Make your own free website on Tripod.com
abona (aghstinos)
althaloth we alalakat alagtmaia
Home
alasor alwosta
altagsd we taaseroh
althaloth we alalakat alagtmaia
alsalah end treesa
hawet almasehe
smile
drast klmat allah
hawet almasehe
alhabl bla dans
aldlil alrohy
alhob(the love)
alsalah alkalbia
hdor alah alaeem
alalmanieon
alfarah fe alktab almokads
almahba byn alfalsafa we alwegood

الثالوث القدوس و العلاقات الاجتماعية


المقدمة


الثالوث القدوس يلقي ضوء على حياتنا الاجتماعية و نكتشف من خلاله كيفية الترابط و الصلة بين الفرد و المجتمع .

الثالوث القدوس هو أول مجتمع مثالي ، فيه نجد التوافق بين الاقنوم و الأخر ، و على مثال الثالوث تكمن رغبة الله في أن يقيم الإنسان علاقته مع الآخرين .

الثالوث يساعدنا على تحقيق التوازن في العلاقات الاجتماعية .

علينا أن لا نكتفي بدراسة الثالوث القدوس على مستوى عقيدي أو لاهوتي ، ولكن علينا بالتفكير أيضا فيما يحدثه الثالوث في حياتنا الشخصية و الاجتماعية ، علينا أن ندمج الثالوث في حياتنا العملية و لا نكتفي به فقط على مستوى دراسي محض بل يكون على كافة المستويات العقلية و الوجدانية و الإرادية العملية و الفعلية في المجتمع .

( فأجاب و قال تحب الرب إلهك من كل قلبك و من كل نفسك و من كل قدرتك و من كل فكرك و قريبك مثل نفسك ) " لوقا 10 / 27 " .

أهمية حقيقة الثالوث في حياتنا الروحية :
أن الثالوث القدوس يعد القاعدة الأساسية في حياتنا الروحية ، فلا قائمة لحياة روحية صادقة و راسخة بدون الثالوث القدوس ، فالإيمان المسيحي هو إيمان مبني على حقيقة الثالوث القدوس كنعمة فريدة و متميزة عن سائر الأديان ، و الخبرة الروحية تبنى على حقيقة الآب و الابن و الروح القدس كموضوع للإيمان .
الإيمان المسيحي يعلن أن الله واحد مثلث الأقانيم و ليس واحد وحيد ،فليس للمسيحي حق الادعاء بأنه مسيحي أن لم يكن الثالوث القدوس هو محور حياته و خبرته الروحية و الإيمانية .
أن المسيحي الذي يرغب في تحقيق النجاح على المستوى الروحي و الاجتماعي و الشخصي لابد له من الجلوس في هدوء و صمت ليتأمل و يفكر في حياة الثالوث القدوس على المستوى الحياتي و الاختياري بإقامة شركة حقيقية مع الأقانيم الثلاثة ، و ذلك لأجل ثراءه و غناه الروحي و النفسي على المستوى الجماعي و الشخصي .

الآن نلقي الضوء على السمات التي تظهر لنا الثراء و الغنى الموجود في داخل الثالوث القدوس :
( أن الهدف من إلقاء الضوء على حياة الثالوث هو إظهار و إجلاء معيشة الثالوث القدوس لكي نحققها في حياتنا العملية ) .

أولا : - الحب .
ننطلق من آية القديس يوحنا الإنجيلي ( ومن لا يحب لم يعرف الله لان الله محبة ) يوحنا 4 / 8 .
الآية واضحة و تنقسم إلى جزئين :
الأول يخاطب من لا يحب من البشر و كأنه غريب عن الله .
الثاني هو إعلان عن " الله محبة " .

فالقاعدة الأساسية للعلاقة داخل الثالوث و بين الثالوث نفسه هي المحبة ، و المحبة لا تكن لها قائمة في الوحدة و العزلة أو الانفرادية .
سؤل : كيف يحب من هو وحيد ؟ و كيف يحب من يعزل نفسه عن الآخرين ؟
الحب دائما يفترض الأخر و الغير ليصبح هناك محبا و محبوبا ، فلا يدعي الإنسان ( الحب أن كان يعيش بمفردة أو في عزلة عن الأخر أو الغير) ، فلا نستعجب أن لا يكون الله واحد وحيد ، بل هو واحد مثلث الأقانيم ، و ذلك لأنه محبة .

و معنى المحبة هي : صفة أزلية كائنة في كيان الله و تعبر عن جوهر و طبيعة الله ، الحب في الله ليس عارضا بل هو جوهريا و بالتالي ليس زمنيا بل هو أزليا .

المسيح يخاطب الآب و يقول : ( لأنك أحببتني قبل إنشاء العالم ) يوحنا 17 / 24 .
و معنى هذا الكلام هو أزلية الحب بأزلية الله و وجود الحب في كيان الله الثالوث لأن الله حب فلم تكن صفة الحب عاطلة في الله لحين الخلق أو بعده حتى أن الله محبة لأنه أحب الإنسان .

فأزلية الحب بأزلية الله و لا يسمى حبا أن لم يكن يمارس و يعايش منذ الأزل داخل الله الثالوث فالأب يحب الابن، و الابن يستقبل حب الأب و يبادله الحب ، و الأب يستقبل حب الابن و هذا التبادل بين الأب و الابن هو الروح القدس، و إذا أردنا أن نطبق هذه العلاقة بين الثالوث على حياتنا الاجتماعية نستطيع أن نقول : لا تكون هناك قائمة لحياة اجتماعية سليمة بدون المحبة ، لان المحبة هي الأساس و الجوهر لحياة اجتماعية صحيحة ، فلا يستطيع الإنسان أن يعيش بمفرده و كأنه الكائن الوحيد في المجتمع و لا يستطيع أن يعيش في عزلة بعيدا عن الآخرين حتى لا يكون أنانيا أو مريضا من وحدته أو من عزلته، و لا يستطيع أن يكون محبا من يعيش داخل ذاته في عزلة عن الآخرين .

( كيف تتصور العلاقة بين أفراد الأسرة الواحدة أو العائلة الواحدة بدون المحبة ) ؟ كيف تتخيل حياة اجتماعية بدون محبة ؟

ثانيا :- الحب عطاء و تبادل .
الأب يعطي الابن الحب بمعنى أنه يعطيه ذاته، و الابن يتقبل الحب من الأب بمعنى انه يتقبل منه الحياة، و في نفس اللحظة يبادل الابن الأب بمعنى أنه يبادله الحياة .

فالأب يمنح الابن ذاته، و الابن يتقبل ذات الأب، و في نفس الوقت الابن يمنح الأب ذاته و كيانه، وذلك لأن المحبة في كيان الله عبارة عن عطاء و أخذ، فالحب الناضج هو الذي يقدر على العطاء و الحب الذي يعطي يكون حبا ناضجا، و كل أقنوم يكون هو ناضج في حبه و يعطي ذاته للأخر، و المبدأ الأساسي و المشترك داخل الثالوث هو مبدأ العطاء، و لكي يتم العطاء داخل الثالوث لابد من مبدأ القبول من كل أقنوم للأخر وهذا القبول ما نسميه الأخذ، و لذا لابد من أن تتم عملية تبادل داخل الثالوث لكي تتم عملية العطاء و الأخذ داخل الأقانيم و بين الأقانيم الثلاثة، و الأخذ هنا فعل يساعد الأخر على أن يعطي و يعيش نضوج الحب في العطاء و كأن الأخذ فعل مكمل لفعل العطاء، و من هنا تحدث عملية التبادل بين الأقانيم الثلاثة ( تبادل في الذات و في الحب ) .
كيف نتصور جماعة في مجتمع معين يعتمدون على الأخذ دون العطاء؟
كيف تتصور أشخاصا أو أفرادا في جماعة لا تفكر إلا في الأخذ؟
كيف نتصور حياة أسرة كل فرد فيها يريد أن يأخذ دون أ، يعطي؟
أليس حركة العطاء و الأخذ تعد حركة تنشيطية داخل المجتمع فالتبادل في الحب عن طريق العطاء و الأخذ يساعد على نمو و تطور الحياة بين الأشخاص داخل المجتمع، و المجتمع الذي يتسم بالأخذ دون العطاء يصبح مجتمعا استغلاليا, ماديا, نفعيا، تنهار فيه المبادئ و القيم ( و على رأسها قيمة الحب ) .

فالمجتمعات أو الجماعات تنهار انهيارا عظيما حينما يبخل الأشخاص فيها عن العطاء و المشاركة معتمدين على الأخذ فقط، كما أن العطاء يساعد على الترابط و التماسك بين الأفراد داخل المجتمع و يساعد الأشخاص على الانتماء للجماعة و المجتمع حيث يعبرون عن انتمائهم بالعطاء و المشاركة .

العطاء يعبر عن المسئولية أو الإحساس بالمسئولية إزاء المجتمع الذي نعيش فيه، و الإحساس بالمسئولية يعبر عن المجتمع المتحضر و الناضج في حضارته و قيمه و مبادئه، فالحضارة البشرية أرادت أن تعبر عن فعل العطاء و الأخذ أو التبادل بين أفراد المجتمع حينما قالت : أن الشخص الطبيعي عليه أن يعطي كما له أن يأخذ .

إذا على الإنسان أن يدرك أن قيمة الحقيقة تكمن في قدرته على العطاء و في استجابته لمبادرة الآخرين أو عطاء الآخرين عن طريق الأخذ، و بالتالي تتم عملية التبادل بين الإنسان و أخيه الإنسان، و في عملية التبادل يشعر الإنسان بالمساواة مع الآخرين في داخل المجتمع .
لديمقراطية (Democracy)
الديمقراطية لفظ مؤلف من لفظين يونانيين احدهما (ديموس) ومعناه الشعب، والآخر (كراتوس) ومعناه السيادة. فمعنى الديمقراطية اذن سيادة الشعب، وهي نظام سياسي تكون فيه السيادة لجميع المواطنين لا لفرد، أو لطبقة واحدة منهم. ولهذا النظام ثلاثة اركان.
الاول: سيادة الشعب
وثانياً: المساواة والعدل
والثالث: الحرية الفردية والكرامة الإنسانية.
ومن خلال الأسس الثلاثة السابق ذكرها نجد ان هناك تكامل وتضامن. والديمقراطية الاجتماعية هي أسلوب حياة يقوم على المساواة وحرية الرأى والفكر، وينشد العدالة الاجتماعية. والثالوث القدوس يلقي ضوء على حياتنا الاجتماعية و نكتشف من خلاله كيفية الترابط و الصلة بين الفرد و المجتمع .

الثالوث القدوس هو أول مجتمع مثالي ، فيه نجد التوافق بين الاقنوم و الأخر ، و على مثال الثالوث تكمن رغبة الله في أن يقيم الإنسان علاقته مع الآخرين. وأفضل مجتمع يطبق الديمقراطية، هو مجتمع الثالوث.
ثالثا :- المساواة داخل الثالوث .
لا يقدر على عملية التبادل في الحب و العطاء إلا من كان متساويا مع الأخر، فالابن في نفس مستوى الأب، و لذا لديه القدرة على استقبال الحب و على أن يبادل الحب بالحب .

فالحب داخل الله يفترض أكثر من طرف( داخل الله ) و كل طرف متميز عن الأخر ولكنه متساويا معه، فالابن متميز عن الأب، ولكن مساويا للأب و لهذا فالابن يقدر على مبادلة الحب مع الأب لأنه متساويا معه في الطبيعة و الجوهر .

فلا يقدر و لا يمكن لمخلوق أن يقوم مقام الابن في العلاقة الجوهرية مع الأب، و لنفترض أن هذا المخلوق هو الإنسان بحكم أنه ملك المخلوقات، فلا يقدر و ذلك لأنه زمني و محدود و طبيعته ليست من نفس طبيعة الأب، و بالتالي لا يقدر علي مبادلة الأب الحب بالحب بنفس القيمة و الكيفية التي هي للابن، فالابن ضروري جدا بل و شرطا لوجود الأب و لتبادل الحب بينهما، و كذلك الروح القدس، لأن الأب و الابن و الروح القدس جوهر و طبيعة ألهيه واحدة بينما الإنسان ليس إلها بل له طبيعة بشرية .

و لكي تتم عملية المساواة داخل المجتمع لابد أن يشعر الإنسان بإنسانية الآخرين أو آدمية الآخرين .

أذا لابد أن يتولد لدى الجميع بأن الجميع هم أبناء أدم و أن جميع البشر هم مخلوقين على صورة الله و مثاله مشتركين في طبيعة بشرية واحدة و تجمعنا حياة إنسانية واحدة، و لابد من إظهار القيمة الإنسانية لكل إنسان و التي تعد الجوهر و الأساس في المساواة بين البشر جميعا، ولا يُنظر للأخر نظرة تعالي و كبرياء أو على أنه مخلوق أدنى أو أقل منا أو مختلف عنا .

قد يختلف الإنسان في الشكل أو اللون أو الجنس أو العمل و الوظيفة أو البيئة .....الخ، و لكنه في نهاية الأمر هو أنسان كسائر الناس، و في جوهره و طبيعته بشرا كسائر البشر .

هذا الإنسان الأخر يستطيع أن يثري و يغني أخوته في البشرية بما وهبه إياه الله من مواهب و قدرات و غنى و ثراء، فلا نحتقره أو نستهين به .

علينا أذا أن ننظر للأخر على أنه صاحب ثروة و غنى و يستطيع أن يثريني بما لديه و عنده، و علينا أن نقتنع بأنه لا يوجد أنسان فقير، و أن ننظر للأخر نظرة احترام و تقدير كما ننظر لانفسنا، و هذا حقه لأنه مثلنا و مثله في الطبيعة و الجوهر مخلوقين من الله و أبناء أب واحد و أم واحدة هما أدم و حواء .

رابعا :- ترابط ( وحدة ) و تمايز .
الحب يوحد و يربط بين الأقانيم الثلاثة، و في الآن ذاته لكل أقنوم تميزه، و بمعنى أخر أن داخل الثالوث كل أقنوم متميز عن الأخر، و على الرغم من الوحدة الكيانية الموجودة بينهم يوجد ترابط حقيقي بين الأقانيم ( متساوية لها جوهر و طبيعة واحدة ) فلا يوجد ذوبان أو تلاشي أو امتزاج بينهم حتى لا يفقد كل أقنوم تميزه، كما أنه لا يوجد انفصال بين الأقانيم حتى لا نعرض الوحدة الي تعددية .
فالحقيقة داخل الثالوث تكمن في الوحدة الجوهرية و التمايز في الأقانيم فمثلا : لا وجود للأب بدون الابن و كذلك لا وجود للابن بدون الآب، فالأبوة و البنوة مترابطان متميزان و في نفس الوقت وجود الواحدة شرط لوجود الأخرى .
فوجود الابن شرط لوجود الأب، و وجود الآب شرط لوجود الابن، و كذلك الولادة هي شرط الانبثاق ( شرط الولادة هذا هو الترابط الموجود بين الأقانيم الثلاثة و الوحدة الجوهرية بينهم ) .

فالروح القدس هو الحب المتبادل بين الأب و الابن، و كما يقول القديس أغسطينوس ( الروح القدس هو قبلة الأب للابن – وهو قبلة الابن للأب ) .
الروح هو أداة الصلة و الربط بين الأب و الابن .
الروح القدس هو الحب الحي المتبادل بين الأب و الابن .
وهو المنبثق عن أراده الحب بينهما، لأن الانبثاق ينتج عن أرادتهما معا – هل نستطيع تطبيق هذه السمات أو الصفات و هي الترابط، الوحدة، التمايز – على مجتمعاتنا المختلفة؟

هل نجد داخل العائلة الواحدة أو الأسرة الواحدة أو الجماعة الواحدة ترابط واضحا تتحقق من خلاله الوحدة، مع الحفاظ على كيان كل فرد فيها كشخص متميز و فريد من نوعه؟

فلنعطي مثلا واقعيا عن الوحدة و التمايز في مجتمع الأسرة الواحدة وهو مثل الأب و الأم – الأب هو شخص فريد و متميز و دوره أيضا فريدا أو متميزا لأنه يجسم في الأسرة دور السؤل و المدبر و الحازم، و هو بمثابة العقل في الإنسان، و الأم هي شخص فريد و متميز أيضا، لأنها تجسم في الأسرة دور الحب و الحنان و العطف و الود، و هي بمثابة القلب في الإنسان، فالإنسان لا يمكن الاستغناء عن العقل أو القلب، كما أن الأسرة الواحدة لا يمكن الاستغناء عن الأب أو الأم، و لا يستطيع العقل أن يأخذ مكان القلب، و ل القلب مكان العقل، و هكذا في داخل الأسرة لا يستطيع الأب أن يحل مكان الأم، و لا الأم أن تحل مكان الأب و من هنا نجد التمايز و الترابط في الآن ذاته .

خامسا :- المعرفة الكيانية .
أن الأقانيم الثلاثة لها ذات واحدة ( جوهر و طبيعة و كيان واحد )، و كلمة أقنوم بالسريانية تعني شخصا غير مستقل بذاته، بل يكون مرتبطا بأخر، و لهذا السبب مازلنا نستخدم كلمة أقنوم السريانية و لم نشأ باستبدالها بكلمة شخص باللغة العربية، و التي تعني كائن مستقل بذاته، و لا تكون له قائمة في أخر .

و من هنا نكتشف أن كل أقنوم مشترك مع الأخر أو بالأحرى له وحدة كيانية و عمق واحد و طبيعة واحدة مع الأخر، و بالتالي تكون هناك معرفة واحدة و نعني واحدة هي ( أن معرفة الأقانيم الثلاثة هي نفس معرفة الأقنومين الأخريين ) .

( أن الله ما رآه أحد قط، الابن الوحيد الذي في حضن الأب هو الذي أخبر عنه ) يوحنا 1/ 18 .
و معنى هذه الآية هي أن الابن الوحيد المشارك في حياة الأب على وجه مطلق هو وحده القادر على هداية البشر الى المعرفة و الى الحياة ، و سيكون يسوع بكل ما يعلمه و بكل ما يقوله الوصي الكامل عن الله و المعبر عنه .

و معنى في حضن الأب هو وجود المسيح في كيان و أعماق الأب ( معنى الحضن هو التعبير الخارجي و الملموس عن مكانة المسيح في قلب الأب و كيانه ) و يصبح المسيح هو الشخص الوحيد الذي يقدر على أن يكشف سر الأب، و معنى الحضن ( علامة الدلال في العلاقة بين الابن و أبيه ) فمعرفة المسيح بالأب معرفة حقيقية و كيانية، و في المسيح مع الفريسيين و اليهود عن الأب قال لهم ( أجاب يسوع أن كنت أمجد نفسي فليس مجدي شيئا، أبي هو الذي يمجدني، الذي تقولون أنتم أنه إلهكم و لستم تعرفونه، و آما أنا فأعرفه، و أن قلت أني لست أعرفه أكون مثلكم كاذبا، لكني أعرفه و أحفظ قوله ) يوحنا 8 / 54 : 55 .
( كما أن الأب يعرفني و أنا أعرف الأب، و أنا أضع نفسي عن الخراف ) يوحنا 10 / 15 .
( الذي رآني فقد رأى الأب فكيف تقول أنت أرنا الأب ... الست تؤمن أني أنا في الأب و الأب في ) يوحنا 14 / 9 : 10

و كذلك الروح القدس يطلق عليه روح الأب، و تارة روح الابن، مما يعبر عن الوحدة الجوهرية و الكيانية للثالوث القدوس، و يعبر عن معرفة الروح القدس للأب و الابن، و على مثال أو منوال معرفة الابن بالأب، هكذا تكون معرفة الروح القدس بالأب و الابن معا .
( و متى جاء المعزي الذي سأرسله أنا اليكم من الأب روح الحق الذي من عند الأب ينبثق فهو يشهد لي ) يوحنا 15 / 26 . أذا الروح القدس ينبثق من الأب و الابن – الروح القدس كائن مع الأب و الابن و يعرفهما جيدا .
الروح القدس يطلق عليه روح الحق، و كلمة الحق تطلق على المسيح الذي قال عن ذاته ( قال يسوع أنا هو الطريق و الحق و الحياة ) يوحنا 14 / 6 . فالروح القدس هو روح المسيح لذلك يقدر الروح القدس على إعطاء شهادة عن شخص المسيح، لأنه منه و معه في الطبيعة الألهيه الواحدة .

كيف يشهد شخصا بما لا علم له به؟ - أليس هذا يعد تورطا في شهادة زور؟ و حاشى أن يكون الروح القدس شاهدا للزور، فالروح القدس يعلم جيدا من هو المسيح .

و كذلك الروح القدس ينبثق من الأب لأنه في أعماقه و كيانه - من هنا نستنتج أن الثالوث متساوي الأقانيم، و في وحدة كيانية و جوهرية غير قابلة للانفصال أو التجزئة .

و كما تحدث المسيح عن الأب و كشف عن ماهيته للبشر، كذلك تحدث عن الروح القدس، و الروح القدس يتحدث عن الأب و الابن للبشر و يكشف عن ماهيتهما و يساعد البشر على اختيارهما بطريقة شخصية لكل شخص على حدة ( منفرد ) .

( و أما المعزي الروح القدس الذي سيرسله الأب باسمي فهو يعلمكم كل شئ و يذكركم بكل ما قلته لكم ) يوحنا 14 / 26 .
معنى هذه الأيه أن المسيح سيرسل روحه القدوس للعالم، و هذا الروح سوف يعرف بشخصية المسيح للعالم ، و يذكر البشر بتعاليم المسيح، -من كل هذا نعرف أن الروح القدس يقودنا الي المعرفة الحقيقية و الكيانية للثالوث .

بالنظر إلى العلاقات البشرية بين الجماعات المختلفة – هل هناك علاقة قائمة بين الناس تتسم بالمعرفة الكيانية و الباطنية بين الأفراد بعضها ببعض؟ الإجابة
بالنظر إلى الواقع نجد أن العلاقات بين الأشخاص أو الجماعات يغلب عليها الطابع السطحي في معظم الأحيان، أو المصالح الشخصية كما يغلب عليها طابع القناع الذي يخفي وراءه معالم الشخص الحقيقية .

و من هنا تصبح العلاقات بين الأفراد و الجماعات غير مجدية أو مثمرة أو صالحة لأنها غير صادقة، و لأنها لا تقوم على معرفة حقيقية تتجاوز السطحيات و المظاهر في العلاقات أن لم يدخل الإنسان في أعماق الأخر، و ينفذ إلى الجوهر دون الوقوف على حاجز اللون و الشهادة و البيئة و الثقافة، لا يستطيع معرفة الأخر كأخر .

أذا علينا البحث في مقدار معرفتنا بأقرب الناس إلينا أو من نظن أننا نعرفهم معرفة حقيقية و نستخلص النتيجة .

سادسا :- الشركة و الانفتاح .
داخل الثالوث القدوس توجد شركة حقيقية نستطيع أن نطلق عليها اشتراكية على كافة المستويات، كما أنه توجد مشورة داخل الثالوث أيضا .

الحب لا يسمى حبا أن وجدت الوحدة أو العزلة، وهما كلمتان تعبران عن الأنانية أو النرجسية .

الحب يفترض أكثر من طرف لأجل التبادل بينهما، هذا الحب ( الأنا ) تخاطب ( الأنت ) و تعطي شركة هي ( نحن )، في الشركة ل يكون التخاطب بصيغة المفرد بل يصبح التخاطب بصيغة الجمع .

و هنا تكمن الشركة أو الكينونيا ( باللغة اليونانية ) ، و حينما تتحقق الشركة تتضاءل الأنانية، و كلما تحققت الشركة على مستوى أعمق جدا كلما تلاشت الأنانية أو النرجسية و ساد الحب .

و الأقانيم الثلاثة يحققون الشركة بطريقة مطلقة لأنه لا توجد أنانية أو نرجسية داخل الله، كما أن حياة الشركة داخل الثالوث تحقق الانفتاح، فالشركة تحطم الدائرة المغلقة و تخرج منها إلى السعة ة الانفتاح .

و لذا نجد أن الله ثالوث لأنه فيه قمة الشركة و بالتالي لا يوجد داخله أنانية أو انغلاق بل انفتاحا، هذا الانفتاح يتحقق داخل الثالوث حيث ينفتح كل أقنوم علي الأقنومين الأخريين .

أن مجتمع الثالوث ليس بمجتمع أفراد متباعدين و منفصلين الواحد عن الأخر، و بالتالي لا نجدهم متجمدين أو متحجرين بل نجدهم متحدين الواحد مع الأخر في تفاعل و حوار .

الوحدة داخل الثالوث وحدة عميقة جدا، و هذه الوحدة نابعة من حياة الشركة العميقة الموجودة داخل الثالوث، و التي فيها يتم التفاعل بين كل أقنوم و الأخر، هذا التفاعل يؤدي و يقود الي الحوار و التفاهم و التلاقي بين الأقانيم الثلاثة معبرين عن الوحدة الحقيقية و الكائنة في طبيعة واحدة و جوهر واحد هو الله .

أن الشركة و المقاسمة داخل الثالوث تؤدي أو تقود إلى الوحدة الجوهرية و الحقيقية، و الوحدة الجوهرية تصون الشركة بين الأقانيم الثلاثة فلا نجد أقنوم واحد يكون منعزل عن الاقنوم الأخر أو الأقنومين الأخريين .

أذا لا نجد أقنوم غير مبال بالأخر أو متفرجا عليه أو لا يهمه أمر الاقنوم الأخر، بل الشركة العميقة و الحميمة داخل الثالوث تؤدي إلى وحدة جوهرية كيانية، هذه الوحدة ذاتها تحفظ و تصون حياة الشركة داخل الثالوث و تغزيها .

عند الحديث عن الآب، لا يمكن فصله عن أبنه يسوع المسيح أو الروح القدس، و يقول القديس أغسطينوس ( الآب يدعى هكذا، ليس بالنسبة إلى ذاته، بل بالنسبة إلى الابن، أما بالنسبة إلى ذاته، فأنه الله فقط .

كل أقنوم يقوي و يشجع الاقنوم الأخر و يصاحبه في مسيرته و خدمته مع البشر، فالآب حينما خلق كان بواسطة الابن و الروح، و الابن عندما تجسد كان حاضرا الآب و الروح، و كذلك في مسيرته الزمنية بين البشر، و الروح القدس منبثق من الآب و الابن و مرسل أيضا من قبل الآب و الابن لقيادة الكنيسة ، ماذا تقول عن الجماعات الصغيرة المتجسمة في حياة العائلة أو الأسرة بالنسبة للشركة و الانفتاح و الوحدة داخل الثالوث؟ حيث يوجد داخل الأسرة العائلة و في مجتمع الكبيسة الانقسام الطائفي و المذهبي .

أن كل شخص يبحث عن ذاته، و يتجاهل وجود الأخر، و كذلك في الجماعات المختلفة تبحث عن كينونتها و تتجاهل كينونة الأخرى، أين الوصال أو التواصل داخل الجماعات في المجتمع؟ حيث نجد صراع الأجيال، حيث توحد الهوة أ, الفجوة بين أفراد الأسرة الواحدة، و لا يوجد تلاقي بين الأشخاص، مع انعدام الشركة بينهم، و أصبحت صيغة الكلام تعبر عن حال كل شخص دون الأخر، معبرا عن أنانيته .
لم تعد لغة الشركة قوية أو فعالة لكي تعبر عن حال الشخص، لذا فهو يفضل أن يعبر عن حاله بذاته ، لم تعد الجماعة قادرة علي احتواء الشخص، و بالتالي لا وجود للمقاسمة في الخيرات المادية، و لا للمشاركة في المشاعر الوجدانية، و هذا يرجع للجشع و الطمع و الأنانية .

نلاحظ أيضا ظاهرة الانغلاق داخل الجماعات المختلفة – صغيرة كانت أو كبيرة ، حيث يوجد الانغلاق علي مستويات مختلفة منها الطائفي و المذهبي و السياسي و الفكري، و انغلاق المغتربين ، و مع ظاهرة الانغلاق و الأقفال تنتشر عدة ظواهر أخرى تابعة لها مثل التعصب الأعمى و الجهل، و النتيجة الطبيعية لذلك هي صعوبة الحوار و التفاهم بين الأشخاص و الجماعات المختلفة .

كيف يتم الحوار بين الناس فيما بينهم و هم يعيشون في حالة انغلاق و ظلام؟ كيف يتم الانفتاح و هناك قناعات شخصية لدى كل جماعة بصحة تفكيرها و منهجها ، و كل ماعداها أو سواها يكونون على خطأ .

سابعا :- الحوار و التفاهم داخل الثالوث .
حياة الشركة تبنى أساسا على الحديث و الحوار، و كلما كان هناك حديثا و حوارا قائما، كلما زادت الشركة و كبر التفاهم .

أن الجماعة التي لا يحدث فيها جدالا و حوارا و نقاشا، تقل فيها درجة التفاهم، و تصبح الشركة الموجودة فيها شركة صورية أو رمزية، و ليست حقيقة، قلة الحوار داخل الجماعة يضعف حياة الشركة بين أفرادها، لقد قيل في القديم ( أن مد جسرا من الحوار بين أثنين من الأعداء يخفف من حدة العداوة القائمة بينهما ، و يزيل أوجه الخلاف، و الحوار بين أثنين من الأصدقاء يعمق العلاقة فيما بينهما و يزداد حبهما و تلتهب مشاعرهما إلى أن يقضى الأجل بينهما ) .

و الثالوث القدوس الذي هو الله ، و الذي لا يوجد في داخله انفصال و لا خلاف و لا ذوبان أو تلاشي، بل يوجد كل حب و وحدة و شركة و انفتاح الواحد على الأقنومين الأخريين ، و لذا فالعلاقة داخل الثالوث لها عمقها و أزليتها ، بمقدار الحب الأزلي الذي يربط بين الأقانيم الثلاثة .

أن الحوار الذي يكشفه لنا سفر التكوين في الإصحاح الأول عند خلق الله للإنسان، يكشف لنا عن وجود الحوار داخل الثالوث، و هذا الحوار ليس زمني بل أزلي بأزلية الثالوث القدوس .
( و قال الله نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا ) تكوين 1 / 26 .
داخل الثالوث يوجد حوار ، و توجد مشورة بين الأقانيم الثلاثة، و هذه المشورة تكشف لنا عن الديمقراطية الحقيقية في داخل الثالوث، لأن الديمقراطي الحقيقي هو الله ، و كل من يرغب في ديمقراطية لابد له من التأمل في عمق العلاقة الموجودة بين الأقانيم الثلاثة لكي يستمد منه الديمقراطية الأصلية و الصحيحة و الحقيقية .

ليس من العدل و الأنصاف أن نتهم الله بالديكتاتورية أو التسلط ، و ذلك لأن أسلوب الله الثالوث علي الحوار و المشورة ، و بالتالي الديمقراطية .

( ثم سمعت صوت السيد قائلا : من أرسل و من يذهب من أجلنا ، فقلت : هانذا أرسلني ) أش 6 / 8

هذا الصوت الذي سمعه أشعيا النبي يكشف لنا العرض ، و ليس الفرض في أسلوب الله ، بمعنى أن هناك حرية داخل الثالوث ، الحرية التي تضمن نضوج الديمقراطية .

نضوج الديمقراطية داخل الله :-
يوجد داخل الثالوث حوارا حرا و مشورة تعبر عن الديمقراطية ، داخل الثالوث يوجد عرض و قبول ، وهذا ما نكتشفه من خلال شخص المسيح الذي تبنى قضية التجسد و الفداء ، أو مشروع الخلاص الذي أقترحه الآب مع الروح و الابن .

( بمحرقات و ذبائح للخطيئة لم تسّر ، ثم قلت أنذا أجئ في درج الكتاب مكتوب عني لأفعل مشيئتك يا الله ) عبرانيين 10 / 6 : 7

من هنا نستنتج أن العلاقة بين الثالوث تبنى على الحوار و المشورة ، و ذلك من خلال الأحداث المهمة في الكتاب المقدس مثل ( الخلق و الخلاص ) .

و نستطيع أن نقول بأن هذا الحوار الواضح و الظاهر لنا في هذه الأحداث الزمنية إنما يكشف لنا عن الحوار و المشورة الموجودتين داخل الثالوث خارج الزمن ، و بمعنى أخر هذا الحوار الزمني يكشف لنا عن الحوار الأزلي الموجود داخل الثالوث .

ثامنا :- الحرية داخل الثالوث .
الله روح : و الروح بسيط و غير مركب، و هذا وحده كافياً لضمان الحرية داخل الثالوث، المادة مركبة و تحمل ثقلاً هي الشهوات و الرغبات ، هذه الشهوات و الرغبات تحد من حرية الكائن البشري الذي هو الإنسان .
الله روح : و الذين يسجدون له فبالروح و الحق ينبغي أن يسجدوا - " يوحنا 4 / 24 .
الله روح محض : و بالتالي فهو يتمتع بالحرية المطلقة .
الله محبة : و المحبة هي ضمان الحرية و رعايتها ، و تُعد الحرية هي إشارة و علامة على وجود الحب الصادق و الحقيقي ، لأن المحبة تمنح لمحبيها الحرية ، و هي ضمان الحرية الحقيقية .

( لا خوف في المحبة ، بل المحبة الكاملة تطرح الخوف إلى خارج لأن الخوف له عذاب، و أما من خاف فلم يكتمل في المحبة ) يوحنا 4 / 18 .

أن المحبة الناضجة تكمن في الحرية الناضجة ، و الحرية الناضجة ضمانها المحبة الناضجة .
( ثم بما أنكم أبناء ، أرسل الله روح اٍبنه إلى قلوبكم صارخاً يا أبا الآب أذا لست بعد عبداً بل أبناً و أن كنا أبناء فوارث الله بالمسيح ) غلاطية 4 / 6 .

أذاً العلاقة داخل الثالوث هي علاقة أبوّه و بنوّه يجمعهما الحب ، و في مثل هذه العلاقة تنفى نفياً باتاً وجود العبودية . ( علاقة الحب تنفي الخوف و العبودية ) .

أن العلاقة الموجودة داخل الثالوث هي علاقة روحية ، و العلاقة الروحية هي علاقة حرة لا تخضع للمادة أو الشهوات أو الرغبات الموجودة داخل الزمان و المكان .

و العلاقة داخل الثالوث مبنية على الحب و الحرية ، و يريد أن تبنى العلاقة مع الإنسان على مثال العلاقة الموجودة بين الأقانيم الثلاثة ، و لذا يٌريد الله أن يكون الإنسان حراً ليكون أبناً ، و أن لم يكن حراً لا يقدر على منح الحرية للأخريين ، لأنه كيف يطالب بالحرية للأخريين و هو لا يتمتع بها .

( إذ لم تأخذوا روح العبودية أيضاً للخوف بل أخذتم روح التبني الذي به نصرخ يا أبا الآب ، الروح نفسه يشهد لأرواحنا أننا أولاد الله ) رومية 8 / 15 : 16 .
( فأثبتوا إذاً في الحرية التي قد حررنا المسيح ، و لا ترتكبوا أيضاً بنير عبودية ) غلاطية 5 / 1 .
( فأن حرركم الابن بالحقيقة تكونون أحراراً ) يوحنا 8 / 36 .

أن لم تكن العلاقة داخل الثالوث قائمة على الحرية ، فلا يقر الثالوث على تحرير البشر ، فلا وجود للقهر أو السيادة أو التعذيب و التخويف ، لأنها علاقة تتسم بالحب و الشركة ، علاقة تتسم بالأبوة و البنوة على المستوى الروحي .

أن الحرية داخل الثالوث قائمة على الالتزام الجماعي و الاجتماعي ، و لذا نجد أن كل أقنوم ملتزم في الواقع بالأخر و مرتبط به و لا توجد انفصالية أو استقلالية أو انفرادية أو مزاجية داخل الثالوث .

الحرية داخل الثالوث قائمة على الالتزام الجوهري الواحد لأن كلمة أقنوم بالسريانية تعني الشخص الغير مستقل و الكائن و القائم في أخر .

و كذلك يوجد التزام شكلي ، لأن الشكلي أو العارض داخل الثالوث متوافق مع ما هم جوهري ، و هذا ما لا نجده لدى البشر ، حيث يوجد تفاوت و عدم انسجام أو تقارب أو توافق بين ما هو جوهري و بين ما هو عارض ، فالبشر قد يعطون قيمة لما هو عارض أكثر لما هو جوهري ، و أحياناً لا يكون هناك توافقاً بين الاثنين .

أين الحرية في مجتمع يوجد فيه التفاوت بين الطبقات المختلفة ، حيث الأغنياء جداً و الفقراء جداً ؟
أين الحرية في مجتمع يعمل على كبت مشاعر و أفكار الناس بأسم الشريعة و القانون ؟
أين الحرية في وجود قلة تتحكم في كثرة لا حول و لا قوة لها في المجتمع؟
أين الحرية في مجتمع تسوده القلائل و الاضطرابات و التهديدات و عدم الأمان و الاستقرار ؟
أين الحرية في مجتمع لا يملك فيه الناس الشجاعة على الإدلاء بالرائي؟
أين الحرية في مجتمع تتحكم فيه المزاجية و المصالح الشخصية و استغلال الأخريين؟
أين الحرية و هناك من يقرر مصير الأخر ، و يقرر له ما يريده هو؟


تاسعاً :- التمايز بين الأقانيم في العمل و الزمان .
داخل الثالوث كل أقنوم متميز أو مميز عن الأخر كأقنوم ، و في العمل و الأسلوب ، فالحب الموجود بين الأقانيم الثلاثة يحفظ هذا التمايز لكل أقنوم ، لأن الحب يٌقدر و يٌقيم الأخر كأخر، كما أنني لا أعني بالتمايز عدم مشاركة الأقنومين الأخريين في الطبيعة أو العمل أو الهدف .

فالثالوث واحد في الجوهر و الطبيعة الألهيه ، و لكن هذه الوحدة لم تمنع التمايز بين الأقانيم الثلاثة كأقنوم و أيضا في العمل الخاص بكل منهم .

الآب :- الآب هو الخالق ، وهو الذي يخطط و يدبر و يهيئ البشرية لاستقبال الابن .
( كما اختارنا قبل تأسيس العالم لنكون قديسين و بلا لوم قدامه في المحبة ، إذ سبق فعينا للتبني بيسوع المسيح لنفسه حسب مسرة مشيئته ، لمدح مجد نعمته التي أنعم بها علينا في المحبون ... إذا عرفنا بشر مشيئته حسب مسرته التي قصدها في نفسه لتدبير مل‘ الأزمنة ليجمع كل شئ في المسيح ما في السماوات و ما في الأرض في ذاك ) أفسس 1 / 4 : 10
( الله بعدما كلم الأباء بالأنبياء قديماً بأنواع و طرق مختلفة كلمنا في هذه الأيام الأخيرة في ابنه الذي جعله وارثاً لكل شئ الذي يه أيضا عمل العالمين ) عبرانيين 1 / 1 : 2 .

فالآب هو الخلاّق لكل شئ بالروح عن طريق الابن ، و كما قال أحدهم أن الابن هو أداة الخلق أو الابن هو الأصابع التي خلق بها الآب الخليقة .

الآب هو الذي اختار الأباء ( إبراهيم – إسحاق – يعقوب و موسى .... الخ ) الآب هو الذي أخرج شعب إسرائيل من أرض مصر و هو الذي عقد عهداً مع موسى و شعب إسرائيل في برية سيناء .

الآب هو الذي أرسل ابنه الوحيد و الحبيب للعالم ...
( و لكن لما جاء مل‘ الزمان أرسل الله ابنه مولوداً من أمرآة مولوداً تحت الناموس ) غلاطية 4 / 4
( لأنه هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية ) يوحنا 3 / 6 .
ملاحظة :- هناك الكثير و العديد من الشواهد الكتابية و المواقف التاريخية الموجودة في تاريخ الخلاص ، و لكننا نكتفي هنا بالتلميح فقط عن بعض الأحداث المعروضة أعلاه .

الابن :- هو الذي تجسد و صار أنساناً ، وهو الذي تعمد في نهر الأردن ، وهو الذي خرج للبرية ليُجرب من إبليس ، و هو الذي أختار رسل و تلاميذ لأجل إظهار ملكوت الله علي الأرض ، و هو الذي مات و دفن في القبر ثلاثة أيام – ثم قام من بين الأموات و صعد إلى السماوات و هو الذي سوف يأتي مرة ثانية ليدين العالم ( الأحياء و الأموات ) .

( أجاب يسوع و قال لها ، كل من يشرب من هذا الماء يعطش أيضا ، و لكن من يشرب من الماء الذي أعطيه أنا فلن يعطش إلى الأبد ، بل الماء الذي أعطيه يصير فيه ينبوع ماء الي الحياة الأبدية )
" يوحنا 4 / 13 : 14 " .

( لأن الآب يحب الابن و يريه ما هو يعمله ، و سيريه أعملاً أعظم من هذه لتتعجبوا أنتم ، لأنه كما أن الآب يقيم الأموات و يحي ، كذلك الابن أيضا يحي من يشاء لأن الآب لا يدين أحد بل قد أعطى كل الدينونة للابن لكي يكرم الجميع الابن كما يكرمون الآب ) يوحنا 5 / 20 : 23 .

( فقال لهم يسوع الحق الحق أقول لكم أن لم تأكلوا جسد أبن الإنسان و تشربوا دمه فليس لكم حياة فيكم، من يأكل جسدي و يشرب دمي فله حياة أبدية و أنا أقيمه في اليوم الأخير ) يوحنا 6 / 53 : 54

( ثم كلمهم يسوع أيضا قائلاً : أنا هو نور العالم ، من يتبعني فلا يمشي في الظلمة بل يكون له نور الحياة ) يوحنا 8 / 12 .

الروح القدس :- هو روح المحبة .
( و الرجاء لا يخزى لأن محبة الله قد انسكبت في قلوبنا بالروح القدس المعطي لنا ) رومية 5 / 5 .

الروح القدس هو الذي بحولنا إلى أبناء لله .
( إذ لم تأخذوا روح العبودية أيضا للخوف بل أخذتم روح التبني الذي به نصرخ يا أبا الآب ، الروح نفسه يشهد لأرواحنا أننا أولاد الله ) رومية 8 / 15 : 19 .

الروح القدس هو الذي يعلمنا كيف نصلي .
( و كذلك الروح أيضا يعين ضعفاتنا ، لأننا لسنا نعلم ما نصلي كما ينبغي ، و لكن الروح نفسه يشفع فينا بأنّات لا ينطق بها ) رومية 8 / 26 .
الروح القدس هو الذي يبرر المؤمنين و يقدسهم .
الروح القدس هو الذي يعلمهم و يرشدهم للحق الذي هو يسوع المسيح .
الروح القدس يحقق الخلاص بشكل خاص داخل المؤمن إذ يجعله يختبر شخص المسيح على مستوى عميق جداً .
الروح القدس هو الذي يذكر المؤمنين بشخص و تعليم المسيح .
الروح القدس هو الذي يجعل الكنيسة في حالة تكامل و توافق و انسجام عن طريق المواهب و العطايا ، و بالتالي تصبح جسد المسيح السري .
الروح القدس هو الذي يجعل الكنيسة تنتظر بشوق و حب مجيء المسيح الثاني .

النتيجة :-
1 - كل أقنوم داخل الثالوث متميز عن الأخر .
2 – كل أقنوم له مهمته و مسئوليته و أسلوبه الخاص ( فالآب متميز عن الابن و الابن متميز عن الروح القدس و الروح القدس متميز عن الآب و الابن معاً ، وعمل الآب متميز عن عمل الابن و الروح القدس ، و عمل الابن متميز عن عمل الآب و الروح القدس ) .
3 – داخل الثالوث يوجد احترام و تقدير لمسئولية كل أقنوم من قبل الأقنومين الأخريين ، و كذلك يوجد احترام و تقدير لأسلوب كل منهم .
4 – أن الثالوث يعمل معاً عملاً موحداً أو واحداً ، في زمناً واحداً و له هدفاً واحداً ، كما أن جوهراً واحداً أيضاً ، و لكن هذه الوحدة الجوهرية و الكيانية و العمل الواحد الذي هو الخلاص، و الزمن الواحد لم يمنع وجود التمايز أيضا داخل الثالوث .
• العهد القديم هو زمن الآب ، و هو الذي يبدأ بالخلق و الأعداد و التهيئة ، و لكن هذا لم يمنع اشتراك الابن و الروح القدس مع الآب .
• العهد الجديد هو زمن عمل الابن ، وهو الذي يبدأ بالتجسد و أعلان مبادئ ملكوت الله و قوانينه ، و اختيار الرسل ، و الصلب و الموت ، و القيامة ، و حتى الصعود ، و لكن هذا لم يمنع اشتراك الآب و الروح القدس في العمل أيضاً .
• زمن الكنيسة هو زمن الروح القدس ، و الذي يبدأ بحلول الروح القدس و كل عمل الروح القدس حتى المجيء الثاني و اكتمال الأزمنة، و لكن هذا لا يمنع من اشتراك الآب و الابن في العمل مع الروح القدس .
5 – أن التمايز في الأقانيم و في العمل و الأسلوب لا يجعلنا نسيان الوحدة الجوهرية و الكيانية داخل الثالوث ، كما يجب علينا أن لا ننسى التوافق في الهدف و الغاية الواحدة التي هي للثالوث القدوس و هي خلاص البشرية .
هل داخل الجماعات البشرية و بالأخص الكنيسة نجد لكل شخص تميزه عن الأخر ؟
هل نجد له مسئولية متميزة عن الأخر ، وفق مواهبه و قدراته ؟
هل ندعه يستخدم أسلوبه الخاص فيما يخص العمل في حدود مسئوليته أم تفرض عليه أساليب أخرى قد لا توافقه و لا تتفق مع العمل الذي يقوم به ؟
هل نعترف بأن الآخرين متميزين عنا بقدراتهم و خصائصهم ؟
هل نقتنع بأن الاعتراف بالأخر و بمسئوليته و تميزه عنا لا يعني الموت أو الاختفاء لنا ؟
كيف نقول أننا نعمل للصالح العام أو الخير العام و نحن لا نريد أن نشرك الأخريين معنا في العمل و نريد أن نعمل كل شئ بمفردنا ، و كأننا نخشى على أنفسنا من مزاحمة الأخريين في غنيمة أو مطمع شخصي ؟

أن مجتمعنا المدني و الكنسي يرفض الأخر أو التعاون معه خوفاً من أ، الأخر يزاحمه المجد أو الشهرة أو السلطة أو خوفاً من مقاسمته المكسب أو الربح ، و قد يكون السبب هو الخوف من أن يفرض هذا الأخر سطوته أو سيادته .
في حالة قبول الأخر كواقع لا مفر منه ، علينا أن نتوقع الصراع و التنافس و الاحتكاك الدامي لأجل إخضاع هذا الأخر لسطوتنا أو مسئوليتنا حتى لا يٌخشى هذا الأخر .
علينا أن نتعلم من الثالوث كيفية الاحترام و التقدير ، كما يحدث من كل أقنوم للأخر و لمسئولته و عمله .
علينا أن نمنح الفرصة للأخر لكي يقوم بدوره في الحياة و لا نبتلعه أو نزيله أو نخشى منه .
علينا أن نساعد الأخريين لابراز ما لديهم منم قدرات و مواهب في مجالات الحياة لأجل الهدف المنشود و هو خير المجتمع و البشرية و لخدمة الإنسانية أو الكنيسة و ملكوت الله .


عاشراً :- الرؤية الموحدة للثالوث القدوس .
( لأن هذا حسن و مقبول لدى مخلصنا الله ، الذي يريد أن جميع الناس يخلصون و الي معرفة الحق يقبلون ) 1 تيموثاوس 2 / 3 : 4.

من هذه الاية نفهم أن للثالوث القدوس رؤية مشتركة و هدف واحد و هو خلاص الإنسان ، الآب و الابن و الروح القدس له رؤية مشتركة و هدف واحد و هو العمل لأجل خلاص الإنسان و يوجد داخل الثالوث القدوس أسلوب متميز في الأداء و لكن الهدف واحد .

( فأجاب يسوع و قال لهم الحق الحق أقول لكم لا يقدر الابن أن يعمل من نفسه شيئاً إلا ما ينظر الآب يعمل ، لأن مهما عمل ذاك فهذا يعمله الابن كذلك ) يوحنا 5 / 19
( فقال لهم يسوع ، متى رفعتم أبن الإنسان فحينئذ تفهمون أني أنا هو و لست أفعل شيئاً من نفسي بل أتكلم بهذا كما علمني أبي ، و الذي أرسلني هو معي و لم يتركني الآب وحدي لأني في كل حين أفعل ما يرضيه ) يوحنا 8 / 28 : 29 .
( .......قائلاً يا أبتاه أن شئت أن تجيز عني هذه الكأس ، و لكن لتكن ل ا أرادتي بل أرادتك ) لوقا 22 / 42 .
( لأني لم أتكلم من نفسي لكن الآب الذي أرسلني هو أعطاني وصية ماذا أقول و بماذا أتكلم ) يوحنا 12 / 49 .
( لذلك عند دخوله إلى العالم يقول ذبيحة و قرباناً لم يرد ، و لكن هيأت لي جسداً بمحرقات و ذبائح للخطيئة لم تسر ، ثم قلت هنذا أجئ في درج الكتاب مكتوب عني لأفعل مشيئتك يا الله أذ يقول آنغاً إنك ذبيحة و قرباناً و محرقات و ذبائح للخطيئة لم ترد و ل سررت بها ، التي تقدم حسب الناموس ، ثم قال هنذا أجئ لأفعل مشيئتك يا الله ) عبرانيين 10 / 5 : 9 .

و تحدث المسيح عن الروح القدس فقال : ( و أما متى جاء ذاك روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحق لأنه ل يتكلم من نفسه بل كل ما يسمع يتكلم به و يخبركم بأمور آتية ، ذاك يمجدني لأنه يأخذ مما لي و يخبركم ، كل ما للآب هو لي ، لهذا قلت إنه يأخذ مما لي و يخبركم ) يو 16/ 14: 15.

أن كل أقنوم يقوم بمهمته الأساسية و في نفس الوقت هذه المهمة أو العمل الذي يقوم به هذا الأقنوم يكمل عمل الأقنوم الأخر ، و ذلك لأجل الهدف الواحد و الغاية الواحدة .

فالابن لا يعمل بشكل منفرد أو مستقل أو لأجل هدف أخر مستقل ، فالابن يعمل عمله الخاص لأجل هدف الآب ، و الروح القدس لا يأتي بجديد ، بل يقوم بمهمته و عمله لأجل هدف الابن الذي هو هدف الآب أيضا .

يوجد داخل الثالوث انسجاما و توافقاً و تكاملاً في المهمة و الهدف ، كما أن الثالوث له جوهر واحد و طبيعة ألهيه واحدة ، كل أقنوم يحقق ذاته من خلال الأقنومين الأخريين ، كل أقنوم متميز بعمله و لكنه مرتبط بالأخر ، كما أنه لا يوجد انفصال أو استقلال أو انفرادية .

داخل الثالوث لا يوجد تعددية مستقلة كأرقام ، بل وحدة جوهرية و كيانية مع وجود تمايز بين الأقانيم الثلاثة .

داخل الثالوث نجد أن كل أقنوم يتبنى مشروع و هدف الأخريين ، و بالتالي نجد أن هناك وحدة كيانية مشتركة .

هل يوجد بين البشر الرؤية المشتركة و الوحدة في الهدف ، مع الاحتفاظ بالتمايز للأشخاص و خصائصهم ؟

هل يوجد الاتزان و التوازن فيما بين البشر ؟ أليس الواقع يقول أن هناك فرض لسطوة الواحد على الأخر ، و من الفرد على الجماعة أو بابتلاع الجماعة للفرد ؟

هل يوجد التوازن بين ما هو مشترك و جماعي و بين مهمة كل فرد داخل الجماعة ؟

لكي نتحرر من التناقضات البشرية في داخلنا ، و لكي نحقق التوازن و الاتزان في العلاقات الإنسانية ، علينا بالرجوع للتأمل في حياة الثالوث القدوس .

الحادي عشر :- تقدير و تقديم كل أقنوم للأخر داخل الثالوث القدوس .
داخل الثالوث نجد أن كل أقنوم يقدر و يقدم الأخر و يعطيه قدره ، كل أقنوم يعمل على تهيئة البشر و الظروف أمام الأخر و تقديمه .

• - تقديم المسيح للآب :-
( أنا أظهرت أسمك للناس الذين أعطيتني من العالم ) يوحنا 17 / 6 .
( و عرفتهم أسمك وسأعرفهم ليكون فيهم الحب الذي أحببتني به و أكون أنا فيهم ) يو 17 / 26
( الله لم يره أحد قط ، الابن الوحيد الذي في حضن الآب هو خبر ) يوحنا 1 / 18

• - تقديم الآب للابن :-
( فلما أعتمد يسوع صعد للوقت من الماء ... و صوت من السموات قائلاً هذا هو أبني الحبيب الذي به سٌررت ) متى 3 / 16 : 17 .
( و صوت من السحاب قائلاً هذا هو أبني الحبيب به سٌررت ، له أسمعوا ) متى 16 / 5


• - تقديم الروح للابن :-
في كل أحداث يسوع من قبل الحبل به حتى أخر الأيام و الروح القدس يقدم للمسيح و يهيئ له ، ولكن نكتفي ببعض الآيات و الشواهد .

( و لكن فيما هو متفكر في الأمور ، إذ ملاك الرب قد ظهر له في الحلم قائلاً – يا يوسف ابن داود لا تخف أن تأخذ مريم آمراتك ، لأن الذي حٌبل فيها هو من الروح القدس ) متى 1 / 2 .
توضح هذه الآية أن – الآب يرسل الملاك ليعلن ليوسف أن حالة الحمل التي فيها العذراء مريم هي نتيجة لعمل الروح القدس ، و عليه القبول و الخضوع لعمل و تهيئة الروح القدس .

( فأجاب الملاك و قال لها ، الروح القدس يحل عليكِ و قوة الله العلي تظللكِ فلذلك أيضاً القدوس المولود منكِ يٌدعى ابن الله ) لوقا 1 / 35 .
توضح هذه الآية شرح الملاك للعذراء نتيجة عمل الروح القدس و الآب معاً و أن المولود منها هو قدوس و ابن الله .

( و أذا السموات قد انفتحت له فرأى روح الله نازلاً مثل حمامة و أتيا عليه ) متى 3 / 16 .
توضح هذه الآية أنه يوم عماد المسيح أستقر عليه الروح القدس في هيئة حمامة ليعلن عن هوية و شخصية المسيح و يؤيد خطواته لأجل ملكوت الله .

( و شهد يوحنا قائلاً أني قد رآيت الروح نازلاً مثل حمامة من الماء فأستقر عليه ، و أنا لم أكن أعرفه ، لكن الذي أرسلني لأعٌمد بالماء ذاك قال لي الذي ترى الروح نازلاً مستقراً عليه فهذا هو الذي يًعمد بالروح القدس ) يوحنا 1 / 32 : 33 .
توضح هذه الآية أن تقديم الروح القدس لشخص المسيح في يوم عماده جعل يوحنا المعمدان يتعرف على المسيح ، وهذه شهادة المعمدان في هذا الأمر .

• - تقديم المسيح للروح القدس :-
المسيح يقدم الروح القدس للتلاميذ و الرسل ، و يعرض مهمته بالنسبة للكنيسة .
( و أنا أطلب من الآب فيعطيكم معزياً أخر ، ليمكث معكم الي الأبد ، روح الحق الذي لا يستطيع العالم أن يقبله لأنه لا يراه و لا يعرفه ، و أما أنتم فتعرفونه لأنه ماكث معكم و يكون فيكم ) يوحنا 14 / 16 : 17 .
( و أما المعزي الروح القدس الذي سيرسله الآب بأسمى فهو يعلمكم كل شئ و يمدكم بكل ما قلته لكم ) يوحنا 26 / 14 .
( لكني أقول لكم الحق أنه خير لكم أن أنطلق ، لأنه أن لم أنطلق لا يأتيكم المعزي ، و لكن أن ذهبت أرسله إليكم ، و متى ذاك يبكت العالم على خطيئة و على بر و على دينونة ) يوحنا 16 / 7 : 8 .
( و ها أنا أرسل إليكم موعد أبي فأقيموا في مدينة أورشليم الي أن تلبسوا قوة من الأعالي ) لوقا 24 / 49 .
( لكنكم ستنالون قوة متى حل الروح القدس عليكم و تكونون لي شهوداً في أورشليم و في كل اليهودية و السامرة و الي أقاصي الأرض ) أعمال الرسل 1 / 8 .

هذا التقديم و التقدير من كل أقنوم للأخر داخل الثالوث القدوس يعبران عن الاحترام المطلق القائم في داخله و فيما بينهم ، هذا الاحترام المطلق ينبع من المحبة المطلقة القائمة في الكيان الثالوثي الواحد و الطبيعة ألا لهيه الواحدة .

و أذا أردنا معرفة أهمية و قيمة التقدير النابع من الاحترام في العلاقات الإنسانية نقول : -
1- أن الاحترام يساعد على نمو و استمرارية و ديمومة العلاقات الإنسانية و أن قلة الاحترام في العلاقات البشرية تؤدي إلى تقهقر و تراجع العلاقات بين الإنسان و أخيه الإنسان ، و قد تصل إلى تلاشياً نهائياً .
2- أن محاولة الأشخاص أو الأفراد في الاقلال من شأن الأخر أو التهاون به ، دون مراعاة لكيانه البشري القائم يؤدي إلى قطع حبل المودة بينهم

النقد الذي نستطيع أن نوجهه للعلاقات البشرية أو الإنسانية :-
أن الشخص يتمنى أن يمحي أثر الأخر ، و يتمنى أزليته نهائياً ، و يٌظهر عيوبه و أخطاءه ، و يحاول محاولة جادة في أن يصبح الأخر مكروهاً من قبل الناس أو الأخريين .

أن الشخص لديه الرغبة في أن يكون المطلق في مكانه ، وله اليد الطولى و العليا بين الناس ، و أسمه
يتردد على كل لسان .
فكيف يقدم الأخر للمجتمع بهذا الشكل؟
كيف يقدم الإنسان الأخر في مجالات الحياة؟ و هو يظن و يفكر أن هذا الأخر يزاحمه في مكانته الاجتماعية و يحد من حريته و سلطته .
كيف يقدم الأخر و هو لا يريد إلا ذاته؟ و لأن ظهور الأخر بين الناس يعني في تفكيره و ظنه ملاشاة لوجوده الشخصي .

الثاني عشر :- الفرح و السرور داخل الثالوث .
داخل الثالوث يوجد الفرح الحقيقي و الأصيل ، الفرح الدائم و المستمر حيث يفرح كل أقنوم بالأخر و مما يساعد على الفرح داخل الثالوث هي الوحدة الجوهرية و الكيانية .

فرح الآب هو فرح الابن ، و فرح الابن هو فرح الآب ، و كذلك الروح القدس ، و الآب يٌسر و يفرح بالابن .
( هذا هو ابني الحبيب الذي به سًررت ) متى 16 / 5 ، و كل ما يفرح الابن يفرح الآب ايضاً .
( و يأتي إلى بيته و يدعو الأصدقاء و الجيران قائلاً لهم أفرحوا معي لأني وجد خروفي الضال ، أقول لكم أنه هكذا يكون فرح في السماء بخاطئ واحد يتوب أكثر من تسعة و تسعين باراً لا يحتاجون إلى توبة ) لوقا 15 / 6 : 7 .
( في تلك الساعة تهلل يسوع بالروح و قال أحمدك أيها الآب رب السماء و الأرض ) لوقا 10 / 21

• - الفرح يعبر عن طبيعة الله كما أن المحبة تعبر عن طبيعته ، و الفرح يرتبط بالحب ارتباطا وثيقاً ، و هذا الارتباط غير قابل للانفصام أو الانفصال .
• - الفرح داخل الثالوث ينبع من فرح كل أقنوم بالأخر ، و كما أ، الحب متبادل داخل الثالوث ، هكذا الفرح أيضا متبادل بينهم .
• - يفرح كل أقنوم بعمل الأخر و إنجازاته ، و يصبح فرحاً جماعياً داخل الثالوث ، و علينا أن نذكر أمثلة على ذلك :-
1- في قصة الخلق .. بعد أن خلق الله الإنسان – قال الله ( أن هذا حسن جداً ) ، فلنا أن نتصور و الابتسامة الموجودة لدى كل أقنوم معبراً عنهما للأخر ، لتكون بمثابة التهنئة بالعمل العظيم ، و خاصة للآب الخالق .
2- في عيد الظهور الإلهي ( الغطاس ) عيد عماد المسيح ، نجد أن السماء انفتحت و تكلم الآب قالاً ( هذا هو ابني الحبيب الذي به سٌررت ) لوقا 3 / 22 - و نجد أن الروح القدس ( نزل عليه بهيئة جسمية مثل حمام ) لوقا 3 / 22 – علامة فرح و سرور من الآب و الروح القدس بالابن ، و علامة تأييد منهما له ، لهذه الخطوة نحو العمل و الكرازة لأجل الملكوت .
3- في بحث المسيح عن الخاطئ يقول الكتاب .. ( أقول لكم أنه هكذا يكون فرح في السماء بخاطئ واحد يتوب أكثر من تسعة و تسعين باراً لا يحتاجون إلى توبة ) لوقا 15 / 7 – السماء هي رمز لحضور و وجود الله و الملائكة و القديسين و الأبرار – ( هكذا أقول لكم ، يكون فرح قدام ملائكة الله ) لوقا 15 / 10 – ( فقال الآب لعبيده أخرجوا الحٌلة الأولى و البسوه و اجعلوا خاتماً في يده و حذاءً في رجليه ، و قدموا العجل المسمن و أذبحوه ، فتأكل و نفرح لأن أبني هذا كان ميتاً فعاش ، و كان ضالاً فوجد ، فأبتدوا يفرحون ) لوقا 15 / 22 : 24 - الفرح في السماء يتم بإعلان الآب ، انه فرح حقيقي و هذا ما نفهمه من تعبيراً فأبيدوا يفرحون ، بدء الفرح بإعلان الآب لجوقة الملائكة و لسكان السماء أن هذا فرح .
4- بعد موت و قيامة المسيح و صعوده إلى السماء ، و رجوعه إلى مجده و ملكه الذي تخلى عنهما لحظة تجسه ، كانت هناك حفلة عظيمة من الآب و الروح ، و من قبل سكان السماء بمناسبة عودة الملك لملكه و لمجده ، و كانت هذه الحفلة مهمة جداً في السماء ، و ذلك لمناسبتين مهمتين و هما رجوع المسيح لملكه و جلوسه على عرشه عن يمين الآب ، و المناسبة الأخرى هي بمثابة افتتاحية لعمل الروح القدس مع الكنيسة و داخل الكنيسة و ذلك في يوم العنصرة ، و سوف تكون حفلة عظيمة على السحاب في المجيء الثاني ، هذه الحفلة تعبر عن فرح الثالوث الأقدس برجوع الكنيسة و انتصارها على الشر و الخطيئة ، و هذه الفرحة لا نهاية لها .

( فأنتم كذلك عندكم الأن حزن ، و لكني سأراكم أيضاً فتفرح قلوبكم و لا ينزع أحد فرحكم منكم ) يوحنا 16 / 22 .
أن حياة الثالوث عبارة عن فرح مستمر و دائم ، فرح لا يقهر ولا يهزم على الإطلاق .
العالم اليوم تسوده موجة من الحزن ، و يتملكه الشعور بالاكتئاب ، كثيرة هي الأحزان و ضئيلة أو قليلة هي المسرات و الأفراح ، و هذه الأخيرة تكون على مستوى السطح و محدودة و زمنها محدود و ضئيل .

أين الفرح داخل الأسرة بمولود جديد ؟
أين الفرح داخل العائلة بأفرادها ؟
أين فرح الأبناء بالأباء و الأمهات ؟
أين الفرح بين أعضاء الجماعة الواحدة في المجتمع ؟

أن الأفراح و المسرات يصطنعها الإنسان كمحاولة منه للخروج من الوضع الراهن و الواقع المؤلم و المحزن ، و هذه المحاولات تنتهي قبل أن تبدأ .

الثالث عشر :- العدالة في داخل الثالوث .
العدالة داخل الثالوث هي عدالة اجتماعية حقيقية لها أصولها و قواعدها ، و هذا بالطبع أذا جاز لي التعبير في التسمية الأساسية و هي العدالة داخل الثالوث .

أن العدالة داخل الثالوث هي عدالة مطلقة ، و بعيداً عن عدالة الثالوث لا نجد للعدالة الاجتماعية من معنى أصيل لها .

*- عدالة الثالوث مبنية على الحب :-
داخل الثالوث توجد محبة مطلقة ، و بالتالي عدالة مطلقة ، و العدالة المطلقة تنبع من المحبة المطلقة ، و مع المحبة يتلاشى الخوف ، الظلم ، الاستغلال ، التسلط ، و الأنانية .

*- عدالة الثالوث مبنية على التساوي بين الأقانيم :-
لا توجد عدالة حقيقية أن لم تكن مبنية على التساوي و الوحدة ، فالعدالة لا تكن لها قائمة في ذوبان أو تلا شئ أو هضم الأخر ، داخل الثالوث لا يوجد ذوبان أو تلاشي لأقنوم في الأخر ، و لا تكن قائمة لأقنوم على حساب الأخر ، لا يوجد داخل الثالوث أقنوماً أفضل أو أعظم أو أقدم أو أكبر من الأخر ، كما أنه لا توجد أفضلية أو أولوية لاقنوم على أخر ، الآب أقنوم ، الابن أقنوم ، الروح القدس أقنوم ، ثلاثة أقانيم في جوهر واحد و طبيعة إلهيه واحدة و كيان واحد هو الله .

- الابن يحقق ذاته من خلال التجسد و الصلب و القيامة .
- الروح القدس يحقق ذاته من خلال وجوده في الكنيسة.
داخل الثالوث كل أقنوم يحقق ذاته بشكل واضح متميز ، دون أن ينفصل أو يستقل عن الأخر ، لأن تحقيق الذات مرتبط بالأخر .

+ ) العدالة داخل الثالوث تٌقييم العدالة بين البشر :-
لا تقوم عدالة في مجتمع لا يكون فيها الأشخاص متساويين .
لا تقوم عدالة في مجتمع لا يسوده الحب .
لا تقوم العدالة في مجتمع يسعى فيه الواحد ليذيب و يلاشي الأخر ، و يعمل على امتصاصه أو التسيد و التسلط عليه .
لا تقوم عدالة في مجتمع يتصف بالأنانية ، يستخدم فيه أسلوب الانتهازية و الوصولية و التعالي و الاحتقار و رذل الأخر .
لا تقوم العدالة في مجتمع لا يشارك ولا يتقاسم أفراده الحياة و الخيرات .
لا عدالة في مجتمع مغلق على ذاته و غير منفتح ، لا يرى الشخص الا ذاته و مصالحه فقط لا غير .
+ ) العدالة بمعنى التكاملية و التعادلية :-
الآب يعمل ، و الابن يعمل ، و الروح يعمل ، و هذا العمل هو واحد و مشترك ، و لأجل هدف واحد ، و هذا التكامل داخل الثالوث على المستوى الكياني ، و ليس فقط على مستوى العمل ، فلا وجود للآبوه إلا بالبنوة ، و لا وجود للبنوه إلا بالآبوه .
و هكذا بدون الآب لا وجود للابن ، و بدون الابن لا وجود للآب ، و الروح القدس هو الذي يربط بين الآب و الابن ، فنجد داخل الثالوث القدوس التكامل ، و التبادل ، و الوحدة الحقيقية .
+ ) العدالة بمعنى تحقيق الذات :-
كل أقنوم داخل الثالوث القدوس متميز عن الأخر و متميز بخصائصه و عمله ، و كل أقنوم يحقق ذاته على مستوى الحياة داخل الثالوث ، و كذلك على مستوى العمل تجاه البشر .

الآب يحقق ذاته بالابن ، و الابن يحقق ذاته بالآب ، و الروح القدس يساعد الآب و الابن على تحقيق الذات بالربط ، و بالتالي يحقق ذاته من خلال الصلة و الرابطة التي يجمع فيها الآب و الابن .
الآب يحقق ذاته من خلال الخلق و تدبير الخلاص .
لا عدالة في مجتمع لا يسوده المشاركة على مستوى الحياة مع الأخريين .
لا عدالة في مجتمع لا يشترك فيه الواحد مع الأخر في المصير الواحد و الهدف الواحد و المشترك و ذلك بالتعاون .
أين العدالة .... سؤل يطرح علي الضمير الإنساني .
أين العدالة التي فيها يٌسلب الإنسان أجره اليومي ؟
أين العدالة التي في فيها تزداد فجوة الطبقية ازديادا رهيباً ملحوظاً ؟
أين العدالة التي في مجتمع تٌنتهك فيه كرامة الإنسان و حريته ؟
أين العدالة في مجتمع تكثر فيه المظالم و الشكاوي التي تعبر عن كثرة من المظلومين و المقهورين و الكادحين ؟
أين العدالة و هناك من يبيحون دم الأبرياء لمجرد الاختلاف معهم في الرأي أو السياسة أو المذهب أو الدين ؟
أين العدالة في مجتمع فيه البعض يجعلون من أنفسهم أوصياء و أمراء و حكام على الآخرين ؟
أين العدالة و هناك من يقرر مصير الآخرين دون أن يشركهم فيه بل و يقهر إرادتهم على ذلك ؟
أين العدالة و هناك ثروات متكدسة في مكان ما و المكان الأخر يكاد تنعدم فيه الثروات ؟
أين العدالة و هناك شعباً يحتاج للقوت الضروري و اليومي في اللحظة التي يٌلقى فيها الفائض من الثروات و الخيرات في البحار و المحيطات ؟

لا نظن أن الله هو علة هذا الخلل الاجتماعي في توزيع الخيرات بين البشر ، و لكن العلة الأولى هي الأنانية و الطمع و الجشع لدى الإنسان .

أن الله عادل و يٌريد للجميع التعايش و التقاسم في الخيرات و الحياة بالعدل .









































































































Enter content here

Enter supporting content here

الموقع من تصميم /اليفاز