Make your own free website on Tripod.com

abona (aghstinos)
alsalah end treesa
Home
alasor alwosta
altagsd we taaseroh
althaloth we alalakat alagtmaia
alsalah end treesa
hawet almasehe
smile
drast klmat allah
hawet almasehe
alhabl bla dans
aldlil alrohy
alhob(the love)
alsalah alkalbia
hdor alah alaeem
alalmanieon
alfarah fe alktab almokads
almahba byn alfalsafa we alwegood


القديسة تريزا ليسوع معلمة الصلاة
المقدمة

في عالم يقدس الحياة العلمية، واستطاع أن يصل من خلالها إلى صنع بل وخلق كائن بشري، حتى يقول لله: لست وحدك الخالق. وصل الإنسان بالعلم إلى اكتشافات عظيمة سواء في الفضاء وإمكانية خلق مناخ طبيعيٍّ لاجل الحياة في العالم الخارجي أو في الاكتشفات العلمية الحديثة الأخري النووية منها والذرية : فهل مثل هذا الإنسان في إحتياج للصلاة؟
أنه يعتبر أنَّ الصلاة هي مضيعة للوقت، لانها تأخذ من الوقت ما يمكن أن توفره لاجل أختراعات واكتشفات علمية أو إنجاز عملي في الحياة: ومثل هولاء يرون بأنه لا اتفاق بين الصلاة والعلم.
الصلاة هي: للبسطاء والفقراء والمتخلفين عقلياً والجهلاء وأصحاب العقول الفارغة، وللذين ليس لديهم ما يملؤون به فراغهم فيذهبون للصلاة. كما أن الصلاة في نظر هولاء تعوق مسيرتهم العلمية، وتعطل عقولهم الفذة عن التفكير وابتكار ما هو مفيد للبشرية وللعالم.
الصلاة لدى الفقراء هي مضيعة للوقت، فهم في إحتياج إلى المال لأجل شراء الطعام والخبز، ولأجل البقاء في الحياة. فهل الصلاة تمنحهم المال؟ إن الوقت الذي يمضيه العامل والفلاح في الصلاة ليس له ثمن أو أجر، في حين أنه إذا أمضى هذا الوقت في عمل آخر غير الصلاة وجد ما يقابله مادياً. الصلاة هي لأصحاب الثروة والأغنياء والذين يعيشون في نعيم ويمضون حياتهم في راحة.
الصلاة ليست لأجل الفقراء أو بسطاء الشعب، بل هي لمن يملكون ولايحتاجون. حيث الصلاة بالنسبة لهولاء الأثرياء تعد وقتاً ترفهياً واستجماماً، وتعبر عن راحتهم الاقتصادية والمادية.
يقول البعض:إننا صلينا ولم تستجب طلباتُنا، كم من الركعات والسجدات والبخور والشموع التى أشعلناها، ولم يستجب الله لأي طلب من طلباتنا. فلماذا نصلي إذا كان الله لايستجيب لطلباتنا ورغباتنا؟ وكأن الصلاة هي لأجل الطلب وتحقيق الرغبات
والبعض يقول: إن العمل عبادة، وكل ما نعمله صلاة، وربنا قال اسعَ يا عبد وأنا أعينك.
والبعض الآخر يقول: إن تصرفات الذين يصلون غير لائقة، والصلاة لم تغير شيئاً في حياتهم. فلماذا أصلي؟ ولماذا أرتكب ذنباً أو خطيئة لمشاركة مجموعة من يمثلون حياة الصلاة؟ حينما أجد ذاتي في المستوى اللائق بالصلاة، أستطيع أن أخاطب الله وأقف أمامه، ولكن كيف أصلي وأنا كلي خطايا وذنوب؟
يرى البعض في الصلاة أنها لزوم المظهر الاجتماعي للظهور بين الناس، واكتساب وضع معين بينهم والتودد لديهم، واكتساب ثقتهم.
ويرى البعض أن الصلاة هي أسلوب احتيالي يستخدمه الإنسان للوصول إلى تحقيق مصالحه ورغبته، ولاستغلال الآخرين باسم الصلاة في أمور وظروف الحياة المختلفة.
البعض لايستفيد من الصلاة، ويخرج منها كما دخل، وحينما يجلس الإنسان أمام الله، لايشعر بتجديد أو تغير، بل هو كما هو.
والبعض يشكو من رجال الدين الذين لايساعدون الشخص على الصلاة، بسبب ضعف إيمانهم وسطحيتهم، كما أن جميع أو أغلبية أفراد عائلتي هم بعيدون عن الله.
البعض الآخر يقول: إن الصلاة صارت موضة وتقليعة عصرية، مثلها مثل موضة الفساتين وتسريحة الشعر وركوب السيارة، وأنا لا أحب أن أشارك الآخرين تقليعاتهم، ولا أريد أن أجاريهم في الموضة التي تأخذ وقتها وتمضي ويرجع كل واحد الى سابق عهده بل وأسوأ.
يري البعض أن الصلاة تفيد المراهقين والمراهقات، وتناسب سنهم، ولكن لا تفيد ولا تنفع الناضجين والبالغين. فالصلاة عبارة عن انفعالات عاطفية تهدأ بهدوء العاطفة داخل الفتاة والفتى، الشاب والشابة.
يري البعض أن الصلاة هي لفئة النساء اللواتي لايعملن شيئاً آخر، وليست لديهن مسئوليات وارتباطات كما هو الحال بالنسبة للرجال والشباب، كما أن الصلاة تناسب أكثر طبيعة النساء وميولهن أكثر من الرجال.
الصلاة هي أعمق اختبارات الإنسان المسيحي، لأنها تمكنه، بما فيها من قوة، على معرفة وفهم الأمور وتوجيهها بطريقة صحيحة. فإن كانت صلاته كاملة فإن كل شيء سوف يصير حسناً جداً. ولعل يسأل البعض: لماذا يندفع الإنسان الروحاني إلى الصلاة ولا يملُّ منها؟ والأجابة هي: إن جسد الإنسان مخلوق من تراب الأرض، لذلك فهو مائت بالطبيعة، ولكن الله منحه الحياة الطبيعية من خلال نسمة الحياة والتي بها يشترك في الوجود مع سائر الكائنات الحية، ولكن منحه أيضاً الحياة الروحية بنفخة كيانية من أعماق الله. لقد منح الله الإسان من روحه حتي يستطيع أن يتمم الغرض من خلقه: "حياة الشركة معه". فروح الله الذي يسعي ليوحدّ الإنسان دائماً مع الله، والوسيلة التي تحقق هذه الشركة والوحدة طالما الإنسان على الأرض هي الصلاة. لذلك فالصلاة نداءٌ أصيل أصالة الفرع بالنسبة للأصل، وهي نداءٌ قديم قِدَم البشرية نفسها. الصلاة هي تََرك المائت من أجل الاتحاد بالحيِّ. لأجل هذا فلنحذر إن كنا لا نصلِّي، لأننا هكذا ننحدر إلى البهيمية بإطفاء روح الله الذي فينا.



الصلاة التريزانية

داخل الكنيسة المقدسة يوجد قديسون كثيرون وتوجد قديسات كثيرات، وتتعدد المواهب داخل الكنيسة، هذه المواهب هى لاجل بناء جسد المسيح السري والذي هو الكنيسة.

وموهبة القديسة تريزا ليسوع، داخل الكنيسة، هي حياة الصلاة ولقد استحقت عن جدارة بأن تكون معلمة الصلاة بما لديها من خبرة روحية في حياة الصلاة، أو في هذا المجال.

وحينما نتحدث عن منابع ومصادر حياة الصلاة لدى القديسة تريزا ليسوع، علينا أن نرجع إلى المرجع والمنبع الأصلي والذي هو الإنجيل، و حياة وتعليم المسيح ذاته.

فهي تتبع المسيح في عزلته وانفراده طوال الليل، مع الآب في صلاة عميقة تتسم بالهدوء والصمت والحب المستمر بين قلب الآب والابن، وقلب الابن بالآب. فهي عملت بنصيحة الإنجيل التي تقول " وأما أنت فمتى صليت فأدخل إلى مخدعك وأغلق بابك، وصلِ إلى أبيك الذي في الخفاء، فأبوك الذي يرى في الخفاء يجازيك علانية" متى 6:6 .

نستطيع أن نقول إن صلاة القديسة تريزا ليسوع، هي صلاة يسوع ذاتها، وهى الصلاة المستوحاة من الإنجيل، ولذا فهي صلاة مسيحية.

سمات الصلاة المسيحية

أولاً: هي صلاة تكون على نفس المنوال لصلاة المسيح ذاته، أى كما صلى المسيح ذاته.

ثانياً : صلاة موجهة للثالوث القدوس، الله الواحد المثلث الاقانيم.

ثالثاً : صلاة لها جذورها المتأصلة في الإنجيل ومن الإنجيل.

رابعاً : صلاة مبنية على سر المحبة ولاهوت المحبة، ترفض الأنانية(فهى صلاة كنسية) .

خامساً : صلاة تفتح قلب المؤمن على سر الحضور الإلهي في داخلنا، وعلى مبادرة الحب الإلهي الصامد والصداقة والشركة.

سادساً : صلاة منتِجة، حيث نجد التلاحم والتوافق بين الصلاة والحياة بدون انفصال. الانسجام بين الصلاة وطريقة الصلاة ذاتها، بين الصلاة والممارسة العملية .

القديسة تريزا هى مدرسة للصلاة :

لقد أنشأت القديسة تريزا ليسوع مدرسة للصلاة، لأجل أبناء وطنها"أسبانيا" وللكنيسة "الكاثوليكية" جمعاء، والتي كانت الناس في حاجة شديدة إليها في ذلك العصر والوقت. هذه المدرسة لها تأثير نفاذ أو كبير على كل الروحانيات شرقاً وغرباً حتى يومنا هذا.

إن أهم ما ارتكزت إليه هذه المدرسة في حياة الصلاة، هي الصلاة العقلية أو التأمل بكل أبعاده وتأثيره في الحياة الشخصية والكنسية. وكان الهدف الأساسي من الصلاة العقلية هو خلق نوع من الصداقة بين النفس والله.

التأمل أو الصلاة العقلية، يحصل فيه الإنسان على نعمه الله التى تخلق منه شخصاً فعالاً في الحياة، ولا يكون مجرد أنساناً سلبي.

فالصلاة الهادئة والمستمرة أو المنتظمة، هي التي تقود الإنسان للحصول على النعمة الإلهية.
ما هى الصلاة:

الصلاة هي حالة ترتفع فيها النفس عن ذاتها، وتنطلق خارجاً عنها حتى تلتقي بالله.

والذين اختبروا حياة الصلاة، وصاروا تحت تأثيرها يشعرون بأنفسهم وهم يحلِّقون فوق هذا العالم : فلا يحبون أن يروا،أو ان يسمعوا شيئاً عنه، مفضلين البقاء مع الله وحده .

فالصلاة هنا توصف بأنها هي حالة البقاء مع الله، أي إن النفس تنجذب كليةً نحو الله وتفضل أن تبقى فيه.

إن هذا البقاء في الله يصل بالإنسان إلى حالة الثمالة بخمر محبة الله. إن الأفراح والملذات التي تتدفق عليهم، طوال هذه الصلاة تُسكرهم سكراً، يجعلهم في غيبوبة عن أنفسهم، حتى إنهم لا يتذكرون أن في الكون شيئاً غير هذا يشتهى.
الصلاة، ليست كما نظن، إنها حالة العزلة والوحدة، بل هي حضور الشخص برفقة آخر، هذا الأخر هو الله ذاته. وفى الصلاة الله يكون رفيقاً لحياتي، وأنا في رفقة الله.

"واجنهدن تاليّا، يا أخوتي، أن يكونَ لكنّ رفيق. ومن تراه يكون خيرَ رفيق من المعلّم نفسه الذي علّمنا الصلاة التي عليكنّ تلاوتها؟ " .

الصلاة، ليست كلمات، فهي أكبر وأكثر من مجرد حروف وكلمات وألفاظ تتمتمها الشفاة، فهي نظر وتأمل وتفرس ومشاهدة لصديق وحبيب .

" ثمثَّلنَ الربَّ نفسه بقربكنَّ وانظرن بأيِّ حبٍّ وتواضع يعلّمكنَّ. وصدِّقنَني: أعملنَ وسعكنَّ كي لا تبتعدنَ عن صديقٍ صالح جدًّا كهذا الصديق ".

الصلاة، هي عشرة وصداقة، وملازمة لصديق ويصبح كالظل لصديقه، لأن الصلاة لديها سر الانجذاب، حيث إن النفس التي تتعرف على شخص الله تنجذب إليه. ولا تمل إطلاقاً منه .

"إذا تعوّدتنَّ تقريبه منكنّ ورأى، هو، انّكنّ نفعلن ما تفعلنَ بدافع الحبّ، وتسعَينَ إلى مرضاته، فلن نستطعنَ إبعادَه عنكنَّ، كما يقال، ولن يتخلَّى عنكنّ أبداً، بل سيساعدكنّ في أعمالكنّ في جميعها. عليكنّ ان تبقينه معكنّ في كل مكان. أو تعَتبِرنَ شيئاً، وجود صديق كهذا بقربكن؟ "

الصّلاة بحسب القدّيسة تريزا، عبارة عن حبّ وغيرة رسوليّة، وليست ابتهالات وعواطف وتنهّدات .الحقّ يقال: إن القدّيسة تريزا تردد فى سيرتها الذاتيّة كالمجدليّة:"ما كانت النفس لتريد أن تتحرّك أو تتململ فيما هي تنعم ببطالة مريم المقدّسة " . تصرخ القديسة تريزا مع القديس بطرس،وهى تنعم بحضرة الله وبهاء الإلوهيّة "حسنٌ لنا أن نبقى هنا،يارب " . لقد كانت صلاة القديسة تريزا وثّابة،رسولية، تتجاوز حدود ذاتها وأسوار ديرها، لترافق المسيح فى مشواره الخلاصىّ الشاق. وبما أن الحبيب العاشق لايستطيع إلا أن يهتمّ بقناعات حبيبه وبمشاريعه وإنجازاته،كان لابد إذن لتريزا الهائمة بحب المسيح، أن تلخّص فى الصفحات الأخيرة من القصر الداخلىّ لبناتها، صلاتهنّ بهذه الصرخة الرسولية : "وهذه فائدةُ الِقران الروحي: أن يُولِّدَ اعمالاً، فأعمالا " . حتى إنها تجعل من خدمة الكنيسة هدف الكرمل الأول والأساسي، وذلك من خلال الصلاة: "وإذا لم توجّهن الصّلوات، والرغبات، والتقشّفات، والصيام في سبيل ما ذكرت (أي خدمة الكنيسة)، فاعتبرنَ انكنّ لا تحقّقن الغاية التي من أجلها جمعكنّ الرب هنا " . لقد جعلت القديسة تريزا من الانجيل كتاب سريرها ورفيق أسفارها، منه تنهل تأملاتها، وإليه تعود لدى اليبوسة والجفاف. وهكذا تستحيل صلاتها العقلية الى حوار ودّىّ مع المسيح، ترافقه خطوةً خطوةً عبر صفحات الإنجيل الذى لم يكن يفارق أناملها . لقد أرادت القديسة تريزا أن تكون الصلاة بالنسبة للنفس الكرملية مهنةً وبرنامجَ حياة، فلايمكنها أن تكتفى ببعض الممارسات التقوية العابرة، أو الرتب الطقسية المأمورة. والصلاة التريزيانية تجتاز بمرحلتين متميزتين عن بعضهما، ومترابطتين معاً فى آنٍ واحد وهما : المرحلة الأولى، وهى التى يغلب عليها الجهد الشخصىّ والبشرى، وهى تمثل المرحلة الزهديّة، والأخرى يكون فيها عمل الله طاغياً وهى المرحلة الصوفيّة.


ً 1- الصلاة اللفظية كبداية للحوار

تحترم القديسة تريزا كثيراً صلاة الشفايف والقلب معاً مثل الفرض الإلهى وغيرها من الصلوات التقوية.

وفى مثل هذه الصلاة اللفظية, تضع القديسة تريزا لنا ملحوظة لكى توضع فى عين الاعتبار، وذلك لأهميتها، وضروريتها وهى علينا أن نعرف من نحن؟ ومع من نتحدث؟

تركز القديسة تريزا بهذا الشكل على روح الصلاة أكثر من مجرد صلاة لفظية. وبمعنى أخر علينا أن نجيد طريقة وأسلوب وأداء الصلاة اللفظية بحيث تُؤَدى بروح خشوع وتقوى وحب ومعرفة. ومن طريقة الأداء نستطيع أن نصل معاً الى العمق الروحى بشكل أعمق من مجرد كلمات لفظية.

ويكفى أن نذكر هنا للقديسة تريزا تفسيرها للصلاة الربانية "أبانا الذى" والتى قسمتها الى أجزاء صغيرة بدافع اكتشاف الغنى الروحى لصلاة شخص المسيح ذاته وبالتالى الصلاة المسيحية، يكفى للإنسان أن ينطق بلفظ أو بكلمة "أبانا"، وسوف يتذوق باطنياً ماتحمله هذه الكلمة على المستوى الكيان الروحى.

"أبانا الذى فى السموات" : (مت 6 - 9 ) .
آه ، ياربي، ما اصحَّ انك أبٌ لابن كهذا وما أصحَّ كون ابنك ابنًا لأب مثلك! مبارك انت الى ابد الدهر! اما كان يجب ان تكون خاتمة الصلاة هذه النعمة العظيمة، ي ربّ؟ منذ البداية تملأ ليدينا وتنفحنا منّة عظمى حتى ليكون من الخير العظيم ان ينعم بها عقلنا لتنشغل الارادة فلا تستطيع ان تفوه بكلمة. آه، يا بناتي، ما أروع المكان المناسب هنا للتطلّع الكامل! وما احقّ ما تصيب النفس إذا تدخل في ذاتها لتستطيعَ الارتقاء فوقَ ذاتها كي يمكّنها هذا الابن القدوس من ان تفهم طبيعة المكان الذي يقول إن اباه فيه، أي السماوات! لنخرج من الارض، فليس من الصواب ان نقلّل من شأن منّة عظيمة كهذه، او أن نبقى على الارض بعد ان ندرك سموَّ عظمتها"

وعند قراءة أعمال القديسة تريزا بتمعن, يكتشف المصلى أن القديسة تريزا قد استخدمت ببساطة شديدة عمليه التكرار المستمر والتفكير فيما تكرره، وهذا مايسمى فى تقليد الصلاة الرهبانية،"بالهذيذ" وهى عملية تكرار مستمر لبعض الآيات الكتابية أو المزامير أو المقاطع الإنجيلية أو بعض الصلوات الطقسية، الى أن تُحفظ باطنياً فى القلب، ويستعيدها الذهن بشكل تلقائى ليكررها وتشبع النفس من مثل هذه الصلوات.

والحقيقة تقال، إن القديسة تريزا قد اختارت العبارات والآيات التى تحمل المعنى والرنين الخاص بالنسبة لها... وبالتدريج صارت هذه الطريقة مفيدة جداً لها، الى درجة أنها حولتها الى خبرة عظيمة للمشاهدة. وبمعنى آخر تحولت الصلاة اللفظية المتكررة الى موضوع للمشاهدة.

" بهذه الطريقة، نصلّي لفظيًّا بكثير من الهدوء، ونزيل مشقّةّ عن النفس. وإذا أرغمنا انفسنا على البقاء وقتّا يسيرّا بقرب هذا السيّد، فهو يفهمُنا بالإشارات، بحيث أنه اذا كان علينا أن نتلوَ صلاة الابانا مرارًا فهو يفهمُنا من تلاوتنا إياها أول مرة. وهو يهوى ان يجنّبنا المحن. ولئن تلونا هذه الصلاة مرة واحدة فقط في ساعة، فيكفي أن ندرك أننا بصحبته، ونعرفَ ما نطلبه منه، وكم يطيبُ له أن يمكثَ معنا؛ فهو لا يريدنا أن نثقل الرأس للاكثار من مخاطبته"

لقد كانت القدّيسة تريزا لاتحبذ الصلوات الشّفوّية الطويلة، والعبادات المعقدة التى كانت مزدهرة فى زمانها. أمّا صلواتها المفضّلة فكانت: المزامير، والأبانا الذى ألّفت فيها كتاباً (قسماً من طريق الكمال)، السّلام الملائكى الذى تمنّت أن تشرحه مثلما فعلت بالأبانا وقانون الايمان. كما نلاحظ، لا تزال هذه الصلوات أساسيّة لكل نفس عابدة، فى غاية البساطة والاقتضاب، إذ تشرح أسرار إيماننا الأساسيّة وتتأمّل فيها. والصّلاة اللفظيّة او الشفويّة مفيدة جداً للاشخاص الذين لا يقدرون على القيام بالصّلاة العقليّة. وتدريجياً، توجد إمكانيّة تحويل الصلاة اللفظيّة الى حوار حب وصداقة مع الله "فإن تكن صلاة يجب أن يصحَبها التفكُّر. فالتي لا تنتبه لمن تخاطب ولا تفهم ما تطلب، ومن هو الذي يطلب ومِمّن يَطلُب" "إعلمنّ، يا أخواتي، أنه حتى تكون الصلاة عقلية أو لا تكون، لا يكفي أن نطبق فَمَنا. فاذا كنت، وأنا أتكلّم، أدرك تمامًا أنني أكلِّم الله وأعي ذلك أكثر ممّا أعي الكلام الذي أنطق به، فهذه صلاة عقلية ولفظية معًا " . تُظهر تريزا في فى هذا النص قيمة الصّلاة اللفظيّة، متى تمّ انجازها بطريقة وإسلوب يتفق مع روح الصلاة اللائقة بالحضرة الإلهية، وتعتبر الصلاة اللفظية هنا كمدخل للصلاة العقليّة أو تهيئة لها.

2ـ الصلاة العقلية أو التأمل

تنطلق القديسة تريزا من خبرتها الروحية الشخصية، وتستند على ممارستها بفنٍ الخلوة الداخلية، كحضور لشخص المسيح، وتحت قيادة الروح القدس.

الاحتياج الشديد الآن هو الرجوع او الصعود الى خبرتها الأولى فى حياة الصلاة، والتى هى موصوفة فى كتاب السيرة، والذى فيه تكشف القديسة تريزا عن التواجد فى حضور المسيح
" لنكون بجوار السيد " .

" لدى ذهابى الى تلك الناحية، أعطانى عمّي الذي ذكرت، وكان بيته في الطريق إليها، كتابًا عنوانه: الأبجدية الثالثة، يحاول تعليم التأمل والاختلاء. لقد كنت قرأت خلال هذه السنة الأولى كتباً جيّدةّ وما رغبتُ فى مطالعة غيرها لأنًنى كنت أعرف الضرر الذى كانت قد سًببته لى، غير أنِّى ما كنت أعرف ممارسة التأمل او الخلوة مع النفس. فسررتُ بذلك الكتاب أيًما سرور وعزمتُ على ان أتَّبع، بكل قواي، الطريقة التى يوصى بها. وبما أنَّ الرب كان قد منحنى موهبة الدمع، وكانت المطالعة تَطيب لى، أخذتُ أنعم بأُويقات خلوةٍ، وأُكثر من الاعتراف، وأتبع ذاك الطريق معتمدةً ذلك الكتاب معلٍِّمًا لى. فأنا ما وجدتُ معلِّماً، أعنى معرِّفاً يفهمنى، مع أَنٍى بحثتُ عنه خلال عشرين سنة تلت هذه الفترة، فسبّب لىً ذلك ضرراً بالغاً، بحيثُ إنِّى كثيراً ما عدتُ القهقرى، بل عرًضتُ نفسى للضياع تماماً. ان مرشدأً كفُوءًا كان يمكنه، على الآقل، أن يساعدنى لأتجنب الظروف التى بها أُغيظُ الله "



"هذه كانت طريقتي في التأمل: بما أنّي لم أكن استطيع الاستدلالَ العقلي كنت أَسعى لا تمثَّل المسيح في داخلي، فأجدني، قي رأي، أكثر استفادةً لدى تصوّري إيّاه وحيداً؛ فقد كنت أعتقد أَنَّ عليه، وهو وحيد، ومغموم، وفي ضيق، ان يقبلني بقريه. وكثيراً ما كانت تراودني هذه الأفكارُ البسيطة. كنت أجدني مرتاحةً غلى التأمّل في صلاة الرب في بستان الزيتون. كان يطيب لي أن أكون في صحبته هناك. كنت، إذا استطعتُ، أتأمَّل عَرقه وغمَّه هناك؛ كنت أتمّنى أن أمسح ذلك العرق المتصبِّب المُؤلم. لكنَّني أذكر أني ما كنت أتجَّرأُ أبداً على فعل ذلك لأنّ خطاياي الجسيمة كانت تتمثَّل في ذهني فتردَعني. وكنت أمكث هناك، معه، ما سمحت لي أفكاري بالمكوث، لأن كثيراً منها كان يقضُّ مضجعي. طوال سنواتٍ عديدة، وفي أكثر الليالي، عندما كنت أستودع الله ذاتي لدى ذهابي الى الرقاد، كنت أتأمّل قليلاً في مشهد صلاة البستان هذا، حتى قبل ترهُّبي، لأننا بذلك، كما قيل لي، نربح غفراناتٍ كثيرة. وأنا واثقة بأنّ نفسي كسبت كثيراً جداً لأني بدأتُ أُمارس التأمّل دون أن أدري ما هو. وترسَّخت هذه العادة فيَّ فثابرتُ عليها مثابرتي على رسم إشارة الصليب قبل الرقاد" "

أوُتيت أحياناً، كما ذكرت، وإن لوقتٍ وجيز، بواكير ما سأتحدّث عنه. حين كنت أتمثل ذاتى قرب المسيح، كما قلت، بل وأثناء القراءة أحياناً، كان يعترينى فجأةً شعورٌ بحضور الله فلا أشك فى حالٍ أنّه فى داخلى، او أنه يغمرنى كلياً يهذا الحضور. لم يكن الأمر مجرًد رؤيا. وأظنّ أنً ذلك يدعى " لاهوتاً صوفياً "، تكون فيه النفس معلًقة فكأنًها خارجُ ذاتها كلياً. الإرادة يُحركٍها الحب، الذاكرة تكاد تكون، كما أظن، ضائعةً، والعقلُ فى اعتقادى، لايستدل، لكنه لايتيه؛ غير أنه، وأكررالقول، لايعمل بل كأنه مَرُوعٌ لكثرة ما يدرك، لأن الله يريده أن يفهم أنه لايفهم شيئاً ممًا يصوِره له،عزَ وجل "

كل هذا المجهود الباطنى لحضور السيد داخل النفس مصحوبٌ بالتوبة العميقة من جانب القديسة تريزا. والمسيح لايبقى سلبياً إزاء الموقف المتخذ من قِبل القديسة تريزا فلايتخذ موقفاً مما هو فاقد للحس إزاء الذين يبحثون عنه باشتياق ورغبة. وبمعنى آخر نستطيع ان نقول بأن هناك بحثاً ولقاءً متبادلاً بينهما، اى بين النفس والمسيح. والقديسة تريزا تظهر لنا تفضيلها لصورة المسيح الموجودة فى الانجيل، ويزداد تفضيلها لوضع السيد الذى يوجد فيه لوحده او بمفرده، مثلما كان فى البستان، وذلك لكى تؤنس وحدتة بوجودها معه. تدرك القديسة تريزا تماماً بأن صحبتها للمسيح في هذه الحالة تنال رضاه، وفى نفس الوقت تسعد هى بهذه الصحبة. فالصلاة التى تُبنى على الأنجيل تغنى وتثرى المصلى، لأنه فى مثل هذه الحالة يصبح الإنجيل معاشاً فى الواقع والحياة، وتصبح لحياة المسيح تجسيداً خاصاً فى حياة المؤمنين. ومن هنا إن القديسة تريزا تقوم بعملية إحلال وتبديل لشخصيات الكتاب المقدس، فمثلاً: نجدها تستبدل بتلقائية شديدة وبساطة ذاتها مع شخصية المجدلية او شخصية السامرية، واضعة ذاتها فى مكانة هذه الشخصيات او الأشخاص. تبذل القديسة تريزا مجهوداً كبيراً لكى تضع ذاتها فى حضور السيد المسيح، وهي مقتنعة تماماً بأن يسوع من جانبه يسعى للالتقاء بها ومشاركتها أسرار حياتها.

" كنت شديدة التعبُّد للمجدليّة، وكثيراً ما كنت أفكِّر فى توبتها، لاسًيما وقت التناول. وثقةً منّى بأن الرب، فى هذه اللحظات، فى داخلى، كنت أَنطرح على قدميه، فيبدو لى أنّ دموعي لم تكن مرذولةً. وما كنت أدرى ماذا أقول. إنّما كان ينعم علىً إنعاماً عظيماً اذ يدَعنى أذرفها، لأنى سرعان ما كنت أنسى ذلك الغمً ، فكنت أستشفع هذه القديسة المجيدة لتنال لى الغفران"


ان صلاة الخلوة لاتكتفى بجزئية التوبة والاهتداء بل هى أكثر من ذلك، فهى تضعنا فى حضور السيد المسيح كما نحن، وكأصدقاء حقيقين وفعليين وعمليين فى اللقاء معه. بالنسبة الى القديسة تريزا، الله هو الذى يتخذ المبادرة للبحث و لإلتقاء بها، وهو الذى يمنحها القوة التى تدفعها للبحث عنه. وهو الذى يمنحها القوة التى تقودها وتحركها للاهتداء، فالعمل الذى تقوم به تريزا يأتي كتجاوب على نعمة الله اللا-متناهية. فالله هو الذى ينظر أولاً نظرة حب لتريزا، وهكذا الصلاة التريزيانية عبارة عن تقابل و تلاقى النظرات بين الله وتريزا .

النصيحة الاولى التى نجدها فى تعليم الصلاة التريزيانية، هى تلك التى تقول بضرورة الحضور امام شخص المسيح، وضرورة تربية النفس على هذا الحضور.

" لنرجع الان الى صلاتنا الشفوية، فننظر كيف يجب أن نحسن تلاوتها، حتى إن رضى الله من دون أن ندرى، يضيف إليها معنا تكملتها، أعنى الصلاة العقلية، فتصبح صلاتنا هكذا أجود صلاة. فأول ما تبدأن به، كما هو معلوم: هو فحص الضمير، ثم تلاوة فعل الاعتراف، فرسم اشارة الصليب. وبما انكن ستمكثن، كل واحدة على انفراد، فاسعين فوراً الى مؤانسةٍ. وأى أنيس أفضل من المعلم الالهى نفسه الذى علمكن الصلاة التى تتهيأن لتلاوتها ؟ فاستحضرن الرب قريبا الى جانبكن، وتأملن باى محبة وتواضع يعلمكن. واستمعن لى ،بُنياتى، طالما يتيسر لكن، فلاتبرحنَ من مجالسة هذا الصديق الصفى. فان تتعودنَ اجتذابه الى مجالستكن، جنباً الى جنب، ويلحظ هو إن هذا إنما يُفعل حباً له وسعياً لإرضائه، فلن تجدن، وسيلةً لصرفه عنكن. لا بل سيلازمكن ملازمة الظل لصاحبه، ويشددكن على تحمل جميع المشقات: وبكلمة واحدة: ستلقينه قريبا منكن، فى كل آن. أوتعتقدن أنه شئ يسير الحصولُ على مثل هذا الصديق الى جانبنا؟ "


إن مهارة الصلاة التريزيانية, تكمن بالأكثر فى حركة الحضور او التواجد امام شخص المسيح. ويعنى بالتواجد هنا هو المجهود المبذول من قبل النفس لكى تتعرّف عليه او لكى تتصوّره. وبمعنى آخر هو أن النفس ترسم صورة المسيح فى داخلها باطنها.

" يستطيع من كان فى هذه الدرجة من التأمّل، أن ياتي أفعالاً عديدةً ليعزِم على تحقيق أعمالٍ كثيرة من أجل الله، ويوقظ فى نفسه حبَّه تعالى، وأعمالاً أخرى تساعد على نموّ الفضائل كما جاء فى كتاب عنوانه "فن خدمة الله"، وهو كتاب ممتازٌ ويلائم من هم فى هذه الحالة التى فيها يعمل العقل. يمكنه ان يتمثل ذاته فى حضرة المسيح، ويتعّودَ أن يهيم بناسوته المقدًس، ويستحضره دائماً ويخاطبه، ويسأ لَه ما يحتاجه، ويشكو اليه همومه، ويفَرحَ معه حين يكون مستغرقاً فى أفراحه فلاينساه بسببها، ولايحاول مخاطبته بصلواتٍ متكلًفة، بل فلتكن كلماتُه مطابقة لرغائبه وحاجاته. إنها لطريقة ممتازة للاستفادة بأسرع ما يكون. فمن جدً فى العيش بصحبة هذا الرفيق العزيز، وأحسن الاستفادة منها، واستمد منها حبًّا صادقاً لهذا الربّ الذى ندين له بالكثير الكثير، تقدًمَ أىً تقدًم، برأى، فى طريق التأمل.

لذا يجب الاً يشقً علينا إذا فاتتنا مشاعرُ العبادة، كما أسلفتُ، بل علينا ان نشكر الربً الذى يُبقى فينا الرغبة فى إرضائه رغم حقارة أفعالنا. وهذه الطريقة فى جعل المسيح بصحبتنا تفيد فى جميع الحالات، وهى وسيلةٌ مضمونةٌ كل الضمانة للتقدم فى الدرجة الاولى من التأمل وللوصول فى وقت وجيز الى الدرجة الثانية . وهى تعصم الآخرين من مخاطر الشيطان المحتملة."

تعتمد نوعية من الناس في صلاتها على التحليل والاستنتاج العقلي والفكري. تريد أن تبحث في صلاتها عن الأفكار الروحية الجديدة، والخواطر التي تغذي بها عقلها. فالصلاة تصبح هنا مبنية على التفكير السليم والمنطق العقلي الواضح، والذي ينبهر أمام كل اكتشاف جديد لأفكار جديدة جذابة. ولكن الصلاة الحقيقية ليست هي مجرد فكرة جديدة أو خواطر استنتاجية يستخلصها العقل وينبهر بها وكأنها اكتشافات علمية، يضرب بها الشخص العالم كله. كما أن الشخص العقلاني يميل الى النظام والترتيب والفحص والتدقيق، فهو يقع أحياناً في جمود معين، أو يرسم لذاته شكلاً روحياً معيناً. يبحث لنفسه عن إطار يضع فيه ذاته، وكمَن لم يصل أحد مثله الى هذه الاكتشفات الروحية والخواطر الروحية. فهو عن جدارة صاحب الفكر المستنير والعقل المتميز والقدير، ولم يسبقه أحد ولم يأتِ بعد آخر مثله. فهو يقع في الغرور النفسي نتيجة لذكائه وتحليلاته المنطقية واستخلاصه للأفكار الروحية. فهل الصلاة هي نتاج عقلي أو فكري، وهنا يكمن الخطر وهو أن نظن أن الصلاة هي بمقدار ما نرغبه، و نحصل عليه من أفكار وخواطر جديدة. وفي مثل هذه الحالة، تميل الصلاة أكثر إلى المنفعة والاستفادة أكثر من الاهتمام بالآخر الذي هو الله. فحسب هذه النوعية، الصلاة مفيدة بمقدار الحصول على ماترغبه وتريده النفس. الحقيقة، إن الصلاة هي أن يضع الشخص ذاته بين يدي الله. الصلاة هي لقاء مع الله. فشخص الله هو الأهم وليس ما نحصل عليه من تعزيات أو أفكار واستنتاجات، وإن كانت مفيدة. لقاء الله هو الأهم في حياة الصلاة.

تنصح القديسة تريزا المصلين، بألاّ لايرهقوا أو لايجهدوا عقولهم فى الاستنتاج والتحليل الكثير، بل عليهم أن يتسلحوا بالصبر حتى ينعم الله عليهم بنعمة التأمل والصلاة. واليكم نصيحة الام تريزا ليسوع :

" وهذه نصيحةٌ للذين يبالغون فى استخدام العقل فيستنتجون من موضوعٍٍ تصوراتٍ وأفكارا كثيرةً: إن الذين لايستطيعون إعمال العقل، كما كان يحدثُ لىً، يجب أن ننصحهم بالتذرّع بالصبر فحسب حتى يعطيهم الرب ما يُشغلهم ويمنحهم نورَه، لأنهم بذاتهم يقدرون على القليل القليل، بحيث إنّ عقلهم يضايقهم أكثر مما يساعدهم. ولنعد الى الذين يعتمدون التفكير، فأقول بأن لا يقضوا وقت التأمل كلًه فى التفكير. فلأن التأمل عملٌ كسبى، ولانه ممتع، يظنّون أن لاضرورة ليومِ عطلةٍ كيوم الأحد او لانقطاعهم عنه فترةً، بل يتصوَّرون ذلك وقتاً مهدوراً، وأنا اعتبر ضياعَ الوقت هذا ربحاً ثميناً. فليتمثًلوا ذواتهم فى حضرة المسيح، كما قلت، وليُناجوه، وليُفصِحوا عن سرورهم بقربه، دون ان يجهدوا العقل ويتعبوا أنفسهم بصياغة خطب، بل فليَعرضوا حاجتهم وما يبرٍّرعدم تحمُّله إيّانا أمامه. فليمارسوا هذا النهج حيناً وذاك حيناً آخر حتى لاتتعب النفس من أكل الغذاء نفسه دائماً. إن هذه الأغذية لذيذةٌ ومفيدةٌ جداً إذا تعوًدناها لأنّها توفِّر مَتَعةًً لحياة النفس وفوائدَ جمًة "


وتستمر القديسة تريزا فى تقديم العون والنصح فى مجال حياة التأمل والصلاة: فنجدها هنا تتعامل مع الصلاة على أساس إنها تدريب إيمانى وحب أكثر من أنها مجرد لحظات تُعاش فى صمت وهدوء أو حتى مجرد التركيزحول النفس. فالحب والإيمان قادران على العبور بنا او التجاوز بنا فى صلاتنا من مجرد ظاهرة الوحدة او العزلة النفسية، الى التواجد والحضور امام الله . فالفضائل لإلهية (الأيمان -الرجاء-المحبة ) تُحدث ثورة انفتاح فى كيان المؤمن على كلمة الله الحي، وتجعله يغامر فى حب الله بكل شىء، متكلفاً عناء البحث والمشقة. ولاننسى إطلاقاً بان لهذا البحث مكافآته العظيمة لدىً الله.

تدافع القديسة تريزا بحرارة عن إهمية الصلاة العقلية، وذلك لأنّ الأغلبية فىالكنيسة تستسهل وتقبل الصلاة اللفظية عن سواها، فتقول القديسة: " ما هذا، أيها المسيحيّون ؟ أتدركون ما تدّعون حين تقولون إن الصلاة العقلية ليست واجبة؟ أنا على يقين من أنكم لا تفقهون ما تقولون، فتريدوننا أن نهذَيَ جميعًا. ولا تعرفون ما معنى الصلاة العقلية، ولا كيف يجب أن تتلى الصلاة اللفظية، ولا تعرفون ما هو التطلّع؛ فلو عرفتم ذلك، لما حكمتم من جهة على ما تثنون عليه من جهة أخرى " . لقد بذلت القديسة تريزا مجهوداً عظيماً لكى تكشف لنا العناصر المهمة المكوّنة للصلاة العقلية: "ستفهمنَ الآن الفرقَ بين الصلاة اللفظية والصلاة العقلية، وهي التي شرحتها سابقاً، اي أن نفكِّر في ما نقول وندركه، [وندرك] من نخاطب، ومن نحن الذين يجرؤون على مخاطبة سيِّدٍ عظيم " . ولكن سرعان ما تنبّه الى أن ما يهم فى هذه الممارسة ليست الرياضة الفكرية، بل الحديث الودّى مع الله " أريدكنَّ فقط أن تتنَّبهنَ إلى أنَّ التقدُّم الحثيث في هذا الطريق، والصعود إلى المنازل التي نتمنّى، لا يقومان على أن نُكثر التفكير، بل على أن نحبَّ كثيرًا"
وهي تسمي أيضاً "صلاة العقل القلبية"، وهي تلك الأفكارالجيدة التي تتولد في العقل، ثم ينزل بها الإنسان إلى قلبه ويمزجها به، ثم يرفعها صلاة لله. فمن يلتمس وجه الرب يجب أن ينزل بالفكر إلى القلب لكي يوقظه ويعرض عليه هذا الفكر، ثم يقف بمخافةٍ وهيبةٍ أمام الله رافعاً إليه أفكاره.


ـ خطوات ومنهج الصلاة العقلية :

1 ـ تجمع النفس حواسها، فتفحص ضميرها ثم تتلو فعل الاعتراف.

2 ـ تضع النفس ذاتها فى حضرة الله الساكن فى داخلها .

3 ـ تبدأ بمحادثة الرب ومناجاته، مبتعدة عن إجهاد فكرها بالمعانى والبراهين والاستدلالات المعقدة، إذ لا يُطلب منها سوى:
* النظر الى الرب والتحديق إليه :" أطلب منكنّ أن تنظرن اليه فقط " . تأمّلن أنه لايرغب منا إلا فى نظرة إليه فقط
* ثم التأمّل بأحد أسرار حياة المسيح ، وفقاً لأحوال النفس الخاصّة فى تلك الفترة : " إذا كنتنَّ فرحات، فانظرن اليه منبعثًا قائماً من الموت، فيكفي أن تتصوّرن كيف خرج من القبر حتى يفرّحكنَّ " .
4 ـ أما المواضيع المفضلة للتأمل فهي : معرفة الذات، تأمّل أسرار حياة المسيح، مشاهد الطبيعة وجمالاتها والإرتقاء منها الى الخالق مبدعها .
5 ـ تتحدث القديسة تريزا الينا عن طرق ووسائل الجهاد والمثابرة والأستمراريّة فى الصلاة العقليّة أو التأمل. فهى تُذكّر بناتها بأنّها ظلّت 18 سنة، وهى تجاهد دون أن تستطيع جمع فكرها، أو أن ترتاح في التأمّل . لذلك توصى بالرجوع الى الإنجيل المقدس لقراءة أحد النصوص بتمعن وهدوء أو إلى أي كتاب آخر يُحثُّ على العبادة والاختلاء، أو بالتحدث الى إحدى صورالمسيح: "اليكنّ ما قد يساعدكنّ على ذلك: استحضرن صورةً لهذا السيد أو رسماً له يناسب ذوقكنّ، ليس لِتحِملنه على صدركنّ من دون ان تنظرن اليه ابداً، بل لتحادثه غالبًا، وهو يوحي اليكنّ ما يمكنكنّ قوله " . كما أنها توصى بالتمّرن على سماع صوت المسيح وتعليمه فى الانجيل، فىالهدوء والسكينة، ولبثّه أخلص العواطف والتحدّث اليه بدون تكلّف : " انا لا أصدّقكن إذا تصرفتّن كذلك؛ وإلاّ، فإن عدم التعامل مع شخص يُحدث حيرةً فلا ندري كيف نخاطبه، فكأننا لا نعرفه ولو كان قريبًا، لان القرابة كالصداقة تزول بانقطاع التواصل " .
3- الإقامة عند المعلم للإصغاء إليه (صلاة السكينة والصمت)

إن أهم سمة فى الخلوة هى مهارة الأستماع، وذلك فى إطار مناخ من الهدوء . وفى رؤية إنجيلية للعلاقة بين المعلم الإلهى والتلميذ الذى يتتلمذ له، فنجد أن المسيح المعلم يريد أن يتحدث مع تلميذه المحبوب فى الهدوء والسكون. وبحسب هذه الرؤية الأنجلية والكتابية ترى وتفضل القديسة تريزا إمكانية الاتحاد والشركة مع السيد المسيح فى الصمت والهدوء، كالحب الصامت والرزين. ولنأخذ على سبيل المثال موضوع الصلاة الأنجلية (الصلاة الربانية)، والتى علمنا إياها المخلص، وسبق وعلمها لرسله الكرًام حينما "قال لهم: إذا صليتم فقولوا..."لو11 :2-4 . تعتبر القديسة تريزا أن هذه الصلاة التى علمنا إياها لابد أن نستمر فى صلاتها، ونقوم بتعليمها دائماً للأجيال القادمة. إن السيد المسيح ليس هكذا بعيداً عن تلميذه لكى يحتاج الى الصلاة بالصوت العالى، بل بالأحرى هو قريبٌا جداً. وكما نقول نحن فى المثل الدارج "الله ليس أطرش حتى نصرخ هكذا فى صلواتنا".

"وما نسنطيع، نحن، أن نفعله، هو أن نسعى غلى الخلوة، ولعلّ الله يجعلها كافية، كما قلت، لندركَ مع من نحن مجتمعون، وما يردّ به الربّ على طلباتنا. أفتظنّن أنه صامت؟ فلئن لم نسمعه، فإنه يخاطب حقاً قلبنا عندما نسأله من القلب. وحسن أن نعتبر انه علّم هذه الصلاة كلَّ واحدة منّا، وأنه يوضحها لنا، لان المعلم لا يبتعد اطلاقاً عن تلاميذه بُعدًا يحتاج معه غلى رفع صوته، بل يكون قريبًا جدًّا منهم. هذا ما أودّ لو تفهمنَ أنه يلائمكنّ لتلّين الابانا بطريقة حسنة. لا تبتعدنَ عن المعلّم الذي علّمَكُنّ إياه" "

الإصغاء لايعني الانتباه الى بعض الايحاءات الفائقة، ولكن تعنى البحث عن الطريقة الشخصية التى تجاوب بها النفس على النداء الإنجيلي، وذلك عن طريق الصلاة . فالإصغاء هو دعوة لاكتشاف حضور شخص المسيح بشكل شخصي من خلال كلمته، والتى تلمس احتياجاتنا القلبية. فالمعلم الإلهى يوجه لنفس المؤمن كلمة واحدة وهى كلمة الحب. فمن خلال الصمت يتخذ المسيح تلاميذَ له، كما كان يفعل مع تلاميذه الاوّل فى الجليل .

"آه، يا اخواتي، ما اعظم قوّة هذه العطيّة! اذا اقترنت بالعزم الواجب ان نبذله، فإن اقلّ ما تحقّقه هو جذب الكلي القدرة ليصير واحداً مع حقارتنا، ويحوّلنا الى ذاته، ويحقِّق اتحاد الخالق بالخليقة. فانظرن عِظَمَ المكافأة التي تَلقَيتها، وكم هو صالح معلِّمكنَ الذي يعرف كيف ينال رضي ابيه فيعلّمنا طريقة خدمته وما علينا ان نخدمه به "

فى هذه النصوص وغيرها لدى القديسة تريزا، والتى تتحدث عن حياة الصلاة، نجد فيها الحركة موضوعة دائماً حول الحب الذى يخرج من يسوع لنفوس المؤمنين، وكذلك نجد التركيز حول علاقة الصداقة التى تربط المسيح مع تلاميذه. يجب أن نؤمن بالحب، وبأن الصلاة هى التعبير الناضج عن الحب القائم بين المسيح والمصلى. وهذا الحب هو الذى يعطى دفعة للانتباه للمعلم الإلهى ولكلماته وفى نفس الوقت يظل المسيح هو الوسيط والشفيع الحقيقي الذى يقودنا الى الآب، لكى نقيم معه علاقة شديدة الأواصر، وعن طريق المسيح نكتسب قلب الآب السماوى.
حينما تكتشف النفس الحضور والالفة وحياة التأمّل، يزداد شوقها إلى البقاء والمثول أمام ربها في الفراغ والتأمّل العميق. فلقد فهمَت وعرفَت في باطنها بان الله موجود، وانه حاضر فيها ويحبها. فلاعطش لها إلاَّ أن تغرق في هذا السكوت الذي يتجاوب مع حضور الله فيها، وان تمكث في هذا الانتباه وهذه النظرة البسيطة التي هي ذروة التأمّل. وهي تحاول أن تجدد الصمت في ذاتها دوماً.

لقد أولت القديسة هذا النوع من الصلاة أهمية خاصّة، إذ تنتقل بفضلها النفس العابدة إلى مرحلة السكون والقناعة الداخلية بوجود الله فى داخلها. ترتكز صلاة السكون هذه على إيمان النفس الوطيد بكلمة الانجيل: "نأتى اليه ونجعل لنا عنده مقاماً " (يو14 :23 ) . لذلك تشبّه القدّيسة النفس بقصرٍ، استحسن الله أن يسكن فيه: " فلنتصور، إذاً، أنَّ في داخلنا قصراً وافرَ الغنى، مبنيًّا كلّه من ذهب ومن حجارة كريمة، قصرًا يليق بسيّدً كهذا السيّد، وأنكنّ فريقٌ لجعل هذا القصر رائعَ الجمال، وهذا هو الواقع؛ لان لا بناء فائق الجمال يوازي جمالاً نفسًا نقيّة عامرة بالفضائل، وكلّما كانت كبيرة، كانت الحجارةُ أَشدّ تألّقًا؛ ولنتصوّر أنَّ في هذا القصر يقيم هذا الملك الكبير، الذي تلطّف وصار أبًا لكنّ، وأنه مُستوٍ على عرش رفيع الثمن وهو قلبكنّ " . وتشرح لنا القديسة كيف تصل النفس الى هذه الدرجة من الصلاة، حين تجتمع الحواس وتختلى، وتغمض العبنان بعفوية كى تنفتح عينا الروح فى حضرة الربّ، بينما يصمت العقل فى أفكاره واستدلالاته ليجتمع مع الارادة فى فعل موحّد، فيعبدان بصمت وسكوت الله الساكنَ فى أعماق النفس.حينئذ تتصل النفس بالله دون أن تلجأ الى الكلام، فتجني من جراء ذلك ثمارَ النعمة والقوة لحياتها ولرسالتها فى الكنيسة .

4- النظر الذى به ننظر ( صلاة المشاهدة )

حينما نقرأ قراءة واعية للفصل 26 فى كتاب طريق الكمال للقديسة تريزا فى اللغة الأصلية، يظهر لنا تركيز القديسة حول النظرة الباطنية كتعليم اساسى فى حياة المشاهدة. الصلاة هى عبارة عن علاقة بين صديقين. والنظرة تعد لغة القلب، والتى يُعبر بها وعنها فى حالة الصمت. النظرة اللامعة النافذة تكون أقوى فى التعبير من الكلمات التى تستخدم فى إطار هذا المضمار، ونجد مزيداً من المفردات والكلمات التى تعبر بسلاسة عن لغة العيون او الصلاة مثل (النظر-التوجه بالنظر-ميل النظر-إتجاه النظر) كل هذه التعابير متمركزة حول نور العينين هاتين اللتين ليسوع، هاتان العينان الممتلئتان جمالاً ورحمة ورأفة وحناناً، وتلك اللتان لنفس المؤمن مفتوحتان نحو لقاءه أو لقائه. والقديسة تريزا بحسها وبشفافيتها الروحية، وبصفتها الأنثوية تعطى الأهمية لنظرتها او لنظرها والتى تعبر بها عن حبها واهتمامها .

"وبلوغ هذه الحال يتمّ بطرائق عدّة؛ كما هو وارد في عدة كتب. علينا ان نتخلَّص من كلِّ شيء لنصل الى الله داخليًا، بل علينا أن نختليَ بذواتنا حتى عند انشغالنا بأي امور. وتذكُّري، ولو لحظةً، أن لديَّ صحبةً في داخلي، لذو فائدة كبرى. الخلاصة، علينا ان نتعوّد على تذوّق الفكرة أن ليس ضروريًا أن نرفع الصوتَ لنخاطبه لأن جلاله يُشعرنا بأنه حاضرٌ هناك "


" لقد شطَّ بى المزار بعيداً عن الموضوع الذى بدأت معالجته. لكن كلّ ما قيل نافع للمبتدئين حتى يسلكوا فى هذا الدرب السامى بحيث يسيرون فى الطريق القويم. وأعود الى حديثى عن التأمل بالمسيح مربوطاً الى العمود فاقول: يُستحسن أن نفكِّر برهةً ونتأمّل العذابات التى قاسها هناك، ولماذا قاسها، ومن هو الذى تحملها وبأى حبٍّ كابدها. لكن لانُتعبنً أنفسنا دائماً فى البحث عن هذه الاعتبارات، بل يكفى أن نبقى هناك معه، منقطعاً عقلنا عن التفكير. وإذا أمكن فلنشغله بأن ننظرَ إليه وهو ينظر الينا، ونرافقه، ونخاطبه، ونساله، ونتواضع أمامه، ونبتهج برفقته، ونقرّ بأنّنا لسنا أهلاًً لأن نكون هناك. فمتى استطاع أحدٌ أن يفعل هذا، ولو كان فى أوّل عهده بحياةِ التأمّل، يحقِّق فائدةً جُلًى، كما أنّ هذه الطريقة فى التأمل توفّر فوائد جمةً. هذا، أقله، ما استفادته نفسى. لا أدرى إذا أصبتُ فى عرض أفكارى. فأنتَ، أبتِ أُنظر فى الامر. أَسالُ الله أن أُصيب دائماً فى تحقيق مرضاته . آمين"

تعلم الام تريزا فى مؤلفها طريق الكمال لاهوت الخلوة والصمت والنظرة . حيث توجد نظرة متبادلة بين النفس وعريسها. فالنفس تنظر عريسها الاكثر جمالا من بنى البشر. وعلى النفس ان ألا تنظر خارجها، للأشياء الخارجية، أو للتحية، ولكن لشخص الرب يسوع. هذا هو العريس الذى لا ينتظر شيئاً آخر إلا ان ننظر اليه .

" لستُ اطلب منكن ، الآن، تفكيرأً عميقاً فى هذا الإله، ولا اكتشاف المعانى والمفاهيم Conceptos الكثيرة، ولا تشغيل العقل بتأ ملات سامية رفيعة، حوله. كلا: بل أن تشخصن بانظاركن فقط. ومن الذى يمنعكن من النظر بعينى النفس الى هذا الرب على الاقل، طرفة عين، إن لم تتمكن من أكثر؟ كم من شناعةٍ، فى هذه الدنيا، لاتستلفت أنظاركن! أفلا تستطعن أن تحُدقن فيها قليلا الى أجمل ما يتصوره عقل بشر؟ فعريسكن الإلهى، بُنياتى، لا يشيح أبداً بوجهه عنكن، بل إنه مازال يرمقكن بنظره الحنون، على رغم الشناعات والرجاسات التى قاسها بسببكن: أفكثير عندكن أن تحولن النظر عن هذه الاشياء الخارجية إليه، ولو من حين الى آخر؟ تأملن أنه لايريد منا سوى نظرةٍ إليه، كما كان يخاطب عروسة الأناشيد. وستلقينه طبقاً لما تتوقعين من النظر اليه . وهذه النظرة هى جدٌ كريمةٍ فى عينيه، حتى إنه ليتحدى المُحال فى سبيلها"

فحينما تصليّ، تضع ذاتك تحت نظرة الله وتشتاق إلى أن يراك حتى أخفي أعماق كيانك. والصلاة الحقيقية تبدأ يومَ تكتشف نظرة المحبة هذه. ولكنك بحاجة إلى أن ينير الله عيونَ قلبك. فلا تستطيع رؤية وجه الله إلا حينَ تُتيح لنور عينيه ان تنيرك. ورؤية وجه الله تعنيّ ان نظرته تخترقك، وبها فقط يمكنك أن تشاهد النور: "بنورك نعاين النور" (مز 10:35). فشعاع وجهه هو الذي ينيرك ويغمر العالم بضوئه الساطع.
وحينما تتوطد هذه العلاقة، تصبح الكلمات بغير جدوي، لأنك ستفهم كل شيء في نظرة الله. وترضي اذ ذاك بالوقوف أمامه بفقرك وعدم كفاءتك وخطيئتك، ولكن ايضاً بشوقك إلى تفهم نيته وإلى مطابقة ارادته. تحت نظرته تعاين دوماً امكانية لا متناهية للتجديد.

" على النفس أن تقتنع بأن المسيح حاضر خصيصاً لها موجهاً نظرته إليها مباشرة. السيد المسيح يقف بالقرب منا ، بل قل إنه أقرب الينا من أنفسنا "

المشاهدة فى التصوّف الكرملىّ هى النظر الى الله بحب وشغف. وهى افتتان القلب وانجذابه فى حضرة العزّة الإلهيّة. يقول امير النصّوف المسيحيّ القدّيس يوحنّا الصليب: " عِلمَ الحبّ، وهو، كما قلنا، معرفة ٌ لله ودِّيَّةٌ مُفاضة تُنير النفس وتُضرِمُها معاً، بحيث يرفعها إلى الله خالقها تلو درجة، فالحبُّ وحده يوحِّد النفس بالله ويجمَعها به" . فى صلاة المشاهدة، يسيطر الله على قوى النفس، وعلى مشاعرها، بحيث تتأكد من تأثيره، ومع ذلك فإنّها تعجز عن وصف ما تتعرّض له، بل تلجأ الى رموز وتشابيه، تعبّر بها عمّا يجري في أعماقها، وعمّا تحسّ به فى داخلها. فى هذا المناخ الصوفيّ، ترتقى تريزا من قمّة إلىأخرى، حتى تصل الى قمّة الاتحاد بالله: من صلاة الاختلاء المفاض الى السكينة المفاضة، إلىالاتحاد المنجذب، لتصل أخيراً الى اتحاد الاستحالة بالله . وأهمّ ما تتميز به هذه الدرجات الروحيّة العليا هو رجاحة دور الله الذى لايرفض الجهد البشرى والشخصىّ. وتعبّر هذه الدرجات عن النعم الداخليّة التى يمنحها الله للنفوس نظراً الى حالتها الخاصّة، والى مهمّتها فى الكنيسة . لذلك لايستطيع أحدُنا الوصول إليها بقواه الخاصة ."هكذا نلاحظ بوضوح تمدُّداً واتساعاً في في النفس، مثلها مثل الماء ينبجس من نبع ولا مسيلَ له، بل كأنَّ النبعَ نفسه مصنوعٌ من مادة يزداد معها الحوضُ اتساعاً كلَّما ازداد انبجاس الماء. هذا ما يُرى في هذا التأمّل " . افترض أنّ ينبوعاً لايجرى فى جدول، بل أنّ الحوض، حيث يجتمع ماء هذا الينبوع، مصنوع بطريقة تجعله يتّسع وفقاً لازدياد الماء النابع فيه. كذلك الأمربالنسبة الى هذه الصلاة، وإلى آيات أُخر عديدة يصنعها الله فى النفس فيهّيئها ويجعلها قادرة على أن تسع كافة هباته لها. ومن هنا نستطيع أن نقول: إنّ صلاة المشاهدة هى عبارة عن فعل معرفة وحبّ. ومن خلالها يُفيض الله على النفس من حبّه ونوره بحيث يستولى عليها بكليّتها ويملك قواها وأحاسيسها .

الظاهرات الصوفية والروحية

الدَّهش وهو حالة اختطاف مؤقت تختفي فيها الكلمات والأفكار، وينفصل الإنسان عن كل ما هو ماديٌَّ كي يستطيع أن يقترب مما لا يُنطق به. ولكن هذا الفعل لا يحدث بإرادة الشخص، وإنما يحدث بفعل وقوة الروح القدس لأولئك الذين هم على استعداد أن يقبلوا مثل هذه النعمة بفضل نقاوة قلوبهم وتمرُُّسهم في الصلاة بكافة أشكالها.
إن مشوار الصلاة التريزيانّية ينتهى مع المصلّى على أبواب السماء، وعلى أقدام شخص الربّ يسوع حبيب الروح وعريس النفس. هذا الشخص الجذَّاب الذى افتتن النفس وساد علي كيانها بكليتها، فصارت له بجملتها. هذا الأنجذاب الكلىّ من قِبل الإنسان نحوالمسيح، ساعد على تعطيل قواها الطبيعيّة، وكلّ جهد طبيعى. وبهذا الوضع، صارت هناك تجلّيّات لبعض الظواهر الصوفيّة ترافق مراحل الصلاة الصوفيّة فىحياة القديسة تريزا. ولنضع فى عين الأعتبار بأنّ هذه الظواهر أو التجليات الصوفيّة، لا تعنى القداسة مباشرة، كما كانت تردد ذلك القديسة تريزا مراراً ـ إذ تقوم القداسة علىكمال المحبّة ـ إلاّ أنّ حصولها من شأنه أن ينير النفس ويهيئها لتحمل العذابات فى سبيل نشر ملكوت الله. هذا ما يساعدنا على فهم " جراح الحبّ " التى تتعرّض لها النفس فى صلاة اتحاد الحب . .وحادثة "الطعن" فى نهاية مشوار تريزا الروحىّ: عندما ضاق قلبها بما يختلج فى ثاناياه من عواطف، طعنها الملاك بحربته . ليخفف عنها لظى الحب وليجعلها تقبض على عصاها من جديد، وتمضى ناشرة ملك الحب، بتأسيسها الأديار وبرفعها عدد محبّى حبيبها . ويظهر لنا قمة الاتحاد بالله عن طريق ذلك العقد والعهد الذى لاينفصم و يتمّ بين اثنين إلاّ وهو "القران الروحى" إنّها النعمة الروحيّة النى تختم وتتم أسمى درجة من استحالة النفس فى الله . فى هذا التيار من الحب والعطاء المتبادلين،يخصبه القران أو الزواج الروحي بأعمال القداسة والرسالة، فى سبيل نشر ملك المسيح بين القلوب .
وصف المراحل المختلفة فى الحياة الروحية وصعوباتها .

تقدم القديسة تريزا لنا وصفاً للمراحل المختلفة للحياة الروحيّة التي اختبرتها فتقول:
"يتوجّب على المبتدئ في حياة التأمل أن يعي بأنه يباشر استصلاح بستان في أرض جدباء يكثر فيها العشب الردئ، كي يتلذّذ الرب. فالربّ، عزّ وجلّ، يقتلع الأعشاب الرديئة، وعليه أن يغرس مكانها نباتاً صالحاً. فلنعتبر أن هذا قد تمّ عندما تعزم نفس على ممارسة التأمل وتشرع في انتهاج هذا السبيل، وعلينا أن نسعى بمعونة الله، كبساتنه ماهرين، لننمّي هذه النباتات ونعنى بريّها لئلا يصيبها اليبس، بل أن تطلع زهراً فوّاح العبير يُبهج رَّبنا، فيقصد غالباً هذا البستان لينعم فيه، ويستريح بين هذه الفضائل."

القديسة تريزا تتحدث عن أربعة طرق مختلفة لري البستان

1 ـ "فإما أن يرفع الماء من بئر، وهذا يكلّفنا عناءً كبيراً؛
2 ـ وإما أن يُرفع بواسطة ناعورة ذات قواديس مركّبة على دائرة؛ وقد فعلت ذلك أحياناً. وهذه الطريقة تكّلف عناءً أقل من تلك وتوفر ماءً أكثر؛
3 ـ وإما أن يُجَرَّ الماء من نهرٍ أو جدولٍ فيُسقى البستان بشكلٍ أفضل،وتُروَى الأرض وتُغدَق، فتنتفي الحاجة إلى الإكثار من سقيها،ويخفّ كثيراً عناءُ البستاني؛
4 ـ وإما أن ينهمر المطر فيروى الربُّ البستان فلا نتكلف أيََّ عناء. وهذه أفضل الطرائق المذكورة بما لا يقاس" .
سوف نحاول أن نقوم بعملية توضيح ولو بسيطة لهذه المراحل الأربعة لعملية الري.

أوّلاً: المرحلة الأولى

ـ تكون النفس في بداية ممارستها للتأمل الروحى، فتشبه ذلك الشخص الذيي يعمل في الحديقة، ولكي يروى حديقته بالماء عليه أن يحمله من البئر .
ـ التفكير في الماضيى، والذي ربما يُحدِث نموّاً للنفس، وقد يكون سبباً للإعاقة في طريق النموّ.
ـ الإحساس بالندامة على الخطايا، هل هو إحساس حقيقيّ أم إحساس وهميّ؟ على كل حال علينا أن نقول بالندامة الحقيقيّة، ولكن فوق هذا أو ذاك، على النفس التوجّه المباشر نحو حياة سيدنا يسوع المسيح. والاستفادة من نعمة الله، والتي بدونها لا نستطيع أن نفعل شيئاً .
ـ قد يسمح الله أحياناً ولأسباب متروكة له شخصياً بأن يجفّ البئر،من الماء لكن صلاح الله اللأ متناهي يغذّى أزهارنا الروحيّة، ويرويها من دون الماء، إذا ما لمس أنّنا نبذل كلّ ما يتوجّب علينا (كالبستاني الصالح) من جهد.
ـ تعرض القديسة تريزا هذا التساؤل علينا وهو: ماذا تفعل النفس التي لا تجد بعد فترة من الجهاد الطويل، إلاَّ الجفاف الروحى والاشمئزاز والسأم والكرب البالغ في محاولته ااغتراف الماء ؟ هل تكفّ النفس عن متابعة التأمل ؟ ماذا حال النفس التى تضع في عين الاعتبار إرضاء سيدها كما يفعل البستاني الذي يريد أن يرضى سيده ؟ ماذا تفعل النفس التي تحرص على عدم خسارة أو فقدان استحقاقاتها المستحقة مع المكافآت بعد فترة العمل الشاق؟
تعطي القديسة تريزا إجابة واضحة وتظهر مدى فَهمها لطبيعة المعاناة البشرية في هذا المجال .
ـ لا يجب على النفس أن تنقطع عن ممارسة رياضة التأمّل الروحى .
ـ من دواعي المحبّة ألا تترك المسيح يقع أسفل الصليب أو تحت ثقل الصليب.
ـ من دواعي الإيمان الثقة بأنّه سوف يأتي الوقت الذيي تنال فيه النفس المكافآت دفعة واحدة.
ـ من دواعي الرجاء ألا تخسر النفس ثمرة أتعابها، لأنها تخدم سيداً صالحا ًوكريماً .
ـ على النفس إلاَّ تهتم بالأفكار الرديئة التي يحاول إبليس أن يبثها، وتوجد أمثلة كثيرة من حياة آباء البرية أو القديسين الكثيرين أمثال القديس ايرونيموس في الصحراء.
ـ على النفس أن تعتبر هذه المعاناة والمشقة هبة من الله.
ـ على النفس أن تتسلح بالشجاعة في حياة الصلاة أكثر بكثير مما تتطلبها أعمال أُخر في هذا العالم.
ـ على النفس أن تتقبل الواقع بأنّ الله يرسل للمبتدئين في نهج حياة التأمل، والذين اقتربوا من المحبة مثل هذه العذابات والكثير غيرها من التجارب،امتحاناً منه لمحبيه. فالله يريد أن يكتشف بأن النفس؛هل ستستطيع مشاركته في تجرع كأسه المُر، ومساعدته على حمل الصليب،وذلك قبل أن يستودع لديها الكنوز الثمينة. ولا ننسى إطلاقاً بأنّ قصد الله هو خير النفس،وليس إيذاءها.
حينما تعي النفس أخيراً قيمة هذا الموقف الذي يتيح لله حرية العمل فيها فهي لا تخاف بعد من اليبوسة ولا من الفراغ أو الضجر بل تكتشف أن تلك هي الوجهة السيكولوجية لاسمى عمل روحي لا يراه المرء ولا يشعر به. وهي تعرف أخيراً أن الإيمان أكثر يقيناً من شهادة حواسنا، حتي الروحية منها. أنها تؤمن، وهذا خير من الشعور. لقد فهمت أن الامانة التي تطلب منها هي أن تقدم ذاتها أكثر ما يمكن لهذا العمل السري واللاشعوري الذي يجري في الليل الدامس.

هي حالة النفس التي تعوَّدت أن تصلي بعواطفها ووجدانها. فنجدها منفعلة بحب الله، ملتهبة المشاعر والأحاسيس، ورقيقة الحس، فهي أمام مشهد مأساوي أو منظر فيه تتلامس مع آلام الإنسان، أو صورة أو أيقونة لشخص المسيح وهو حامل الصليب، نجدها تتألم وتتعذب معه. فهي شديدة التأثر لكل ما هو إنساني ونبيل، ولكل ما هو مؤلم. هنا تستطيع النفس، أن تكون ثرية وخصبة بمحبة ولمحبة الله، حينما تسمح للروح القدس بأن يلمس عواطفها ووجدانها ليقدسها حتى تتسامي فوقهما. نجد أن هذه النفس في حياة الصلاة قلقة مضطربة، متصارعة ومتعاركة، كثيرة النزعات. فنجدها في يوم متسامية لدرجة القداسة، ويوم آخر نجدها تصارع ميول وأهواء تنزع بها إلى الأدنى وإلى الحضيض، وتارة أخرى نجد النفس تحلم بالقديسين وبحياة القداسة والسموّ، وتارة أخرى نجدها حزينة منغلقة على ذاتها. وتارة أخرى نجدها تعيش الحياة المثالية من سخاء وحب وعطاء وخدمة وبذل، وتارة نجدها في صمت، عزلة، وانكماش، وانطواء، ويأس من الحياة.
هذا هو الصراع الحقيقي لهذا النوع من البشر الذي يعتمد على المشاعر والعواطف، حيث نجدها تصارع المثاليات والمثل العليا والحياة الروحية العظيمة، وبين واقعها المرير الذي تشعر فيه بضعفها ونقصها. فهي ترغب في تحقيق القداسة، وحينما تعجز عن ذلك بسبب ضعفها ونقصها وخيالاتها غير الخاضعة لروح الله، ترتد الى ذاتها فتحزن وتكتئب، وتكون في حالة فشل واستسلام. هذه النفس التي تعتمد على القلب عليها أن تتألم كثيراً وتتعذب كثيراً في مسيرة الصلاة. فلاتحزن ولاتيأس، ولكن عليها أن تشكر الله لمنحها هذه النعمة، والتي تصبح نعمة تقودها إلى القداسة حينما تسلمها للروح القدس. تصبح هذه النعمة نقمة، حينما تفقد النفس زمام الأمر، وتصبح ألعوبة للخيال والهواجس وأحلام اليقظة، والابتعاد عن الواقع. فالنفس التي تعتمد كثيراً على العواطف، لديها العديد من المفارقات والتناقضات في حياتها. فاذا أدركت ذلك استطاعت أن تجد حلاً بالتوحد أمام الله. وإذا لم تفهم ذلك فهي عرضة لإظهار هذا التناقض والتآلف وعدم التطابق في حياتها العملية والروحية: فمثلاً تعيش عكس ما تقول. أو تُظهر عكس ما تُبطن، تتصرف عكس ما ترغب أو ما تفكر. كل هذه التناقضات والمفارقات تجعلها أحياناً شخصية مزدوجة في علاقتها مع الله ومع الآخرين. والصلاة الحقيقية هي التي تقود الشخص الى التوحد في الشخصية، وضبط الانفعال النفسي والروحي.

المرحلة الثانية من مراحل النموّ في حياة الصلاة

في هذه المرحلة نجد أن البستاني يستخدم طريقة الناعورة ، والتي عن طريقها يمكن ااستخراج كمية أوفر من الماء ، بجهد أقل، إذ لا يضطر القيام بالعمل المتواصل، بل يستطيع أن يأخذ لنفسه قسطاً من الراحة.

وصف المرحلة

تستغرق النفس في التأمل، وبهذا الشكل تقارب على أن تتلامس مع الأشياء الفائقة الطبيعة، ولكنها لا تستطيع أن تبلغ إليها بقواها الذاتية .
ـ الماء في هذه المرحلة أوفر أو أقرب إلى النفس مما كان في المرحلة السابقة، وذلك لأن النعمة تبدو للنفس بأكثر جلاء ووضوح.
ـ تستطيع النفس أن تجمع حواسها وقدراتها الداخلية مما يسهل لها تذوق السعادة بطريقة أوفر وأفضل.
ـ ففي هذه المرحلة نجد التركيز على الإرادة التي تقع أسيرة لله، مطمئنة إلى مصيرها كأسيرة في يد من تحب. فالإرادة ترفض أن تقع فريسة لحب آخر بعد أن تذوقت حب المسيح.
ـالمشكلة الأساسية التى قد نكتشفها في هذه المرحلة هي عدم انسجام المخيلة والعقل مع الإرادة في السقوط أو الوقوع في أسر الله. وبمعنى آخر تظل المخيلة والعقل في حالة تردد وتمرد، وأحياناً وأخري في حالة خضوع وانسجام مع الإرادة.

يمكن وصف هذه الحالة التي يوجد فيها الإنسان أمام الله، وهو يشعر بالفعل بحضور الله ولفترة صغيرة جداً، حيث يستطيع أن يكون منسجماً مع ذاته أمام الله. قد لاتتجاوز عملية التوافق الذاتي أو الانسجام مع النفس أمام الله خمسة دقائق. وقد تزيد بحسب قدرة الشخص وطاقاته الروحية، وأحياناً المزاج الشخصي للشخص، وأحياناً قدرة الإنسان على التحكم في ذاته. بعد هذه الفترة الزمنية تشعرالنفس بالتشتت، أو بعدم القدرة على ضبط أفكارها، أو التحكم وتوجيه الإرادة. فالنفس تعلم أنها أمام الله، ولكن في ذاتها مسكينة لسبب ما لديها من خواطر وأفكار وخيالات كثيرة، كما أنها ليست لها حيلة أمام الإرادة المستسِلمة، والتي تخذلها كثيراً في مثل هذه الحالة. على النفس أن تستمر في التواجد أمام الله، مؤمنة بحضوره وبحبه لها، وفي نفس الوقت تسلم النفس كلَّ ضعف ونقص لديها، كلَّ فكر أو خاطر أو خيال مرَّ بها في أثناء فترة الصلاة. ويكون التركيز في هذه الحالة على الإيمان بالتسليم الكلي لله. كما يجب على النفس أن لاتهمل الصلاة أو وقت الصلاة، مسلمة كل شيء لديها اليه. فيقبل الله كلَّ فكر تشتت، وكلَّ خاطر (طاهر – نقي – دنس أو نجس – كبرياء – طموح مزيف – أحلام يقظة). يقبل الله كلَّ شيء من النفس على أساس أنها صلاة حقيقية مقدمة له. فعلى النفس ألاَّ تتراخى ولا تتراجع، بل عليها أن تكمل مسيرة الصلاة، ومع مرور الوقت سوف تصل الى توحيد ذاتها أمام الله. ولاننسى أن هناك مسيرة عمل النعمة في النفس، والتي تحتاج أحياناً منا لوقت يتوقف على مقدار استجابتنا وتجاوبنا معها. فالصلاة هي في نهاية الأمر عمل الروح القدس في النفس. هذا الروح الذي يصلى في داخلنا، ويعلمنا كيف نصلي، والذي يشفع في ضعفنا بأنات لاتوصف لكي يدربنا على حياة الصلاة والشركة مع الثالوث القدوس.

المرحلة الثالثة في طريق التطوّر والنموّ الروحي

في هذه المرحلة الثالثة يستخدم البستاني طريقة الساقية في ري البستان، وهى طريقة يتم فيها عملية جلب الماء من الينبوع عن طريق الساقية
ـ فى هذه المرحلة تصبح عملية الري أسهل بكثير مما سبق، وفيها نجد أن الله يساعد البستاني في عملية الري إلى الدرجة التي معها يكاد أن يحل محله والقيام بالعمل كله.

وصف الحالة

في هذه الحالة تصاب قوى النفس الطبيعية بحالة من البطالة والركود، وذلك يرجع إلى أنها لم تعد تفهم الكيفية التي تؤدى بها وظائفها الطبيعيّة، بالرغم من أنها مازالت لم تنعم بنعم فائقة.
ـ فالنفس تشعر باللذة والبهجة والسعادة بطريقة تفوق عن الوصف، وهذا يرجع إلى شبع وارتواء النفس بالنعمة الإلهيّة.
ـ يتّصف موقع النفس بموقع الوسط بين السلبية والإيجابية. فالسلبية تتجلى في عدم مقدرتها على فعل شيء، وتصبح منفعلة أكثر ما هي فاعلة.كما أنها لا تستطيع الرجوع أو التراجع إلى الذيي كانت عليه سابقاً، وكل هذا يرجع إلى ما تتمتع به النفس من تذوق للخيرات الروحية، والتى هي أفضل بكثير من الخيرات الدنيوية أو المادية. والإيجابية هي أن حالة النفس تتمتع بعلاقة قوية مع الله، وتثق به وتسلم له ذاتها ليفعل بها كل ما يشاء.

خصائص هذه المرحلة

ـ في هذه المرحلة نجد أن كل قوى النفس تنشغل انشغالاً كلياً بالله، ولذا فهي لا تتجرأ على الحركة، ولا ترغب فيها حتى لا يتحول اانتباهها نحو آخر دون الله.
ـ تبدأ النفس بمديح وتسبيح وتمجيد الله بتلقائية وببساطة.
ـ لا تملك النفس ذاتها، بل يأخذها أعزب أنواع الجنون، ها إن الأزهار قد بدأت تتفتح وينتشر أريحها العاطر.
ـ ترغب النفس في مشاركة جميع الناس في السعادة التى تحياها، وفي رؤية عمل الله،لأجل أن يرفع الجميع مجداً لاسم الله الحيّ.
ـ تتلاشى أنانية النفس، وتنفتح على الآخرين، لتشاركهم في السعادة التى بلغتها في علاقتها مع الله، ولا ترغب أن تعيش فيما بعدُ لنفسها، بل لله وللآخرين. وهكذا تصبح النفس على مثال تلك المرأة صاحبة الدرهم المفقود، والتي وجدته بعد جهد جهيد،فأخذت تدعو الصديقات والجارات ليفرحن معها لأنها وجدت الدرهم المفقود . وتفرح النفس بفرح داود أمام تابوت العهد:
"وراح داود يرقص بكل قوته في حضرة الربّ وهو متمنطق بأفود وكتان ".

في حياة الصلاة، لا تبحث كثيراً عن الأفكار الجديدة التي تغذي بها فكرك، أو التي تبهرك. لكن ضع ذاتك بين يدي الله، ألقِ بنفسك في أحشاء الله. وهنا تعرف معنى الصلاة. فالصلاة تُحسب بمقدار تشبعك بحضور الله، وبمقدار إيمانك بهذا الحضور الكريم. في الصلاة أنت تبحث وتسعى للقاء الله فلاتجعل بحثك يقتصر على ذاتك. فالخطأ الذي يحدث في الصلاة هو أن يلتقي الإنسان بذاته أكثر مما يلتقي بالله. الصلاة هي الإيمان العميق بحضور شخص الله في قلبك، في كيانك ولأجلك أنت. أنت هدف لهذا الحضور. الصلاة عبارة عن شغف النفس ولهفة القلب بالله، فهي مثل العاشق الولع بالحبيب، الذي لا يريد أن تتركه. فالنفس تبذل أقصى جهدها، وما في وسعها، للاحتفاظ بهذا الحبيب معها أطول وقت ممكن. نعم الصلاة هي هذا التعلق الشديد من قبل النفس بالله الحي. فالصلاة تجعل الله المتسامى جداً عن واقعنا واحداً منا، شخصاً حياً، جذََّاباً، تلتقي به وتتحاور معه، تقترب منه، وتزداد الألفة وتكبر بين النفس والله. فهي صداقة حقيقية، بين النفس والله. ما أجمل التعبير حينما تقول: إن "الله صديقي" "الله حبيبي". طوباكِ أيتها النفس المصلية، لأنك جعلتِ من الله صديقاً لكِ، و جعلكِ الله صديقة له.
أيُّ وقت أو زمن تشعر به النفس وهي مع الله، أيُّ ملل أو سئم تشعر به النفس وهي في حضرة الحبيب، الذي هو نور لا يدانيه نور، القدوس البار، مشتهى الأجيال والأيام. الله خفيف الظل، ومَنْ يدخل معه في علاقة يشعر بالآمان والارتياح والسلام الداخلي. تشعر النفس بأنها أكبر من كل قلق وازعاج أو خوف، أو من أيِّ شي يذكر، مما يسبب ضعفاً وهواناً للنفس التي تصلى. الصلاة هي علاقة مع الله، لا توصف بالكلمات، وذلك لأنها معاشة بالفعل على مستوى الكيان. وسواء الله أو كيان الإنسان يعجز اللسان والكلمات عن التعبير. ولهذا فالصلاة هي سر حضور الله في كيان الإنسان، وانجذاب وتعلق من الإنسان بالله. وإذا جاز لي التعبير أقول: إن الصلاة هي عمل الروح القدس، الذي ينقل فيها الإنسان من ذاته الى التواجد في كيان الله. فهل تستطيع أيها اللسان العاجز، وأيتها الكلمات القاصرة عن الوصف ودقة التحديد، أن تعبرا عما يحدث. فالصلاة هي الاختبار العميق للحياة المتبادلة بين الإنسان والله، والله والإنسان.
من هنا، نفهم ونلحظ التغيير والتجديد الذي يحدث في حياة الإنسان المصلي عمّن لا يصلى، فهناك تبادل كياني عميق جداً، وسري جداً يتم بين النفس المصلِّية والله. الآن، بدأتُ أفهم لماذا النفس المصلية هي دائمة اللهفة والاشتياق لله، فهي جُرحت بلمسة الحب، وهي تعوّدت على أن تكون في قلب الله. والنفس السعيدة التى تعودت على مثل هذه الحياة، تشعردائماً بالشوق واللهفة والنار المتقدة في داخلها، وتسعى جاهدة نحو هذا اللقاء السعيد. النفس مسكينة لأنها في اللحظات القليلة والبسيطة التى لا يوجد أو لا يتحقق فيها هذا اللقاء تعاني وتتألم، وتشعر بالعذاب وكأنها تمضي هذه اللحظات في المطهر، أو في عذاب الفراق، وإن كانت هي لحظات قليلة ليس إلا فالنفس سعيدة لأن لها مثل هذا الاختبار العميق والحياتي لحياة الصلاة. تتمتع النفس بنعمة لقاء الحبيب، الذي تسعد كثيراً بقربه، لأنها تسعد به وفي نفس الوقت تشعر بسعادته بقربها منه، وبالمجهود الذي تبذله في سبيل لقائه. يأيتها النفس التى تحب، وليس لها محبوب إلاَّ هذا الحبيب، والذي هو الله، لا تجدين مثل هذا الحب إلاَّ في شخصه وحبه القادر على احتوائك وعلى غمرك كُلِكِ بجملتك، فأنتِ تشعرين معه بالاحتواء والدفء، تشعرين بأنه يغمرك وتسبحين في بحر لاحدود له ولاشواطئ. فأنتِ غارقة في بحر حب الله. تشعرين أنك موجة في هذا البحر العظيم، أو قطرة ماء. على كل حال فأنتِ تسبحين في حب الله.



المرحلة الرابعة من مراحل خبرة التأمل الروحى وحياة الصلاة

نجد في هذه الحالة أن المياه تهبط من السماء لتغمر كل هذه الحديقة أو كل هذا البستان الروحى (النفس) وتشبعها رياً. الله يعرف احتياج البستان للري بطريقة متزنة ومنضبطة مما يثير ذلك الراحة والطمأنينة في نفس البستاني.

وصف النفس في هذه المرحلة
ـتشعر النفس بموتها عن العالم وإن لم يكن كلياً، فهي تعي إنها ما تزال في هذا العالم، ويجعلها تحس بوحدتها.
ـ تحاول النفس أن تستخدم حواسها الخارجية لتشرح وتعبر عما تشعر به داخلياً.
ـ تتغذي النفس وتشعر بمجدها، والتي تتمنى بعدم انقطاعها عنها، بل أن تدوم نعم الله عليها للآبد.
ـ تتمتع النفس بالنعم والسعادة ولكن لا تدرك كنه ما تنعم به. فجميع حواسها مستغرقة في الله، وتصير مشغولة به انشغالا، ومعه لا تريد شيئاً يقتطعها عن هذا الانشغال سواء في داخلها أو في خارجها.
ـ تدخل وتصل النفس إلى حالة اتحاد تام مع الله، وذلك عن طريق جميع القوى النفسية. وإذا أرادت النفس أن تفعل شيئاً آخر غير الاستغراق في الله،لا تستطيع ولا تقدر على الوصول للاتحاد الكامل والتام مع الله.
ـ نلاحظ سخاء وكرم الله وحكمته ومحبته، والتي لا ترتبط بمن يستقبلها. فالله بحكمته يتابع حالات النفس ونموّها ودرجات تطورها واحتياجاتها في الميعاد المناسب ويعلم ماذا يمنحها. ولذا نجد أن المطر يتساقط من السماء على البستان في وقت لم يكن يتوقعه البستاني.

تمر النفس بحالات كثيرة في الصلاة، ومن ضمنها: حالة المتقدمين روحياً ولديهم خبرة الصلاة العميقة، حيث تستغرق النفس كلية في الله، فلاتعد تشعر بذاتها، لا بالوقت، ولا بما يحدث من حولها. فنجد النفس مُتَخَذَةً كليةً في الله، مشدودةً نحوه منجذبةً إليه، متمتعة بشخصه، ومتشبعةً بحضوره، فهي لحظات الأنس والألفة مع مَن تحب، وفي هذه الحالة يتلاشى أو يهدأ ويصمت كل شيء من حولها، وتشعر بسكينة وهدوء في داخلها. أين الفكر و الخيال، الحركة الداخلية للمشاعر والعواطف والأحاسيس؟ كل مشتملات الإنسان خاضعة للإرادة، والتي بدورها خاضعة لله. نجد أن الله في مثل هذه الحالة يحتوي الإنسانَ كلياً، ونجد أن الإنسان مستغرقاً بكليته في كيان الله. كلما دخل الإنسان في كيان الله اكتشف المزيد عن الله، وبمعنى أدق كشف له الله عن المزيد من حياته وذاته. حيث يريد الله كلي السخاء والعطاء أن يعطي الإنسان كل شيء، بل يريد أن يمنحه ذاته الإلهية. فهل الإنسان على أستعداد ان يتقبل ذلك؟ هل أعد الإنسان ذاته لاستقبال نعم الله؟ هل يستجيب الإنسان لسخاء الله معه؟ هل يستطيع أن يعطي إجابة لنداء الصلاة والحب في كيانه؟ هل يستطيع الإنسان أن يفرغ ذاته من كل شيء حتى من ذاته، لكي يفسح مجالاً لله ليمتلكه أو أن يسود عليه أو أن يحل فيه؟ هل يجد الله له مكاناً مناسباً في كيان الإنسان؟ يريد الله أن يمنح كل شيء للإنسان، يريد أن يمنحه ذاته الإلهية، ولكن هذا يتوقف على درجة استعداد الإنسان وسخاء الإنسان الذي يستجيب لسخاء الله. بمقدار الحب في قلب الإنسان لله، نستطيع أن نتعرف على قدرة الإنسان للتجاوب مع الله. فالنفس التى جُذبت هكذا للحب الإلهي، والتى تكّن له حباً عظيماً، تمنح لله مجالاً واسعاً لحضوره في كيانها وحياتها. هذا الحب عطية من الله، لأنه هو الذي أحب أولاً، هذا الحب وحده يرضي الله، وهو يستطيع أن يجذب الله نحو الإنسان. حب الله انسكب في النفس بالروح، وبنفس هذا الحب تستطيع النفس أن تغري الله ليعيش فيها ويحولها الى المملكة الخاصة لها، ولجميع الحاشية الملكية المحيطة به (الملائكة، الشاروبيم، الشاروفيم، القديسين، الأبرار) حينما ننمو في الصلاة، ننمو أيضاً في الحب، وكلما نَميت في الحب استطعت أن تجذب الله إليك. وهكذا مع كل يوم جديد تقوم بعملية الإغراء والجذب لله، وفي نفس الوقت تتم عملية إفراغ وتطهير للذات، لكي يتسع القلب لحضور الله في الكيان.
ومن الملاحظ هنا في هذه الحالة: أن عملية النموّ والتقدم اليومي، تمر بالشجاعة التي تتحلى بها النفس في التخلي والتجرد والإفراغ، وهذا لا يسهل على الإنسان القيام به، لأنها عملية تتطلب (الجهاد- الصبر- المعركة اليومية – القناعة الداخلية – السخاء في التجاوب على النعمة الإلهية – الإصغاء لصوت الله – الانقياد للروح القدس)، كل هذه الأمور ليست بالسهولة التي يتخيلها الإنسان. لا نظن أن الصلاة هي حالة خيالية أو حالة رومانسية يمر بها الإنسان، وهي بعيدة عن الواقع. فالصلاة هي حالة الجهاد والكفاح اليومي، الذي يرهق ويتعب الإنسان إلى درجة أن النفس لا تستطيع احتماله. الصلاة هي عملية التمرس اليومي على القتال والحرب ضد دناءة الذات، ضد رخاوة العالم، ضد إغراءات الشيطان. في الصلاة تتعلم النفس فضائل كثيرة منها الأدبية والأخلاقية والإلهية. على كل حال، للوصول إلى هذه المرحلة من الصلاة، لابدّ من مسيرة طويلة لحياة الصلاة. أنا لاأستطيع أن أتحدث عن نعم وبركات الجهاد اليومي في حياة الصلاة، لا أستطيع أن أصف كم هي التعزيات والأفراح التي تأتي من داخل المصلِّى، بالرغم من شعوره بالزهق والملل والسأم من كل ما يعوق الصلاة.

بعض الملحوظات التى تطرح ذاتها في هذه المرحلة

ـ علينا دائماً باليقظة حتى لا نستبدل هذا الماء العجائبي بغيره إذا ما أنقطع.
ـ تشعر النفس بالضعف والخوار، والذي يكون كالغيبوبة التى تكاد أن تقطع أنفساها وتشل كل قواها البد نية،بحيث يتوجب عليها بان تبذل قصارى جهدها لكي تحرك يديها، وتغمض عيناها بالرغم منها، أو أنها لا ترى بهما شيئاً ولو ظلتا منفتحتين.
ـ تصبح الحواس للنفس كمصدر للإزعاج بدلاً من أن تكون عوناً لها.
ـتتلاشى كل القوى الخارجية،لكن القوة الداخلية تزداد، مما تجعل النفس أقدر على التنعم بمجدها.
ـ في حالة التأمل هذه، لا يوجد ضرر من وراءها يقع على الجسد أو الصحة، بل يجدر القول إنه بسببها تتحسن صحة النفس بطريقة صحيحة ملموسة.
ـ تغمر النعم النفس وتشبه الشمس في سطوعها أو شروقها.
ـ تذوب كل قوى النفس وتتحول طبيعتُها إلى طبيعة إلهية مكتسبة بالنعمة.

التلاقي بين مثل المسيح وتشبيه تريزا ليسوع في مراحل النمو المختلفة في الحياة الروحية.

ـ دور الله في هذا التلاقي

في المثل التى نطقت به القديسة تريزا : تشبه حياة التأمل باستصلاح البستان، هذا البستان يحتاج إلى بعض المجهود والعمل لكي يصل إلى أرض جيدة. فهو يحتاج إلى من يقتلع الحشائش والأحجار والأشواك التى تحول دون نمو البذرة. ويحتاج إلى من يعتني به في مجالي الري والسماد، حتى لا تُصيبَ الأشجارَ اليبوسةُ التى تؤدي إلى الموت. يحتاج هذا البستان إلى متابع حكيم خبير يتسمُ بالعلم والمعرفة وبعدةِ أمور تخص البستان والنباتات الموجودة فيه، لديه معرفة بزمن الري، وبكمية المياه التى تحتاجها النبتة بحسب نموها وعمر وجودها في الأرض. هذا الخبير لديه وعى ومعرفة بنوعية الغذاء والسماد الذي يقدم لكل نبتة بحسب احتياجاتها الفعلية، وحيث يتجنب المغالاة في التعامل مع النباتات والأشجار الموجودة في البستان.إن حكمة البستاني تتجلى في الوصول إلى تربة جيدة وثمر جيد. وهكذا نجد أن البستاني الحقيقي هو الله ذاته، والبستان هو الشخص المتأمل، والذي يُعد بستان الله. وهذا هو نفس الشيء الذيي نطق به شخص الرب يسوع في حديثه عن مثل الزارع

دور الله الآب في هذا التلاقي

ـ في مثل المسيح عن الزارع يصور الله بأنه صاحب الأرض الذيي لا يضن عليها سواء بالمجهود أو بالتكاليف في الصرف عليها في سبيل الحصول على الثمر المطلوب والمرجوّ منها، وهو أيضاً الزارع الدءوب فانه لا يكل في عمله. وهو يعلم جيداً أنه رغم البذار الكثيرة التى تسقط على الأرض، لكنه أخيراً سيجمع إلى مخازنه محصولاً وفيرا .
"ها أيام تأتى يقول الرب وأزرع بيت إسرائيل وبيت يهوذا بزرع إنسان وزرع حيوان"
وهكذا نجد أن صاحب البستان في تشبيه القديسة تريزا هو الله الأب ذاته، والذي لا يكل من محاولاته وتجاربه في سبيل إيجاد الطريقة المثُلي لري البستان. وعلينا نحن، أن نلاحظ مقدار العناء الشاق، والمجهود المضني، الذيي يقوم به الله لا رواء بستانه الجميل.

ـدور شخص الرب يسوع في هذا التلاقي

ـ في مثل الزارع نجد أن شخص الرب يسوع أيضاً هو الزارع، لأنه أتى إلينا لكي يزرع هذه الأرض بالبذار الحية ـ بذار إنجيل نعمة الله. ويصرح الرب يسوع في المثل مباشرة أن الذي زرع الزرع الجيد هو "ابن الإنسان" . ورغم أن كثيرين قبله قد زرعوا على مجارى المياه،إلاَّ أن الرب وحده قد فاق الجميع،لأن حقائق الخلاص ونعمة البنوة التي ألقاها قد أخصبت العالم كله. هكذا نجد التشابه الفكري أو المنهجي بين ما هو موجود في مثل الزارع، وما هو موجود في تعليم القدّيسة تريزا، في هذا التشبيه، والتى تضع شخص الرب يسوع كمركز مهم لروحانيتها ولتكريسها الرهباني. فالمسيح هو البستاني الذي يروى بدمائه وحياته وعرقه المتصبب منه في بستان الزيتون بستانَه الجميل ،الذي هو النفوس المتأملة.

دور الروح القدس في هذا التلاقي

الروح القدس أيضاً هو الزارع، لأنه يمد الزارعين بالبذار الحية، وهو أيضاً يرويها. الروح القدس هو الهواء النقي المحمل بالأوكسجين الذي يحتاج إليه النبات والبذار والأزهار لكي يعيش وينموّ ويُثمرَّ، ويأتي بالثمار الجمة المذكورة في المثل. وفى تشبيه القدّيسة تريزا نستطيع أن نقول بأن الروح القدس هو الذي يُرمز إليه بالماء الذي يروى البذرة في البستان.ولا ننس أن نضع في تفكيرنا الفكر الكتابي التي تتمتع به القديسة تريزا، ولذا نجد أنها من الطبيعي أن تفكر في الروح القدس بينما هي تكتب أو تتحدث عن المياه أو الماء:
"أجابها يسوع : "كل من يشرب من هذا الماء يَعطشُ ثانية. وأَما الذيي يشرب من الماء الذي أُعطيه أَنا إياه فلن يعطش أبداً بل الماء الذيي أُعطيه إياه يصير فيه عين ماءٍ يتفجَّرُ حياة أبدية" .

" وفى آخر يوم العيد، وهو أعظم أيامه، وقف يسوع ورفع صوته قال:"إن عطش أحدٌ فليُقبل إلىَّ . ومن آمن بي فليشرب كما ورد في الكتاب: ستجرى من جوفه أنهار من الماء الحي". وأراد بقوله الروح الذي سيناله المؤمنون به، فلم يكن هناك بعد من روح،لأن يسوع لم يكن قد مُجد" .

التلاقي بين التربة والبستان:

التربة والبستان كلايهما موضوع اهتمام واحد، ولهما أصل واحد مشترك. فنجد المثل أن للتربة اشكالا خارجية مختلفة ومتعددة، وكذلك في طُرق الري نجد اشكالا مختلفة ومتعددة للري.
1ـ نجد في المثل أرض الطريق، وهذه التربة تصوّر لنا النفوس المجردة من كل إدراك روحي، والبذرة فيها تظل على السطح. ويظل سطحها جامداً،وذلك لأنها طريق تداس بأقدام الذين يسيرون عليها. علينا نقارن هذه التربة بالمرحلة الأولى من مراحل الري في المسيرة الروحية.
2 ـ نلتقي في المثل بالأرض المتحجرة، وهى تربة أكثر استجابة من السابقة،لأنها أكثر مرونة وليونة، ولكن ليس لها جذوراً أو عمقا. فهذه الأرض ترمز إلى العواطف الجياشة والتي هي دليل السطحية، لكن القلب اللين يمثل الاستجابة الحكيمة، وإذ يتأثر ببطء فان التأثيرات تدوم.
هل نستطيع أن نقارن بين ما تتسمّ به التربة الثانية ،بطريقة الري في المرحلة الثانية ؟ .
3ـ في مثل الزارع نجد أرض الشوك، وفى هذه الأرض ينموّ الحَب، ولكنه لا يقدر أن يعطى الثمر المطلوب بسبب وجود الشوك الذيي يعمل على اختناق النباتات والبذور. فالحديث هنا عن الأشياء التي تعوق نمو الحبة . وتشبيه القديسة تريزا يريد أن يضعنا على درجة من الوعي، بأن هناك ما يقف دائماً في طريق النمو الروحي، وهناك ما يحول دون التقدم في المسيرة الروحية، وباختصار شديد نقول إن هناك عوائقَ في الطريق الروحي وطريق التأمل، وعلينا بجهادنا وصبرنا أن نجتازها. فالقديسة تريزا تريد أن تمهد النفس إلى الاعتراف بالعجز والضعف اللذين تواجههما في نفسها،ومن ناحية أخري تقود تريزا الإنسان على الاعتراف بنعمة الله العاملة فيه ،والتي تقوده للقداسة. فالأمر لا يتعلق بمجهود الإنسان وحسب، بل لعمل الروح القدس في هذا المجال.

4ـ المثل يتوقف عند حد الأرض الجيدة، في هذه التربة قد غرست البذار تماماً، ودخلت إلى مفارق النفس والعقل والقلب. وفى المرحلة الرابعة الموجودة في التشبيه عند القديسة تريزا، تتحدث القديسة عن الاستغراق التام للنفس في بحر غرام الله.

ـ التعليم المشترك والمفيد لهذا التلاقي

ـ الفكر الكتابي لروحانية القديسة تريزا، وفهمها الفهم الصحيح لما يريده ويعلمه المسيح.
ـ هناك طرق متنوعة لسماع كلمة الله، وأن ثمر كلمة الله يتوقف على قلب الإنسان الذيي يتقبل هذه الكلمة.
ـ المثل والتشبيه يعطيان درساً ضد الفشل واليأس، لأنه في مثل الزارع واضح أن الحصاد أكيد، وذلك لأن قمة المثل في نهايته تحمل صورة الأرض الجيدة التي تحمل الثمار ثلاثين وستين ومائة. وكذلك في مراحل الري المختلفة تأتى القمة في المرحلة الرابعة، حيث يتساقط الماء كالمطر،علامة على نعمة السماء التي تقوى وترفع الإنسان إلى حيث يريد المسيح لها وبحسب تجاوبه معه.
ـ يتعلم الإنسان الثقة المبنية على الفضائل الثلاثة (المحبّة ـ الرجاء ـ الإيمان) فعندما يقوم الشخص بألقاء بذار الكلمة،لا يستطيع أن يعرف نتيجة هذا العمل، وما هو الأثر الذيي ستحدثه كلمة الله التي نطق بها. وفى تشبيه القديسة تريزا نجد أن البستاني لا يعرف متى يتساقط ماء المطر، ولكن عليه أن يقوم بواجبه على أكمل وجه، وينتظر بصبر الوقت الذي يحين فيه سقوط الأمطار.
ـ وعندما يبذر أحد البذار، لا ينبغي أن يتوقع نتائج سريعة. إن بعض الأشجار تحتاج إلى زمن طويل لتنمو، وقد تحتاج كلمة الله إلى زمن طويل لتعمل عملها في قلب الإنسان. ولهذا السبب نجد أن روحانية القديسة تريزا تقدم العلاقة مع الله على أساس أنها مسيرة ومراحل ودرجات، حيث يبدأ الإنسان مسيرته خطوة خطوة ومرحلة مرحلة. تحترم القدّيسة تريزا خصائص نمو الإنسان ومراحل حياته وظروفه وواقعه، وفي نهاية الأمر نقول لا تجاهل لإنسانية الإنسان في روحانية القديسة تريزا ، وكما هو واضح في الكتاب المقدس وبالأخص في حياة سيدنا يسوع المسيح. إن العصر الذيي نعيش فيه يتوقع دائما أسرع النتائج،لكننا في انتظار نمو كلمة الله ينبغي ألا نفشل، بل نلقى البذار في صبر ورجاء وانتظار، وفى وقته سنحصد حصادا مؤكدا.

القديسة تريزا تؤكد روحانية المسيرة الروحية في لاهوت المراحل

كانت الطبيعة بمثابة الكتاب المفتوح لتريزا ليسوع، لقد تعلمت من الطبيعة، من الحياة، من الكتاب المقدس، من الإنسان ومن الله كيفية الصلاة.
وهنا نرى القديسة تريزا تقدم أجمل التعاليم الروحية وأعمقها من خلال خبرتها وصداقتها للطبيعة، فهي تارة تستخدم البستان، وتارة أخري تستخدم دودة القز،لكي توضح وتقدم من خلال أبسط الأساليب مفهوما لاهوتياً لما يسمى في الاهوت المسيرة أو التدرج الروحي.
" لقد سمعتنَّ، ولاشكّ،عن روائِعه في كيفيّة صنع الحرير؛ إنه وحده استطاع أن يبتكر اختراعاً كهذا: بذورٌ كحبيبات الفلفل،(أنا ما رأيتها قط، بل سمعتُ عنها، فإذا فاتَ قولي الدقَّةُ فليس الذنب ذنبي)، تبدأ الحياة بفعل الحرارة عندما تأخذ أشجارُ التوت تورق، وتظلّ هذه البذورُ مَيتةً إلى أن يتوافرَ الغذاءُ الذيي يًقيتها؛ ومِن أوراق التوت تغتذى إلى أن تكب، فيضعون لها أغصاناً دقيقةً تروح تحوك الحرير عليها بأفواهها الصغيرة، وتصنع شرانقَ مضغوطةً جداً تحتبس فيها؛ وتموت هذه الدودةُ الكبيرة البشعة، وتخرج من الشرنقة فراشةٌ صغيرةٌ بيضاء، ظريفةٌ جداً. فلولا أننا نرى حدوثَ هذا الأمر، بل لو رُوى لنا وكأنه من الماضي، مَن تُراه كان يصدِِّق ذلك؟
وأيَّةُ حُجَجٍٍ قد تُقنعنا بأنَّ شيئاً عديمَ العقل تماماً،كالدودة أو النحلة، يتحمَّل لفائدتِنا مؤنةَ هذا التعب، ويعمل بكدٍّ حتى تفقد هذه الدويدةُ الحياة في سعيها ؟ هذا يكفى لفترة من التأمل، يا أخواتي، ولو لم أزد عليه شيئاً؛ ففيه تَستطِعنَ أن تعتبرنَ عجائبَ إلهنا وحكَمته. وما تُراه يكون من أمرِنا لو عرفنا خصائصَ الأشياء كلِّها؟ إنه ليفيدُنا فائدةً كبرى أن ننشغلَ بالتفكير في هذه العظائم ونغتبطَ بكوننا عرائسَ ملكٍ حكيمٍ وقديرٍ كهذا الملك" .

تعطينا القديسة تريزا تعليماً ثميناً من خلال تشبيه دودة القز،والتي تمثّل مراحل أربعا تتعاقب في دورة حياته، تصور التحول الذيي يتحقّق في النفس منذ خطواتها الأولى في الحياة إلى أن تنتهي إلى حال اتحاد الإرادة بالله، وهو الاتحاد الذيي تركّز عليه تريزا وتجعله هدفها كما تقول:

" هذا الاتحاد الذي اشتهيته حياتي كلّها؛ وهو الاتحاد الذي أطلبه دائماً من ربَّنا " .
1 ـ فالدودة "الكبيرة البشعة" التي تزحف إلى الأرض ترمز إلى الخطوات الأولى (المنازل الثلاث الأولى).
2 ـ وانطواء الدودة على ذاتها في الشرنقة يرمز إلى العبور إلى الحياة الصوفية (المنازل الرابعة).
3 ـ وموت الدودة وولادة الفراشة في الشرنقة يمثِّلان الاتحاد مع المسيح في حياة جديدة (المنازل الخامسة ).
4 ـ أما انطلاقة الفراشة وطيرانها الحرّ وحياتها الجديدة فهي خاتمة المطاف (المنازل السادسة والسابعة ).

تريد القديسة تريزا أن تعبر عن قوة التحول التي اختبرتها شخصياً عن طريق حياتها في المسيح،وتأثيراتها الجديدة عليها. ولقد استخدمت القديسة تريزا أروع وأجمل التشبيهات المستعارة من اللغة الأدبية، هذا التشبيه له قدرة تعبيرية واضحة كل الوضوح، والتي من خلالها تعبر القديسة عن حركة المسيرة الداخلية والخارجية للحياة الروحية. تهتم القديسة تريزا بأقوى اللحظات التي تمر بها دودة القز وهى لحظة الموت، والتي عن طريقها تتم عملية التحول والتغير من دودة زاحفة إلى فراشة بيضاء طائرة تتصف باللطافة والجاذبية. ويتفق تفسير القديسة تريزا هذا مع ما أشار إليه القديسة بولس:
"لأنكم قد متم وحياتكم مستترة مع المسيح في الله"كو 3 :3

هذا الرمز له قدرة تعبيرية فائقة للطبيعة على المستوى التعليمي عن الحياة المسيحية. إن مضمون المنزلة الخامسة، يكشف عن مضمون الحياة الجديدة المبنية على التسامي والحرية والسموّ . لقد استخدم دانتى اليجييرى، والذي يعد واحداً من الأوائل الذين ااستخدموا بطريقة شعرية هذه الصورة الملموسة والمتطابقة مع دعوة المسيحي والتي هي بمثابة ولادة جديدة للمدعوَّ إلى الحياة المسيحية. وهذا هو الذيي كتبه دانتى في كتاب الكوميديا الإلهية:

"ألا تدركون أننا لسنا سوى ديدان ـ وُلدنا لنصنع الفراشة بهيئة الملاك ـ التي تطير إلى موئل العدالة بغير عائق ؟"

" ولمَ تحلق نفوسكم عالياً، مادمتم لستم سوى حشراتٍ ناقصةٍ، أشبه بديدان لم تكتمل نموّها ؟ "

"ليست الفراشة دودة كبيرة، لأن النمو لا يكون ابداً مجرّد كُبر. فلو كان للدودة وعيٌ وكنت استطيع ان اخاطبها، كما يجري في قصّة جِن، لسألتها بماذا تحلم. لا شك أنها تٌجيبني، بوجه اسطوري، أنها تحبّ ان تكون أكبر دود الغابة، ومَلِكة الدود، تلك التي تستطيع ان تملك، بفضل حجمها ووزنها، على سائر دود الغابة.
يُسمّى ذلك ارادة قوّة، وما هو إلاَّ المزيد على الوضع الحاضر، من ذون اي تحويل. لا تعلم الدودة بأن عليها، لكي تصبح ما يجب ان تكون، ان تتخلّى عن جسدها الدودي وان تُعطى جسماً جديداً، اذ لا وجود لها إلا لتصبح فراشة: هذه هي دعوتها. ولن تكون ما يجب ان تكون إلاَّ يوم تصبح فراشة"
كيفية مشاركة الجسد فى الصلاة

كما ان صلاتك تفترض تهذيباً جديداً وتدريجيا لنفسيتك، فهي تقتضي أيضاً اشراك جسدك في الفعل نفسه الذي يضعك أمام الله. فان حالة التأمل تتطلب ذلك. ولن تعرف ابداً أن تصلي حسناً اذا لم يشترك جسدك في شعور قلبك العميق ويساعده على البقاء في هذا الشعور. وليست مهمة جسدك التعبير عن شعورك وحسب، بل أن يعطيه قوامَه وقوّته. فان صلاتك تتجسد حقيقة في مواقفك الخارجية. فحينما تكون تعباً مثلاً، ولا تتوصل إلى تركيز فكرك، لا تبذل جهوداً يائسة لبناء صلاة منمَّقة، بل اكتفِ بالوجود هناك تحت نظر الله ولاجله. كن بكاملك في كل اجزاء جسدك، أو تنفَّس بعمق لاجل الله وأنت تسير بهدوء.
حالة الجسد - والنفس

لقد اهتم بعض الدارسين, ببعض الأمور المتعلقة بالصلاة لدى القديسة تريزا ليسوع، محاولين البحث عن وضع الجسد ،وحالة النفس فىالصلاة . ويرجع السبب بهذا الاهتمام بهذين البُعدين(الجسدى والنفسى) فى الصلاة، الى الأهتمام المستحدث من قبل البعض لطرق إعداد وتهيئة المؤمن للصلاة. فما يهم الباحثين المستحدثين فى المجال الروحى ، هو ايجاد أسلوب أو طريقة أو حالة لأجل التوفيق بين بعدى الإنسان (الجسد،النفس) فى الصلاة .وقد جاء هذا الاتجاه حديثاً الى الغرب متاثراً فى ذلك من الروحانيات الشرقية، وخاصة تلك الموجودة فى الشرق الأقصى(الهند،الصين،اليابان،كوريا). وكنتيجة طبيعية نجد الفضول لدىَ بعض الباحثين المنجذبين لهذا الموضوع وهم منجذبون أيضاً للبحث عن عناصر شبيهة بذلك فى روحانية القديسة تريزا، وهىالتى لم تخلف لهم ظناً، فى ان تضع سائر الأمور فى نصابها الطبيعى. وبعد البحث والتنقيب فى روحانية القديسة تريزا، وجدت بعض العناصر المهمة لذلك، ولكنها ليست لها المصطلح الفنى المعروف خاصة لأصحاب الروحانيات الشرقية. إن حديث القديسة تريزا فى هذا الموضوع والنصائح التى تقدمها فى هذا الشأن، تتصف بالواقعية والموضوعية، والمعنى الصحيح للخصائص السليمة للتعليم المسيحى فى هذا الصدد. فالقديسة تريزا تعطى أهمية و حساباً للإمكانيات البشرية المحدودة فى حياة الصلاة، والمشروطة فى غالب الأحيان بسمات الجسد والبيئة المحيطة بنا! .

الصحة الجسدية والاتزان النفسي
من متطلبات الصلاة التى تقدمها القديسة تريزا ليسوع: التدريب المنتظم والمستمر للصلاة الشخصية . ولكن تطلب بالأكثر التوازن النفسى والجسدى للأشخاص . ولكي نفهم هذا الطلب او هذه الحالة وأهميتها، لابدً لنا ان نعرف أنه فى حالة الإرهاق الجسدى، والاجهاد النفسي يفقد الشخص القدرة على ممارسة الصلاة، التى تجلب عليه الفائدة الروحية. وبمعنى آخر نستطيع أن نقول إنه فى حالة الإرهاق والإجهاد تصبح الصلاة عبئاً خطيرا عليه.

وتنصح القديسة القديسة تريزا ليسوع راهباتها، بأن يرفضن البقاء فى الصلاة فى حالة التعب والإجهاد والإرهاق، بل وترفضه كمجرد اقتراح لاستمرارية المؤمن فى الصلاة كنوع من الإماتة .

" فخبرتى فى هذا الموضوع واسعةٌ وأعرف أنَّها الحقيقة, لأنّى تفحّصته بدقة وباحثت فيه معلمين روحانيين. إننا من البؤس بحيث إن نفسَنا هذه السجينة المسكينة تشارك الجسد مصائبه، فتغيُّرات الأزمنة وتقلبات الأمزجة التى تطرأ على الجسد، غالباً ماتجعل النفس عاجزةً، ولاذنب لها فى الامر، عن فعل ماتريد، بل تسِّبب لها ألاماً متنوّعةً. وكلّما حاولنا إكراهها فى هذه الأحوال تفاقَم الوضع واستمرَّ الداء. فينبغى اعتمادُ الفطنة ليُعرف متى يعود الداء لهذه الأسباب لا أن تُخنقَ النفس المسكينة. فليفهم هؤلاء أنهم مرضى، وليعتمدوا وقتاً آخر للتأمل؛ وكثيراً ماقد يضطّرون لفعل ذلك عدَّة أيام. ليقضوا هذا المنفى كما يتيسر لهم. إنها لمحنةٌ رهيبةٌ أن تحب الله نفسٌ ترى ذاتها تعيش فى هذا الشقاء وتعجز عن تحقيقة ماتريد لأن لديها ضيفاً ثقيلَ الظلّ كهذا الجسد." .

التوعك الجسدى كالمرض، والإرهاق، وتغيير الطقس والمناخ يؤثر على النفس وتحدث تغيرات فى النفس كمثل تقلب الأمزجة والتقلبات، وعدم الرغبة فى الإقبال على الصلاة أو أى شئ أخر. فالفطنة الروحية تتطلب أن الشخص يقدر تعب ومرض الآخر ولايشكل ضغطاً عليه لاجل الصلاة أو التأمل، ويمكن إرجاء ذلك لوقت أخر أو لاحق . وتُظهر القديسة تريزا من خلال النص السابق احتراماً وتقديراً للاشخاص وطبيعة خواصهم.

تخاطب القديسة تريزا جماعة كرَّست حياتها للصلاة والتأمل، وهى تعلم جيداً مقدار الألم الذى يعترى النفس التى لم تقو على القيام بها، هذا الألم ليس نابعاً من مجرد الالتزام بالحياة الرهبانية فقط، بل ينبع من الحب الذى تكنه هذه النفس لله، فالصلاة كما تعلمون عبارة عن لقاء حب بين النفس والله، أو بالاحرى بين الله والنفس وتقول القديسة عن الجسد أو أمراضه بأنه الضيف الثقيل، الذى يقف حائلاً نوعاً ما دون أن يتم هذا اللقاء لقاء الحب بين النفس والله، وبين الله والنفس - وحتى لايقول أحد بأن القديسة تريزا تشجع بذلك على كسل الرهبان والراهبات والذين يقومون بالصلاة، علينا بالسماع الى هذه النصيحة.

" قلت سابقاً إن علينا اعتماد الفطنة لأن الشيطان قد يسبِّب هذه الحال. وعليه، يحسن أن لا نقلع عن التأمل كلّما عانينا من تشتّت فكر واضطرابٍ كبيرٍ فى العقل، وأن لانعنِّفَ النفس دائماً فى مالا يسعُها أن تفعله" .

ويحق لنا هنا أن نستنتج بعض الملحوظات المهمة والمفيدة:
- الصلاة أولاً وقبل كل شئ هىعبارة عن لقاء حب وصداقة يزداد الحب يومياً وتزداد الرغبة بين الأحباء فى اللقاء، بحيث لايوجد هناك مجال للقول بإن الصلاة تفرض فرضاً على النفس .وبالتالى لاتوجد الفرصة للهروب من الصلاة على أساس أنها إجبار او فرض وواجب ثقيل يجب على الإنسان القيام به.

- تساعد حياة الصلاة الإنسان كثيرا على التمييز الروحى. كما أن عملية التمييز مهمة جداً لأجل حياة الصلاة الناضجة والمتزنة، بعيدة عن أى تطرف ينبع من المزاج أو الهوى الشخصى، كما أنها تحفظ الإنسان من المغالاة التى تجلب عليه الهوس الروحى أو المرض النفسي.

- لايعطى البعض اهتماماً لحالة الاشخاص الجسدية أو النفسية، معتقدين بأن الصلاة تمنح قوة ونعمة للأشخاص المجهدين أو المرُهقين، اذا استمروا فى الصلاة. كما أن الصلاة لاتحسب صلاة إلا اذا ارتبطت بالأمانة وبذل الجهد فى سبيل إتمامها.

لابد من الرجوع الى الملحوظتين السابقتين وبخصوص هذه الملحوظة، علينا أن نضيف ماهو أكثر من ذلك إلا وهو رحمة الله ومحبته فى التعامل مع البشر، فالله لايُريد ولايطلب من النفس أكثر من طاقاتها أو أكثر مما هى عليه. الله يقدر تعب الانسان، وإرهاقه ويحوله الى صلاة باسم الحب والعلاقة التى تربط بينهما. وعلى الجانب الآخر علينا أن ندرك أن لكل إنسان حدوده وقدراته، كما أنه هناك من هم لهم باع طويل فى حياة الصلاة، وهناك من هم فى بدء مسيرة الصلاة اوعلى أبوابها. والله يقدر هذا وذاك ويحترمهما معاً. ولذا علينا نحن أيضاً كبشر أن تكون نظرتنا ازاء بعضنا البعض نظرة ملؤها الشفقة والرحمة، واضعين التمايز بين الأفراد، ودرجات نموهم الروحى.....الخ.

+ توجيهات ونصائح عملية للفائدة الروحية :
نصحية ومشورة القديسة تريزا, بخصوص التوازن والاتزان بين الجسد والنفس فى الصلاة المسيحية، تأتى متكاملة مع بعض التوجيهات العملية والتى تساعد على الفائدة الروحية .

".. وهناك أعمالٌ أخرى خارجية يمكن القيامُ بها، كأفعال المحبة والمطالعة الروحية، ولو أننا نشعر أحياناً بعدم الأستعداد لذلك. فلتخدم النفسُ الجسدَ حينئذٍ حباًّ بالله حتى يخدمَها الجسد فى ظروفٍ أخرى كثيرة . ويمكننا اعتماد تسلياتٍ مفيدةٍٍ بواسطة أحاديث تقويّة، أو الخروج إلى الحقل بحسب ماينصح به معلِّم الإعتراف. وفى كلّ حال، فإن الاختبار ذو شأنٍٍ كبير لأنه يعلِّم ما يناسب أن نعمله. فى كلّ عملٍ يمكن أن نخدم الله. أنّ نيَرَه لِّينٌ؛ وإنه لعملٌ جليل أن لانَجُرَّ النفسَ جراً، كما يُقال، بل أن نقودََها بلطفٍ سعياً لفائدتها العظمى" .

- لم تترك القديسة تريزا النفس هكذا بدون التزام يعبر عن الصلاة، بل تقدم اقتراحات عملية لا توضع كبديل عن حياة الصلاة، ولكن كصلاة، وهذا منطق طبيعى لإنسان الصلاة والذى يجعل من حياته باكملها صلاة .

- تعطى الصلاة أتساعاً للفكر والقلب، وتمنح بصيرة باطنية للإنسان، وتجعله مُبدعاً ومبتكراً للأساليب والطرق التى يعبر بهما عن حياة الصلاة والارتباط بالله . تمنح الصلاة الحوار والتفاهم، داخل الإنسان بأبعاده المختلفة.وتوضح لنا القديسة تريزا فى هذا المجال مقدار الرأفة والشفقة بين النفس والجسد، حيث توجد علاقة متبادلة بينهما. كما أننا لانجد ما يسمى بالقهر او العنف من جهة النفس للجسد، ولانجد التمرد والعصيان من قبل الجسد للنفس، فتتحدث القديسة تريزا عن حرية الحوار والتعبير فى المناقشة بين المعترف ومرشده الروحى او أب اعترافه. خاصة فيما يخص حياة الصلاة، من حيث الطريقة والأسلوب والنوعية والقدرة، وكل ما يخص العلاقة مع الله، والنمو الروحى للفرد، فترى القديسة تريزا أن حياة الصلاة، والحياة الروحية ليست فرضاً او أمراً، ولايجب على النفس ان تُقهر ذاتها لاجل القيام بالصلاة. وذلك لان الصلاة هى علاقة حب قبل كل شىء، والحب لايقبل بالفرض.الحب. لايقيد الشخص الآخر، بل يمنحه دائماًالانطلاقة لأجل حياة جديدة وتكون أفضل.


لم تتحدث القديسة تريزا كثيراً عن وضع الجسد أثناء الصلاة، وذلك بالمقارنة بما يحدث اليوم، وكثرة الحديث عن الطرق الشرقية للصلاة، ولكننا نستطيع أن نتابع بجهد وعناء مؤلفات القديسة، لكى نجمع بعض الاشارات والتلميحات عن كيفية وضع الجسد فى الصلاة.

لقد اعتادت القديسة تريزا ليسوع أن تصلى فى الوضع المعروف لدينا الأن فى الكرمل، وهو الجلوس على كعبى القدمين" أو على عقبه" و لا بُخفى عنا اليوم بأن معلمى الروحانية ينصحون بهذا الوضع لأجل التأمل.

ومن مميزات هذا الوضع، هو أن الجسد يصبح فى حالة استرخاء واتضاع أو انخفاض فى مركز الثقل الجسدى. وبمعنى آخر يصبح الثقل الجسدى كله متمركزاً على عقب الأنسان، ونحن لانستطيع أن ننكر بأنه وضعُ أو موقفُ هو للصبر والانتظار والاصغاء بانتباه.

يساعد هذا الوضعُ التريزيانى الجسدَ فى حالة الصلاة، على عدم الحركة والهدوء للجسد، مما يساعد على تهدئه الأعصاب، وهذه هى طريقة مفضلة ومختبرة ومفيدة لذلك. هذا الوضع يساعد الإنسان على التركيز فى الاتحاد بالله، والذى يظهر الإنسان وكأنه متمركز كنقطة فى دائرة.

" لنعد الآن الى موضوعنا. إن هذا السكون وهذا الاختلاء تشعر بهما النفس شعوراً عميقاً عبر ما يوضع فيها من رضًى وسلام، كما تشعر قواها بسرورٍ فائق وطمأنينة، وبمتعة عذبة جداً. وبما أنها لم تبلغ من قبلُ أبعد ممّا بلغت، تحسب أن لاشئَ بعد تتمنّاه فترغب طوعاً، كالقديس بطرس، فى أن يكون هناك مقامُها. لاتجرؤُ على التحرك أو التململ إذ يتراءى لها أن هذا الخير سيُفلت من يديها؛ وقد لاترغب فى التنفس أحياناً. لكنها، يالتَعسها!، لا تفهم أنها، وقد عجزت عن كسب ذلك الخير بذاتِها، أعجزُ من أن تحفظه زمناً أطول مما يريد الرب"

يقول الكتاب المقدس: " فى الهدوء والسكينة تكون قوتكم "
فى الهدوؤ والسكينة تشعر النفس بشعور عميق بالرضى والسرور، كما أنها تشعر بقواها (الذاكرة - والمخيلة - والإرادة ) وهى فى حالة السرور الفائق والطمأنينة.

النفس التى تتذوق هذه المتعة لاترغب فى التحرك أو التململ خوفاً من أن يفلت أو أن تفقد هذا الخير من بين يديها، هكذا كما رأيناه على جبل التجلى.

على النفس أن تفهم أن هذا الخير ليس منها، ولكن من قبل الله، تشعر النفس بأنها مكتفية بالله، وإن لم تكن مستغرقة بالكلية فيه، فهى تشعر بوجود بعض الاضطرابات فى الذاكرة والعقل وليس كذلك فى الإرادة. حيث تشعر النفس بنار حب الله وهى تعمل بكل جهدها على أن لا تنطفئ هذه النار.

"يحسّ الجسد متعةً كبرى والنفسُ ارتياحًا جمًّا. وتُرى مسرورةً أيَّ سرور لمجرد قربها من النبع فتشعر بالارتواء ولو لم تشرب. تخال أن لا شيء بعد تشتهيه. فالقوى هادئة لا ترغب في التحرّك؛ تتصوّر كلَّ شيء يعيقها عن الحبّ، ويزعجها؛ رغم أن القوى ليست هائمة تماماً، لأنها قادرة على أن تعيَ بقرب مَن هي قائمة، واثنتان منهما تنعمان بالحرية. الإرادة وحدها أسيرةٌ هنا؛ وإذا كان مشقةٌ يمكن أن تعانيَ منها في هذه الحال، فهي أن ترى أنها ستعود إلى الحريّة. اما العقل فلا يريد ان يدرك الاشيئاً واحداً، والارادة لا تريد الانشغال بشيء آخر. هنا تَرى أن هذا الشيء وحده ضروري وكلُّ ما عداه يشوّشها. تودّ لو يلبث الجسد بلاحراك لأنها تعتبر أن حراكه سبفقدها ذاك السلام، وعليه، فلا تجرؤ ان تتحرّك؛ والكلام يؤلمها. وتقضي هذه النفوس ساعةً في تلاوة "الابانا" مرة واحدة. إنها قريبةٌ منه ايَّ قرب فترى أنها تتفاهم معه بالاشارات. وهي في القصر قرب الملك فترى انه قد بدأ يعطيها ملكوتَه هنا. كأنها ليست في العالم، ولا تودّ أن ترى أو تسمع إلا إلهها. لا شيء يؤلمها، ويبدو أن لا شيء يستطيع أن يؤلمها. الخلاصة، مادامت تنعم بالارتياح والمتعة الحميمة، تُرى جدّ مستغرقة ومُشَرَّبة فلا تتذكَّر أن عليها أن تشتهى المزيد، بل لتقول بكل طيبة خاطر مع القديس بطرس: ياربّ، فلنُقِم هنا ثلاث مظالّ"مت 17 : 4 ".

الصلاة الحقيقية هى التى تنبع من الإنسان الكلى أو الإنسان الشامل والموحد، وذلك منعاً للتجزئة والتقسيم أو الانفصال، يصلى الإنسان يصلى بجسده كما يصلى بنفسه. فالجسد يشترك فى العبادة لله فى حياة الصلاة. الله فى الصلاة يمنح ذاته كلية للمصلى، وبالتالى لايرضى إلا بالإنسان الكلى.

لا نظن أن الصلاة يقوم بها الإنسان بروحه دون جسده، فالروح تنسحق، والجسد يركع أمام الله العظيم القدوس.

لاتقوم الصلاة فقط فى الحضور الجسدى للإنسان، ولكن هو حضور كلى لشخصه بكل قواه وقدراته وأبعاده. تنطلق الصلاة الحقيقية، من شخصية موحدة تنجذب وتتمركز وتتمحور وتتحد بشخص الله. فيصبح الله هو موضوع انجذاب وانشغال النفس. والشخص الذى وضع كل كيانه فى شخص الله لايجد فى ذاته الرغبة أو حتى القدرة على الحركة. وذلك خوفاً منه لئلا ينقطع اللقاء مع الله أو أن يفقد ثمار هذا اللقاء من سلام عذب. فالشخص الذي يتحدث مع شخص ذات أهمية أو قيمة معينة أو ذات شأن أو شخصية جذابة، يضع ذاته أسيرة له. والمجال هنا يظل فى الحديث عن شخصية جذابة بجمالها وبكلامها وبأفعالها، بل قل هى بطبيعتها فائقة الجمال، هى الشخصية الابرع جمالاً من بنى البشر، والذى يأسر بحبه لب البشر، فهو يسود بحبه على قلب وعقل وكيان الإنسان. تظل النفس شغوفة فى لقاء الصلاة برؤية الله وجماله، متشوقة لسماع أنغام صوته عبر كلماته، والتى هى أقوى من نغمات رنين آلات الطرب والموسيقي مجتمعة معاً. وكأثر لهذا اللقاء النفيس تفقد النفس الرغبة فى الحديث أو الرؤية لأشياءٍ آخر ، خوفاً منها، لئلا تفقد لذة وثمرة اللقاء مع الله.

إن اللقاء مع الله هو بمثابة " الخمرة الروحية"، التى تجعل من يتذوقها فى حالة الثمالة الروحية، تلك الثمالة التى تجعل النفس فى حالة انخطاف، عن كل ماليس الله. تظل النفس فى نشوة الحب مع الله، وبالتالى فهى فى حالة تركيز فى الله، وبالتالى تفقد الحس بكل مايحدث حولها. فالكون والخليقة وكل مايحيط بالنفس، وكل شئ يكون كلا، لأن الله هو الكل لهذه النفس.

إن اللقاء مع الله لا يوصف ولا يعبر عنه بلغة من اللغات، فجميع اللغات (الكلمات - العبارات) تقف عاجزة عن وصف مايفوقها وصفاً. إن القديسين بكل اختباراتهم الحية وتذوقهم الفائق لهذا اللقاء، والذين عبروا عنه بطريقة أو بأخرى، فشلوا أن ينقلوا لنا عمق وعظمة هذا اللقاء.

فى هذا اللقاء تجد النفس ونيساً يؤنس وحدتها، وصديقاً يملأ فراغ قلبها. فى الصلاة تجد النفس الزاد الذي يشبع جوعها، والماء الحى الذى يطفئ ظمآها. فى الصلاة تجد النفسُ الرفيقَ الذى يلازمها فى مسيرتها وطريقها، فتتغلب على الشعور بالوحشة والغربة. فى الصلاة تجد النفسُ الصديقَ الذى يشددها ويقويها، ويترفق بها فى ضعفها وهوانها. كيف تجازف النفس بفقدان مثل هذا الصديق والحبيب، وهى تعلم بصعوبة الطريق وجادات الحياة. كيف تتجاسر النفس وتفقد حبيباً لا مثيل له ولاشبيه؟ كيف تتجرأ النفس وتفقد بجهلها أو بتراخيها مثل هذا الحبيب؟ فى الحياة الطبيعية والعادية. نجد أن النفس التى تملك بين يديها شيئاً ثميناً تحرص عليه كل الحرص وتتوخى الحذر فى تحركاتها لئلا يسقط من بين يديها ويتحطيم فتخسر هذا الشئ الثمين فاذا كان هكذا الحرص والحذر لأناء غالى وثمين أو لشئ له قيمته فى هذا الزمان، فكم يكون حذرنا وحرصنا فى لقاء يجمع بين رب السماء ونفس تعبة من حرارة شمس الغربة هذه الحياة.

لهذا السبب تقدم لنا القديسة تريزا ليسوع بعض النصائح التى تساعدنا على استمرارية اللقاء مع الحبيب فى الصلاة. وهى بمثابة الوسائل والطريقة لضبط الأفكار، والتى تعد ذات فائدة كبرى للمبتدئين بالصلاة والداخلين جُدد فى هذا اللقاء.

"َفلنعُد الآن، اذاً، إلى صلاتنا اللفظية لنصلّي بحيث يعطينا الله كل شيء معاً، ولو من دون إدراكنا، ولكي نصلي كما يجب، مثلما قلت سابقاً. أول ما يجب أن نستهلّ به صلاتنا، كما هو معروف، فحصُ الضمير، وفعلُ الاعتراف، ورُسم اشارة الصليب. واجتهدن تاليًا، يا أخواتي، أن يكونَ لكنّ رفيق. ومن تراه يكون خيرَ رفيق من المعلّم نفسه الذي علّمنا الصلاة التي عليكنّ تلاوتها؟ تمثَّلنَ (فاستحضرن) الرب نفسَه بقربكنَّ وانظرن بأيِّ حبٍّ وتواضع يعلّمكنَّ. وصدِّقنَني: أعلمنَ وسعكنَّ لا تبتعدنَ عن صديقٍ صالح جدًّا كهذا الصديق. إذا تعوّدتنَّ تقريبه منكنّ ورأى، هو، انّكنّ تفعلن ما تفعلنَ بدافع الحبّ، وتستعَينَ إلى مرضاته، فلن تستطعنَ إبعاده عنكنّ، كما يقال، ولن يتخلَّى عنكنّ أبداً، بل سيساعدكنّ في أعمالكنّ جميعها. عليكنّ ان تبقينه معكنّ في كل مكان. أو تعتَبرنَ شيئاً، وجود صديقٍ كهذا بقربكنّ؟" .

القديسة تريزا تعلم تمام العلم العوائق التى تحول دون إتمام لقاء الصلاة كما يجب . ولذا تقترح بعض التدريبات البسيطة فى محاولة منها، لدفع النفس الى لقاء حميم مع صديق النفس ورفيقها، والذى هو الله.

فعلى سبيل المثال، تتحدث عن دخول الإرادة فى مجال الله وخضوعها بطاعة لمشيئة الله، بينما نجد المخيلة والذاكرة فى حالة عدم أنضباط، فالإرادة عن طريق الحب تصبح أو تصير أسيرة لله، بينما تظلان المخيلة والذاكرة يُشكلان متاعب للنفس، بسبب عدم خضوعهما لسيطرة الروح القدس.

وبعض المتاعب أيضاً، والتى تواجهها النفس فى لقائها مع الله، ما تاتى من عدم اشتراك الجسد أشتراكاُ كافياً فى الصلاة. فخمول الجسد، والاسترخاء، وعدم الحركة أوالركود الجسدى من ناحية أخرى، وبسبب كثرة النشاط الجسديّ والحركة المستمرة.

كل هذه الحركات لاتساعد النفس على الوصول الى الهدوء الداخلى. وكنتيجة طبيعية نجد أن هذا النص للقديسة تريزا ليسوع يضعنا أمام فكرة خطيرة وهى : قدرة التحكم فى الجسد والذى يٌعد نصراً محقّقاً. وللوصول الى هدوء الجسد، ومشاركته بطريقةأكثر فاعلية فى اللقاء مع الله . تقترح القديسة تريزا عمل إشارة الصليب، وغلق العينين، ولمزيد للمعرفة فى هذا المضمار... علينا أن نرجع دائماً لنصائح القديسة تريزا ليسوع.

"فالذين يُحسنون الاختلاء، أبحروا، كما يقال. ولئن لم يهجروا الارض تمامًا، فإنهم، في تلك البرهة، يفعلون ما يستطيعون فعله ليتحرَّروا منها بجمِعهم حواسَّهم في ذاتهم. إذا كان الاختلاء حقيقيًا، يظهر واضحًا من نتائجه. لا أدري كيف أوضح ذلك، لكن من اختبرَته تفهم ما اقول. كأني بالنفس تنسحب من اللعبة حين ترى كيف هي اشياء الدنيا. تنهض في الوقت المناسب، وتفعل كمن يدخل قلعة حصينة ليُبعِدَ عن نفسه الخوفَ من الاعداء؛ إنه انقطاعُ الحواس عن الاشياء الخارجية وانضباطُها بحيث تُغمَض عيناها من دون أن تدري، فلا تراها، لأن عيني النفس يكون نظرهُما أشدّ تفاذاً. وعليه، فمن يسير في هذا الطريق، يصلّي دائماً تقريباً وعيناه مُغمضتان؛ وهي عادةٌ خليقةٌ بالإعجاب لاسبابٍ عدّة لأنها تعني أنه يُجهِدُ ذاته كي لا ينظرَ غلى اشياء الدنيا. هذا ما يحصل في البدء ولا يعود له من ضرورة فيما بعد؛ لكن يحتاج عند ذاك الى جهد اكبر كي يفتحهما. فيُفهَمُ من ذلك كأن النفس تتشدّد وتتقوّى على حساب الجسد، وتتركه وحيداً، ضعيفاً، فيما تتزوّد، هي، مدَدّا لتجابهه " .

"وما إن تقبلنَ الربّ، حتى تحظَين بالشخص عينه أمامكنّ، فحاولن إغماضَ عيني الجسد، وفتح عيني النفس، وانظرن الى القلب. واقول لكنّ، واكرّر القول، واودّ لو اكرّره مرارًا: اذا اكتسبتنّ هذه العادة في كلّ مرّة تتناولن القربان، فحاولن ان يكون ضميرُكنَّ صافيًا ليجوز لكنّ الاستمتاع غالبًا بهذا الخير؛ فإنّه، ولو جاء مقنّعًا، فلن يمنعه ذلك كما قلت، من أن يكشف نفسَه بأشكال شتّى بحسب رغبتنا في رؤيته وباستطاعتكنّ ان ترغبن فيه رغبة شديدة فينكشف لكنّ تمامًا" .


عندما كانت تصلى القديسة تريزا, كانت ترفع ذراعيها نحو السماء، بيدين ضارعتين، وهذا الوضع يُعد من أوضاع الصلاة المسيحية، كما فى الكرمل.

كما أنه توجد اليوم بعض الأوضاع المنتشرة والمتميزة بين أبناء الكرمل وأبناء الأم تريزا ليسوع. ومن هذه الأوضاع نذكر وضعاً واحداً على سبيل المثال:
تفتح ذراعيهم بالعرض ومع طول الجسم مما يشكل وضع الصليب أو من يصلى كأنه مصلوباً. وهذا الوضع يوجد فى سفر الخروج على يد موسى النبى.


محيط وبيئه الصلاة

الهدوء والصمت هما البيئة الطبيعية لولادة وتنمية حياة الصلاة، فالقلاية،الحجرة أو المكان المنفرد عن الحجرة الخاصة بالمعيشة، أو موضع الخلاء فى وسط الطبيعة أماكن شهدت وتشهد اختبارات عميقة لحياة الصلاة. ولكن هذا لا يمنع أبداً بأنه يمكن أن تتم الصلاة فى كل مكان.

" أيّها الاله العظيم أعطِنا أن نُدرك مدى حقارتنا! لأن عدم إدراكنا لها هو الذى يتيح للأخطار أن تترصدنا فى كل مجال. لذا اعتبر مانتلقاه من أوامر للقيام بأعباء عملية خيراً ثميناً بالنسبة إلينا، لكونه يجعلنا نعى حقارتنا. برأى أن تمضية يوم واحد فى التعرف الى الذات بروح التواضع، ولو رافق ذلك الكثير من الأسى والعناء يمثل نعمة من الله أثمن من الفوز بأيام عديدة نمضيها فى ظلال الصلاة والتأمل، لاسيما وأن التوق إلى الحبيب يرافق العاشق أينما حل أو ارتحل. وهل أتعس من العجز عن ممارسة التأمل خارج زوايا الخلوات؟ أعرف أنى لن أستطيع تكريس الساعات الطويلة للتأمل على الانفراد، ولكن هل من كائن إلا ويُصعِد إلى مقام عزتك، أيها الرب إلهى، تنهدات، الأسف من أعماق قلبه؟ بالفعل، فإن أحزاننا ليست وليدة وجودنا فى هذا المنفى فحسب، بل تتأتى أيضاً عن حرماننا من نعمة الوقت الذى نستطيع فيه الاختلاء إليك والتنعم بقربك فى أكناف الوحدة المطمئنة"


فى الصمت والهدوء:
تتجاوز النفس السطحية فى معرفة ذاتها، إذ تلتقى وجهاً لوجه مع حقيقتها، وبالتالى تستطيع أن تعرف بعمق حقيقتها الواقعية، وتكسبها أرضية ثابتة راسخة تقف النفس عليها لتقول: أنا "فلان". أكثرية وغالبية البشر يعيشون حياتهم دون أن يكون لديهم الوعى بماهيتهم أو دون معرفة حقيقة أنفسهم، والسبب أنهم يمضون أوقاتهم فى الضوضاء خارج أنفسهم.

يهرب البعض من ذاته بعيداً عن فترات الصمت والهدوء، حتى لاتسنح له الفرصة للتفكير، للمعرفة، للمواجهة، مثل هؤلاء يتوهمون أنفسهم بأنهم على قدر من القذارة والدناءة بما لا يسمح لهم باللقاء مع ذواتهم.

وأخرون لا يريدون معرفة حقيقة أنفسهم لأنهم لا يريدون معرفتها، وكأنهم لا يتشرفون بهذه المعرفة، او لأنهم لا يريدون بذل الجهد والمعاناة فى تغيير بعض ما يرونه فى أنفسهم، لأنهم يفضلون الكسل على النشاط حتى فيما يخص حياتهم.

يفضل البعض أن يتمتع بمعيشته وبالحياة دون أن يتكلف جهداً فى معرفة حياته الشخصية وقيمته الذاتية. يعيش وسط مجتمع صاخب مزدحم بالمشاريع والخطط ووسائل التسلية والترفيه، محاطاً بزحمة من الكتل البشرية أو اللحميّة .

الصمت والهدوء :
يبحث بعض الناس فى حياتهم عن فترات صمت وهدوء للراحة والاستجمام، قل البحث عن الصمت والهدوء لأجل الصمت والهدوء فى حد ذاتهما.

ويخلد البعض الآخر للصمت والهدوء لا لذاتهما، بل لأنهما وسيلتان للتقاء مع الله.

فى الصمت والهدوء :
تتاح الفرص للتنعم بالقرب من حبيب الروح والذى تعشقه، والذى في قربه، تذوب أتعاب الدهر بأكمله.

فى القرب من يسوع الحبيب، تتلاشي الاحزان وثقل الأيام، وتهوى جبال المشاكل وصعوبات الحياة.

فى الصمت والهدوء :
تتمتع النفس بالنعمة الالهية، وتشعر بذاتها تحلق بطمأنية وسلام فى عالم لاتؤثر فيه الجاذبيّة الأرضيّة ولا التيارات الماديّة والنفعيّة والسببيّة .

فى الصمت والهدوء :
يتولد فى النفس توق واشتياق، وتلتهب فى القلب رغبة الاتحاد بالعريس الحبيب، وتسعى لمرافقته أينما حل أو ارتحل.

وهكذا، توجه القديسة تريزا نظرنا نحو الهدوء والصمت والاقامة على انفراد أو عزلة بعيداً عن الضوضاء لأجل الصلاة التى تحقق للنفس الكمال بقدر المستطاع.

"اما تلاول [أي الصلاة اللفظية]، فأنتنّ تعرفن أن جلاله يعلّمنا أن نتلَوها على انفراد؛ فهكذا كان ربُّنا يصلّي دائماً، ليس عن حاجةٍ لديه، بل من اجل تعليمنا" .


بحسب شهادة الأناجيل : كان يسوع يصلى منفرداً، وبذلك أصبح النموذج الأفضل للمسيحى المصلى.

الوسائط التى تساعد الإنسان على الدخول فى حياة الصلاة.

فى كل ما رأيناه سابقاً، نصل سوية إلى ضرورة حياة الصمت والهدوء، وهذا يتم على مستويين متميزين ومترابطين ومتحدين معاً.

أولاً : المستوى الخارجى : وهو عبارة عن الحديث مع الآخرين فليس من الضرورى هنا الحديث أو الاستماع الى أشخاص والإصغاء إليهم أو رؤية خارجية، بل كل ماهو خارجى ويجذب، بمعنى الانفصال عن كل ما هو الحواس الخارجية كمدخل الى عمق وكيان الشخص.

ثانياً : المستوى الباطنى: وهو عبارة عن الفكر والإرادة والتخيّل، ومتى وصل الإنسان الى هذا الهدوء الأخير، استطاع أن يكون مهيئاً تهيئة سليمة لإقامة حوار جاد ومثمر مع الله فى الصلاة.

وربما يجد الإنسان صعوبة ليست بضئيلة فى تهيئة ذاته للدخول الى الصلاة العقلية أو التأمل ... ومن هنا نجد القديسة تريزا ليسوع تقترح بعض الوسائط والمساعدات التى تهيئ الإنسان الى هذا العمل الإلهى.

أولاً : الكتاب كمساعد على تغذية نفس المؤمن وتهيئته

قد يصعب على المبتدئين فى الحياة الروحية الدخول مباشرة فى حوار مثمر مع الله في إطار الصلاة العقلية، وبالتالى قد يصعب عليهم الدخول فى مناخ التأمل. وتزداد هذه الصعوبة بالأكثر، فى عدم توافر الموضوع الحى الذى يستحوز على كيانه، ليتخذ وقتاً للتفكير فيه. فالإنسان الذى لم يعتَد الجلوسَ بمفرده منعزلاً عن الامور الاعتيادية فى حياته، ليمكث فى مناخ يتسم بالهدوء الصمت، والتفكير والانشغال بأمر ليس عادىاً، وليس مرتبطاً بالمصالح الشخصية، فمثل هذا الشخص يشعر بالملل وبالفراغ الذهنى من احتواء موضوع ذى فائدة يجذبه نحو التفكير.

ولهذا، تقترح القديسة تريزا ليسوع على مثل هؤلاء الذين لم يسبق لهم الدخول فى إطار حياة التأمل والصلاة العقلية، بأن يستخدموا كتاباً يساعدهم على الدخول فى هذا المجال.

" أعتقد الآن أن الربّ دَّبر ألّا أصادف مَن يعّلمنى: فلو أنَّنى صادفته لكان تعذّر علىً، فى ظنى، أن أستمر ثمانية عشر عاماً فى هذه المحن والبيوسات الروحية الكبيرة لعجزى عن الاستدلال العقلى. وماكنتُ أجرؤُ على مباشرة التأمل من دون كتاب، طوال هذه الأعوام، إلا بعد التناول. لقد كانت نفسى تتهيّب القيامَ بالتأمّل من دونه كما لو كانت ماضيةً لمغالبة جمهرةٍ من الأعداء. كنتُ أجد فى الكتاب علاجاً وتعذيةً؛ بل كان لى رفيقاً أو درعاً أصدُ به ضربات الأفكار المتواترة. لم يكن الجفاف الروحى حالةً دائمةً لدىّ، بل كان ينتابنى كلَّما أعوزنى الكتاب، فتتضطرب نفسى وتذهب أفكارى كل مذهب، وبالكتاب كنت أعود فأجمع أشتاتَها، وبه ألاطف نفسى وأفتنها. وكثيراً ماكنت، اذ أفتح الكتاب، أجد به الكفاية، كنتُ، أحياناً، أطالع قليلاً، وأحياناً أخرى أكثرُ من المطالعة بحسب مايؤتينى الرب من نعمة".


تكشف القديسة تريزا فى هذا المقطع عن الإيجابية التى يمكن أن يكتشفها الإنسان بالرغم من سيطرة السلبية على بعض الأمور والمواقف فى حياتها.
فهى لم تلعن الزمن أو الأشخاص، بسبب عدم وجود من يعلمها حياة الصلاة، بل اكتشفت أن الرب ذاته هو الذى يقوم بتعليمها. ومن ناحية أخرى، تكشف لنا عن الأهمية المبدئية بوجود الكتاب الروحى بين مبتدئ الحياة الروحية، أو ربما فى أوقات وفترات متباينة مع المتقدمين فى الحياة الروحية، مثل لحظات الجفاف واليبوسة....الخ. فالكتاب كان بمثابة الصديق الذى يعمل على اجتذاب أفكارها للتأمل والصلاة، حيث وجدت فيه العلاج والتقوي والتغذية.

فالكتاب ساعدها على أن تجمع كيانها وذاتها من أماكن شتى, للتمركز حول موضوع معين.

" وعلاجٌ آخر ناجع أن نتناول كتاباً جيّداً باللغة الشائعة ولو لجمع افكارنا، ولتؤدِّي الصلاة اللفظية أداءً حسناً، ولتعوّد النفس شيئاً فشيئاً بملاطفاتٍ ومداراة كي لا نثير فيها الخوف. ضَعنَ في الحساب انها ابتعدت عن عريسها منذ سنوات عديدة، وأنها تحتاج كثيراً غلى حسن المفاوضة كي تقبل العودة غلى منزله؛ هكذا شأننا، نحن، الخطأة؛ فإن نفسنا، مثل فكرنا، راسخةٌ في السير نحو لذّتها، او بالاحرى نحو حزنها، حتى ان هذه النفس المسكينة لا تدرك حالها؛ فيقتضي كثيرٌ من المصانعة لتستعيد حبّ البقاء في منزل عريسها؛ واذا لم نفعل ذلك قليلاً قليلاً فلن نحقَّق شيئتً ابداً. وأوكّد لكنّ ثانية انّه اذا تعوّدتنّ على ما قلت، فإنكنَّ ستحقّقن مكسبًا اكبر من ان أستطيع وصفه. فتَقَرّبنّ، اذاً، من هذا المعلم الصالح، بعزم قاطع على تلقِّي ما يعلكمنّ، وجلاله يضمن ان تكنّ تلميذات صالحات، ولا يتخلى عنكنّ اذا لم تتخلّين عنه. تأمّلن الكلمات التي نطق بها ذلك الفم الإلهي، تفهَمنَ حالاً، من الكلمة الاولى، الحبِّ الذي يكنّه لكنّ؛ ليس بخير يسير ولا عطاء قليل أن يرى التلميذ أن معلّمه يحبّه"


توضح القديسة تريزا فى هذا المقطع الشروط اللازمة لاستخدام الكتاب فى حياة الصلاة.

1. يجب أن يكون كتاباً خشوعياً يليق بحياة الصلاة
2. كتاب باللغة البسيطة المفهومة، التى تنفذ الى القلب والعقل معاً، وتدفع الارادة الى التحقيق الفعلى.
3. كتاب يقود لحياة الصلاة ويساعد النفس على أن تجد ذاتها فى حالة التأمّل، أو مستغرقة بكيفية ما فى حياة التأمل
4. كتاب يساعد على توحيد الشخصية والتمركز(التركيز) والتواجد المستمر فى الله.
5. كتاب يعلم المصلى الحكمة والحذق والدراية بأسلوب الحوار والعلاقة التى يجب أن تكون مع الله.

وهذا ما أرادت أن تتفوه به القديسة، حينما أعطت تشبيه المرأة الشقية التى ابتعدت عن زوجها فترة من الزمان، فلكى تعود مرة أخرى إلى زوجها، فهى تحتاج أن تتعلم فنون الحوار والحب والتعامل مع زوجها.
6. يمثل الكتاب مرحلة معينة فى حياة المصلى، والاعتماد عليه يأتى وليداً لظروف معينة يجب علينا أن نتجاوزها ونتخطاها إلى ما هو أعمق من ذلك. فلا يجب علينا أن نتوقف عند حد الكتاب وأفكاره، فهو ليس إلا وسيلة لأجل غاية عظمى. هذه الغاية هى أن تصبح النفس قريبة من المعلم الإلهى ذاته.

"لقد طالما استهوتني كلماتُ الانجيل وساعدتني على الاختلاء أكثر من أية كتب أخرى رائعة التأليف. وما كنت أجد رغبةً في مطالعة كتاب، خصوصاً إذا لم يحظَ مؤلفة بوافقة واسعة. فإذا اقتربت من معلّم الحكمة هذا، فقد يوحي إليّ بعض اعتبارات تسرّكنّ. لا أقصد أنني سأشرح هذه الصلوات الإلهية، - فأنا لا أجرؤ على ذلك، ثم ان هناك شروحاً مكتوبة؛ حتى لو لم تتوافر هذه الشروح لكانت جرأتي حماقة - ، بل سابسط بعض اعتبارات حول صلاة الأبانا. ويبدو أحياناً أن كثرة الكتب تفقدنا التقوى الضرورية أيَّ ضرورة لنا، فيما يظهر واضحًا أن المعلمَ نفسه حين يدرّب التلميذ يفعل ذلك متودّدًا إليه، ويروقه أن يسرّه ما يعلّمه إياه، ويساعده كثيراً كي يفهم. وهذا ما سيفعله معنا هذا المعلم السماوي" "

هنا تبرز لنا القديسة تريزا أهمية وجود الكتاب المقدس فى حياتنا وفى معايشتنا لحياة الصلاة، وذلك لأن الكتاب المقدس هو أفضل الكتب جميعاً الذى يكشف لنا عن سر الله وسر الحب، والحياة، والوجود .... الخ .

عن طريق الكتاب المقدس: المسيح لا يدخر جهداً لأجل تعليمنا ومساعدتنا لكى نحب حياة الصلاة. القديسة تريزا ليست قارئه للكتاب المقدس وحسب، ولكنها تتأمله وتصليه، وإن جاز لى التعبير فهى تأكله أكلاً. كم هو الجهد الذى بذلته القديسة تريزا فى سبيل تقديم الكتاب المقدس لغيرها ولمساعدتهم على النمو فى الحياة الروحية. وهكذا كما يفعل المسيح معها كتلميذة له تفعل هى أيضاً مع راهباتها ورهبانها، ومن يستقى وسيستقى من تعاليمها.

" كان ذلك عشيّةَ عيد الروح القدس، بعد القداس. ذهبتُ الى مكانٍ منعزلٍ جداً غالباً ما كنت أقصده للصلاة، فبدأت أقرأ فى الكرتوس . التأمل الخاص بهذا العيد. وكنت أطالع العلائم التى يجب أن تتوفر فى المبتدئين، والمتقدمين، والكاملين ليعرفوا أن الروح القدس معهم. فما إن انتهيت من مطالعة هذه الحالات الثلاث حتى خيِّل إليّ، بقدر ما أمكننى أن أفهم، أنه، بفضل الله، ملازمٌ لى. فسّبحته وتذكّرت أنى حين قرأت هذا الفصلَ فيما مضى، كنت خُلواً من كل هذا، وكنت مُتيقِّنةً من ذلك بقدر ما أنا متيقنةٌ الآن من نقيضه. وهكذا أدركت عظمةَ النعمة التى منحنيها الرب. ورحتُ أفكِّر فى المكان الذى استحقَقتُه فى جهنم من جرّاء خطاياي، فأفضتُ فى تسبيح الله لأني ما كنت إخالني أعرفُ نفسي لفرط ما تغّيرت. وفيما أنا أَقِّلًب خواطري فى هذا الموضوع، أُختطفتُ باندفاعٍ قويّ لم أعرف له سبباً. خلتُ نفسى، تودُّ الخروجَ من الجسد، فهو يضيق بها وهى عاجزة عن أن تنتظرَ خيراً عظيماً كهذا. كان من شدَّة الإندفاع أني لم أستطع تمالكَ ذاتي، إذ كان، فى رأيي، مختلفاً عنه فى مَرَّاتٍ سابقةٍ، فما كنت أفهمُ ما يحدُثُ لنفسي، ولا ما تريد، لشدَّةِ ما أصابنى من اضطراب. وأحتجتُ الى سَندٍ فما كنت أستطيع حتى المكوثَ جالسةً لأن قواي الطبيعية خانتني كُلها "

يوضح لنا هذا المقطع أن بعض الكتب تساعد على التأمل الحقيقى، وهذا هو النموذج للتأمل الأصيل الذى يقود النفس الى خبرة روحية عميقة، مثل الانخطاف القوى الذى اختبرته القديسة تريزا فى تأملها. حيث تخبرنا القديسة تريزا بأن هناك نعماً تنالها النفس وفيضاً من الروح القدس على المصلى.

2 - الطبيعة كتاب مفتوح، يتحدث الله من خلالها

كان التأمل فى الطبيعة بالنسبة للقديسة تريزا بمثابة الكتاب المفتوح، والذى من خلاله يتحدث الله اليها، وفى بداية حياتها بدات الصلاة مستغرقة فى الله من خلال التأمل فى خليقته.

" عودة الى الكلام على العذاب الذى كانت تسِّببه لي خواطرى. يتميَّز أسلوب التأمّل الذى لايعتمد على الاستدلال العقلي بأنّ النفس تكون إمّا مستغرقةً في الموضوع كلّ الاستغراق، أو تائهةًً أى مشَّتتةًً، إعتباراتُها. وإذا استفادت، استفادت كثيراً لأنّها تتقدَّم فى الحب؛ غير أن وصولها الى هذه الحالة يُكلِّفها غالياً، إذا أراد الربّ الوصولَ بها سريعاً الى تأمُّل السكينة، كما فعل مع أشخاص أعرفهم. فالذين يسيرون فى هذا النهج، يُفيدهم الأعتمادُ على كتابٍ حتى يُسرعوا في الإختلاء. أما أنا فكان يساعدني على الإختلاء مشهدُ الحقل، أو الماء، أو الزهور، فرؤيتها كانت تُذكِّرني بالخالق، أي انها كانت تحضّني على الإختلاء وتساعدنى عليه، فتكون لى بمثابة كتاب، كما كان يذكِّرنى به عقوقي وخطاياي. أما المواضيع السماوية والمسائل السامية، فكان عقلي من البلاده بحيث إنى ما استطعت تصوّرها قطّ الى أن مثلها لي الربّ بطريقةٍ أخرى"

تعلمنا القديسة تريزا كيفية الصلاة من خلال الطبيعة، وهذا يوضح ميلها الشديد ورغبتها العارمة فى وجود قلايتها أو محبسها فى حديقة الدير، ولكى تتمتع بالتأمل فى المشاهد الجميلة. فهى مثلاً تفضل المياه، والتي من خلالها اكتشفت أسرار العلاقة والتواصل مع الله. تكرر فى مناسبات مختلفة نصيحتها بالتركيز على الطبيعة التى تكشف وتوحى عمل الخالق، وأسرار علاقته بالبشر.

فى كتاب القصر الداخلى(المنازل), استخدمت القديسة تريزا عناصر رمزيةً كثيرةً فى الطبيعة ساعدتها على التأمل، ولهذا فهى تدعونا لاكتشاف أسرار الله المغروسة فى المخلوقات.

"أما ما أدعوه "ملذَّات الله"، وهو ماسمَّيتُه فى موضعٍ آخر "تأمل السكينه"، فهى مختلفةٌ تماماً كما يمكن أن تَفهمَ ذلك مَن منكنَّ خبرته برحمهِ الله . وحتى ندركَ الموضوعَ بصورةٍ أفضل، فلنتصوَّر أننا نرى ينبوعَين يملآن حوضين؛ وأنا لا أرى مايناسب أيضاحَ بعض شؤون الروح كمثل الماء، ذلك أنَّ معرفتي محدودةٌ، وذكائي مُقَصِّر، وأُحبُّ هذا العنصرَ أيَّ حبٍّ، فأعرتُه أهتمامي أكثر من أشياء أخرى. إنّ كلّ ما خَلقه هذا الإلهُ العظيم، الحكيمُ، يجب أن ينطويَ على أسرار عديدةٍ يمكننا الإفادة منها، وهذا مايفعله من يفهمونها، رغم أعتقادى، أنَّ في أي شيءٍ صغير جدًّا خلقه الله مايَتجاوز فهمَنا، ولو كان هذا الشيءُ نملةً" .

تقدم القديسة تريزا قصة دودة القز التى تنتج الحرير، كيف تكون مسيرتها الحياتية متشابهة مع المسيرة الروحية للانسان؟ كما أننا نجد حكمة الخالق تتجلى من خلال وظيفتها العضوية. تأخذ القديسة تريزا مثل الدودة كرمز للموت والحياة، وللحياة الجديدة التى تتحقق فى المنزلة الخامسة فتكتب .

" لقد سمعتنَّ، ولاشكّ، عن روائعه فى كيفيّة صنع الحرير؛ إنه وحده استطاعَ أن يبتكر اختراعا كهذا: بذورٌ كحبيبات الفلفل، ( أنا ما رايتُها قط، بل سمعت عنها، فإذا فات قولى الدقَّةُ فليس الذنب ذنبى)، تبدأ الحياة بفعل الحرارة عندما تأخذ أشجارُ التوت تورق، وتظلّ هذه البذورُ مَيتةً إلى أن يتوافرَ الغِذاء الذى يُقيتها؛ ومِن أوراق التوت تغتذى إلى أن تكبر، فيضعون لها أغصاناً دقيقةً تروح تحوك الحرير عليها بأفواهها الصغيرة، وتَصنع شرانق مضغوطةً جداً تحتبس فيها؛ وتموت هذه الدودةُ الكبيرة البشعة، وتَخرج من الشرنقة، فراشةٌ صغيرةٌ بيضاء، ظريفةٌ جداً. فلولا أننا نرى حدوثَ هذا الأمر, بل لو رُويَ لنا وكأنه من الماضي، من تُراه كان يصدق ذلك؟ وأيََّةٌ حُجَجٍ قد تُقنعنا بأنَّ شيئاً عديمَ العقل تماماً، كالدودة أو النحلة، يتحمَّل لفائدتنا مؤنة هذا التعب، ويعمل بكدٍّ حتى تفقد هذه الدويدةُ الحياةَ فى سعيها؟ هذا يكفي لفترةٍ من التأمل، يا أخواتي، ولو لم أزد عليه شيئا،ً ففيه تستطِعنَ أن تعتبرنَ عجائبَ الهنا وحكمتَه. وما تُراه يكون من أمِرنا لو عرفنا خصائصَ الأشياء كلِّها؟ إنه لَيفيدُنا فائدةً كبرى أن نَنشغلَ بالتفكير فى هذه العظائم ونغتبطََ بكوننا عرائسَ ملكٍ حكيمٍ وقديرٍ كهذا الملك"

تدعونا القديسة تريزا للانغماس فى تأمل الطبيعة بحواسنا الخارجية والباطنية، لكى ندخل فى علاقة مع الله. ونكتشف بل ونجد محبة الله فى الخليقة، ونكتشف أسرار العلاقة والاتصال السامى الفريد بينه وبين البشر.

3- الأيقونة"الصورة" تجذب الإنسان وتصل به الى حالة التأمل العميق

من المعروف حديثاً بأن الصورة لديها قدرة جذب، وسلطة على اجتذاب الحواس الخارجية والباطنية بطريقة لطيفة. والصورة تستخدم قبل الدخول فى التأمل لتهيئه الفكر لكى يتوجه أو ينطلق من النظرة الخارجية أو السطحية للدخول فى تأمل عميق والرؤية الباطنية. والقديسة تريزا توصى بناتها باستخدام الصور.
" اليكن ما قد يساعدكنّ على ذلك: استحضرن صورة لهذا السيد او رسمًا له يناسب ذوقكنّ، ليس لتِحمِلنه على صدركنّ من دون ان تنظرن اليه ابداً، بل لتحادثنه غالبًا، وهو يوحي اليكنّ ما يمكنكنّ قوله. إنكن تحادثن اشخاصًا آخرين، فلماذا تفوتكنّ كلماتٌ لمخاطبة الله؟ لا تعتقدنَ الامر كذلك؛ وعلى الاقلّ، انا لا أصدّقكنّ إذا تصرفتّن كذلك؛ وإلاّ، فإن عدم التعامل مع شخص يُحدث حيرةً فلا ندري كيف نخاطبه، فكأننا لا نعرفه ولو كان قريبًا، لان القرابة كالصداقة تزول بانقطاع التواصل "

تنصح القديسة تريزا بضرورة الحديث مع الله لإتقان الحوار معه وممارسة الصلاة. وفى مثل هذه الحالة يتلاشى الارتباك والاضطراب. وتعلق تريزا على ذلك مستخدمةً صورةً من صور العلاقات الإنسانية، حيث إن الارتباك يحدث غالباً بين الأشخاص الذين لم يسبق لهم الحديث المتبادل والحوار المشترك. ويحدث أيضاً بين اثنين من الأصدقاء كانت تربطهما علاقة مودة وحب وصداقة فى زمن ما، ثم انقطعت العلاقة بينهما لسبب ما ولظروف ما. وبسبب هذا الانقطاع، لانجد التلقائية والبساطة والسلاسة فى الحديث بينهما كما كان سابقاً.

ولهذا تنصح القديسة بناتها بضرورة الحوار والحديث وممارسة الصلاة مع شخص المسيح، حتى لايفقدن تلقائية وسلاسة الحديث معه.

ومن خلال هذا النص أيضاً نجد أن القديسة تريزا تعبر عن حبها العميق للأيقونة، واضعة ذاتها لهذا الحب فى مقدمه محبى التراث والتقليد الكنسى.

وتقص القديسة تريزا حكايتها مع الأيقونة (والصورة المباركة) والتى من خلالها بدأت تتعرف على شخص المسيح وتتقرب منه متداخلة معه فى علاقة شخصية عميقة او لها عمقهاالعظيم.

لقد تعلمت القديسة تريزا الصلاة عن طريق الصورة أو الايقونة التى كانت موجودة فى بيت والدها، والتى حملتها معها بعد ذلك الى دير التجسد. وكان مضمون هذه الصورة هو لقاء المسيح مع السامرية على بئر يعقوب، وكانت ترى ذاتها فى السامرية فكانت تأخذ مكانها مراراً كثيراً فى الحوار مع المسيح، ومن هذا اللقاء تعلمت تريزا الصلاة عن طريق الحوار والحديث مع المسيح.

" أتصوّر، الآن هذه الحال كأنها، أبحارٌ، والهواء فى غاية الهدوء، وتقطَعُ السفينةُ مسافةً طويلةً دون أن ندري كيف تمَّ ذلك. أما فى الحالات الأخرى، فالمفاعيل كبيرةٌ جدًّا حتى إن النفسَ تتحقَّق حالاً من تقدُّمِها؛ فالرغباتُ تَغلى فجأةً، ولاتجد هذه النفسُ أبداً مايرضيها. هذا ماتُحدِثه إندفاعاتُ الحبِّ العنيفةُ، التي تحدَّثتُ عنها، فى من يُؤتيهم إيّاها الله. إنها تُشبه ينابيعَ صغيرةً شاهدتُها تنبجسُ، ولايكفُّ الرملُ فيها عن التحرك صُعُداً. هذا المثلُ أو التشبيهُ يصِّورُ على الطبيعة النفوسَ التي تبلغُ هذه الحالة. فالحبُّ يغلي فيها دائماً وتفكِّر بأستمرار بما يجب أن تعمل؛ لاتضبطُ نفسَها، كما لاتضبط الأرضُ ذلك الماءَ بل تَلفِظُه. هكذا تكون هذه النفس عادةً، لاتهدأُ، ولاتمتلك ذاتَها وحبُّها على هو عليه، وقد تشَّربت منه كلُّها. تودُّ لو أن الآخرين يشربون، فهى ليست بحاجةٍ الى الشرب، لِيُساعدوها على تسبيح الله. آه! لكم أتذكّر كلام الربّ للسامرية على الماء الح‍‍يّ! ولذا أهوى هذا المقطعَ من الأنجيل، بل هويتُه حقاً منذ كنتُ طفلةً ولو لم أُقدِّر، مثلي اليوم قيمةَ هذا الخير، وكنت أتوسَّل الى الرب غالباً كى يُعطيني ذلك الماء. وحيثما كنت، كانت معى صورة الربّ عند البئر وعليها هذه الكلمات: " ياربّ، أعطنى من هذا الماء" .
فالصورة تخدم هذا الهدف، إذ تقدم العلاقة بين السيد والإنسان بطريقة شخصية، وذلك عن طريق النظرة، حينما ينمو الحب بين طرفين يوجه الواحد للآخر نظرة حب تخترق الكيان الداخلى والأعماق. هكذا الصلاة التريزيانية هى ببساطة شديدة جداً عبارة عن حياة تأمل ومشاهدة تتم من خلال النظرة المتبادلة والتى تعبر عن لغة العيون بين الله والإنسان. هذه المشاهدة تنطلق من النظرة الخارجية الموجودة بين صورة المسيح والإنسان، وبالتدريج يتم التفاعل والحوار والتخاطب معها حتى تصل بالإنسان الى النظرة الداخلية أو الباطنية والأكثر عمقاً بينهما .

الخلوة

يتمركز ويتمحور تعليم القديسة تريزا عن الصلاة حول الخلوة "حيث الصمت والاستقبال". والخلوة هى الأسلوب الصحيح الشرعى والمفيد لخبرتها الروحية فى الصلاة. ولذا نجد أن القديسة تريزا تبذل أقاصى جهدها لترسيخ حياة الصلاة فى الخلوة، وذلك لكى تسهل الاستفادة الروحية التى تتوخاها.

"فليعلم الربُّ مَن منكنّ يجهلن هذا؛ أمّا انا فأقرّ بأني لم اعرف أن أصلِّي بارتياح غلى أن علمني الربُّ هذه الطريقة. وقد وجدت في عادة الاختلاء في ذاتي هذه فوائد جمّة، ما حملني على الإطالة في الكلام عليها. الخلاصة، أن من تريد اكتسابل[هذه العادة] – لأن أمرها، كما قلت، بيدنا - ، فلاتملَّ من التعوّد على ما قلت، ا] السيطرة على الذات شيئاً فشيئاً بدون أن تشردَ عبثاً بل أن تكتسبَ ذاتها لذاتها، أي أن تستفيدَ من حواسّها لصالح باطنها. فإذا تكلمت، فلتحاول أنَّ تتذكر أنَّ في باطنها شخصًا يجب أن تخاطبه. واذا أصاخت السمعَ، فلتتذكر أنَّ عليها أن تصغيَ الى من يخاطبها بأقرب ما يكون منها. الخلاصة، عليها أن تَعتبرَ أنَّ باستطاعتها، إذا ارادت، أن لا تنفصل عن هذا الرفيق الطيّب الصالح، وأن تأسفَ عندما تترك طويلاً أباها وحيداً لأنها بحاجة اليه. فاذا استطاعت ان تفعل ذلك غالبًا في النهار، فليكن؛ وإلا فليكن قليلاً. فإذا تعودّت الامرَ تنتهي الى الكسب عاجلاً ام آجلاً. وعندما يمنحها الربُّ هذه العادة، فلن تغيرَها مقابل ايِّ كنز""

1- الخلوة كمضمون وصدى

كلمة "الخلوة" بالنسبة للقديسة تريزا، تعبر عن اللغة الروحية فى عصرها، ولها صدًى خاص لديها من حيث الأصالة والبساطة الفريدتين.

"الخلوة" كلمة تعبر عن الحركة الداخلية الباطنية المستقرة فى حالة التأمل المريح، فالنفس تبذل مجهوداً لكى تستطيع ان تتحرًر من حواسها الخارجية ، وتخلق لنفسها مناخاً داخلياً وباطنياً، وذلك لأجل ان تحقق فى جوهرها نعمة المشاهدة. فالخلوة هى المناخ الطيب والذى يعمل فيه الله، ويقوم بعملية جذب وتجميع الحواس الخارجية والداخلية.

"إن طريقة الصلاة هذه، ولئن تكن لفظيةً، تساعد بسرعة كبرى على استجماع الفكر Entendimiento وهي صلاة تجلب خيراتٍ كثيرة. تدعى هذه الصلاة اختلاء، لان النفسَ تجمع كلَّ قواها وتدخل غلى باطنها بصحبة إلهها، ويحضُرُ معلّمها الالهي ليعلّمها وليوفّر لها تأمل السكينة بأسرعَ من أي طريقة اخرى. فهي، في اختلائها بذاتها، تستطيع ان تفكّر في آلام المسيح، وتتمثّل الابن وتقدّمة للآب من ذون أن تُتعبَ الفكرَ ليبحثَ عنه في جبل الجلجلة، وفي بستان الزيتون، او على العامود " .

ومن هنا لابد لنا أن نشير الى ثلاث لحظات متميزة فى الخلوة...

- النفس وهى تجمع كل قدراتها للداخل والباطن من المستوى الخارجى
- الدخول فى أعماق ذاتها لتحقيق حياتها الباطنية.
- إقامة علاقة شخصية مع إلهها.

فالنفس أولاً يجب عليها أن تنفصل عن حواراتها واحاديثها الخارجية أو أي شئ خارجي، وكذلك نفس الشىء بالنسبة لحياتها الداخلية، فالنفس تتوجه نحو واقع وحقيقة أخرى مهمه وهى التى تساعدها على العلاقة مع الله، وهذه الحقيقية تأتى فى اللحظة الثانية لأجل الوصول لعلاقة أو اتصال مع الله فى العمق، يجب على النفس الدخول فى أعماقها.



الخطوة الأولى الخطوة الثانية الخطوة الثالثة

انفصال الدخول فى مجال علاقة أتصال باطنى
عن الواقع أكثر عمقاً وسموا مع الله


لتحقيق الدخول فى العمق الباطني، لابد أن هناك مايبهر ويدهش الإنسان مثل اكتشافات وعجائب هذا العالم الجديد.

العلاقة الشخصية مع الله هى بمثابة المرسى الطبيعى للصلاة حيث تستطيع النفس أن تتحدث مع الله فى أعماقها، ومن هنا نجد الإجابة على السؤال...
أين نلتقى مع الله أو بالله ؟

الله فى داخلنا، فى أعماقنا، والحياة الداخلية هى تأمين ملء الانفتاح، بين اثنين فاعلين، فى اللقاء للوصول الى درجة الاتحاد العميق.

الخلوة هى إمكانية ووسيلة: الخلوة هى فن وصناعة تعتمد فى النهاية على تجاوب الإنسان، على عمل الروح والنعمة بمجهوده. فهى ليست كما نظن بأنها مجرد فعل خارق للطبيعة، كما أنها لاتتطلب من الإنسان السلبية إزاء عطية الله، أو بمعنى آخر لايجب على الإنسان أن يكون سلبياً معتمداً كلياً على عمل النعمة أو العطية فى الله.

فعلى الانسان أن يبذل مجهوداً فى الخلوة، وكل جهد فى هذا الحقل وهذا المجال، يستحق جزاءه وثوابه وله فائدته على النفس.

" آه، يا أخواتي، يامَن لا تستطعنَ الاستدلال بالعقل، واستجماعَ فكرِكنّ من ذون ان يشردَ! تعوَّدنَ، تعوّدن! اعتبرنني أعرف أن باستطاعتكنَّ اكتساب هذه العادة، لأني امضيت سنوات كثيرة وأنا أعاني هذه المشقّة من عجزي عن تركيز فكري على موضوع ما؛ وإنها لمشقة ثقيلة جدًّا؛ لكنّي اعرف أنَّ الربَّ لا يتركنا كأننا في قفر، فلنثابر في طلبنا أكثر من سنة، ولا نأسفَنّ على زمنٍ نصرفه في طلبِ امرٍ كهذا ثمين. فمن تُراه يلاحقنا؟ أكرّر أنَّ باستطاعتنا اكتسابَ هذه العادة، والسعيَ لنسير قرب هذا المعلم الحقيقيه"

تشجع القديسة تريزا بناتها لكى يمضن قُدماً فى هذه المسيرة (مسيرة الخلوة-والتأمل)،فتطلب منهن الالتزام فى سبيل الحصول على الخيرات التى يرجونها .

" ناشدتكن الله، أُخياتى، اذا لايجتنى ثمرٌ من غير تعب، أَلا تتأسفن على وقت تصرفنه فى سبيل هذه العادة .فأنى أعلم يقينا بأن لن يطول بكن هذا التمرين سنة واحدة، وربما نصف سنة، حتى تبلغنَ، بقوة وبنعمة الله، الغاية المنشودة. وانظرن الى أتعابكن، فما أقلها بالنسبة الى وفَرة الخيرات التى ستربحنها. وكأنى بجهادكن هذا،تضعنَ أساسا متينا، حتى يشيدَ الله عليه، عندما يشاء، مراحمَ عظيمة فى نفسكن . دعنه يلتمس فيكن استعدادا لأعماله، بأن لاتبرحنَ من جواره. فليرض، جل جلاله،بألا يسمح لنا أبدا بالتغافل عن استحضاره فينا" .


توضح القديسة تريزا لنا هنا فى الحديث عن الخلوة بأننا يجب أن نستمر فى التدرب عليها بصفة مستمرة، وهذا يتطلب ممّن يقوم بها التدرج والآلتزام والاستمرارية والمتابعة والمجهود الذى عن طريقه سوف يأتى بثمرة . وهذا الثمر سوف تجنيه النفس مع مرور الوقت.
" إن هذا لا يُفهم في البدء لانه لا يبرز مميَّزًا؛ فهناك أختلاء اوفر أو أقلّ؛ لكن اذا تعوّدناه – ولو انّه في البدء يكلّف مشقّة لأن الجسد يطالب بحقّه من دون أن يدري انه يقطع رأسه إذا لم يقرَّ بهزيمته – واذا مارسناه بضعة ايام وضغطنا على ذاتنا، فسيُرى واضحًا الكسب المحقّق، ويُفهم، عند مباشرة التأمّل، أنَّ جماعةَ النحلّ تأتي الى القفير وتدخل اليه لتصنعَ العسل، وذلك من ذون اعتناء نبذله. فالربّ اراد أن يقدّم للنفس هذه الإقطاعة مقابل الوقت الذي خصَّصناه له، إذ إن النفس ما إن تبدي إشارةَ لا اكثر الى انها تريد الاختلاء حتى تطيعها الحواسّ وتنزوي فيها. ولئن خرجت الحواس ثانية فيما بعد، فكونها استسلمت، أمرٌ عظيمٌ، لانها تخرج كأسرى، مذعنةً، ولا تستطيع الإيذاء مثلها في السابق. واذا نادت الارادةُ الحواس، تكون هذه أوفر خفّة لتلبية النداء، حتى إذا كثرت عوداتها من هذا النوع، يسمح لها الرب بالبقاء نهائيًا في التطلّع الكامل( مشاهدة(ثاوريا ) "
يوجد مجهود بشرى يبذل سواء بطريقة او بأخرى وذلك لأجل البحث عن الله وخاصة فى العمق او الداخل. وكنتيجة لهذا البحث ينال الإنسان من قبل الله النعمة الإلهية كجزاءٍ عن نوياه فى هذا البحث. ما الذى يجب على النفس ان تفعله ؟ يجب عليها ان تتجاوب على عمل النعمة، لكى تتحرر وتتطهر من كافة حواسها، ولكىتتوجه كلية وبكافة طاقتها لأجل ان تحقق ملء العلاقة مع الله .

الخلوة هي الدخول في العمق: إن مسألة اهتداء الحواس على المستوى الخارجى او الداخلى، تحتاج الى مسيرة طويلة تمر بها عبر اكتشاف الباطن . فالإنسان ليس فارغآ فى داخله . فهو عبارة عن قلعة، هيكل، سماء، فردوس وهو يعبر عن قدرة ومهارة الله الذى يسكن فى داخله . تتبع القديسة تريزا آثر هذا اللاهوت، وهذا السر العظيم أى سر الحياة الباطنية والعميقة، والحضور الإلهى الممتد فى النفس، وهذا ما وصفته القديسة تريزا فى كتاب المنازل او القصر الداخلى.

" تعرفن أن الله موجود في كلِّ مكان. فواضحٌ، إذا، إنه حيث يكون الملك فهناك تكون الحاشية. والخلاصة: حيث يوجد الله، فهناك السماء. ويمكنكنّ الاعتقاد بدون ذرّةٍ من شكّ أنه حيث يوجد جلاله فهناك المجدُ كلُّ المجد. فانظرن، إذاً، قول القديس اغسطينوس بأنه كان يبحث عنه في كل مكان الى أن وجده في داخله. أتحسبن أمرًا قليل الاهمية لنفس غافلة أن تفهم هذه الحقيقة وترى أن لا ضرورة لذهابها الى السماء كي تتحدّث وأباها الازلي، وأن تنتعّم معه، أو أن تتكلّم بصوت مرتفع؟ فمهما خفضت صوتها، فهو قريب جدًّا منّا فيسمعنا. ولا حاجة بها الى أجنحةٍ لتمضي فتبحث عنه، بل أن تختليَ بذاتها وتنظر اليه في داخلها، وان لا تستغرب وجود ضيف طيَب مثله، بل أن تخاطبَه بتواضع مخاطبتها أباها، وتسألَه كما تسأل ابّا، وتقصَّ عليه مِحَنَها، وتطلبَ منه علاجاً لها، مع إدراكها انها ليست أهلاً لأن تكون له ابنه"َ "

واليكم نص آخر من مؤلفات القديسة تريزا ليعبر عن وجود الله فى عمق الكيان البشرىً:

" فالتى تستطيع ان تَنحَبِسَ هكذا داخلَ فردوس نفسها الصغير، حيثُ يسكن خالقه وخالقُ الارض, وأن تتعودَ تحويلَ نظرها عن المخلوقات، وتهربَ من حيث تُشتتُ حواسها الخارجية، فلتطمئن بأنها تسلك طريقا ممتازة، وأنها لن تلبثَ أن تشربَ الماء الحى من ينبوعه . لأنها، بسيرها على هذا النمط، تقطع مسافة طويلة فى وقت وجيز، كرجل يركَبُ متن البحر مسافرا. فمهما كانت الريح خفيفة، اذا هبت موافِقةً لاتجاه السفينة، يبلغ فى أيام قليلة غايةَ سفره التى كان يعيقُه عنها كثيرا السفرُ براً "


وتريد القديسة تريزا من القارئى أن يقتنع ويكتشف ما بداخله، وما فى أعماقه فتصف ذلك وتقول :

"لنتصور إذا أن فى داخلنا قصراً فخما للغاية: بُنيته كلٌها من ذهب، وحجارة كريمة. بكلمة واحدة إن هذا القصر جدير بمثل هذا السلطان العظيم الشأن الذى يسكنه. وتصورن أيضاً ان لكن- وهذه عين الحقيقة - يداً فعالة لإخراجه بهذه العظمة. وفى الواقع، ليس ثمة قصرٌ أجمل من نفسٍ طاهرة، تتحلى بجميع الفضائل. وكلما عظمت هذه الفضائل، ازدادت تلألأ الحجارة بها . ثم أخيرا، تخيًلن أن ملك الملوك هذا، يُقيم فى هذا القصر، وأنه، لكثرة طيبته استحسن أن يكون لكنَ ابا,، وإنه جالس على عرش كثيرِ الثمن. وهذا العرش إنما هو قلبكن نفسه"
إن حضور الله فى النفس يعطى كياناً للانسان, ويمنحه إمكانية تحقيق ذاته. إن كيان الانسان الباطنى يُظهر لنا عجائب أعمال الله, وذلك حينما يكون الله هو السيد والمهيمن على كل جزء فى كيان الانسان. وهذا معناه هو منح الفرصة لله لكى يعمل كل ما يريده فى حياة الشخص المستسلم له. وهي فرصة أيضاً لكى يعبر الله عن محبته العظيمة, والتى معيارها أعظم من معيار محبتنا, وتفوقها وصفاً .

كما إننا نجد النظرة الإيجابية التى تقدمها القديسة تريزا وهى تصف جمال النفس التى هى هيكلاَ لله . وليس معنى هذا هو تجاهل القديسة تريزا للواقع البشرى, والذى يعبر عن الوضع أو الحالة المأساوية لطبيعة الإنسان, والتى تمتزج فيها القداسة بالخطية. ومن هنا نجد الواقعية فى روحانية القديسة تريزا, فهى تعلم تماماً بأن هذا الهيكل الجميل الذى لله. الإنسان, ليس دائماً حراً, ومراراً كثيرة ليس لامعاً. ولذا يجب تفريغه تماماً من كل المخلوقات التى تمنع إمتلاكه كلية من الله. فهو يحتاج لعملية تفريغ وإفراغ من كل ما هو ليس الله, او يمنع ملء حضوره. فالله يطلب من الإنسان العطاء الكلي، والصفاء الذهني, والنقاء الداخلي . ولايجب علينا أن نترجم بكل بساطة هذا المطلب على أساس أنه مطلب للزهد او للتقشف.

" والنفس، عندما تبدأ مسيرتها فى هذا الطريق، لايكشفُ الله لها ذاته، دفعة واحدة، لئلا تنزعج من رؤية ذاتها أضيق من أن تحوى ضيفاً، مثله، عظيما. بل يأخذ يُوسعها، شيئاً فشيئاً، حتىً تتسعَ للخيرات التى صمم أن يغَد قها عليها. فلأجل هذا قلت إن له الحرية المطلقة بأن يعمل ما يشاء. أى أنه، وحده، القدير ان يكبر، على قدر ما يشاء، صرحنا هذا الداخلى. أمًا نحن، فجل ما يطلب منا هو ان نقدم اليه هذا الصرح، تقدمة لا ارتداد عنها . وأن نُخلِيه من كل حطام الدنيا، ليتسنى له ان يجعل فيه او ينزع منه، ما يريد، متصرفاً به تصرفه بملكه. ومَن أحقُ بهذا القصر من الله تعالى ؟ فهل نبخل، إذا، به عليه ؟ إنه لايريد أن يغتصب ارادتنا، بل يقتنع بما نتكرم به عليه. إنه لن يهبنا أبدا ذاته بكليتها إلابعد ما نهبه نحن ذاتنا كلياً. وهذه حقيقة لاريب فيها، ولاأتماسك عن تردادها على مسامعكن، نظرا لكبر أهميتها. فربُّ المجد هذا لايتولى عمله فى النفس قبل أن تتجرد هى من كل عائق فتصبحَ برمتها، خاصّة له. وهل بوسعه، تعالى، ان ينهج غيرَ هذا النهج، وهو الصديق لكل نظام ؟ فلوكنا، مثلاً، نملأ هذا القصر بكل خَاسِرةٍ من الناس، وبأ باطيل الدنيا، Baratijas - Bagatelles فكيف يستطيع الله ان يسكنه مع بلاطه ؟ فان توقف هنيهة واحدة فى وسط تلك الضوضاء، كان ذلك تسامحاً منه"


4- علامة و فعالية الصلاة :

خبرة الصلاة فى الخلوة، يمكنها وتستطيع ان تكون ذات فعالية على المستويين النفسي والروحي وذلك عن طريق المثابرة المستمرة. ولكى يستطيع الانسان الدخول فى حياة الصلاة والخلوة عليه أولاً التحكم فى حواسه وجسده، فلابدً من ضبطهما والتحكم فيهما بالروح. وبمعنى آخر نستطيع أن نقول بضرورة تحكم الروح فى الجسد وحواسه. ولكن لكى يتم هذا التحكم فلابد من غلق العينين، لكى تصبحا او تصيرا علامة بليغة ولبيبة للانجذاب من الخارج نحو الباطن او الداخل. وبهذه الطريقة وتدريجياً ترتفع النفس روحياً، ويبقى الجسد خادماً للروح، وتنعم النفس بالهدوء والسلام والطمأنينة. وبالدخول فى مناخ الصلاة، نجد أن هناك تاثيراً يحدث من الصلاة على كيان الانسان، كالتحررمن الحواس ومن القيود الكثيرة التى تقيد الانسان، وتحرره من العادات السيئة، وتصل به الى الاستقرار، والذى ينتج عنه عطيةُ المشاهدة الكاملة .
ان للصلاة فعًالية وثماراً روحية جمة، وذلك لأن الصلاة منتجة. فنلاحظ مثلآ أن هناك نضوجا للنفس، وظهوراً للمواهب الروحية، ونمواً للفضائل الانسانية والإلهية. وتصبح النفس منقادة بالروح القدس كانقياد السفينة للريح. وبالرغم من وقوف الإنسان وجهاً لوجهِ أمام خطيئته، بيد أنه يجد الثقة الأكيدة فى الانتصار عليها. وبتلقائية شديدة تحدث عملية تجديد باطنى وداخلى للانسان، وذلك بسبب اقترابه من الله، والذى هو النار التى تحمل حرارة الحب

"تَفَهَّمنَ جيداً ما قلت، فلئن بدا غامضاً فإنَّ مَن أردنَ ممارسته يفهمنَه. فهذه النفوس، إذاً، تجري في بحر، وبما أنه يهمُّنا كثيراً ان لا نسير ببطء، فلنتكلم قليلاً على كيف نتعوَّد هذه الطريقة الحسنة في السلوك. إن هذه النفوس تكون اكثر حصانة ضد التجارب؛ ونار الحب الإلهي أسرعُ اتّقادًا فيها، لأنها ما إن ينفخ العقل قليلاً، فإذا أصابتها شرارةٌ صغيرة التهبت كلُّها لأنها قريبةٌ جدًّا من النار. ولأن لا عائق من الخارج، تكون النفس وحدها مع الله، وتكون أوفر استعدادّا للاضطرام" .



الصلاة هى التعبير الحى عن الحب . وكما أن الله يهب ذاته كلية وبحب فى الصلاة، هكذا من متطلبات الحب أن نمنحه الكل بدون تحفظ لشىء ما لنا، أو أن نحتفظ لانفسنا بشىء. الله يقدم ذاته كاملة وبحرية ومجانية، وبلاشعور بالندم، وهكذا علينا ان نقدم ذواتنا كعطية مجانية وبحرية تامة لله.

" قد تضحكن منّي وتقلن إن هذا واضحٌ جدًّا، فتكنّ على حقّ؛ لكنّي، أنا، كنت اراه غامضاً بعض الوقت. كنت اعرف حقّ المعرفة أن لي نفسًا؛ اما ما كانت تستحقًه هذه النفس، ومن كان يقيم في داخلها، فما كنت لأفهمه؛ فقد كانت أباطيل العالم تحجب، ولا شكّ، عينيّ عن أن تبصره. وفي رأيي، لو فهمت، كما افهم الآن، أن ملكاً كبيراً كهذا يستطيع الإقامة في قصري هذا الصغير جدًّا، أي نفسي، لما تركته غالبًا وحيدًا، بل لكنت مكثت معه بين حين وآخر، وسعيت ان يكون القصر اقلّ قذارة. فما أعجب أنّ مَن نظنّ عظمته تملأ الفَ عالم وأكثر، ينزوي في شيء صغير جدًّ كهذا! في الحقيقة، لانه السيّد، فإنه يأتي بالحرية؛ ولأنه يحبّنا، يقيس نفسه بمقياسنا" "
5 - الشركة مع المسيح والوحدة معه :
لنكون فى حضور المسيح، ولنسمع له داخلياً، ونتحدث معه، وننظر اليه فى صمت ومحبة. تضع القديسة تريزا العلاقة مع الله كبداية وكنهاية او كغاية لحياة الصلاة والخلوة. فى الصلاة التريزيانية، تكون شخصية المسيح هى المحور والمركز، حيث يصبح شخص المسيح هو موضوع التركيز لحياة الصلاة. الخلوة لاتكون غايةً فى حد ذاتها، ولكنها وسيلة لأجل حضور النفس لشخص آخر هو المسيح. وفى الخلوة يتم الوعى لدى الانسان بأنه حاضر أمام الشخص الذى لديه القدرة على جذبه كلية له أو نحوه جسداً ونفساً وروحاً. وهذا الانجذاب يعد ضرورياً جداً لأجل الإصغاء والإنصات فى الخلوة. إنه من الجميل أن يكتشف الإنسان ذاته كمعبد او قصر وفردوس، ولكنه من الأجمل أيضاً ان يكتشف ويعرف الذى يعيش فى داخله، سائرًا فى حضوره. فالنفس بدون حضور الله او شخص المسيح، تكون مثل السماء بدون الله، او مثل بيت القربان بدون القربان المقدس. وكذلك الخلوة بدون اكتشاف لحضور المسيح تتحول الى عزلة، تشعر فيها النفس بالسأم والفراغ الداخلى. فاللقاء الداخلى بين النفس وشخص المسيح تقدمه القديسة تريزا ليسوع فى صورة تعليم روحى ذات معنى ومغزى، مستعينة فىذلك بخبرتها الواقعية والملموسة فى حياة الصلاة .
6 -الخلوة تعلّم المؤمن آداب الحديث مع المعلم الإلهى :
بعد ان تعلمنا الصمت والهدوء فى حضور الله ، نجد أنفسنا وقد تعلمنا التلقائية والبساطة فى الحديث معه. والذى يشجعنا على ذلك هو إننا نعلم جيداً بأن الله يحبنا، وهو ينظر ويصغى إلينا بشغف وبشوق. الحديث مع الله فى الخلوة لايعنى التحدث إليه بالصوت العالى وافتعال الدوشة، ولكنه يتم على مستوى الداخل والباطن، وفي قدس أقداس الإنسان .

"....وإذا أمكن فلنشغله بأن ننظر أنه ينظرَ الينا، ونرافقَه، ونخاطبَه ،ونسأله، ونتواضعَ أمامه، ونبتهجَ برفقته، ونقرً بأنّنا لسنا أهلاً لأن نكون هناك .... "


"...وما التأمل، فى رأى، إلاً حديث صداقة نُجريه غالباً على انفراد مع من نعرف أنه يحبُنا. فإذا قلتَ إنك لاتحبّ الله بعد، فلانك لاتسطيع أن تحبَّه كما ينبغى لأنك دون طبيعتة مستوىً. فحتى يكون الحبُ حقيقياً وتدوم الصداقة، يجب أن يتوافق الطرفان فى الطبع. فالربً، كما هو معروف، منزهٌ عن أى نقص؛ أما طبيعتنا ففاسدة، شهوانيّة، عقوق. لكن إذا تبصرتَ فى أهميّة صداقتك معه وعِظَمِِ حبه لك، تغلبتَ على المشقة التى تسببها لك ملازمتُك طويلاً من يختلفُ عنك بهذا المقدار" .


على المؤمن أن يدرك بانه موضوع إصغاءٍ من قبل الله، فالله بذاته يصغى جيداً لنا. وبكل بساطة التعامل سيكون بين اثنين من الأصدقاء أو بين محب ومحبوب. الحديث والحوار فى الصلاة هما تدريبٌ للصداقة والتى تنموا بالتواصل، وتبرد حرارتها بالانقطاع أو بنقص العلاقات. والقديسة تريزا تلفت نظرنا الى شىِء مهمّ فى العلاقات الإنسانية والروحية معا، ألا وهو أن نقص العلاقات الاجتماعية او الروحية يؤدى الى حدوث ارتباكٍ أكيد فى تعامل الشخص على المستويين الاجتماعي والروحي. فهذا النقص يفقد الشخص مهارة التعامل مع الآخرين ومع الله، فنجده فى حضورهما مرتبكاً .

7 -الصلاة والخلوة هما التعبير الحى عن واقعنا البشرى (فى حالة الحزن-وفىحالة الفرح)
إن صلاة القديسة تريزا تعبر عن الواقع البشرى، وترفض الاغتراب. بمعنى أنه لايوجد هناك أنفصال بين حياة الصلاة والواقع البشرى الحقيقى. حيث إن الصلاة تلمس حياة الإنسان، لا لأجل عزله واستقطابه عن واقعه وحياته الطبيعية. فالقديسة تريزا لاتفضل الهروب من الواقع. وفي حديثها عن ضرورة الرجوع للداخل والدخول فى الأعماق، والانفصال عن الخارج او التعالى والتفوق على الحواس. إن الهدف من دعوة القديسة لمثل هذا التجاوز او التسامي عما هو سطحى وعابر إنما لأجل تجميع الحواس، والرجوع للأعماق الحقيقية للإنسان. الدعوة الموجهة للمصلي لأجل أن يتحد مع ذاته الكلية والشاملة، حتى يستطيع أن يتقابل مع الله. حينما شرحت القديسة تريزا الصلاة الربانية أرادت أن توضح لنا: أن الصلاة الربانية تعلمنا الواقعية حيث تلفت نظرنا الى الاحتياج والعوز البشرى، فهى تواجه وتلمس المشاكل الإنسانية والمشاكل المادية للبشر. فهى توضح وتظهر الاحتياج الأمثل والأعظم وهو الاحتياج للتأمل فى الله مباركين اسمه القدوس: "نبحث أولاً عن ملكوت الله ". الصلاة التريزيانية تحفظ كسمة أساسية لها نفس تسلسل القيم (كالإنتباه للمسيح، والإصغاء اليه، النظرة الباطنية، الدخول للأعماق والانفتاح على عمل الروح القدس....الخ ). ولكن فىنفس الوقت القديسة تريزا لم تتجاهل البُعد الإنساني للصلاة، والذى يتجسد فى الواقع البشرى بكل مضمونه. فحسب القديسة تريزا نجد أن نفس المصلى تحمل فى داخلها كل الواقع البشرى أثناء الصلاة لتحوله الى صلاة حقيقية وذبيحة حية للآب السماوى، وبمعنى آخر يتحول الواقع الى فرصة صلاة. فالواقعية التريزيانية فى الصلاة تبدأ من واقع النفس وحالتها الخاصة.

"هكذا يتوجب على المرأة، فى ذهن أهل العالم، ان تُماشي اذواقَ زوجها لتعيش وإياه فى جو بيتى هانىء. فان كان حزيناً، وجب عليها، أن تتظاهر هى أيضاً بالحزن . وإن كان فرحاً، فبالفرح، رغم ما فى نفسها من مرارة. تأملن، بُنياتي، لحظةً، أي عبودية قد تحررتن منها: كذلك نحن، فالله يجارى تقلبا تِنا النفسية، بكل واقعية، ومن دون اي تصنُعٍ، كما تجارى المرأة نفسية زوجها. فيصير هو الخادم وتكن أنتنً ربات البيت، حتى ينقاد طوع مشيئتكن. هل أنتن فرحات؟ فانظرن اليه قائماً من بين الأموات. ومشهدُ خروجه من القبر فقط يفعمُ صدرَكن فرحا: بأىِ بهاءٍ، وبأى جمالٍ، وبأى جلال، منظره منظرُ مُنتصر فى ذروة غبطته! كأنى به أحدُ الفاتحين، ويخرج من المعركة ظافراً بمملكة مترامية الاطراف، كسبها وأعدها لكن، واهبا اياكن معها حتى ذاته أَفكثير عليكن أَن تبُادلن، ولو نظرة واحدة، ملكاً جادَ عليكن بهذا كلًه "

فى الصمت والخلوة تظهر بدون قناع واقعُ الحياة الخاصة. وتصبح الصلاة صحيحة و حقيقية فقط عندما تعبر عن واقعنا وحقيقتنا. ولهذا فالقديسة تريزا تنصح بأن نبدأ الصلاة بفحص الضمير، لكى نكون على حقيقتنا فى حضور المسيح.

"وأعود، إذاً، الى كلامي السابق فأقول: ثمًة وسيلةٌ فعًالة للتحرّر من خدع الشيطان ومن المسرَّات التى يُغرينا بها وهى، ان نَشرع بعزمٍ على نهج طريق الصليب منذ البدء، وأن لانتمنّى تلك المسرات، فالربُّ نفسه دلّ على طريق الكمال هذا بقوله: "إحمِل صليبَك واتبعنى " وهو مثالُُنا؛ فليس لمن اتَّبع نصائحَه بغيةَ مرضاته فقط، أن يخافَ شيئا "

8-أبعاد ثالوثية (بالمسيح وفى الروح القدس للآب ) :
إن إصرار القديسة تريزا على أن يسوع المسيح هو محور الصلاة المسيحية فى الخلوة، لايعنى نسيان البُعد الثالوثى للصلاة. لقاء الله فى المسيح يكون تحت عمل الروح القدس أو بتأثير عمل الروح القدس. فالروح القدس يحرك المصلى مثل السفينة التىتحركها الرياح. القديسة تريزا تعرض لنا خبرة فيها نجد التجاوب الداخلى والباطنى للإنسان لخبرة شاملة لسر الله الثالوث، ويقوم المسيح بدور المعلم والوسيط فى هذه الخبرة.

"اطرحن عنكن بعيداً تلك التحفظات المفرطة التى يتذرع بها بعض الأشخاص، ظنا منهم أنها تواضع! فاذا تكرم عليكن الملك بنعمة ما، فهل من التواضع ان نقابل عطيته بالرفض؟ كلا، حقاً، بل ان نقبلها، ونُقر بعدم استحقاقنا لها، ونتنعم بها. وإذا شاء رب السماوات والارض أن ينزل فى نفسى ضيفا، فيأتى إليها حتى يُغنينى من نعمه، ويفرح معى، فهل من التواضع فى شىء ألا اريد أن أُجيبه بكلمة، ولا أن أجالسه، ولا أن أقبل هداياه، بل أن أتركه وحده؟ وبينما هو يأمرنى، بل يتوسل اليَّ، أن أسأله كل ما أحتاج إليه، فهل من التواضع أن أفضَّل البقاء فى عوزى، فاضطره إلى مُغادرتى، إذ يرى أني لا أقوى على التغلب على جبانتى؟ أهذا التواضع ظريف حقاً، إياكن، بُنياتي، ومثل هذا التواضع الغريب بل بالاحرى مع الرب، تعاطين، كما تتعاطين مع أب، أو مع أخٍ، أو مع سيد، أو مع عريس. تارةً بهذه الصفة، وتارة باخرى..وهو سيُلهمكن، آنذاك، انتقاء النعوت التى سيرتضيها قبل سواها ..."

لقد علم السيد المسيح له المجد القديسة تريزا العلاقة البنوية التى تفيض من سرّ الأبوّة (بابا) Dejaos de Ser Babas. هذا سرّ الأبوة الذى لم يغب إطلاقاً فى كل تعاليم القدبيسة عن الصلاة والخلوة، ويتجلى هذا الحضور فى تعاليمها بشكل خاص فى تفسيرها لكلمات الصلاة الربانية. ومعنى كلمة بابا (أب)، والتى تجذب الإنسان الشامل او الكلي، ليكون كاملاً فى صمت وهدوء وفي تعايش حقيقى للعبادة الصحيحة، او ملء العبادة .
تكشف القدبسة تريزا لنا عن سر الأبوة فى الله أو سر أُبوة الله، ونتائجها العجيبة لأجلنا

وفي حديثها عن الروح القدس نجد التلميحات الكثيرة والرموز العديدة التى تشير الى الروح القدس مثل المياه الحى .....الخ

الروح القدس هو مبدع الخلوة الباطنية ،والذى يلهب نفس المؤمن بلهيب الحب .

صعوبات الخطوة الاولى فى حياة الصلاة .

تقدم القديسة تريزا نصائحها وتوجيهاتها هذه من آنٍ لآخر فى جميع مؤلفاتها ، وخاصة فى حديثها عن الخطوات الأولى لحياة الصلاة . فالتجارب التى تواجهها النفس فى بدء مشوارها، كالتعب الجسدى ،والتجارب الأدبية, وعدم القدرة على التركيز فى الصلاة .

"اول ما يلقننا اياه الرب،فى تلاوة الصلاة هذه, هو، كما تعلمن، الانفراد. وهذا كان دأب الرب، كلما اراد ان يصلي. ليس لانه يفتقر الى العزلة، وإنما لاجل تعليمنا. ومما لاجدال فيه,إننا لانستطيع مكالمة الله والعالمَ، فى آن واحد، كعادة الذين، عندما يتلون صلواتهم، ينصتون، فى الوقت نفسه، الى من يتحدث حولهم، او ينساقون وراء الافكار التى تطرأ عليهم، دون اهتمام بطردها .على انى استثني، هنا، تلك النفوس التى لاتستطيع، فى بعض الظروف القاهرة، ضبط افكارها، شأن الاشخاص الذين هم عُرضةً لاحوال مَرَضِية، مثل سوءِالطبع، والاجهاد الدماغى، ولاسيماالمالخوليا ، أى داء السويداء، او لأن الله، لحكمة سامية منه، يسمح بعواصف هوجاء، تهبُ احياناً فى عبيده، زيادةً لفائدتهم الروحية . ففى مثل هذه الأحوال، مهما اكتأبت النفس، او تخبطت، او جاهدت، فلن تنجح البتة، لا فى السيطرة على افكارها الشاردة، ولا فى تَفهم معانى الكلام الذى تلفظه، ولا فى إقرار عقلها فى أى تأمل، لأنه، حينئذ، يهيمُ تائهاً كأنه راكبٌ جنونه "

توجد أهمية خاصة لهاتين الخاصيتين (الانفراد والعزلة) فى حياة الصلاة . فليس حباً فى الانفراد والعزلة فى حد ذاتيهما، وإنما الأثنان فى غاية الأهمية لإقامة حوارا سليم مع الله, بعيداً عن زحمة الحياة والعالم. يتجلى لنا هنا منطق خاص، ألا وهو أن الإنسان لايستطيع محادثة الله والعالم فىالآن ذاته. وبالرغم من أهمية الهدوء، الصمت، والعزلة وألانفراد فى حياة الصلاة، غير أن القديسة تريزا تستثنى بعض النفوس من مثلُ هذا الوضع، فمن تكون هذه النفوس ؟
هى تلك النفوس التى لاتستطيع فى بعض الظروف القاهرة، ضبط أفكارها، شأن الأشخاص الذين هم عرضة لاحوال وظروف صحية صعبة، مثل، سوء الطبع، الاجهاد الدماغى...
تقول القديسة تريزا ليسوع، أن النفس فى مثل هذه الأحوال السابقة لن تنجح البتة فى السيطرة على أفكارها الشاردة، ولا فى تفهم معانى الكلمات التى ترددها، سواء بالشفاه او بترديدها داخلياً فى القلب او العقل. والمشورة الإيجابية هى دائماً ذاتها : لاتعذب ذاتك و لاتجهدها، ويمكن القيام بأبسط الأعمال الخيرية .

" فما تراها ستفعل، إذاً، هذه النفسُ المسكينةُ حين يدوم حالُُها هذا أيّاماً ؟ إذا صلًت، فكأنَّها لاتصلِّى، أعني أنها لاتجد تعزيةً؛ لا تجد تعذيةً داخلية، ولا تفهم الصلاةَ التى تتلوها، و لو كانت صلاةً لفظيّة؛ أًمّا الصلاة العقلية فليس هذا أوانَها فى أيِّ حالٍ، لأن القوى عاجزةٌ عنها، بل إن العزلة تسبِّب لها أذًى أكبر، وثَمَّة همٌّ آخر لها : مخالطةُ الآخرين وتَحدُثهم إليها. وعليه، فإنها، ولو أفرغت جهدَها، تظلّ في نفورٍ واشمئزازٍ من الأشياء الخارجية يَظهران لديها ظهوراً واضحاً"

توضح القديسة تريزا ليسوع فى مؤلفها المنازل او القصر الباطنى، هذه النصيحة بأكثر عمقاً، وتخاطب بشكل خاص، الأشخاص الذين بجهل يدمرون صحتهم بسبب أعمال التقشف والإماتات، عن طريق السهر والصوم والصلاة. لقد صارت رؤوسهم ضعيفة، وأجسادهم واهية. هولاء الأشخاص قد انجذبوا بدون شك نحو الصلاة برغبة روحية، تاركين أنفسهم لذلك ساعات وساعات. والنتيجة هى ان هناك ثمراً روحياً مزيفاً، وقد وصفت القديسة تريزا هذا الوضع بكلمتين وهما : الكلمة الأولى Istupidimento معناها الغباء والتبلد، والكلمة الثانية Rapimento تعنى الخطف والبلاهة.

تقترح القديسة تريزا العلاج، وهذا العلاج في غاية البساطة، كُل، ونَم، ولاتفعل توبة كثيرة، وبهذا ستعود القوة مع الاتزان الضروري لأجل حياة الصلاة، والتي تحتاج لعقل سليم ومتفتح.

" كانت إحداهنَّ تبقى على هذه الحال ثماني ساعات، لا تَفقد وعيها ولا تَشعر بشيءٍ من أمور الله. فراحت تنام، وتأكل، وتخفّف من تقشّفاتِها، فشُفيت من ذلك لأنها وجَدت مَن فَهمَ الأمرَ، على حقيقته. فمعرِّفها كان مخدوعاً، وخُدِعَ آخرون، وهى نفسها أيضاً، وما كانت تحاول الخداع. وأعتقد حقاً إن الشيطان كان يسعى ليجنيَ مكسباً، وما كان الذى بدأ يحققه بقليل" .
.

والقديسة تريزا تُعلِّم بناتها بأن الله لايقبل هذه المبالغة في الصلاة أو التقشف وكثرة السهر. ولقد وصل بالقديسة تريزا بأنها تحذر بناتها قائله:

" يجب أن يُفهم أنه حين يكون الأمرُ حقاً من الله، فحتى لو حَصَل خَوَرٌ داخلي وخارجي، وهو لايحصل فى النفس، فإنها تُحسُّ بمشاعرَ قويةٍ إذ ترى ذاتها قريبةً جداً من الله، ولايدوم الحالُ طويلاً، بل برهةً قصيرةً جدًّا، ولوعادت الى النشوة؛ وفي هذا النوع من التأمل، لايبلغ الأمرُ حدَّ انهدام الجسد، أو الشعور بذلك خارجيًّا، إلّا أن يكون ذلك ناجماً عن ضعف، كما قلت. لذا فلتكن (الاخواتُ) على حذر؛ فحين يشعُرنَ بهذا، فليُعلمنَ الرئيسةَ، وليُرفِّهنَ عن أنفسهنَّ، قدر المستطاع. ولاتدع (الرئيسةُ) الأخواتِ يَقضين ساعاتٍ طوالاً فى التأمل، بل وقتاً قصيراً جداً؛ ولتحرص على أن يَنعمن برقادٍ مناسبٍ وغذاءٍ ملائمٍٍ إلى أن يَستعدنَ قواهنَّ الطبيعية إذا كنّ قد فَقدنَها من قِلّة الرقاد والغذاء. فمن كانت طبيعتُها من الضعف بحيث لايكفيها هذا، صدِّقيني : إنّ الله لايريدها إلا للحياة العمليّة، وفى الأديرة تَفرض الحاجةُ نشاطاتٍ متنِّوعةً. فلتكلَّف بالخدمات، وليُعنَ بأن لاتُخلدَ الى الوحدة طويلاً لأنها تنتهي إلى فقدانها صحَّتَها فقداناً تاماً. سيكون هذا لها إماتةً كبرى، لكنَّ الربَّ يريد أن يمتحنَ به الحبَّ الذي تكنُّه له وذلك فى كيفيُّة أحتمالِها هذا الغياب، ثم يتنازل فيعيد إليها الصحَّة بعد فترةٍ من الزمن، وإلاّ، فإنها تحقِّق كسباً بالصلاة اللفظية، وبالطاعة، فتستحق ما كانت ستستحقُّه فى الحالة الأخرى وربما يزيد" .


الملحوظة البسيطة التى أريد أن أبرزها فى هذا المقطع من مؤلف القديسة تريزا عن المنازل أو القصر الباطنى أو الداخلى هى :

حالة النشوة الروحية

الانخطاف أو الحالة الانتشائية والانجذاب نحو الله، لا بسبب حالة العجز الجسدى، بل بالأكثر هو نتيجة للخوار الداخلي والخارجي للانسان .

تحذر الأمُ القديسةُ الأخوات الراهبات وكذلك الرئيسات بألا يمضين ساعات طويلة فى التأمل، بل وقتاً قصيراً، ويخلدن الى النوم والراحة مع تغذية أنفسهن جيداً، حتى يستعدن قواهن الطبيعية. الله لايريد مثل هذه الإماتات أو هذه الصلوات والأسهار،ولهذا فالقديسة تريزا توجه الأخوات الى الحياة العملية داخل الدير وما أكثرها...ولكنكم مازلتم بحاجة الى من يُعلمكم حتى المبادىء الأَساسية لإعلانات الله . ها قد عُدتم من جديد تحتاجون إلى اللبن ! فأنتم غير قادرين على هَضم الطعام القوى . وكل مَن يتناول اللبن يكونُ عديم الخِبرة فى التعليم القويم لإنه مازالَ طِفلآ غير ناضج . أما الناضجون رُوحياً، فَهُم قادرون على تناول الطعام القوى:لأن حواسهم قد تدربت بالممارسة الصحيحة،على التمييز بين الخير والشر . (راجع عبر5 :12 -14 )

"...فقال صَمُوئيلُ:"هل يُسرُ الرب بالذبائح والمحرقات كسروره بالاستماع إلى صوته ؟ إن الاستماع أَفضلُ من الذبيحةِوالإصغاء أَفضلُ من شحم الكباش . فالتمرد مُماثلٌ لخطيئةِ العِرَافةِ،والعنادُ شبيه بشرّ عِبادةِ الوثن والإثم . وللأَنك رفضت كَلامَ الرب فقد رفَضَكَ الربُ من المُلكِ"(1 صم15 :22 -23)
لتجنب كل ضعف للعقل أو ترك أنفسهن للخيال، وذلك لأنهن يحسبن بأنهن يرين كل مايفكرن به أو فيه، وأن الشيطان يستطيع أن يحُدث فيها أذى أكبر مما فى غيرها .


بعض " الخصائص" الأساسية التي تميز الصلاة "التريزيانية"


- الصلاة هي عبارة عن لقاء صداقة وحب مع الله، الحاضر فينا، والمتحد معنا بشركة حقيقية عن طريق الروح القدس.

- فالصلاة تعد فرصة ذهبية لإقامة علاقة شخصية مع الله، وهى عبارة عن لقاء شخصى مع الله في المسيح ومع الآب في الروح القدس.

تتسم الصلاة بانها عبارة عن تلك علاقة الحب(كأبناء - كأخوة - كأصدقاء - كعرائس), كل هذه العلاقات تفترض الحب الدائم كميزة لها.

- فالصلاة هي العنصر الفعال في حركة النمو الروحي في الباطن أو الداخل، وهى التي تشغل كل الإمكانيات والقدرات التي تساعد على حركة النمو هذه.

- الصلاة هي هبه أو نعمةَ مجانية من قبل الله للإنسان، هي هبة الروح القدس وثمرة لوجوده وحضوره في كيان الإنسان، وهو الذي يعلم الإنسان كيفية الصلاة.

- الصلاة تعمل على تحويل الصعوبات والمعوقات التي تحد من حركة نمو الإنسان المصلى إلى خبرة روحية. إن حركة التحويل هذه تسمى في لغة الروح "نعمة الحال" وبمعنى أخر يستطيع الإنسان عن طريق حياة الصلاة أن يتغلب على صعوباته ومعوقاته وضعفه وحدوده، لينفتح على حدود أُخر أو ليدخل في عالم الله اللا محدود. وبمعنى عام نستطيع أن نقول إن الإنسان يستطيع عن طريق حياة الصلاة أن يحول اللعنة إلى بركة، والخطيئة إلى القداسة.

- حياة الصلاة تساعد على التغيير والتجديد على المستويات الأدبية والروحية كافة.. ولا ننسى أن من متطلبات حياة الصلاة، هو هذا التغير على مستوى السلوك والتصرفات الأخلاقية وفقاً لقيم الإنجيل .

- التطابق والتوازن بين الكلمة والفعل، الكلمة والتصرف، الصلاة والحياة العملية ولا يمكن أبداً حدوث مثل هذا التطابق أن لم ينبع من حياة الصلاة. لأن الصلاة تقوم على توحيد الشخص أمام الله.

- حياة الصلاة هي عبارة عن مسيرة يخطوها الأنسان خطوة خطوة نحو خبرة الثالوث أو اختبار الثالوث في شركة مع يسوع المسيح ابن الله المتجسد أو بالاشتراك مع المسيح الإنسان.

أن مسيرة صلاتنا تبدأ بالاتحاد مع شخص يسوع المسيح في طبيعته البشرية وبقيادة الروح القدس نحو الآب السماوي، وبمعنى آخر هي مسيرة حب أو رحلة حب يقودنا فيها الروح القدس في قلب الثالوث القدوس.



الختام

صلاة تريزا تعطينا صورة ناصعة وشاملة للغنى الموجود فى الحياة المسيحيّة، والأهداف السامية التى يمكن أن نتوق اليها. يرتكز منهج القدّيسة تريزا فى الصّلاة على الحوار مع الله الساكن فى أعماقنا. هذا الحوار الذى فى إستطاعته أن يقودنا إلى أسمى درجات الكمال. وإذا لم يمنح الربّ جميع الأنفس درجات الصلاة السامية المفاضة التى تختص بالحالات الصوفية، غير إنّا مدعوون جميعاً لممارسةالصلاة العقليّة، والحوار الودّى مع الله، كما نحاور صديفاً وأباً محبّاً. رحلة تريزا مع الصلاة تلخّص مغامرتها مع الله ومع النعمة . تريزا " محترفة صلاة " قبل أن تكون معلّمة صلاة . إنها صاحبة مدرسة روحيّة ومنهج فريد اختبرته بذاتها وقطعت مراحله العديدة قبل أن تعلّمه بناتها وأبناءها .


Enter content here

Enter supporting content here

الموقع من تصميم /اليفاز