمن بالإنسان ويدعوه إلى القداسة مثله. هل أومن بأني مدعوّ من الله إلى القداسة مثله؟ أن يؤمن بي الله، هذا يعني أنني قابل للتألّه. "ونحن جميعاً ناظرين مجد الرّبّ بوجه مكشوف كما في مرآة تتغّير إلى تلك الصّورة عينها من مجد إلى مجد كما من الرّبّ الرّوح" (2كور 18:3، روم 19:4)
ثانياً: الرّجاء المسيحيّ (فعل الرّجاء).
الرّجاء كفضيلة أو كموهبة روحيّة يعتبر بمثابة امتداد للإيمان نفسه، إنمّا في المستقبل، والرّجاء يستمد قوّته من وعد الله وأمانته. والصّفة الطّبيعية للإنسان التي تقابل الرّجاء هي "الأمل"، فالأمل هو الثقّة المبّنية على عوامل بشريّة لترقب أشياء بشريّة في المستقبل، ولو أن التّحديد اللّغويّ بين الرّجاء والأمل غير معمول به دائماً إلا أن الفرق بين طبيعة الاثنين كبير وجوهريّ، فالرّجاء إلهيّ مرتبط بوعود روحيّة، والأمل بشريّ مرتبط بأماني أرضيّة.
"الرّجاء هو الفضيلة الإلهيّة التي بها نرغب في ملكوت السّماوات، والحياة الأبديّة، رغبتَنا في سعادتنا، واضعين ثقتنا بمواعيد المسيح، ومستندين لا إلى قوانا بل إلى عون نعمة الرّوح القدس. "لنتمسَّك باعتراف الرّجاء على غير انحراف، لأنَّ الذي وعد أمين" (عب 23:10). هذا الروح "أفاضه علينا بوفرة، بيسوع المسيح مخلّصنا، حتى إذا تبرَّرنا بنعمة المسيح نصير ورثة على حسب رجاء الحياة الأبديّة". (تعليم الكنيسة الكاثوليكية رقم 1817).
والقديس بولس الرّسول يربط بين إمكانيّة الحصول على موهبة الرّجاء وبين الإيمان بوجود الله ومواعيده ربطاً شديداً. فبدون الإيمان بالله وانتظار مواعيده لا يكون للإنسان أي رّجاء. فالرّجاء يرتكز دائماً على قدرة تجعل ممكناً تحويل الوجود.
نحن نؤمن، فنحن نرجو. المسيحي إنسان الرّجاء. أساس رجاء المسيحيّ، قيامة الرَّبّ يسوع. الرَّجاء هو الفضيلة الإلهيّة (الله يعطيها) الّتي بها نتعرَّف ونسعى لملكوت السّماوات والحياة الأبديّة، مستندين على نعمة الرّوح القدس، وموقنين "أنَّ الذّي وَعَدَ هو أمين" (عبر 23:10). الرّجاء يملأ "التّطوبيات" (متى 12:5). الرّجاء سعيُّ "إلى فوق" عبر المحن. بفضل يسوع المسيح، نَثْبُتُ على "الرّجاء الذّي لا يخيب" (روم 5:5). الرّجاء "كمرساة للنفس" (عبر 19:6)، "خوذة خلاص" (اتس 8:5). لذا نحبُّ مَنْ به نؤمن، ومَنْ هو خلاصنا.
"إنَّ فضيلة الرّجاء تلبّي التّوق إلى السّعادة الذّي وضعه الله في قلب كلِّ إنسان، وتضطلع بالآمال التي تبعث النّاس على العمل، وتنقّيها لتوجّهها نحو ملكوت السّماوات. إنَّها تصون مَنْ تخاذل العزم، وتساند حين التّخلّي، وتطِيّبُ النّفسَ في ترقّب السّعادة الأبديّة. إنّ حافز الرّجاء يمنع الأنانيّة، ويقود إلى سعادة المحبّة". (تعليم الكنيسة الكاثوليكية رقم 1818).
أ‌- السّؤال الذّي لابدَّ للمسيحيين مِنْ طرحه اليوم: ماذا نرجوا للمستقبل: مستقبل كلّ إنسان ومستقبل البشريّة. على هذا السَّؤال تُجيبُ الرسالة البابابوية "إطلالة الألف الثّالث: 44-48. الاحتفال اليوبيليّ يجب أن يُسند في مسيحيي اليوم، "رجاءهم الذّي يوجههم نحو انتظار الحياة الأبديّة" (إطلالة رقم 31). الرّجاء هو الالتفات إلى المستقبل ورفض الانحصار في تقصير الحاضر عن طريق الاستسلام لهذا الحاضر. ويمكن القول بأنّ الرّجاء هو يأس تمَّ التّغلّب عليه.
ب‌- موقفنا من الله يجب أن يكون موقفَ ثقة ورجاء (متي 15:20-16). يكن لنا الرّجاء. "قال يسوع: ما مِن أحد يمسك المحراث، ثمَّ ينظر إلى الوراء، ويكون مستحقاً لملكوت الله" (لو 26:9). "ثقوا، فأنا قد غلبت العالم" (يو 33:16).
ت‌- الله، أبو ربِّنا يسوع المسيح، "مبارك الله أبو ربِّنا يسوع المسيح الذّي حسب رحمته الكثيرة ولدنا ثانية لرجاء حيّ بقيامة يسوع المسيح من الأموات لميراث لا يفني ولا يتدنس ولا يضمحل محفوظ في السّموات لأجلكم" (1بط 3:1-4)، "الرّجاء": في مؤازرة "الميراث". معناها هنا: موضوع الرّجاء، الذّي وُعِدَ به المسيحيّ. وكذلك وُصف بـ "حيّ" لأنَّه الحياة الجديدة. فالرّجاء يجعلنا نحصل منذ الآن على غلبة الموت، أي على قيامته الّتي قامها والتيّ سوف يكملها لنا جسديَّا في الدّهر الآتي. ومن هنا يظهر سرّ النّمو في الرّجاء، فبقدر ما ننمو في الإيمان، ننمو في الرّجاء. أي بقدر ما ننمو في الموت، بالموت عن العالم بالصّليب، ننمو في الحياة الأبديّة بالقيامة بقوة الرّوح القدس العامل فينا.
"نستطيع إذن أن نرجو مجدَ السّماء، الذي وعد به الله محبّيه والعاملين مشيئته. ويجب على كلّ واحدٍ في كلّ ظرف، أن يرجو، بنعمة الله، "الثبّات إلى المنتهى"، والحصول على فرح السّماء كمكافأةٍ من الله أبديّة، على الأعمال الصّالحة المعمول بنعمة المسيح. والكنيسة، في الرّجاء، تصلّي لكي "يخلُص جميع النّاس" (1تي 4:2). وهي(الكنيسة) تتوق إلى أن تكون، في مجد السّماء، متّحدةً بالمسيح عريسها: "ترجي، يا نفسي، ترجي. تجهلين اليوم والسّاعة. اسهري بدقة، فكلّ شيء يمرّ بسرعة، على كون نفاد صبرك يجعل الأكيد موضوعَ ارتياب، والقصيرَ جداً من الوقت طويلاً. فَكّري أنّك كلّما ازددت انخراطاً في المعركة يَقوى برهانُك على ما لإلهك عندك من حبّ، وتزداد مسَّتُكِ ذات يوم مع حبيبك، في سعادةٍ ونشوةٍ ليس لهما من نهاية" (تعليم الكنيسة الكاثوليكية رقم 1821).
د- "التطوبيات" عظة "الرجاء": طوبي...فان لهم ملكوت السماوات".
طوبى لمن كانت نفوسهم رفيعة فأصبحت رغبتهم الأساسيّة أن يحيوا كأبناء الآب الذّي في السّموات! فالفقر والدمّوع والجوع والاضطهاد ليست شروطاً ليكون الإنسان سعيداً بتلك السّعادة التي أتى بها يسوع. وليست التّعاسة نوعاً من الشّروط المسّبقة، كما لو كان البكاء والجوع ضروريين لتذوق السّعادة الحقيقيّة. إنَّ التّطويبات تُدخل الإنسان في سير تحويلي للوجود. وهي تفسير مُسبق لسرّ الفصح، أي لانتقال من الطبّيعة إلى التّاريخ أو إلى الحرية، لسرّ التّخلُّص من "أنا" جاهز، بقصد خلق النفّس بالنفس. المطلوب من الإنسان أن ينتقل من الحرية، انطلاقاً من ذلك "الأنا" الذي جهَّزته الوراثة والبيئة والّتربية. إنّ توقنا العفويّ والغريزيّ إلى السّعادة يوافق طبيعتنا، ولا بدَّ أن يحوَّل ليصل إلى الحرّية الحقيّقية. فالتّطويبات هي إذاً دعوة. لا تعبِّر عن حقيقة عامّة (التّعساء سعداء)، بل تُدخلنا في موقف وتدعونا إلى المشاركة في الاختبار الذّي هو اختبار يسوع.
"ينبسط الرّجاء المسيحيّ منذ بدء كرازة يسوع في إعلان التّطويبات. فالتّطويبات تسمو برجائنا إلى السّماء كما إلى أرض الميعاد الجديدة، وترسم طريقها عبر ما ينتظر تلاميذَ يسوع مِن محن. ولكنّ الله يحفظنا، باستحقاقات يسوع المسيح وآلامه في "الرّجاء الذي لا يخذُل" (رو 5:5). إنّ الرّجاء هو " مرساة النفّس" الأمينة والراسخة "التي تنفذ... إلى حيث دخل يسوع لأجلنا كسابق" (عب 19:6-20). وهو أيضاً سلاحٌ يحرسنا في معركة الخلاص: "فلنلبس الإيمان والمحبّة درعاً، ورّجاءَ الخلاص خوذة" (1تس 8:5). وهو يعطينا الفرح في المحنة نفسها: "وليكن فيكم فرح الرّجاء، كونوا صابرين في الضّيق" (رو 12:12). وهو يُعبَّر عنه ويُغذَّي في الصّلاة، وخصوصاً صلاة "الأبانا"، التي هي موجزُ كلّ ما يحملنا الرّجاء على أن نرغبَ فيه" (تعليم الكنيسة الكاثوليكية رقم 1820).
5- ينفرد كاتب الرسّالة إلى العبرانيين في مدح الآباء من أجل إيمانهم أو على إيمانهم (عبر 1:11-4)، هم مشدودون إلى الأمور المرجوّة، إلى الأمور غير المرئيّة، يرسمون رجاءَهُم على أمانة الله الكاملة لعهده المقدس. فالمؤمنون يشدّهم إيمانهم بالرّجاء إلى المستقبل غير المرئيّ الثّابت الحقّ (عبر 1:11-16)، كان يملك الأباء الرّجاء في قلبهم هذا الرّجاء يتّم بتحقيق الوعود في الوطن السّماويّ (عبر 16:11) هذا الملكوت السماوي الذّي أعده الله لهم منذ الأزل (متى 23:20؛ 34:15؛ لو 30:2؛ يو2:14؛ اكور 9:2؛ ابط 4:1؛ رؤ 2:21) ليكونوا في علاقة حيّة دائمة بالله، ساعين بتقدّم نحو "المجد الآتي" (روم 18:8-27).
"الرّجاء المسيحيّ يُعيد ويكمّل رجاء الشّعب المختار الذّي أصلُُه ومثالُُه رجاء إبراهيم، وقد أوفَت به في إسحق مواعيدُ الله وطهَّرته محنةُ المحرقة. "لقد آمن على خلاف كلِّ رجاء، فصار أباً لأُمم كثيرة" (رو 18:4). (تعليم الكنيسة الكاثوليكية رقم 1819).
إنّ التمّسك بالرّجاء بوعد المسيح سوف يجذبنا ويدخلنا إلى ما دخله يسوع المسيح – أي السّماء الّتي وجد لنا فيها فداءً أبديَّا. بل الرّجاء منذ الآن يجعلنا نحصل على قليل مِنْ هذا الوعد لأنّ ما وعد به المسيح هو حقيقة سماويّة لابدَّ أن تتّم "الرّجاء الموضوع لكم في السَّماويات" (1كور 5:1)، ونحن ننالها منذ الآن جزئيًّا كعربون. فالرّجاء موهبة تختص بتحقيق مواعيد الله الآتية بنفس الرّجاء الذي نمارس به قيامتنا منذ الآن باتّحادنا بالمسيح يسوع الذي مات ليعطينا موته. وقام ليعطينا هذه القيامة كقوّة سّريّة حيّة "مبارك الله أبو ربِّنا يسوع المسيح الذي حسب رحمته الكثيرة ولدنا ثانية لرجاء حيّ بقيامة يسوع المسيح من الأموات" (1بط 3:1).
م- نحن من الآن وهنا "أبناء الله". وننتظر إعلان بنوتنا الإلهّية. يصف بولس انتظار إعلان البنوّة الإلهيّة في الإنسان المؤمن بالمسيح بتعابير تنمّ عن ألم شديد، وتمخض، وانين، وصبر طويل ( روم 22:8-25)، ليس هو انتظاراً كسولاً، بل هو انتظارٌ نشيطٌ مضنٍ، يرجو في ظلّ الصّليب ولادة جديدة، الخلاص الأخرويّ الكامل الأخير (روم 1:5-11). فالرّجاء عنصر من "التّعزية" ميزة المسيحيّ المتألّم المّتحد بالمسيح (روم 4:15؛ 2كور 4:1-7؛ 4:7؛ قول 24:1). أساس رجاء المؤمن المتألّم الوطن: إنّه يشارك في آلام المسيح المصلوب، ويشارك، في الوقت عينه، في تعزية المسيح الحيّ الممجد "لدهر الدّهور" (رؤ 18:1). ونلاحظ كم أنَّ بولس متضامن مع الكنيسة في تبادل عيش عميق: كلاهما يسيران درب صليب الرّبّ يسوع بصبر وثبات ورجاء (2كور 5:1). "المسيح رجاؤنا".
إنّ الرّجاء يمنحنا حقيقة القيامة وقوّتها كعربون نعيش به الآن في صميم الموت، ولكن بالأكثر لأنَّه يجعلنا نحيا فعلاً مع المسيح القائم والحيّ الآن ونستمتع به حيث لا أحد ولا الموت نفسه يمكن أن يفصلنا عن هذه السّعادة المشتركة.
ثالثاً: المّحبة المسيحّية (فعل المحّبة)
" المحبة هي الفضيلة الإلهيّة التي بها نودّ الله فوق كلّ شيء لأجل ذاته، ونودّ القريب كنفسنا لأجل الله. جعل يسوع من المحبّة وصيّةً جديدة. ولقد أظهر محّبة الآب التي يتقبّلها، بمحبتّه لخاصّته "حتىّ النهّاية" (يو 1:13). والتلاميذ يقتدون بمحبّة يسوع التي يتقبّلونها هم أيضاً في ذواتهم بمحبّتهم بعضهم لبعض. لذلك قال يسوع: "كما أحبَّني الآب أنا أيضاً أحببتكم، فاثبتوا في محبّتي" (يو 9:15). وأيضاً: "هذه وصيتي: أن يحّب بعضكم بعضاً كما أحببتكم أنا" (يو 12:15). إنّ المحبّة التيّ هي ثمرةُ الرّوح وكمالُ النّاموس تحفظ وصايا الله ومسيحِه: "أثبتوا في محبّتي. إن حفظتم وصاياي تثبتون في محبّتي" (يو 9:15-10). (تعليم الكنيسة الكاثوليكية الأرقام 1822-1824).
"الله محبة" (1يو 8:4-16). أحبّ الله العالم فأرسل أبنه ليخلِّص العالم. الابن يسوع أحبّنا "كلّ حبّه" (يو1:13). تمجد المسيح بعد الموت وعاد إلى الآب وأعطانا الرّوح القدس. أولي ثمر الرّوح "المحّبة" (غل 22:5). هي واحدة شاملة كليّة وكاملة تجاه الله والقريب في آن واحد، علينا أن نثبت في حبّ الله والقريب. حبنّا لله "عبادة روح وحقّ" وحبنا للقريب، صورة الله، أخينا غفران وسلام وفداء. للمحبّة مقياس بشريّ هو "كنفسك" ومقياس إلهيّ "كما أنا أحببتكم". والمحبّة المسيّحية تتجسَّد في الوَحْدَة والمحبَّة والخِدْمَةِ والصّلاة، تتجسَّد بالرّوحيّات والماديات على أنواعها. ليذكر الرَّبُّ "عمل إيمانكم، وتعب محبتكم، وثبات رجائكم" (اتس 3:1).
فبلوغ غاية المحبة هو الموت في سبيل الأحباء، وهو أيضاً الصّفح عنهم. إنّ كان فيكم مَن أختبر ألم الخلاف في داخل عائلة أو جماعة أصدقاء، عرف ما أشقَّ الصّفح الحقيقّي. ما أشدّ الحاجة في هذه الحال إلى القدرة على المحبّة!
أ‌- السّؤال الذّي لابدَّ للمسيحيين مِنْ أن يطرحوه اليوم: كيف نمارس المحبّة التيّ هي الله (1يو 8:4و16) المنسكب في قلوبنا؟ على هذا السّؤال تجيب الرسالة الباباوية "إطلالة الألف الثالث 49-55). وقبل هذا السّؤال لابدّ من السّؤال عن ماهيّة المحبّة فنقول: ما هي المحبّة اللامتناهيّة ؟ هي محبّة لا حدّ لها. أنا اصطدم بحدود في حبيّ البشريّ، في صداقاتي البشريّة، لكن محبّة الله هي لا متناهيّة، فهي قادرة أن تصبح إنساناً، وتبقي إلهاً في الوقت نفسه.
"المحبّة هي التي تُحيي وتُلهم ممارسة جميع الفضائل. إنّها "رباط الكمال" (كو 14:3)، هي صورة الفضائل، تربطها وتُنسِّق بعضها مع بعض. إنّها مصدُر ممارستها المسيحيّة ومنتهاها. المحبة تُثبّت وتنقّي قوّة حبّنا الإنسانيّة، وتسمو بها إلى كمال محبَّة الله الفائقة الطّبيعة" (تعليم الكنيسة الكاثوليكية رقم 1827).
ب‌- سرُّ التّجسد يعني أن الله لم يكتف بأن يكلَّم الإنسان ليعيده إليه، بل يسعى إليه لأنّه يحبَّه (إطلالة 7). فالاحتفال اليوبيليّ يجب أن يذكي في مسيحيين اليوم "محبتهم التي تحملهم على بذل ذواتهم في خدمة اخوتهم" (إطلالة 31).
ت‌- "إنّ الله يتوجّه إلى عالم الإنسان ليحييه ويوّحده ويزرع فيه بذور التّآلف، فيتمكن البشرُ من بناء "حضارة الحبّ"، التي تمجّد الله، والتي يتعّرف إليها إنسان اليوم بكلّ جوارحه، بالرّغم مّما يعترض سبيلها من عقبات وعراقيل" (بطاركة الشرق الكاثوليك، معاً أمام الله في سبيل الإنسان والمجتمع، ميلاد 1994، 7).
"ممارسة الحياة الأخلاقيّة التي تُنعشها المحبّة تعطي المسيحيَّ حرية أبناء الله الروحيّة. فلا يقف أمام الله كعبد، يخاف خوف العبيد، ولا كمرتزقٍ يسعى إلى أجر، ولكن كابن يبادل بحبّه حبَّ "مِنْ أحبَّنا أوّلاً" (1يو 19:4). "إننَّا إمَّا نحيد عن الشرّ خوفاً من العقاب فنكون مثل العبيد، وإمّا نَجري وراء إغراءِ المكافأة فنكون مثل المرتزقة. وإمّا أخيراً نخضع لأجل الخير ذاته ومحبةً لصاحب الأمر... فنكون عندئذ مثل الأبناء" (تعليم الكنيسة الكاثوليكية رقم 1828).
قيمة المحبّة في الحياة المسيحيّة تظهر حينما نطرق موضوع الاتَّحاد أو حياة الشّركة، سواء كان ذلك بالنسبة للإنسان مع أخيه، أو بالنسبة للإنسان مع الله، أو بالنسبة للكنيسة كلّها مع الله، حيث تصبح طبيعة المحبّة هي الأساس الذّي لا يمكن أن تتم أيُّ وحَدْة بدونه. فبدون المحبّة تصبح حياة الشّركة أمراً مستحيلاً، أو جهاداً ضائعاً لا رجاء فيه. فغياب المحبّة يفسد قوّة الإيمان ويبطل قدرة المعرفة ويضيع كلّ جهود الأعمال هباءً. لماذا؟ لأنَّ المحبّة هي من طبيعة الله "الله محّبة"، فغياب المحبة يعني غياب الله، وبدون الله يصبح كلّ إيمان وجهاد عبثاً في عبثٍ.
د - إنَّ العيش المشترك يقتضي من المسيحيّ العمل بوصية السيّد المسيح وهي المحبّة الشّاملة والعامّة. لذا، فالمسيحيون يلتزمون معاً بالشّهادة لمحبّة المسيح. وهكذا في كل بلد وقطر وقارة. والشّهادة لمحبَّة المسيح لا تكون منغلقة داخل الأُطر والممارسات الطّقسيّة فقط، بل على مختلف الأصعدة: على الصّعيد الاجتماعيّ- الاقتصاديّ، وعلى الصّعيد الثقافيّ، وعلى الصّعيد الاجتماعيّ- السّياسيّ، إضافة إلى صعيّد الحياة العائليّة.
فمِن المستحيل أن يقبل الله محبتنا إذا لم يكن لها عمل إيمّاني في عبادة مُخْلِصَة وتقوى كما أنّه لا يقبل إيماننا إذا لم يكن له عمل محبّة "الإيمان العامل بالمحبة". ومن وصية الله بخصوص محّبة الإنسان لقريبه على أساس أن تكون مساويّة لمحبّة الإنسان لنفسه تتضح طبيعة المحبّة أكثر أنّها فائقة على الغرائز الطّبيعية وعلى الدّوافع النفسّية الذّاتيّة، ومن ذلك يتبّين أنّ وراء هذه الوصية قوّة إلهّية سّريّة.
5- "والرّوح ذاته، مبدأ الوَحْدَة في الجسد(السرّيّ) حيث تعمل قدرته ويتحقّق التّرابط الدّاخّلي بين الأعضاء، هو الذي ينشيء وينعش المحّبة بين المؤمنين" (انظر إطلالة الألف الثالثة 45).
م- فاطلب إليكم أن تسلكوا "بكلّ تواضع ورفق وأناة محتلمين بعضكم بعضاً بمّحبة" (أف 2:4). "بل صادقين في المحبّة ننمو في كلّ شيء إلى ذاك الذّي هو الرّأس المسيح الذّي منه كلّ الجسد مُرَكّباً معاً ومقترناً بمُوازرة كلّ مفصل، حسب عمله على قياس كل جزء يحصل نُمُوَّ الجسد لبنيانه في المحبة"(أف 15:4-16). أنّ المحبة الأخويّة هي الميزة الأولى للحياة الجديدة (أف 17:4-24).
سادساً: المرافقة الرّوحّية أو الإرشاد.
من السّهل جداً على الوالد عندما يرجع إلى البيت بعد يوم مضني في العمل أن يتمتع بابنه الصّغير أو بابنته الصّغيرة. وخاصّةً أن كان الطّفل في حالة اكتفاء ومرح. فيدعه يتسّلق على كتفيه ويداعبه بمحبّة وعطف. ولكن عندما يشم الوالد رائحة كريهة ويعرف أن ابنه يحتاج لتغيير الملابس عندئذ يرسله إلى الوالدة. فمحبّة الوالد لم تكن بالحجم الكافي لتغمر الطّفل في ساعات القذارة وكأني به يقول لابنه "أحّبك وأريد أن أداعبك طالما أنت نظيف ولكن عندما تكون قذراً سأنتظر حتى تذهب وتنظفك والدتك وبعدئذ تأتي إلىَّ."
يشعر الإنسان بأنّه محاطٌ بآباء يحبونه ويشجعونه طالما سالك بحسب روح المسيح الواضح فيه. ولكن عندما يسقط يدفعونه بعيداً وكأنهم يقولون له "قف على رجليك وعندئذ فقط سنعطف عليك ونشجعك؟"
لقد كتب القديس بولس لأهل كورنتوس: "لأنّه وإن كان لكم ربوات(عشرات الألوف) من المرشدين في المسيح لكن ليس أباء كثيرون لأنيّ ولدتكم في المسيح يسوع بالإنجيل" (1كور 15:4). هؤلاء الذّين يحبونك ويشجعونك فقط عند انتصارك هم مرشدون أكثر من أباء، والمرشدون كثيرون لكن الأباء قليلون، فان تبناك أحد وأخذ يساعدك لكي تنمو، فلا تزدر بالنعمة لأنّ هذا امتياز عظيم.
سُّر التّلمذة أن نقبل يسوع يوجهنا ويقودنا عَبَرَ الأشخاص الذّين يُدعون آباء بالرّوح. تتمّيز المسيحيّة كونها ديانة التجسّد والوجود، نحن لسنا أهل الكتاب، نحن ننتمي إلى يسوع المسيح، معلم حياتنا، وبالوقت نفسه ترك لنا الوسطاء الذّين يساعدوننا لاكتشاف إرادة الله وتحقيق مقاصده في حياتنا. المرافقة الرّوحّية والتّدرّب على عيش الفضائل مع مختبر، ينَّميان الشّخصّية الرّوحّية في التّلميذ.
من أقوال القديس يوحَّنا الصّليبيّ في هذا الصّدد:
"من يبغي البقاءَ وحده، وبدون عَولِ(الاعتماد) على مُعلم أو دليل، لأشبه بشجرة في الحقل، معزولة لا صاحبَ لها: مهما تكاثرت ثمارُها، فيسقطفها المارةُ حِصرماً"
"الشّجرة المزروعة المحروسة بعنايةِ صاحبها، تعطى ثمارَها في أوانها المرصود" 18
"النّفس الوحيدة، الفاضلة، وبدون معلم، تشبه الفحمة المشتعلة وهي لوحدها: ستبرد رويداً بدل أن تشتعل" 19 "من كان وحده وسقط، يبقى ساقِطاً لوحده. مِثل هذا يحطُُ من قدرِ نفسهِ، لأنه لا يُعَولُها إلا على ذاته" 20 "بما أنّك لا تخشى السقوط، وأنت وحدك، فكيف تفترض أنَّك تنهضُ لوحدك؟ اعتبر أنً اثنين متَّحدين لأقوى مِن واحد منفرد" 21” مَن يسقط مُثقَلا، يصعب عليه النّهوض مُثقلا" 22”ومَن يسقط وهو أعمى، لن ينهض لوحده, وهو أعمى؛ وإنّ أمكنه النّهوض، فيسير من حيث لا يلائمه" 23

ــــــــــــــ
17- يوحنا الصليب,مرجع سابق ص255
18- المرجع السابق, رقم6.
19- المرجع السابق, رقم7.
20- المرجع السابق, رقم8.
21- المرجع السابق, رقم9.
22- المرجع السابق,رقم10.
23- المرجع السابق, رقم11.

يحتاج الإنسان لكي ينمو في الرّوح إلى الإرشاد والاسترشاد. يحتاج أن يقتنع بأنّه في حاجة إلى الإرشاد. ويحتاج أيضاً أن يجد مَنْ يقدم له هذا الإرشاد. تمامّاً كما يحتاج إلى نفس الشيّء في مسيرة حياته اليوميّة. فهو يَتَعَّلم مَمَنْ هم أكثر منه خبرة في مجال الحياة اليومّية والاجتماعيّة. ويجب أن نشير أن بعض النّاس لا يدركون هذا الاحتياج على الإطلاق ولهذا يسيرون دون إرشاد. ويرجع عدم اقتناعهم بضرورة الاسترشاد إلى عدم وعيهم بأساسيات النّمو الرّوحّي أو يرجع إلى نوع من الكبرياء يشعر بمقتضاه الإنسان أنه يعرف في هذا الطّريق. وتتفرع الحاجة إلى الإرشاد والاسترشاد إلى عدة حاجات فرعيّة هي:
+ الحاجة إلى القدوة: فالشخّص دائماً يحتاج إلى قدوة صالحة يتَعَلَّم منها ويسترشد بها. وقد ثَبُتَ أن التّعليم بالقدوة في المجال الرّوحّي أجدى بكثير جداً من التعّليم بالكلمات أو بالأوامر. وهذا يلقي على الشّخص مسئوليتين: الأولى هي مسئوليّة أن يكون قدوة للآخرين. والثانية أن يقتدي الإنسان بالآخرين. فإذا حَرَص كلّ إنسان على أن يكون قدوة للآخرين فسوف يجد الناس بسهولة من يسترشدون به. ويتطلب ذلك أن يحرص كل إنسان ألا يكون سلوكه معثراً. وما قاله بولس الرّسول إلى تلميذه تيموثاوس يذكرنا دائماً أن الإنسان مدّعوّ دائماً أن يسلك في طريق التّقوى دون اعتبار للسن " لا يستهين أحد بحداثتك بل كن قدوة للمؤمنين" (1تيم 12:4). أمَّا مِنْ جهة الإقتداء بالآخرين فهي مسألة يجب أن نتدّرب عليها. والكنيسة بحفظها لتراث قديسيها تعلمنا كيف نقتدي بهم. ولكن يجب أن نعي ونحن ننظر للآخرين ونَتَعلمَّ منهم أنّ القدوة الحقّيقية للبشر هو ربنُّا يسوع المسيح. وأنّه كما سلك ذاك ينبغي أن نسلك نحن أيضاً. فالبشر جميعاً يمكن أن يخطئوا. ومن نأخذهم قدوة لنا يمكن أن يلحق بهم الضّعف في وقت من الأوقات أو في موقف من المواقف. والإنسان المسيحيّ المتزن لا يجب أن يَعُثَر من ذلك، فهو يجب أن ينظر فقط إلى الجوانب المضيئة ويقتدي بها، أمّا الجوانب الأخرى فهم كبشر يمكن أن يكون لهم ضعفاتهم. نحن يجب أن نتمّثل بهم في برِّهم وفي إيمانهم، وفي عفتهم، وفي صبرهم...الخ. وقد أكَّد ذلك الوحي حين قال: "اذكروا مرشديكم الذين كلموكم بكلمة الله. انظروا إلى نهاية سيرتهم وتمثلوا بإيمانهم" (عب 7:13).
+ الحاجة إلى الّتلمذة: يحتاج الإنسان في طريق نموه الرّوحيّ إلى التّلمذة. يحتاج إلى أن يتتلمذ على يد غيره كما يحتاج أيضاً أن يقتنع أن يأخذ مكانة التّلميذ. لأنّ بعض النّاس على الرّغم من أنّهم بصفة رسمّية يكونون في موقع التّلميذ إلاَّ انهم لا يتتلمذوا بالفعل بسبب عوامل داخليّة عديدة. وقد بدأ السَّيد المسيح إتباع منهج التّلمذة مع الاثني عشرة رسولاً حتىّ أنّهم دعوا تلاميذ. وكان منهج التّلمذة هو الارتباط بالمعلم بعمق على مدي زمنيّ طويل. فالتّلاميذ عاشوا مع السّيد المسيح " ذهبوا معه إلى عرس قانا الجليل، وكانوا معه في إقامة لعازر. شاهدوه وهو بين النّاس واختلوا به حين كان يأخذهم إلى مواضع خلاء. عاينوا معجزاته وشاهدوا آلامه وقيامته وصعوده. ولهذا خرجوا يدعون ويبشرون برسالته بروح واحد. بعد ذلك سارت الكنيسة على نفس المنهج في الرّهبنة وفي العمل الكنسيّ في وسط العالم على السّواء. كلّ هذا يشير إلى أنّ النمّو الرّوحيّ للشخص يتطّلب التّلمذة. فهي حاجة ضرّورية للإنسان. وقد أتاحت الكنيسة فرصةً للشخص أن يختار مَنْ يتتلمذ على يديهم سواء من خلال الاعتراف (التلمذة على يد أب الاعتراف) أو من خلال الأساليب الكنسية الأخرى مثل تلمذة ابن في مدارس الأحد على يد خادم الفصل ولو فترة زمنيّة محدَّدة.
+ الحاجة إلى الاستنارة والإفراز: يحتاج النّمو الرّوحيّ إلى الاستنارة والإفراز. وحينما نتكلم عن الاستنارة واكتساب الشّخص لروح الإفراز فإننا نعني عمل الرّوح القدس في حّياة النّاس. فنحن نحتاج أنّ يشرق الله بنوره علينا لكي تكون لدينا الاستنارة الرّوحّية. كما نحتاج أن يعلمنا روح الإفراز. ذلك أنّه من أبسط الأمور التي يتعرّض لها الإنسان أحياناً تصيبه الحيرة في الاختيار بين طريقين، أو في التّمييز بين سلوك وسلوك آخر أيهُّما أفضل أو أيهُّما أكثر قبولاً، أو أيُّهما يرضي الله عنه؟ في الوقت الذي يجد فيه غيره يجتاز محنا وصعاباً بسهولة و إذا وقف في مفترق طرق فإنه يمّيز السّبل المستقيمة الصّحيحة دون عناء، ويستريح. إنّ هذا لا يرجع إلى درجة التّعليم أو حكمة بشريّة بقدر ما يرجع إلى الاستنارة الرّوحيّة، وتوفر روح الإفراز. ويؤكّد ذلك أنَّ البعض مَمَنْ هم أقلّ علماً وحكمة بشريّة يمكن أن يكونوا أسهل وصولاً إلى قرارات حكيمة في المسائل الصعبة من غيرهم. إن توفر الاستنارة وروح الحكمة والإفراز يتطلّب أن نصلّي دائماً من أجل أن يهبنا الله هذه الموهبة الثمّينة. ويتطلّب أيضاً أن نسلك في الأمور بتدقيق وترو. وهذا مشروط بإحساسنا بالاحتياج لروح الاستنارة و الإفراز. ويؤكّد سفر الرؤيا على بعض الناس يكونون مضللّين في معرفتهم وفاقدين لروح الاستنارة حتّى أنّهم لا يرون في أي موقع يقفون. فقد قال الوحي لملاك كنيسة اللاودكيين " لأنّك تقول إني أنا غني وقد استغنيت ولاحاجة لي إلى شيء ولست تعلم أنّك أنت الشّقي والبائس وفقير وأعمي وعريان" (رؤ 17:3). ثم يشير على الإنسان أن يطلب منه نعم الاستنارة فيقول: " أشير عليك أن تشتري منى ذهباً مصفيً بالنّار لكي تستغني. وثياباً بيضاً لكي تلبس فلا يظهر خزي عريتك" (رؤ 18:3). ويشير الوحي في أرميا أيضاً إلى ضرورة أن يجتهد الإنسان في التّفكير في اختيار الطرّيق الصّحيح لأنَّ ذلك يؤّدي إلى راحة نفسّية، في أرميا حين يقول: " قفوا على الطّريق وانظروا واسألوا عن الطرق القديمة أين هو الطّريق الصّالح سيروا فيه فتجدوا راحة لنفوسكم" (أرميا 16:6).
سابعاً: المحبًة البنّوية للعذراء مريم وإكرامها.
العذراء مريم هي أم يسوع وأم الكنيسة وأم المؤمن. إنّها تُعَرّفُنَا على يسوع وتقرًبنا منه. في عرس قانا الجليل توجهت العذراء إلى يسوع وقالت: "لم يعد عندهم خمر"، ثم التفت إلى الخدم وقالت "افعلوا ما يأمركم به" (يو 5:2)."دور مريم بالنسبة إلى الكنيسة لا ينفصل عن اتّحادها بالمسيح، فهو يصدر عن ذلك الاتّحاد مباشرة."والارتباط بين مريم وابنها في عمل الخلاص يتجلّى منذ حَبَلِها البتوليّ بالمسيح حتى موته". وهو يتجلّى بوجه خّاص إبّان الآلام..." (تعليم الكنيسة الكاثوليكية رقم 964). "ودور العذراء، بالنسبة إلى الكنيسة وإلى البشريّة كلّها جمعاء، يصل إلى أبعد من ذلك. "فقد أسهمت بطاعتها وإيمانها ورجائها ومحبّتها المضطرمة، في عمل الخلاص إسهاماً لا مثيلَ له على الإطلاق، من أجل أن تُعاد على النّفوس الحياة الفائقة الطّبيعة، لذلك كانت لنا، في نظام النعمة، أُمًّاً" (تعليم الكنيسة الكاثوليكية رقم 968).
لنمو الإيمان في قلب المؤمن، العذراء مريم هي المساعدة لذا إكرامها والتّحدثّ إليها وطلب معونتها يساعد على استمراريّة تنشئتنا الرّوحّية الصّالحة ونمو الإيمان فينا. إنّ صلاتها لنا سور "لتكن صلاة البتول المباركة سورا لنا". تقينا من الشّر والأشرار، وتحافظ علينا لأنّنا أصبحنا أبناء لها وأخوة ليسوع."منذ الرّضى الذي أظهرته مريم بإيمانها في يوم البشارة، والذّي احتفظت به على ثباته بحذاء الصّليب، تستمرُّ أمومتها هذه، بلا انقطاع، في تدبير الخلاص، إلى أن يكتمل نهائِياً جميع المختارين؛ فإنّها بعد انتقالها إلى السّماء لم تنقطع مُهمتّها في عمل الخلاص. أنّها بشفاعتها المتّصلة لا تني تستمدُّ لنا النّعم التي تضمنُ خلاصنا الأبديّ. (...) من أجل ذلك تُدعى العذراء الطّوباويّة في الكنيسة بألقاب مختلفة، فهي: المُحامية، والنّصيرة، والظّهيرة، والوسيطة" (تعليم الكنيسة الكاثوليكية رقم 969).
تقول القديسة تريزا ليسوع الطفل: “ وتبين لي العذراء القديسة إنها غير مغتاظة مني،[26ي] فأنها لا تتخلف أبدا عن حمايتي حالما أدعوها. وإذا ما تعرضتُ لقلق أو ارتباك, فإنّي سرعان ما التفت إليها، وهي دوما، مثل أحن الأمهات، تتكفل بمصالحي"24 في مايو سنة1897. كتبت القديسة تريزا قصيدة شعرية باسم لماذا أُحبك, يا مريم! إليكم بعض الأبيات من هذه القصيدة:
1 - آه أريد أن أُنشد، لماذا أحبُكِ، يا مريم.
لماذا يهتز قلبي لدى سماع اسمك الشّديد العذوبة.
ولماذا التّفكير في عظمتك الفائقة
لا يبعث في نفسي الخوف.
إذا تأمّلتكِ في مجدك السّامي،
تفوقين إشراقاً جميعَ الطوّباوين
لا أستطيع التّصّديق أنّني ابنتك،
بل أمامك، يا مريم، أخفض عيني!...
2 - حتىّ يستطيعَ طفلٌ أن يحبّ أمه
يجبّ أن تبكيَ معه، وأن تقاسمَه أوجاعَه.
يا أمي الحبيبة، علي الضّفة الغربية،
كم ذرفت دموعاً لتجذبيني إليك!...
أتّأمّل حياتك في الإنجيل المقدس،
فأتجرأ على النّظر إليك والاقتراب منك.
لا يصعب عليَّ التّصّديقُ أنّني ابنتُكِ، لأننّي أراك تموتين ومثلي تتألمَّين...
4) آه! احّبك، يا مريم تُسَمِّين ذاتَكِ
أمةَ الرّبّ الذّي تسحرينه باتضاعك.
هذه الفضيلة المحجوبة تجعلكِ كُلّيّةَ القدرة،
وتجذب إلى قلبك الثّالوث القدوس.
وعندها ظلّلك روحُ الحبّ،
فتجسدَ فيك الابن المُساوى للآب.
وسيكون عدد إخوته الخطأة كبيراً جداً
إذ إنه علينا أن نناديه: يسوع، ابنك البكر!...
6) جَعَلتني أشعرُ بأن ليس مستحيلاً
السّيرُ على خطواتك، يا ملكةَ المختارين.
طريق السّماء الضّيق جعلته منظوراً،
إذ مارستِ باستمرار أوضعَ الفضائل.
بالقرب منك، يا مريم، أحبّ البقاء صغيرةً،
وأرى تفاهةَ عظائم الأرض.
عند القديسة أليصابات، المستقبلة زيارتَكِ،
أتَعلَّم ممارسة المحبّة الحّارة.
18) بانتظار السّماء، يا أمي الحبيبة،
أريد أن أحيا معك، أن أتبعك كلّ يوم.
وإذ أتأمّلك، يا أمُ، أغوص مذهولةً،
وأكتشف في قلبك أغواراً من الحبّ.
نظرتُك الوالدية تطردُ كلّ خوف،
تُعَلِّمني أن أبكي، تُعَلّمني أن أفرح.
وبدل أن تحتقري الأفراح النقيّة والمقدَّسة،
تريدين المشاركة فيها، وتتنازلين بمباركتها.
21) أيتُّها العذراء النّقيّة، يا أحنَّ الأمهات،
لم تحزني لِسَماعك يسوع.
لكنّك فرحتِ بأنه جعلنا نفهم
أنّ نفسَنا تصبح عائلتة على الأرض.
نعم لقد فرحتِ بأنّه وهبنا حياته،
وكنوزَ ألوهيته اللامتّناهيّة!...
ـــــــــــــــ
24- القديسة تريز الطفل يسوع معلمة الكنيسة, الأعمال الكاملة, مرجع سابق ص232.

كيف لا نحبّه، يا أمي الحبيبة،
حينما نرى هذا القدر مِنْ الحب والاتضاع؟
22) تحبينا، يا مريم، كما يحبنا يسوع،
وتقبلين بأن تبتعدي عنه لأجلنا.
مَنْ يُحبُ يُعطي كلَّ شيء، بل يعطي ذاته.
وشئت أن تبرهني على ذلك ببقائك لنا سَنداَ.
لقد كان المُخَلِّصُ يعرفُ حنانك الفائق،
وكان يعرف أسرار قلبك الوالدي.
يا ملجأ الخطأة، إليك عَهِدَ بنا،
عندما ترك الصّليب لينتظرنا في السّماء.
23) يا مريم، تبدين لي، على قمّة الجلجلة
واقفةً عند الصّليب مثل كاهنٍ على المذبح؛
تقدمين، حبيبك يسوع، عمانوئيل الوديع...
حتىّ تسكني عدالة الآب...
ذاك ما قد قاله أحد الأنبياء، أيتَّها الأم الملتاعة،
ما مِن وجع يضاهي وجعَك!
يا ملكة الشّهداء، بِبقائك منفيَّةً،
تُريقين لأجلنا كلّ دم قلبك!" 25
يقول الأنبا تيموثاوس:
"لم يوجد كائن في الّسماء، أو على الأرض، أو تحت الأرض، تبادل العطيّة مع خالقه سوى مريم فقط، لأنَّ الرَّبَّ الإله خلقها وأعطاها نعمة الوجود وجعل فيها روحاً خالدة على صورته ومثاله ومريم أعطته جسداً من جسدها الطّاهر. والكنيسة المقَّدَّسة تقول في الإيصلموديّة: "أخذ الذّي لنا وأعطانا الذّي له". وكونه أخذ الذي لنا فهذا عن طريق هذه القديسة الطّاهرة التي ولدت الله الكلمة بالحقيقة. لقد أعطى الرَّبُّ الإله مريم شخصيَّة متكاملة الفضائل. وقد رأى فيها هذه الفضائل قبل أن يخلقها بمقتضى علمه السابق وخرجت من بين يديه الطاهرتين في قمة الكمال نفساً وجسماً وروحاً. ولكنَّ الرَّبَّ الإله المهندس الأعظم الذي يخلق الأشياء في أسمى صورة. خلق له مسكناً نظيفاً طاهراً وجهزه بكلِّ ما يلزم لاستقبال الرّبّ الخالق بحيث إنَّ هذا الذي صنعه المهندس الأعظم لم يكن فيه نقصٌ وقد صنعه الله الخالق العظيم، والذي يدعوه الكتاب قائلاً: "ما أعجب أعمالك يا ربّ كلّها بحكمة صنعت" أمَّا المسكن العظيم الذي صنعه الرّبّ لسكناه فهو مريم العذراء التيّ صارت أطهر من السّماء وأقدس من الهيكل لا حتوائها في بطنها الطّاهر مَنْ لم تحوه السّماء والأرض" 26
" ... قال الملاك للعذراء الرّوح القدس يحلّ عليك. وقوّة العلي تظلّلك. فلذلك القدوس المولود منك يدعى إبن الله". وقد أوضح الملاك للعذراء الطّوباوية هذا السّرّ تفصيلاً. لأنّ بهذا قد أَعَلَن أنَّ العالم قد بدأ مرحلةً جديدةً هي مرحلة الأسرار التي كانت مخفية عن العالم القديم الذي كان مغرماً بعبادة الأوثان. هذا من جهة ومن جهة أخرى أن مريم هي جديرة وحدها بمعرفة هذا السّرّ العظيم. لأنّ واحداً من هذه الثّلاثة.. الأقانيم الإلهيّة قد حلّ في أحشائها. وصار أنساناً مثلنا لكي يجعلنا مشاركين للطّبيعة الإلهيّة التي أعطانا وجعلنا واحداً فيه وهو فينا: "أخذ الذي لنا وأعطانا الذي له". فلأن مريم كانت مستودع كلِّ الأسرار كشف لها الملاك هذا السّرّ الإلهيّ. ليعلن لها أيضاً رضى الثّالوث القدوس بهذا الصنيّع العظيّم الذي صنعه الرَّبُّ معها. ولأنّ مريم أيضاً كانت خزانة الأسرار لكثرة ما رأت وتمتّعت بالمناظر والأسرار السّماويّة العالية كانت صامتةً لم تتكلم كما قال لوقا الإنجيليّ: " وأما مريم فكانت تحفظ جميع هذا الكلام متفكّرة به في قلبها (لو 19:2)"27

ثامناً: التّدرّب على الخدمة والتّضحية والأمانة. من أجل تنمية الشّخصيّة الرّوحيّة فينا، يجب أن نُمارس حياة تقشُّف وأماتة.التمّرّس على روح العطاء والخدمة المجانيّة ومقاسمة الآخرين. من أسس التّربيّة الإيمانيّة وحتىّ البشريّة أن يتمرّس الإنسان على التقّشّف والتضّحية والخدمة والعطاء وأخذ المبادرة بحرمان الذّات حتىّ من الأمور الشّرعيّة والصّالحة من أجل خدمة الآخر. روح الخدمة والتّضحية تنمي في المؤمن روح الضّيافة والاهتمامّ بالأخوة ومحّبة الذين لا صوت لهم, أي أخُوة يسوع:(الجائع، العطشان، العريان، الغريب، السجين...).
تقول القديسة تريزا ليسوع الطّفل:
" لقد حصلتُ على العلامة المطلوبة، وكانت هذه العلامة صورةً أمينة(...) للنعم التي مَنَّ بها يسوع علي ليجتذبني إلى الصّلاة من أجل الخطأة. أمّا كان العطش إلى النّفوس قد دخل قلبي أمام جراح يسوع، ودمه الإلهيّ الجاري؟ فكنت أريد أن أسقيَها هذا الدم الطّاهر الذّي ينقيها حتما مِنْ أدرانها. وإذا بشفتي ولدي الأّول تدنوان وتلتصقان بالجراح المقدَّسة!!… فيا له من جواب تفوق عذوبتُه الوصف! فمنذ تلك النّعمة الفريدة، أخذ شوقي إلى خلاص النّفوس ينمو يوما بعد يوم. وكان يُخَيّلُ إلي أني أسمع يسوع يخاطبني، كما خاطب السّامريّة: أعطيني لأشرب(يوحنا7:4). لقد كان ذلك، بالفعل، تبادل حبّ حقيقيَّا: أُعطى النّفوس دمَ يسوع، وأقدم ليسوع هذه النّفوس التي أنعشها نداهُ الإلهيّ. وبذلك كان يبدو لي أني أروي ظمأه. ولكني كلّما سقيته، كلّما زادَ عطش نفسي الصّغيرة. ذلك كان ذاك العطش المذيب الذّي كان يعطيني إيّاه يسوع كألذ شرابٍ من حبّه…” 28

ـــــــــــــــــــ
25- المرجع السابق ص587-595.
26- تيموثاوس (الأنبا والأسقف العام) مريم في الكنيسة القبطية، مطبعة الأنبا رويس الأوفست – العباسية – القاهرة 1990 ص190-191.

" يا أماه! ما أجمل الدّعوة الّتي تهدُفُ إلى حفظ الملح المعَد للنفوس! هذه الدّعوة هي دعوة الكرمل، لأنَّ الغايةَ الوحيدة لصلواتنا وتضحياتنا هي أن نكونَ رسولات الرّسل، نصلّي لأجلهم بينما هم يبشرون النّفوس بأقوالهم ولاسيَّما بمَثَلهم(...) ولكن علي أن أتوّقف عند هذا الحّد، فإذا واصلت كلامي على هذا الموضوع، لما انتهيت منه قط!" 29
في إنجيل القديس يوحنَّا الإصحاح التّاسع نجد قصة ممتعة عن شاب أعمي منذ ولادته شفاه المسيح بمعجزة. وهذه المعجزة أحدثت ضجة كبيرة ليس فقط بين أهل البلدة الذّين عرفوا الأعمى لوقت طويل، بل أيضاً بين رجال الدين مِنْ اهتزوا غضباً علي المسيح لأنّه شفي في يوم السّبت، ومع أنّ التهّديد والوعيد إنصبا على الأعمى أن لم يلزم الصمت، لكنه لم يسكت بل بكلّ جرأة وببساطة تكلَّم عن المعجزة الَّتي حدثت ففي الحالة الأولي مع أهل البلدة قال: "إنسان يقال له يسوع صنع طيناً وطلي عيني واغتسلت فأبصرت". وعندما سأله الفريسيون عمَّا حدث له قال:"نحن نعلم أن هذا الإنسان خاطيء". فأجاب الأعمى: "أخاطىء هو لست أعلم، إنَّما أعلم شيئاً واحداً أني كنت أعمي والآن أبصر" (يو25:9). هذه هي شهادة تُعَبُر عن الجرأة والثّقة والبساطة مرّة بعد مرّة تكَّلم عمَّا فعله المسيح. ومّما لاشكّ فيه أن جرأته وقوّته زادت كلّما تكلَّم أكثر وعلى العكس عن والديه الّذين خافا تهديد الفريسيين واختارا أن يتنصلا من مسئولية الشّهادة عندما سألوهما قائلين : "أهذا ابنكما الذي تقولان أنه ولد أعمى فكيف يبصر الآن" أجابهم أبواه : "نعلم أن هذا ابننا وأنه ولد أعمي وأمّا كيف يبصر الآن فلا نعلم أو من فتح عينيه فلا نعلم. هو كامل السن. أسالوه فهو يتكلم عن نفسه" (يو21:9).
في قصة الكنيسة الأولي نجد أن المؤمنين لم يُصْلّوا طالبين من الله أن يعطيهم الفرص للشهادة بل أن يعطيهم لكي يتكلّموا بكلِّ مجاهرة. وربما هذا هو أحد أسباب ضعف كنائسنا في هذه الأيام فقد فقدنا مجاهرتنا بل وتخيلنا عن بعض الفرص الّتي يُرتبها الله لنا. فالشّهادة للمؤمن هي كالتّمرين للجسم تقويه وتشدده. وكما أنّ الإنسان الذّي يستلقي على سريره لوقت طويل أياماً أو أسابيع، يجد أنّه عندما يحاول أن يقوم لا يستطيع المشي بدون عون. كذلك المؤمن أن أختار أن يصمت متذرعاً بالعذر المعهود "سأشهد فقط بحياتي" فسيجد أنّ السّنين ستمر بسرعة والقوّة الرّوحيّة ستخور. يجب أن تكون شهادتنا بالحياة وبالكلام : "كلُّ مَنْ يعترف بي قُدام النّاس أعترف أنا أيضاً به قدام أبى الذّي في السّموات. ولكن مَنْ ينكرني قُدام النّاس أنكره أنا قدام أبي الذّي في السمّوات" (متى 32:10-33)
ــــــــــــــــــ
27- نفس المرجع ص 198.
28- المرجع السابق ص108.
29- المرجع السابق ص127.
الفصل الرّابع
أضواء على مسيرة النّموّ الرّوحّي
مُقَدَّمّة:

يعتقد المؤمن العادي أن ما أدركه في الصّغر مِنْ مقتضيات الإيمان أو "واجبات المسيحيّ" يظلُّ هو هو طيلة حياته. ويأخذه العجب إن تبدّلت حالاته الرّوحيّة أو مرّ إيمانه في تجربة الشّكّ ورأى أفراداً يختارون نهجاً مسيحيًّا جديداً. وأغلب الأحيان لا يعرف من مسيرة الإيمان إلاَّ الانتقال من الخطيئة إلى النَّعمة بالاعتراف. لكن يكفي هذا المؤمن العادي أن يَتَصَفّح سير القديسين أو يطالع كتاباً روحيًّا أو يقرأ تاريخ الكنيسة أو يراجع تطوّر إيمانه السّابق كي يكتشف بدهشة مسيرة إيمانيّة كثيفة يتمثّلها عبر شبكة من الخطوط المتداخلة، وتتعرّج في انحناءات تختلف بين مؤمن وآخر. نصف هذه المسيرة بشبكة خطوط وتصاعد لولبي نحو الاتّحاد بالله.
1- شبكة خطوط:
سنفرق بين الحاجات الجسّدية (الفيزيولوجيّة ) كالحاجة إلى الطّعام والشّراب، وبين الحاجات النّفسيّة كالحاجة إلى تأكيد الذّات، وبين الحاجات الاجتماعيّة كالحاجة إلى الاجتماع بالآخرين. وما من طفل يستطيع أن ينمو االنّمو الصّحيح دون تلبية حاجاته هذه. ونحن نميّز في نمو الحياة الرّوحّية الخطوط التّالية:

1- خط النّمو البيولوجيّ والنّفسيّ:

1-18 سنة: طفولة ومراهقة وشباب: "ما يريدون أن أكون"
+ نمو سريع في الجسم ووظائفه.
+ الحاجة إلى تأكيد الذّات أو الحاجة إلى المكانة: إنّ كلَّ طفل يريد أن يُعَترفُ به وبإمكاناته، وأن يُنتبه إليه. إنَّه يُطَالبُ بتقدير مُعَلمِّيه وأهله ورفاقه وذلك عن طريق النّمو في المعرفة واقتباس قواعد الفكر والتَّعلم والسّلوك البشريّ.
+ الحاجة إلى الأمان: يرغب الأطفال في أن تكون حيواتهم منتظمة ومستقرّة. إنّ عدم الاطمئنان والقلق يتركان آثاراً سيئةً في صحة الأطفال النّفسيّة. في هذه المرحلة يبدأ الطّفل في تكوين الإحساس بالثّقة والأمان، حينما يحس بأيدي مَنْ حوله تحضنه في محبّة وترحاب، وحضن الأمّ يحيطه بحنان ورعاية. فإذا ما فقد الرّضيع هذه المعاملات، ولم يحس بروح المحبّة والقَبول مَمَنْ حوله، نشأ فاقداً للثقة في المجتمع كلِّه، إذ يحس بأنّه غير مرغوب فيه (Unwanted). ويري بعض المحللّين أن نشأة الفيلسوف الشّهير سارتر، هي التيّ دفعته إلى تفكيره الوجوديّ الملّحد، فلقد نشأ فاقداً لوالديه، ورباه جداه بأسلوب مُنَفِّر، فأحسَّ بأنّه في صراع مع "الآخر"، وأصبح يري في الآخر محُطَِمَاً لوجوده الذّاتيّ، وقال مبدأه الشّهير: "الجحيم هو الآخر". وقد مرّ أحد أساتذة طب الأطفال في مرة على رضيع لا يكف عن الصّراخ، ولما لم يجد لديه أية أمراض عضويّة، كتب علاجه قائلاً: "نصف ساعة حنان، ثلاث مرات يوميًّا" لقد كانت أمه مريضة ومعزولة عنه، ولما أخذت المّمرضة الرّضيع في حضنها، وهي تقدّم له الوجبة الغذائيّة، أحسَّ بالسّعادة وانتهى ألمه وصراخه.
+ وكنتيجة لما سبق نقول إنّ هذا الطّفل كان في حاجة إلى المحبّة: كلّ إنسان يتوق إلى أن يكون محبوباً. والطّفل يشعر بالقلق وعدم الرّاحة إذا شعر أنه غير محبوب أو غير مرغوب فيه. ولذا فالطّفل يحتاج إلى نموّ في العاطفة واختبار تصاعديّ لأنواع العلاقات الإنسانيّة والانفعالات الوجدانيّة مع تقدّم العمر.
العلاقات: أم، أب، أخ، قريب، رفيق، صديق، حبيب… الخ
الانفعالات: فرح، حزن، حبّ، بغض… الخ
+ الحاجة إلى الاستقلال: يرغب الأطفال في الاستقلال وأخذ المسؤوليّة على عواتقهم. والمربي الحكيم هو الذّي يتيح الفرص لمَنْ يتولي تربيتهم لكي يحققّوا هذه الرّغبة ما أمكن وفي حدود عدم الاضرار بمصلحتهم.ولكي يحصل الطّفل على هذه الاستقلاليّة لابدّ له من المرور في أزمات تنقل الولد من مرحلة إلى مرحلة جديدة يجتازها عادة دون رواسب سلبيّة، وقد تترك في نفس الشّاب تعقيداً مرضياًّ.

في الحياة الروحية:
+ اقتباس، تقليد، سطحيّة.
+ أزمة شكّ خطيرة في القيم الأخلاقيّة والاجتماعيّة والحقائق الإيمانيّة. لكنَّ عمل النَّعمة لا ينحصر في هذه الظّواهر العاديّة، بل قد يحصل تجاوب عميق مع النّعمة فيستوفي النموّ الرّوحيّ "سنين كثيرة في أيام قليلة".

18- 25 سنة: أزمة الهويّة: مَنْ أنا؟
المراهقة هي الفترة في حياة الفرد تبدأ من نهاية طفولته وتنتهي في بداية بلوغ سن الرُّشد. وهي فترة انتقاليّة. ويتوق المراهق خلالها إلى الاستقلال عن أسرته، ليصبح شخصاً مستقلاً، يكفي ذاته بذاته. وفي هذه المرحلة يتمَّ فيها تكوين أصدقاء بصورة وثيقة ودائمة. وهنا يدخل الشّاب في محاولة اختيار سريع لشريك الحياة .. ويبدأ في تكوين علاقة عاطفيّة مع الجنس الآخر. وينسى أنَّ هذه المرحلة يُسمّيها علماء النّفس "الجنسيّة الغيريّة العامّة" .. أي التّعرف على الجنس الآخر ككلّ .. وأنّه بعد قليل سينتقل إلى مرحلة "الجنسّية الغيريّة الأحُاديّة" .. التيّ فيها يتمكّن بعد النضّوج النّفسيّ _ مِِن اختيار شريك نهائيّ واحد للحياة. لذلك فالعلاقات العاطفيّة في هذه المرحلة تنتهي في كثير من الأحيان إلى الفشل لظروف كثيرة مثل:
+ عدم اكتمال النّضج النّفسيّ اللاّزم، فينتقل الشّباب من اختيار إلى اختيار آخر.
+ عدم التّوافق الأُسريّ أو الاجتماعيّ أو الماديّ أو الثّقافيّ.
+ عدم الاستعداد الاقتصاديّ لبدء مسئوليات الزّواج.
+ وفوق الكلّ عدم التّوافق الرّوحيّ... والبعد عن التّدين السّليم.
وكثيراً ما تنحرف عواطف هذه السّن، فتقود إلى ممارسات خاطئة، أو السُّمعة السّيئة، ويحدث بعد ذلك النّدم، وأي ندم!!
لذلك فالتّصرف السّليم هو تكوين صداقات محبّة روحيّة عامّة مع كثيرين، دون تركيز على شخصّية واحدة، انتظاراً للوقت والتّكوين الملائم، لاختيار شريك الحياة
ونجد في هذه المرحلة عدّة خصائص هي كالأتي:
+ أزمة شكّ سابقة قد تزعزع كلَّ شيء.
+ صراع نفسيّ بين القناعات الشّخصيّة والمُثل الاجتماعيّة.
+ بحث عميق عن الهويّة الشّخصّية في الحياة الإنسانيّة مَنْ أنا، وماذا أكون.
+ تقلّب فكريّ، وبحث عن ثوابت فلسفيّة تعيد إلى الشخّصيّة ترتيبها واستقرارها.
+ سعيٌ إلى تكوين نظرة شاملة إلى الوجود والمجتمع والله، واكتشاف ارتباط الشّخصّية بها جميعاً.
+ رغبة في الحبّ والمسئولية مع تردّد أمام الزّواج وخوف مِن الالتزام الدّائم.
+ اختيار مهنة ونهج حياة ثابت.

في الحياة الرّوحّية:
+ تقلّب وتصلّب في إيمان انتقائيّ وجرأة إبداعيّة.
+ تنكّر للإيمان والممارسة مع الحفاظ على قناعات دينيّة.
+ عطاء واستعداد لبذل الذّات مع شعور بالفراغ واللاّمبالاة.
+ تفاؤل وحماسة وعفويّة، مع نفاذ صبر وقلّة خبرة وانزلاق عاطفيّ.
+ اختيار دعوة كنسيّة وعيشها رغم التّقلّب، وهي علامة نموّ روحيّ.
+ ابتعاد عن التّوجيه الإيمانيّ الخارجيّ والسّعي إلى عيش الإيمان شخصيَّا ضمن جماعة جديدة (حركات الكنسيّة المنتشرة بين الشّباب ).
25-45 سنة: نموّ مثالي: "أريد أن أكون"
وهي مرحلة العطاء في الزّواج أو البتوليّة، وفي العمل أو الإنجازات العلميّة، وفي إنجاب الأولاد وتربيتهم، وفي الخدمة الكنسيّة، وفي الصّلاة، والافتقاد والرّعاية، والكتابة، والترّجمة، والقيادة، والنّموّ الماديّ، أو في تكوين علاقات اجتماعيّة، أو في الشّهادة اليوميّة للمسيح في المجتمع...ألخ.
إنَّها مرحلة العطاء المستمر المتّدفق، وهي جوهر رحلة الإنسان، إذ فيها يتسم عطاؤه بالتّدفق والّتجديد والحيوية والوفرة، بسبب الطّاقة الكافيّة والإمكانيات المميزة.

النّموّ الإنسانيّ:
+ استقرار في عمل ومهنة ونهج عائليّ.
+ سعي حثيث لتحقيقي طموحات واضحة ومثاليّة.
+ وعي بمسئوليّة الإنسان في العمل والعلاقات الاجتماعية والّتربية.
+ تنبه إلى شموليّة الفكر والثّقافة.
+ حالات أزمات نفسيّة أو عاطفيّة تهدّد الاستقرار العاطفيّ، وتخلق مللاًّ.
+ يسعى الإنسان ليحقّق النّجاح الذّي يحلم به.
+ ثقة بالنّفس ومصالحة مع الحياة وفطنة في تدبير الأمور.
النّموّ الرّوحيّ:
+ يغلب طابع الجهد الشّخصيّ لتطبيق المثال أو القناعات العامّة المتجددة.
+ استعادة ذكريات إيمانيّة سابقة مِن خلالها يستفيق الإيمان الأصيل.
+ حياة روحيّة مبرمجة، ودور كبير للإرادة.
+ صراع مستمر ضدّ الخطيئة وصلابة إزاء أخطاء الآخرين.
+ أزمات ناتجة عن خيبة أمل من ضعف الذّات والآخرين، تظهر ملامحها في طريقة الصّلاة، يعقبها تحوّل عميق ونموّ أسرع.
+ التزام جماعيّ كنسيّ مع شعور بالمسئولية.
+ الإكثار من النّشاطات والأعمال "الرّسوليّة".
45-65 سنة: نموّ واقعيّ: "هذا أنا": وفيها تتماسك الشّخصيّة بصفة تكاد تكون نهائيّة، وتكتسب ملامحها الثّابتة، وتخصّصها الذي يُميزها. وهذا لا يعني الرّكود أو التّوقّف، بل بالعكس فهو يعني عطاءً ذا طبيعة خاصّة، وملامح مُمَيَزة يتسم بها صاحبها، ونحتاجها جميعاً، في عضويتنا في الجسد الواحد ربنّا يسوع المسيح... عطاء الخبرة والنّضج الكامل.
هنا الأبوَّة، والحكمة، والقيادة، ومخزن الخبرات، والكفاءة.. هنا العطاء المتزن المدروس والمُشَبَّع.. ولذلك نلاحظ أنَّه لا توجد سن "معاش" في الخارج، وحتىّ في مصر، يتمسكون بمن بلغ سن المعاش، ويجعلون منه مستشاراً في تخصّصه. وعلينا أن نُقَدِّم بعض خصائص هذه المرحلة:
+ شعور بالوصول إلى أعلى مستوى في الشّخصيّة، جسديًّا.
+ وعي لقدرات النّفس وحدودها.
+رضى بالواقع بعد خيبة أمل أمام طموحات وأحلام لم تتحقّق.
+ الإنسان لا يحمّل نفسه أكثر مّما تستطيع.
+ يترك المجابهة المباشرة ويعتمد الحيلة والمسايرة.
+ بدأ مرحلة العدد العكسيّ، وتذكّر الماضي ورسم المستقبل على صورته.
في الحياة الرّوحيّة:
+ هدوء وسلام وواقعيّة، لا قلق ولا تسرّع.
+ اتجاه صوب التعمّق التطلّعيّ في أسرار الإيمان وتذوّق انسجامها وجمالها.
+ صلابة في الموقف الإيماني وليونة ومرونة في التّعامل مع الأشخاص.
+ اعتدال يشوبه الحذر في القرارات.
+ رضوخ لواقع البساطة في القداسة الشّخصيّة: "أعرفُ أني لستُ قديساً، وهذا أنا".
65 80 سنة… الّشيخوخة أو "القليل الباقي"
+ الّشيخوخة البشرّية تُشبهُ عالماً مجهولاً: ندخله بحكم استمرارية الحياة ولا نعلم ماذا سنصنع فيه.
+ تتنوّع الحالة بتنوّع الأشخاص والمحيط الاجتماعيّ. ميزاتها العادية:
+ ثقل الطّبيعة، تعب، أمراض متنوعة، ضعف البنية، ارتجاف الكيان الإنساني.
+ تمسّك بما بقي من ثروة، أو جاه، أو قوة، أو صحة،أو ذكريات ماضية، أو عادات حميمة، أو علاقات اجتماعيّة.
+ عدم قدرة على التّكيّف وانزلاق نحو التّذمّر والنّقد.
+ عودة إلى حالات عاطفيّة صبيانيّة، مِنْ تعلّق أو أنانيّة.
في الحياة الرّوحيّة:
+ تظهر بوضوح في هذه المرحلة نتائج النّموّ الرّوحيّ طيلة الحياة فتبدو على وجه الإنسان:
+ إمّا إطلالة الفرح كأنَّها استباق لسعادة السّماء
+ إمَّا حرقة الخيبة والفشل، الحاصل بعد تراكم السّنين.

هو تناقض يطبع الحياة الرّوحّية في هذه المرحلة، ويظهر دون مواربة نتيجة عمل النّعمة في نفس الإنسان. لا مجال للتخفّي وراء الإرادة الصّلبة أو النّشاط العميق أو النّظريات. إمَّا أن تكون الحياة الرّوحيّة قد نجحت في تحويل الإنسان الجديد وتظهر فيه ثمار الرّوح أي "المحبّة، الفرح، السّلام، طول الأناة، اللطف، الأمانة، الوداعة، العفاف" (غلا 5، 22).
وإمّا أن تتحكّم بالإنسان أزمة الانحلال فيتشبث بعناد القليل الباقي، ويعيش في حسرة على الماضي وتصبح المعرفة الرّوحيّة وسيلة دينونة للآخرين.

ملاحظة: قد تبدو هذه المقارنة نموذجاً نظريًّا لا ينطبق على أي إنسان. فالمراد منها رسم بعض الملامح الواقعيّة التي تطبعها السّنون في نفس الإنسان، وخلق وعي روحيّ ذي وجهين :
+ حذر من الّثقة المفرطة في وسائل النّموّ الرّوحيذة العادية، لأنَّ النّموّ الرّوحيّ وليد نعمة الله الحرَّة غير المقيّدة ببرنامج.
+ حذر من الاعتماد المسرف على تقدّم العمر وتطوّر الطّبيعة العادي لبلوغ النّموّ الرّوحيّ.
فالواقعيّة تولّد الّتواضع الذّي هو أساس النّموّ الرّوحيّ في جميع مراحله.
ب - خط الاشتراك في السر الفصحي:
1- ِمنْ خلال السّنة الطّقسيّة يعيش المؤمن على مدى سنة كاملة، سرّ المسيح وأحداث حياته وحقائق الإيمان الكبرى مجسّدة في أعمال ماديّة واجتماعيّة، وتتكرّر سنة بعد سنة، فيزداد لها فهما ويسفيد شخصيًّا من مفاعيلها، حيث الرسوخ في عيش الإيمان.
2- عيش الحياة الإلهيّة شخصيًّا بوعي ومسئولية والمساهمة في إنمائها والاستجابة لمفاعيل المعموديّة بحريّة وثبات. هذا الخط هو الأكثر تغلّباً والأقلّ منهجيّة بين سائر الخطوط.

ج- خط الرّوحّانية الخاصّة:
الزّرع الذّي وقع في الأرض الصّالحة أثمر الواحد ثلاثين والآخر ستين والآخر مائة، نجد الّتنوّع نفسه في النّموّ الرّوحيّ الفرديّ والكنسيّ. فالنّموّ يعود إلى طيبة الأرض وطبيعتها لكنَّه يعود أيضاً إلى حريّة الله وإبداعيّة الرّوح الذّي يخلق كلَّ شيء جديداً. ولنا من جزء الروحانيات الرّهبان والقدّيسين الذين ظهروا فيها دليل على أنَّ الرّوحانيّة الخاصّة تفرض على النّموّ الشّخصيّ لوناً خاصًّا، لا بل سرعة زمنيّة، أو مساراً زمنيّاً وتحوّلاً روحيًّا، خاصّة بها. نماذج نموّ في الرّوحّانية الفرنسيسكانيّة والكرمليّة.

2- تصاعد لولبيّ:

يوصف النّموّ الرّوحّي بعبارات تدل على أبعاد ماديّة مختلفة. فالنّموّ هو تحوّل نحو:
1- ارتقاء، تصاعد، كِبَر، اتّساع.
2- كثافة، صلابة، مناعة.
3- عمق، هدوء، استقرار.
مع اعتمادنا أيّاً من هذه الأبعاد لوصف مسار النّموّ، نراه في تصاعد لولبيّ. شبكة الخطوط كلّها تسلك خطاً لولبيًّا مدفوعة بديناميّة باطنيّة (الحياة الإلهيّة بالفضائل) نحو تحقيق التّجسّد، تصارع صلابة المادة وبطء الطّبيعة ورواسب الخطيئة. لكنَّها لا تسير في خط مستقيم. فالحياة في تقلب دائم، وقد يعود إلى تعلّق صبيانيّ من سار سيراً حثيثاً مدة من الزّمن في التّجرّد ونكران الذّات، أو يقع في خطأ جسيم يسبّب ضياعاً واضطراباً أو ردّة إلى الوراء ثمّ يعود بعزم أقوى إلى الارتقاء مِنْ كمال إلى كمال.

3- ارتقاء نحو الاتحّاد بالله:

I تاريخ: منذ القرن الثّالث الميلاديّ بدأ آباء الكنيسة ذوي الاختبار، يرسمون معالم "الطّريق" المسيحيّة. فالمعلم أوريجينوس (+254) يُشَبِّه مسيرة المؤمن بمسيرة العبرانيين في صحراء سيناء عند خروجهم من مصر: بعد التَّحرّر من عبودية العالم والخطيئة والحرب ضّد الشّيطان، تأتي الرّؤى، ومحن الصّحراء، وأخيراً يعيش المؤمن العرفان وهو الدّخول في سرّ الله والاتّحاد بالكلمة.

أغسطينوس (+ 430م) يضع المحبّة في محور الحياة الرّوحيّة. هي الجوهر وهي الهدى والنّموّ في الحياة الرّوحيّة مرتبط بالنّموّ في المحّبة فيقسم المحّبة إلى:

محبة مبتدئة، ونامية، وكاملة.

لكن ظهر في القرن السّادس الميلاديّ تقسيم آخر يعود إلى ديونيزيوس الأريوباجيّ، يقسم الطّريق وفق خط تطلّعيّ إلى ثلاثة:

طريق التّطهير، وطريق الاستنارة، وطريق الاتّحاد.
وبعد توما الإكويني درج دارسو الحياة الرّوحيّة على اعتماد تقسيم يشمل التّعليم السّابقة فيعتبرون أنَّ الحياة المسيحيّة تمرّ في طريق ثلاثي. لكن يتميزون في اختيار المعيار.

المحبّة: المبتدئين المتقدمين الكاملين
التّطلّع: التّطهير الاستنارة الاتّحاد
التّأمّل: تفكير مكتسب تأمّل مفاض التّطلّع المفاض
الفضائل: بادئة متينة بطوليّة
(يوحنَّا الصليب) اللّّيالي: فاعلة (صعود الكرمل) منفعلة في الحس (ليل) منفعلة في الروح
هبات الرّوح: خفيّة ظاهرة مميّزة
(تريزيا) المنازل: 1-2 3-4 5-6-7

ب – ماهية الطرق الثلاث:

طريق الإيمان والنّمّو الرّوحيّ واحدة، لكنَّ الدّارسين قسموها إلى مراحل تسهيلاً للمعرفة، ووفقاً لعمل الله.

هدف الطّريق هو الاتّحاد بالله، تعبير يضم مفاهيم المعموديّة في مداها الأخير، أي المشاركة للثالوث القدوس في حياته الثالوثية حيث المجد.

1- طريق التّطهير: هو تنقية النّفس مِن كلّ رواسب الخطيئة وأسبابها والرّغبات الأنانيّة والشّوائب الّتي لا تليق بالله. للمبتدئين هي حالة المبتدئين في الحياة الرّوحّية، تشدذهم الرّغبة في عيش الإيمان، ولكنَّهم يترددون ويحفظون بعض العلائق بالخطية ويسقطون من وقت إلى آخر لكنَّ الرغّبة في محبّة الله هي المهيمنة.
2- طريق الاستنارة: الاستنارة هي جعل المسيح نوراً لحياتنا، فتستنير النّفس في طريقها نحو الله وتخفي عنها الظّلمات. للمتقدّمين في هذه الحالة تتابع النّفس عمل التّطهير بديناميّة وتجرّد، وتعكف على الصّلاة، وممارسة الفضائل، ومصارعة الخطيئة، مع الخوف من عودة الشّرير، والوقوع من جديد في الفتور والخطايا الرئيسيّة الرّوحيّة.
3- طريق الاتّحاد بالله : طريق مِنْ يختبرون في أعماقهم حضور الله، إمّا بالشّعور وإمِّا بالتّطلّع. فهي تطيع الرّوح القدس وتستجيب لإلهاماته العادية للكاملين والخاصّة وتظهر فيها ثماره ومواهبه.
في هذا الطّريق يسير عادة القديسون ومختبرو سرّ الله ( الصّوفيون MYSTIQUES ). هذا الطرق يبقى خاصعاً لمقياس النّموّ الرّوحيّ في الكنيسة، وحرية الله اللاّمحدودة في التّعامل مع كلِّ نفس على حدّة بطريقة فريدة، لكنَّ فهمها أيضاً يخضع لعمق اختبار المعلم الرّوحيّ الذّي يشرحها، وشمول عبقريته. لذلك سنتوقف عند نظرة يوحنَّا الصّليبيّ الخاصّة.

ج – نظرة يوحنا الصليبي :

يعتمد يوحنَّا الصَّليبيَّ التقسَّيم الثَّلاثي إطارًا عامًّا لحركية النّموّ الرّوحيّ، لكنَّه يُدْخِلُ عليه بعض التّعديلات أو التّفاصيل طبقاً لمفهومه وخبرته. أكتفي هنا بعرض القليل منها: توصف الحياة الرّوحيّة عادة بمراحل وحالات تقدم عادية وبسير حثيثاً تتخللّه أزمات عابرة قبل الوصول إلى الهدف. أمَّا يوحَّنا فجعل للأزمات " الليّالي" الحصة الكبرى في مسيرة النّفس نحو الهدف. وما هي ؟

تبدأ المسيرة الرّوحيّة بالارتداد الثّاني. الارتداد الأّول يتمّ عندما يدخل الإنسان في الإيمان المسيحيّ. أمَّا الارتداد الثاني فيبدأ عندما يعزم المؤمن على المضي بجد في طريق الحياة المسيحيّة والاقتداء بالمسيح مدفوعاً باعتبارات مختلفّة، انجذاب كبير بمحبّة الله. هذه المحبّة تلاحقه منذ البداية حتىّ حصول الهدف وهو الاتّحاد بالله بالحبًّ الإلهيّ، ومنذ الارتداد يبدأ عمل مزدوج، يقوم على ترتيب البيت واستقبال الله.

ترتيب البيت : عمل منهجيّ لرفض الخطيئة ورواسبها وضبط الرّغبات الأنانيّة.
‎استقبال الله : بالصّلاة وخاصّة التّأمّل حيث تعرض النّفس ذاتها لأشعة نور الله.
هذا العمل يُسَمّيه يوحنَّا ليلاً، وهو متنوع بتنوع النّفوس وأحوالها، وطويل بقدر استجابة النّفس لعمل الله، حسب هذا الرّسم:




ارتداد ليل اتحاد

ليل الحس ليل الرّوح ليل الحس ليل الرّوح
الفاعل الفاعل المُنفعل المنفعل
- عمل الإنسان
قبول عمل الله بالفضائل الإلهيّة
- عمل الفضائل
لا تظن أنّ هذا العمل يتُمُّ على مراحل أو أجزاء، بل يتمّ ذلك كلُّه بديناميّة موحّدة: توّق إلى الاتّحاد بالله، يبدأ بطيئاً حسب خطى النّفس، وينتهي سريعاً حسب خطى الله. عمل الفضائل هو توحيد الإنسان بالله لأنّها الله في النفس، فهي القوّة المحرّكة وهي الواسطة للاتّحاد، وهي عامل التطهّير.

فاللّيالي هي علامة عمل الله الدّائم والمحوّل، تعاني فيها النّفس ضيقات تزداد شدة وعناء كلّما تقدّمت النّفس في الاتّحاد بالله، فالله يجتاح أجواء النّفس ويكسّر الحواجز أمام عمله ويحطّم كلّ العقبات من نقائص وأهواء كي يحوّل النّظر إليه، وتتحطّم النّفس معها بقدر ما تتعلّق بها. ( تشبيه النّور، والزّجاج، العود الأخضر، والنّار، النّور والمغارة، جبل الكرمل) وعندما تصبح النّفس أهلاً لاستقبال الله في بيتها، يرفعها الله إلى مستوى اللّقاء التّام، أو "القران الرّوحيّ"، وتبدأ النّفس حياة جديدة هي حياة اتحاد بالله أو تصبح النفّس معها الله بالمشاركة (شعلة الحبّ المتقدة).

ففي نظر يوحنَّا الصّراع الرّوحيّ قائم منذ البداية، يعيش فيه الإنسان توازناً غير مستقرّ، ولا نستطيع أن نحدّد مدة هذه اللّيالي لأنّها منوطة بعمل الله. وبهذه النّظرة المحرّكة وحّد يوحنَّا الصَّليبيّ تطوّر النّموّ الرّوحيّ في الهدف والدّينامّية والحالة العامّة والتّطوّر الكثيف توحيداً متيناً يشد به تلميذ، إلى جوهر حياته المسيحيّة الله الثّالوث.
ديناميكيّة النّعمة في القصر الدّاخليّ عند القديسة تريزا ليسوع.

ديناميكيّة النّعمة من الموضوعات الأصلية في كتاب المنازل وللتدقيق نستطيع أن تقول بأنّه يُقَدِّم موضوعاً يُعد مفتاحاً للاّهوت النّعمة: مسيرة النّموّ والنّضج نحو القداسة . فليس كاليتوبيا التي لا يمكن الوصول إليها، ولكن كإمكانيّة يمكن تحقيقها ، لأنّها عطيّة من الله تقوي الخبرة الشّخصيّة والشّهادة لمسيرة يجب أن نخطوها. ربما الكاتبة لم تكن تعرف بعض التّقاسيم التّقليديّة لمراحل الحياة الرّوحيّة. مثل طريق التطّهير ، والاستنارة ، والاتّحاد . مبتدئين ، متقدمين كاملين. فهي تعرف التّمييز بين الطّبيعيّ والفوق الطّبيعيّ. نسك، أو زهد وتصوف .


النظّرة التقّليديّة للحياة الرّوحّية


المراحل التّطهير الاستنارة الاتّحاد
الأشخاص المبتدئين المتقدمين الكاملين


نظرة القديسة تريزا

الحالة طبيعة فائق الطبّيعة
نسك وزهد تصوف


لم تتبع القديسة تريزا تقسيمات الحياة الرّوحيّة في الديِّناميكيّة، انطلاقاً من الثّلاثة طرق التّقليديّة؛ بل بالعكس اختارت الرّقم الرّمزيّ للمقامات السّبعة