Make your own free website on Tripod.com
altagsd we taaseroh
Home
alasor alwosta
altagsd we taaseroh
althaloth we alalakat alagtmaia
alsalah end treesa
hawet almasehe
smile
drast klmat allah
hawet almasehe
alhabl bla dans
aldlil alrohy
alhob(the love)
alsalah alkalbia
hdor alah alaeem
alalmanieon
alfarah fe alktab almokads
almahba byn alfalsafa we alwegood
abona (aghstinos)

نزل الكتاب على جهازك من اللينك

التجسد وتأثيره على المجتمع المعاصر

التجسد وتأثيره على المجتمع المعاصر

المقدمة

بعد الحديث عن مجتمع الثالوث، وبالمقارنة بمجتمعنا
المعاصر نجد أن هناك فجوة بين المجتمعين حيث إننا نجد أن هناك مجتمعاً مثالياُ وعلى الجانب الآخر مجتمعا واقعياً والسؤال المطروح علينا هو..
كيف نجتاز الهوة بين المجتمعين، مجتمع الثالوث ومجتمعنا البشرى؟
كيف نوفق بين المثالية في مجتمع الثالوث والواقعية في مجتمع البشر؟
ونحن نعلم أن...
الإنسان لا يستطيع أن يكون مثالياً، وإن كان يرغب ويريد في أن يكون مثالياً، ولذلك يحدث صراع وتمزق ونزاع داخل الإنسان بين الواقع الذي هو عليه، وبين المثالية التي يسعى إليها.

أولاً: المعضلة الأساسية بين المثالية والواقعية.

نكتشف في رؤية أشعياء النبي حقيقة الصراع الأساسي
التي يعانى منها الإنسان..
" فقلت ويل لي إني قد هلكت لأني إنسان نجس الشفتين وأنا ساكن بين شعب نجس الشفتين لأن عيني قد رأتا الملك رب الجنود."
إن أشعياء رأى السيد الرب جالساً على عرشه، وحوله الطغمات السماوية المختلفة والمتنوعة، وهم ينشدون له نشيد المجد ويعلنون قداسه الله، رأى إشعيا ذاته على حقيقتها، وأدرك الهوة بينه وبين الله. لم تكن هذه الرؤية التي رآها أشعياء النبي تخصه فقط، بل تشمل البشر جميعاً، وبالتالي تكشف الهوة العميقة والموجودة بين مجتمع الله السامي والفائق، ومجتمع البشر المدنس والنجس.
إن الله هو القدوس بمعنى المنفصل عن سائر المخلوقات والمتميز بقدرته السرمدية اللامتناهيه، وإن مجتمع البشر أمامه ليس إلا حفنه من تراب ورماد، كما تحدث إبراهيم..
" فأجاب إبراهيم وقال .. إني قد شرعت أكلم المولى وأنا تراب ورماد."
الله هو القدوس وهو الحي، وكل شئ سواه عدم ..
" فبمن تشبهونني فأساويه يقول القدوس " ( أش 40-25 ).
" أنا الرب وليس آخر، لا اله سواي، نطقتك وأنت لم تعرفني. "
( أش 45-5 ).
وحينما يكشف الله عن ذاته، يتجلَّ بسمو كيانه، أي في مجده: الكثافة المشعة لحضوره وحياته.
" ثم قال أنا إله أبيك إبراهيم وإله إسحاق واله يعقوب فغطى موسى وجهه لأنه خاف أن ينظر إلى الله" ( خر 3-6 ).
"كمنظر القوس التي في السحاب يوم مطر هكذا منظر اللمعان من حوله. هذا منظر شبه مجد الله " ( حز 1-28 ) .
ولا يسع الإنسان إلا أن يعفر وجهه في التراب أو الأرض ساجداً أمام مجد الله الحي.
ومن هنا نجد السؤال المهم الذي يطرح ذاته وهو :
كيف نعبر هذه الهوة؟ كيف نجتاز هذه الهوة بين الله والإنسان؟
ما هي الوسيلة التي نعبر بها الهوة الموجودة والتي تفصل بين مجتمع الله ومجتمع الشر؟

ثانياً: شخص المسيح هو حل المعضلة.

إن موقف الإنسان إزاء هذه المعضلة هو موقف العاجز، الذي لا يقدر على اتخاذ خطوة بمفرده للعبور من هذه الهوة أو التقليل من حدتها. ولكن بفضل شخص المسيح صار الإنسان غير عاجز عن العبور من هذه الهوة العميقة، وإزالة الحواجز بين مجتمع الله والبشر.بل والدخول أيضا فى مجتمع الثالوث.

بفضل شخص المسيح، صار هناك حوارً وتداخل بين مجتمع الثالوث ومجتمع البشر. فبين مجتمع الثالوث، وبين مجتمع البشر، يوجد يسوع المسيح بين الاثنين. فيسوع المسيح هو أقنوم من الثالوث وهو صديق للبشر، وواحد منهم من جهة أخرى. توجد عدة نتائج عن هذا التباين بين المثالية والواقعية، تكشف لنا عن الواقع الانسانى وكيفية تعامله مع هذا التباين.
1 - التقوقع على الواقع والاستسلام له، وذلك لأن الإنسان عاجز عن تحقيق المثالية التي يتمناها.
2- رفض الواقع والعيش في المثاليات أو في عالم المثل، وهذا يشكل في حد ذاته عدة صدمات وأزمات بين الإنسان والواقع أو المجتمع الذي يوجد فيه.
3- هناك قبول للواقع مع محاولة التغيير عن طريق مسيرة تتجه نحو تحقيق المثالية (أو مع محاولة للاتجاه نحو المثالية) وإن كانت هذه المسيرة تسير سيراً بطيئاً، وفى أحياناً أخرى يخطو الإنسان خطوة للإمام ويتراجع عدة خطوات للوراء.
4- وفيه من يقبل الواقع مع محاولات لفهم المثاليات فهماً عقلياً أو ذهنياً، ليخضعها للمنطق وبالتالي للواقع.
5- لقد عجز الإنسان منذ القدم عن تحقيق الاتزان والتصالح بين المثالية والواقعية.
6 - ومن هنا نجد أهمية تجسد المسيح الذي لوجوده ولحضوره و عن طريقه وفى شخصه يتحقق الاتزان، ويتم التصالح بين المثالية والواقعية، في الأشخاص والمجتمعات المختلفة.
في المسيح تزول الفجوة أو الهوة التي بين الله والبشر، بين المجتمع المثالي المعبر عنه بالقداسة، لأن الله قدوس، وبين الواقعية التي تمثل واقع البشر المتردي (واقع البشرية الخاطئة).





ثالثاً: المفهوم اللاهوتي لسر التجسد في حد ذاته.

إن المفهوم اللاهوتي الصحيح يساعدنا بالأكثر على الدخول
في مجال التطبيق العملي الصحيح.ولا ننسى أن اللاهوت المسيحي ليس باللاهوت النظري فقط، بل هو الذي يتخلل حياتنا وأعمالنا. إن اللاهوت المسيحي حياة تقودنا إلى الحياة، وبالتالي يساعدنا على الكشف عن ماهية الحياة وكيفية تطبيقها في المجال العلمي.
نحن لا نستطيع أن نعيش حياة الانفصام والازدواج بين لاهوتنا وحياتنا، لأن الذي يعطى معنى لحياتنا هو مقدار ما نؤمن به ونعتقد به كمنبع ومصدر لهذه الحياة.
وكما أن الإيمان بالثالوث يعطى لحياتنا الاجتماعية والعملية والشخصية معنى، كذلك الإيمان بسر التجسد يضفى على حياتنا المعنى نفسه.
‌أ- التجسد يعطى التاريخ البشرى المعنى (داخل الزمان، والمكان):
التجسد هو الكلمة صار جسداً وحل بيننا. عظيمٌ هو سر التقوى، الله ظهر في التجسد.

‌ب- بالتجسد يدخل الله التاريخ أى فى داخل الزمان والمكان.
وهنا نرى تغييراً غير عادى يحدث في الزمان:فهل نشعر بهذا التغيير في التاريخ ؟ لكي يدرك الإنسان هذا التغيير، لابد أن يلاحظ علاقته بشخص المسيح. فالشخص القريب من المسيح يختلف عن الشخص البعيد عنه ، ومن هنا فقط نستطيع أن نلاحظ الفارق بين الاثنين . ولكي نقترب بالتدريج إلى المعنى الحقيقي لتغيير الزمان، علينا أن نلاحظ إن التاريخ بمجيء المسيح له المجد قد أنقسم إلى جزئيين: ما قبل المسيح، وما بعد المسيح. لقد نال التاريخ معناه بتجسد المسيح ، لقد نال ملئه واكتماله . والإنسان الذي عرف المسيح وقبله في حياته قبولاً حقيقياً، يتغير جذرياً في حياته. ويلاحظ الفارق بين حياته بعيداً عن المسيح، وحياته في المسيح يسوع . لماذا أخذ المسيح جسداً ؟
لقد أخذ المسيح جسداً،حتى يستطيع أن يدخل به في عالم المادة ،وبالتالي يستطيع أن يدخل في علاقة مع الغير. فبالجسد يستطيع الإنسان الدخول في علاقة ملموسة ومحسوسة مع غيره من البشر. نعم الجسد مأخوذ من التراب، والتراب يعبر عن وضاعة وحقارة وتواضع الأشياء.والمسيح له المجد يعبر عن تواضعه الشديد بأن يأخذ هذا الجسد.
"الذي إذ كان في صورة الله لم يحسب خُلسة أن يكون معُادلاً لله لكنه أخلى نفسه آخذاً صورة عبدٍ صائراً في شبه الناس "
( فيل 2 :6-7 ) .
بالتجسد أصبح الله قريباً جداً من الإنسان، فلم يعد الله هو ذلك الكائن اللامبالي بالبشر، أو بالإنسان بعد خلقه. لقد ظن أرسطو أن الله لا يبالى بحياة الإنسان، لأن الله كائن متسامي جداً. ويعد من النقص أو العيب أن يهتم بكائنات أدنى منه،ولذا نجد أن الكائنات هي التي تتحرك نحوه بحركة اوتوماتيكية . فالكائنات تتحرك نحو الله بطريقة مغناطيسية، حيث حركة انجذاب من قِبل الكائنات نحو الله. فالخليقة كلها تتحرك صوب الخالق بطريقة العشق، أي الجذب الطبيعي المحرك لجميع الموجودات.وكل واحد من الموجودات يعشق الخير المطلق عشقاً غريزياً.وفى هذه الصورة البدائية عن الله لدى أرسطو، تضع الله في مكان بعيد عن الخليقة، حيث لا نجد رابطة أو صلة حقيقية بين الله والإنسان. والصلة الموجودة هي من طرف واحد هو الإنسان الذي يتحرك نحو الله بطريقة العشق،على مثال تحرك صفائح الحديد صوب المجال المغناطيسي.ولكن بالتجسد نستطيع أن نقول بإيمان شديد أن
الله هو الذي يتحرك صوب الإنسان، ليلتقي به في العمق والصميم، أي ليلتقي به في الطبيعة البشرية المشتركة بين المسيح المتجسد والإنسان.


ج-المسيح داخل الزمان والمكان، ليكون القدوة
والمثال في إطار التاريخ البشرى:
كانت البشرية تتخبط في دياجير الظلام و اللاأخلاقيات، حيث يعبث فيها الفساد والشر.وبالتالي فقدت البشرية القدوة والمثل اللذين يقودان إلي لصلاح.
المسيح قال عن ذاته:" مادمت في العالم فأنا نور العالم" (يو9: 5)
"قال له يسوع أنا هو الطريق والحق والحياة..."( يو14 :6 ).المسيح نور العالم ومن يسير وراءه لا يسلك في الظلمة أو الظلام ،لأن عمل الخطيئة هي قمة أعمال الظلام والظلمة. لم يستطع أحد آخر أن يقول "...تعلموا منى لأني وديعٌ ومتواضعُ القلبِ.فتجدوا راحةً لنفوسكم ..."( مت11 :29 ).

د-التجسد لأجل التحرر من الخطيئة ( الخلاص-الفداء ):
المسيح هو الشخص الوحيد الذي لديه القدرة على خلاصنا،
لأنه مكتوب بيسوع وحده الخلاص.
"لان ليس اسمٌ آخر تحت السماء قد أعطى بين الناس به ينبغي أن نخلُص "( أع4 :12 ) ."أنه ولد لكم اليوم في مدينة داود مخلصٌ هو المسيح الرب"( لو2 :11 ). المسيح اسمه يسوع ،والذي تفسيره الله يخلص،والمسيح هو المخلص ،فالمسيح هو الله الذي يخلص . علينا أن نوجه أنظارنا صوب الخلاص ،ونتحرر من الشعور بالذنب من كثرة التفكير في الخطايا التي اقترفناها . علينا أن نتمتع بالخلاص الذي جاء به المسيح ،ونترك جانباً الإحساس بخطايانا.يقول القديس أغسطينوس "طوباك يا خطيئة الأبوين الأولين،التي جعلتنا نرى المخلص " . فالقديس أغسطينوس لا يريد الإنسان أن يقبع في بالوعة اليأس، والشعور بالذنب نتيجة للإحساس والشعور بالخطيئة.كما أنه لا يريدنا أن نجعل من الخطيئة شماعة نعلق عليها كسلنا الروحي، وعدم اجتهادنا لنيل الخلاص. فالإنسان يريد أن يهرب من واقعه،ولا يريد أن يتحمل عبء المسئولية في سبيل خلاصه . والقديس أغسطينوس يريد أن يوجه أنظارنا نحو المسيح المخلص لنتحرر من شعورنا بالذنب، والإحساس بالخطيئة.

ه-التجسد يكشف لنا طبيعة الله:
لم تكن هناك مشكلة في الحديث عن وجود الله بين الشعوب المختلفة. فالكل يؤمن بوجود الله،ولكن المشكلة الحقيقية تكمن حقيقة في ماهية الله . فالديانة اليهودية ،وهى الديانة الموحى بها من السماء ،أو وهى ديانة الوحي لم تستطع أن تتحدث عن كينونة أو طبيعة وجوهر الله .فطبيعة الله ظلت مجهولة ،وغير معلن عنها من قِبل السماء إلى أن جاء المسيح . بفضل المسيح تعرفنا على طبيعة وهوية الله، الثالوث الأقدس.
"الله لم يرهُ اَحدٌ قطُ.الابن الوحيدُ الذي في حضن الأب هو خبًر" ( يو1 :18 ). الله لم يراه احدٌ قطُ الابن الذي هو في حضن الأب هو الذي خبر لماذا ؟ ،لأنه هو"الذي هو صورةُ اللهِ غير المنظور..."( كو1: 15 ).بفضل تجسد المسيح له المجد اكتشفنا إن الله واحد وليس وحيداً، مثلث الآقانيم. فحينما يكون الإنسان في حضن آخر،يشير إلى أعمق درجات الألفة،والمحبة،والمعرفة . وهل هناك صلة أعمق من صلة الأم وقد احتضنت طفلها ؟ وهل هناك علاقة أحلى من علاقة الزوج،وقد احتضن زوجته ؟ في سفر العدد،نستمع إلى موسى مخاطباً الله بخصوص الشعب المتذمر الثائر،بالقول " ألعلي حملت بجميع هذا الشعب أو لعلى ولدته حتى تقول لي احمله في حضنك كما يحمل المربى الرضيع "(عدد11 :12 ) . وفى سفر التثنية يرد الوصف عن الزوجة "امرأة حضنك" (تث13 :6 ). والكلمة تستخدم أيضاً عن صديقين في أقصى درجات الألفة،والمحبة،والشركة القوية . فحينما استعار يوحنا هذه الصورة ليعبر بها عن الصلة الكائنة بين الأب والابن،كان يعبر عن صلة،واتحاد،ومحبة،وشركة،ومعرفة لا نظير لها . وهذا معناه إن يسوع واحد مع الأب .ومادام الأمر كذلك فهو الوحيد الذي يستطيع أن يكشف لنا قلب الأب المحب. وكلمة الحضن تعنى الوجود الآزلى للمسيح في كيان وقلب الأب .وطبيعي ان الابن الوحيد له مكانته في قلب أبيه،ومحبته الخاصة التي لا ترتفع لمستواها محبة . والحضن يرمز للمحبة والحنان والشركة السعيدة . الابن مسرته في الأب،والأب مسرته في الابن . الحضن تعبير يكشف لنا عن مشورات الأزل بين الأب والابن . سر الفداء الذي كان في أعماق فكر الله قبل الدهور،كان معروفاً،ومعلناً،ومتفقاً عليه بين الأب والابن،بين الله والكلمة الآزلى .
حينما نريد معرفة بعض الأشياء عن بعض الأشخاص نبحث عن أصدقائهم المقربين،والذين لديهم معرفة أكيدة وخبرة حقيقية من واقع التعايش مع هؤلاء الأشخاص الذين نريد معرفتهم . أن مثل هؤلاء المقربين يكونون في حالة تسمح لهم بإعطاء خبرتهم عما يعرفونهم. هكذا شخص المسيح هو الوحيد القادر على إعطاء صورة حقيقية وصريحة ومكتملة المعالم عن شخصية الله،لماذا ؟
"في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله.هذا كان في البدء عند الله.كل شئ به كان وبغيره لم يكن شيء مما كان"
( يو1:1-3 ).
"...الذي رآني فقد رأى الأب فكيف تقول أنت أَرنا الأب .أَلست تؤمنُ أَنى في الأب والأب في...." (يو 14 :9-10 ).

و-التجسد كشف جوهر وكيان الله:
"الله محبة" المحبة هي الصفة الأساسية التي تعبر عن حقيقة وجوهر وكيان الله ."اللهُ بعد ما كلمَ الآباء بالأنبياء قديماً بأنواع وطرق كثيرة كَلًمنا في هذه الأيام الأخيرة في أبنه الذي جعله وارثاً لكل شيء الذي به أيضا عملَ العالمين..."(عب1:1-4). لقد حاول الله أن يعبر عن حبه العظيم للبشر ،فأرسل الأنبياء . ولكن هؤلاء الأنبياء لم يقدروا ولم يستطيعوا ان يعبروا عن حب الله للبشر .وذلك لشعورهم بالنقص والذي يعبر عن طبيعتهم الناقصة وضعفهم البشرى .لا يستطيع أحد ان يعبر عن حب الله إلاً الله ذاته .حب الله محتاج لله ليعلنه. لماذا نذهب بعيداً عن واقعنا البشرى ؟ أننا نجد في صورة الوالدين اكبر دليلاً على ما نقول:لا يستطيع أحد غير الوالدين أن يعبر عن حبهم لأبنائهم. كذلك لا يستطيع أحد غير الله ان يعبر عن حب الله للبشر. فالوسيط لا يستطيع أن يقوم بمهمة الله. هل يمكن لأحد غير الله أن يحمل مشاعر وعواطف الله لينقلها للبشر؟
الواقع هو : إن مشاعر حب الله لا يستطيع ولا يقوى أحد غير الله على حملها أو التعبير عنها بصورة مكتملة وناضجة كما هي لله.

ز-التجسد هو سكنى الله بين البشر:
إن الحب الإلهى هو الذي جعل الله يختار أن يسكن بين البشر.
"والكلمة صار جسداً وحل بيننا ورأًينا مجدهُ مجداً كما لوحيد من الأب مملُؤًا نعمةً وحقاً "( يو1: 14 ). أنه جار في العرف بين البشر حينما يحب إنسان شخصاً آخر يرغب في أن يسكن ويقيم معه كعلامة على المودة والحب فيما بينهم. هكذا أحب الله البشر ،ولذا أختار أن يقتم معهم ،فنصب خيمته في وسطهم. لقد قيل عن الله بأنه يجد سعادته مع بنى البشر .
"فرحةً في مسكونة أرضهِ ولذاتي مع بنى آدمَ "(أم8: 31 ).

ح-التجسد يعبر عن الحب الفقير:
لا نستعجب من هذا إن الله يترك عرشه ومجده لأجل أن يتحد بالإنسان. كيف يفتقر الغنى ؟ ولماذا ؟ . أفتقر لان الحب فقير جداً. ولان المسيح يريد ان نغنى نحن بغناه ،فحبه دفعه للتخلي عن كل شيء لأجلنا. وبمعنى آخر افتقر المسيح وهو الغنى لأجلنا.
"فإنكم تعرفون نعمة ربنا يسوع المسيح أنه من أجلكم أفتقر وهو غنىٌ لكي تستغنوا أَنتم بفقرهِ "(2كو8 :9 ).
حقيقة، الإنسان الغنى هو من يمتلك، ويكون من الأغنياء بقدر ما يمتلك. ولكن هذا المبدأ لا ينطبق علي الله، الذي أحب الإنسان حتى في فقره، والذي سمح للملائكة بان تعطى لرعاة الفقراء علامة فقيرة جداً، لتعبر عن ميلاده." وهذه لكم العلامة تجدون طفلا ًمقمطاً مضجعا في مذود"( لو2 :12 ).

ط-التجسد هو التعبير الحى عن التواضع:
يتذكر بعض الناس قصة الملك الذي ترك عرشه حباً ليرتبط بالفتاة التي أحبها قلبه، وهي من عامة الشعب.وبما إن القانون الملكي لا يسمح له بالارتباط إلا بأميرة ومن عائلة ملكية مثله. وفى مثل هذه الحالة وجب عليه الاختيار بين المملكة أو زواجه من واحدة من عامة الشعب .فأختار الملك أن يتخلى عن مسئولياته كملك ويترك عرشه ليتزوج من حبيبته .فما رأيكم فيما فعله المسيح لأجل البشر والكنيسة؟ . لقد أحب المسيح البشرية ،فأخلى ذاته وأخذ شكل العبد. لأن الحب الحقيقي لا يعرف التعالي أو الاستعلاء والتكبر.الحب الحقيقي يجعل المحب يبتكر الطريقة ويبتدع الأسلوب الذي يصل يهما لمحبوبة .
"روح الرب علىً لأنه مسحني لأُبشر المساكين أرسلني لأشفى المنكسرى القلوب لأُنادى للمأسورين بالإطلاق وللعمى بالبصر و أرسل المنسحقين في الحرية و أكرز بسنة الرب المقبولة.ثم طوى السفر وسلمه إلى الخادم وجلس.وجميع الذين في المجمع كانت عيونهم شاخصة إليه.فابتدأ يقول لهم إنه اليوم قد تم هذا المكتوب في مسامعكم"
( لو4: 18-21 ).

ي-التجسد بشارة فرح:
إن الفرح الحقيقي يتولد لدى الإنسان عندما يشعر بأنه محبوب ومرغوب فيه. بشارة الفرح الحقيقي للإنسان حينما يشعر بقيمته ومكانته وبأنه محبوب الله.
وهذا ما نجده في مضمون بشارة الملائكة للرعاة لحظة الميلاد" فقال لهم الملاك لا تخافوا.فها أنا أُبشركم بفرح عظيم يكون لجميع الشعب. أنه ولد لكم اليوم فى مدينة داود مخلص هو المسيح الرب"(لو2: 10-11 ).
الفرح الحقيقي يتولد لدىً الإنسان حينما يعلم بانً المسيح وُلد خصيصاً لأجله, لأجل خلاصه. إن المسيح جاء للعالم لا ليرث بل ليورث العالم . جاء المسيح لا ليأخذ بل ليعطى اسمه و ذاته .

ك-التجسد يحمل طمأنينة وسلاما للإنسان:
ولد المسيح طفل. لأن الطفل لا يحمل سلاحاً ، ولا يريد حرباً.الطفل لا يحمل حقداً ولا كراهية لأحد من البشر.ان ابتسامة الطفل والتي تعبر عن براءته تخترق قلب الإنسان فتغذيه بالدفء والحرارة وتشعل فيه نار الحب ،والذي من خلالها ينتصر على ذاته وأحقاده . الملائكة ترنموا بأنشودة السلام قائلين
"المجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام وبالناس المسرة" (لو2: 14 ).
أن المولود هو أمير السلام،ومنه نستقبل سلامُنا،والذي لانهاية له.السلام يحمل فى طياته الخلاص.السلام هو ثمرة المعاهدة المتفق عليها بين الله و أسرأئيل الجديد من خلال وفى وبالمسيح يسوع.السلام هو المصالحة،والفرح الكامل بالبشرة الحسنة أي بيسوع ذاته ،والذي هو سلامنا الحقيقي.البشرية تستقبل السلام لان الله يحيطهم بعطفه وإحسانه ونعمته . يسوع هو الضامن، والذي يضمن للبشر محبة وعطف الأب.

ل-التجسد بين المواطنة و الغربة:
بالتجسد صار المسيح مواطناً صالحا كسائر المواطنين في الأرض.فتاريخ ميلاد المسيح معروفٌ لدينا، ولد المسيح فى4 ق.م وسنة749 من تأسيس روما. وهو من أسرة معروفة ونسب معروف،ووطن معروف. وبالرغم من هذا نجد أنفسنا أمام هذه المفارقة
" فولدت ابنها البكر و قمطته و اضعجته فى المذود إذ لم يكن لهما موضعٌ في المنزل"( لو 2 :7 ).ففي اللحظة التي يتحدث فيها القديس لوقا عن تجسد المسيح داخل الزمان والمكان، وحضوره ووجوده كمواطن من مواطنين الأرض، هي اللحظة نفسها التي لم يجد المسيح له مكاناً ولا موضعا، لكي يولد فيه.لقد ولد المسيح غريباً، لأنه لم يجد من يستقبله في العالم، ولأنه لم يكن له مكاناُ بولد فيه. وسوف يظل المسيح غريباً في هذا العالم طالما لا يوجد من يفتح له قلبه او منزله . إلى متى سوف يظل يسوع المسيح غريباً؟ ان السيد المسيح له المجد أراد ان يعلمنا بحياته بعض المواقف الروحية العميقة التي يجب ان نعد أنفسنا لها:
إن الإنسان غريباً فى هذا العالم، وان العالم ليس هو الوطن الحقيقي له ،وإن وجد فيه .يولد الإنسان في هذا العالم ،ولكن ليس له فيه منزلاً.وهذه هى المفارقة الروحية التي أراد ان يعلمنا إياها السيد المسيح له المجد. المؤمن يعيش في هذا العالم ،ولكن بروح الحرية والتجرد والتخلي .
"غريبٌ أنا يارب في هذه الأرض فلا تخفى عنى وصاياك"
"لو كنتم من العالم لكان العالم يحب خاصته.ولكن لأنكم لستم من العالم بل أنا اخترتكم من العالم لذلك يبغضكم العالم " (يو14 :19 ).
"ليسوا من العالم كما أنى أنا لست من العالم" (يو17 :16 ).
في المسيح وبالمسيح ومن خلال المسيح يكون الإنسان حراً إتجاه العالم، ويكتشف الانطلاقة الحقيقية فى هذا الوجود، ويثب وثبات رشيقة نحو الأبدية.



رابعاً- أقنوم من طبيعتين:

المسيح (أقنوم) له طبيعتان، طبيعة إلهية وطبيعة بشرية.

أ-الطبيعة الإلهية:


لم تبتلع أو تذيب الطبيعة البشرية.لم تحتقرها أو تنبذها ولكن تحترمها. فلم تفرض الطبيعة الإلهية على الطبيعة البشرية شيئاً ، ولم تأسرها أو تسبيها، ولم تمارس عليها التسلط أو القهر.
لقد احترمت الطبيعة الإلهية الطبيعة البشرية وخصائصها ومشيئتها وإرادتها وتفكيرها وسلوكها واحتياجاتها لقد ظلت الطبيعة البشرية محتفظة بكيانها، ولم يحدث لها تغييراً أو امتزاج.
المسيح هو شخص ( أقنوم) حي في طبيعيتين (لاهوته لم يفارق ناسوته) لا يوجد في داخله انقسام أو انفصال لحظة واحدة ولا غمضة عين، كما أنه يوجد انسجاما بين اللاهوت والناسوت، كما هو موجود داخل الثالوث. وتوجد وحدة في شخص المسيح بين اللاهوت والناسوت، فريدة ومتميزة لأنها وحدة حب.
والحب يحفظ للأخر كرامته وكيانه وحقوقه وخصائصه ولا يحاول أزالته أو التخلص منه أو فرض سطوته عليه.

ب- الاتحاد والوحدة فى شخص المسيح.


الذي يحب يتحد مع محبوبة ويتوحد معه. والطبيعة اللاهوتية أحبت الطبيعة الناسوتية. هذا الحب ذاته دفع الطبيعة اللاهوتية بالاتحاد بالطبيعة البشرية فى شخص المسيح. كل طبيعة متميزة عن الأخرى، ولكن الحب يجمع بينهما ويوحدهما فى شخص واحد أو أقنوم واحد هو يسوع المسيح. أن الحب لا يعمل على تلاشى الأخر، لأنه يحرص على أن يظل الأخر هو كما هو. الحب هو أن يعطى للمحبوب أحساساً بأنه مهماً بالنسبة له ويتحد معه وجدانياً وفكرياً وإراديا.

أن الوحدة بين الطبيعتين أعظم من التضامن. لأن التضامن يظل محدوداً وخارجياً، بينما الوحدة تكون على مستوى كياني وباطني، حيث يوجد ارتباط وثيق في المصير والهدف الواحد. الوحدة تزيد من الترابط والثقة. والوحدة فى شخص المسيح، هي جعل كل ما يخص اللاهوت يخص الناسوت، وما يخص الناسوت يخص اللاهوت، وما يخص المسيح يخص الكنيسة، ومايخص الكنيسة يخص المسيح، وتصبح صلاة المسيح هى صلاة الكنيسة، وصلاة الكنيسة هى صلاة المسيح. أن الاتحاد بين الطبيعتين فى شخص المسيح هو أتحاد وثيق جداً.

ج- اقتران اللاهوت بالنا سوت في شخص المسيح


فى شخص المسيح تم زواج واقتران الله بالبشر، والبشر بالله، ولأجل دوام الاقتران بين الزوجين فى الحب، لابد من الاحتفاظ بوجود الاخر متميز بكيانه وخصائصه فى الحب البشرى نجد أن لأجل استمرارية الزواج والاقتران لابد أن يحرص كل طرف على الاخر ويحافظ على كينونتة.

لأن من خصائص الحب هو وجود الاخر كطرف ثانى متميز وفريد وقائم بكيانه ليبادل الطرف الاول الحب والمشاعر والعلاقة، وفى حالة ذوبان احد الاطراف فى الاخر يصبح الحب غير متزن "غير صحى" ومرضي، ولايقدر على الصمود والمقاومة.
وبالإضافة إلى ذلك يبحث الطرف المحتفظ بكيانه عن أخر له كيانه وماهيته ليبادله الحب ولتستمر العلاقة بينهما.( ولانستطيع أن تخشى على الاقتران القائم داخل المسيح بين اللاهوت والناسوت، وذلك لأن الحب الموجود داخل المسيح ناضج ومتزن، فلا يوجد صراع أو انقسام داخل شخص المسيح بين طبيعتيه اللاهوتية والناسوتيه، لأن كل طبيعة تحترم وتقدر غيرها وهذا هى ميزة الحب الناضح لشخص المسيح.

لا نجد الأخطاء التي يمكن أن نجدها فى كل اقتران بشرى عادى، فالإنسان يريد أن يكون الآخر صورة طبق الأصل منه. أو يريد أن يفرض ارائه وخصائصه وارادته على الآخر أو يريد أن يكبر على حساب الآخر بابتلاعه وإذابته وتلاشيه.


خامساً- الكلمة المتجسد:

الكلمة المتجسد هو الوسيط بين الله والناس وعنصر التفاهم بينهما. دعى المسيح "الكلمة" لأن الكلام هو واسطة التفاهم بين البشر، وقد استخدم الوحى هذا التعبير"الكلمة" ليوضح لنا أن المسيح جاء كواسطة بين الله والناس.

أ-الكلمة فى الفكر اليهودى:

فاليهود كان يرى فى الكلمة أكثر من صوت صارخ،فالكلمة لها قوتها،ولها وجودها الذاتى المستقل الذى يعمل عمله. والعهد القديم مليء بالإشارات إلى هذه الفكرة العامة عن قوة الكلمة. فحينما خُدع اسحق،ونطق بالبركة ليعقوب بدلاً من عيسو البكر،لم توجد هناك قوة تستطيع أن تسترد البركة،ولم يبق للبكر سوى اللعنة.(تك27 ).لقد خرجت الكلمة من فيه لتعمل عملها، ولاتستطيع قوة على الأرض أن توقفها.
وفى بداية سفر التكوين،يُفتتح كل فصل من فصول قصة الخلق بالقول" وقال الله...." (تك 1:3 ،6 ،11 ).إن كلمة الله قوة جبارة تخلق كل شىء. وفى سفر المزامير نستمع إلى المرنم يقول"بكلمة الرب صُنعت السماوات" (مز 33 :6 )."وأرسل كلمته فشفاهم" ( 107 :20 ) "يُرسل كلمته فى الأرض سريعاً جداً يجرى قوله"(147 :15 ). وفى نبوات اشعياء: "لأنه كما ينزل المطر...هكذا تكون كلمتى التى تخرج من فمى،لاترجع الىً فارغة،بل تعمل ما سررت به وتنجح فيما أرسلتها اليه"(اش 55 :11 ). ويتحدث الله على لسلن أرميا "أليست هكذا كلمتى كنار،وكمطرقة تحطم الصخر"(أر23 :29 ) . إن العهد القديم بجملته نستطيع ان نلمح فيه إشارات متعددة يضيق بها المقام، عن قوة الكلمة وأثرها . وإذا كانت كلمة الإنسان لها مثل هذه القوة، فكم تكون كلمة الله الحى ؟..
ثم حدث تطور فى الحياة العبرانية،نجم عنه أثر كبير فى تشكيل الفكر العبرانى،عن الكلمة . فلمدة تزيد على مائة عام قبل مجىء المسيح ، امست فيها العبرية لغة منسية . ولقد كانت الأسفار المقدسة مسطرة باللغة العبرية،التى لم يكن يدركها عامة الشعب،عدا فئة قليلة من العلماء. وكان الشعب يتحدث الأرامية،وهى لغة متطورة عن العبرانية . ولذلك كان لزاماً أن تترجم الأسفار المقدسة الى الأرامية حتى يستطيع الشعب أن يدرسها،ويستوعبها . وهكذا قام العلماء بترجمة أسفار العهد القديم ، ودعيت هذه الترجمات "بالترجوم" . وكانت فصول التوراة تُقرأ فى المجامع بالعبرية، ثم تُتلى بعد ذلك بالأرامية من أسفار الترجوم . ولقد كتبت أسفار الترجوم، فى وقت ساد على أفكارالناس الإحساس بعظمة الله وسموه،وأصبح اتضاعه أمراً يدعو للدهشة . فالله يسمو على أفكارنا وتشابيهنا،وأمثالنا،وتصوراتنا . وطبيعى كان اولئك الذين قاموا بترجمة التوراة ،يشاركون أبناء عصرهم هذه العقيدة . لذلك فقد كانوا يخشون أن ينسبوا لله الصور المادية والتشبيهات الحسًية ، واللمسات الإنسانية . وهكذا بذلوا غاية الجهد فى تخليص الذات الإلهى من هذه الصور . والدارس للتوراة يستطيع أن يلمس الكثير من هذه الصور ، والاستعارات المادية ، أى أن التوراة تتحدث عن الله بصور إنسانية . فحيثما التقى علماء الترجوم بآية يُستشف منها الاتجاه إلى هذه الصور ، كانوا يعبرون عن ذات الله بلقب "كلمة الله" .على سبيل المثال ورد فى سفر الخروج القول :"وأخرج موسى الشعب من المحلة لملاقاة الله" . فقد رأى العلماء، أن هذا التعبير أكثر بشرية من أن نتحدث به عن الله . فترجموها "فأخرج موسى الشعب من المحلة لملاقاة كلمة الله "(خر19 :17 ) وفى نفس السفر نقرأ أيضاً إن الله قال لشعبه عن يوم السبت " سبوتى تحفظونها،لأنه علامة بينى وبينكم فى أجيالكم المتعاقبة"(خر31 :13 ) . هذه لمسة بشرية يسمو عنها جلال الله . فلذلك لأبد وان يكون" السبت علامة بين كلمتى وبينكم " .ونستطيع ان نجد آيات وأمثلة كثيرة شبيهة لذلك فى الكتاب المقدس (تث9 :3 ،أش48 :13 ) . لاينبغى ان يتطرق الى القارىء الظن أن المقصود استبدال كلمة من كلمات الوحى، بل لقد كان هدف أحبار اليهود،التعبير عن ذات الله باسم جديد حيث لايجوز ارتباط الصفات المادية،والاستعارات البشرية،بالذات الإلهية . ولكن الحقيقة بقيت أن "كلمة الله "أصبح تعبيراً جديداً فى قاموس علم العبرى، وابتدأ الشعب يعتاده ويدركه، لان كثيراً ما كان يسمعه يتردد فى قراءات المجامع اليهودية.إن كل يهودي كان معتاداً ان يسمع لقب "الممرا" كلمة الله، من فم الكتبة والأحبار.
وفى أذهان كبار المفكرين من اليهود فى حديثهم عن "الكلمة".فحينما كانوا يتحدثون عن "الكلمة" كانوا يقصدون فكر الله، وكلمة الله. "هى شجرة حياة لممسكيها، والتمسك بها مغبوط، الرب بالحكمة أسس الأرض ، أثبت السموات بالفهم بعلمه انشقت اللجج ، وتقطر السحاب ندى "( أمثال 3 :18 -20 ) . لقد أضفى الفكر اليهودى على الكلمة السلطان والقوة الخلاًقة . أم 4: 5 ،13 + أم 8 :22 -30 فالحكمة هناك منذ الأزل ، قوة جبارة خالقة ، يصدر عنها النور ، والبهجة والحياة . إن الحكمة هنا تبدو صنواً لشخص ربنا يسوع بالصورة التى وردت فى مستهل بشارة يوحنا..
" من فم العظيم الأسمى خرجت . وملأت الوجود كله كالضباب..فى الأماكن العالية مسكنى..وعرشى فى عمود السحاب..بمفردى طوفت دائرة السماء ، وقدماى سارتا فى أعماق الهاوية.."
هنا نرى الحكمة قوة أزلية خالقة كانت مع الله منذ البدء . فالحكمة هى الكنز الذى يقتنيه بنو البشر، ليصبحوا أقرب الكل إلى الله ،وهى صانعة كل شىء ، وتعيد خلقه من من جديد . والأكثر من هذا أن كاتب السفر لايقف عند حد الحديث عن الحكمة وعن صفاتها ،بل يصل الى حد مساواة الحكمة بالكلمة،فالكلمتان تعبران عن ذات واحدة. فهو يتحدث عن حكمة الله، وعن كلمة الله بنفس الجمل ، وبنفس المعنى . ففى صلاته الى الله نستمع إليه يقول "يالله . إله آبائى، ورب المراحم، الذى صنعت كل شىء بكلمتك، وهيأت الإنسان بحكمتك "(إبن سيراخ 9 :2 ) . وهكذا وجد يوحنا، أن أفضل طريق يصل به إلى قلوب أبناء شعبه أن يبدأ بالحديث عن الكلمة...الكلمة التى ليست مجرد صوت صارخ، بل قوة دافعة لها فاعليتها..كلمة الله الذى به خلق العالمين...الكلمة كما وردت فى الترجوم لتعبر عن فكر الله، وذاته، وصفاته...ثم الحكمة الإلهى كما تصوره أسفار الحكمة، قوة الله الخالق الأزلي، الذي ينير كل إنسان. وهكذا قال لأبناء شعبه مستعيراً هكذا الفكر ليعبر عن المسيح:"إذا أردتم أن تروا كلمة الله الأزلى، وأن تنظروا قوة الله الخلاقة...إذا أردتم أن تبصروا الكلمة الذى به خلق الوجود بما فيه ،والذى وهب النور والحياة لكل إنسان،تطلعوا إلى ربنا يسوع المسيح ، ففيه كلمة قد تمثل بشرا فيما بينكم.."

ب-الكلمة فى الفكر اليونانى:

إن فكرة الكلمة كانت معروفة عند مفكرى اليونان، ويرجع تاريخها الى 560 ق. م . وفى مدينة أفسس عاش فيلسوف يدعى هيراكلتوس، كان محور فلسفته أن كل شيء في الوجود يتغير يوماً بعد يوم، ولحظة بعد لحظة. ولقد كانت الصورة التى استلهمها:إنك لاتضع قدمك فى نفس مجرى الينبوع الواحد مرة بعد آخرى،فالمياه تتغير بين حين وآخر،لأن المجرى دائم الجريان. وعلى هذا القياس نادى"هيراكليتوس" بأن كل ما فى الوجود فى حالة فيضان متغير. ولكن إن كان الأمر كذلك، لايعنى هذا أن الحياة كلها فى حالة فوضى، وتغير، وارتباك كامل؟ وأين نكتشف معنى ثابتاً فى وجود كلمة يسود عليه المد، والجذر، والتغير، والتبدل؟ يجيب ذلك الفيلسوف أن هذا المد والجذر، والتغير، والفيضان العارم، والثورة المتغيرة، لاتسير على غير هدى وإلا عمت الفوضى الوجود. ولكن تحكمها نواميس ثابتة،وقوانين محددة . وتتبع مثالاً معيناً لا يتغير خلال العصور والأجيال،والى أبد الدهور. ومن الذي يحكم هذه النواميس ويسيطر على هذا المثال ؟ ..إنه اللوغوس..الكلمة..العقل الإلهى . فالكلمة عند هذا المفكر هو رائد كل نظام يسير عليه الوجود والمهيمن على كل ناموس يخضع له . ولقد تعمق هذا المفكر بعد ذلك الى أبعد من هذا . فبدأ يتأمل فى أعماق الإنسان . قال وما هو ذلك الشىء فى أعماق الإنسان الذى يجعله يميز بين الخير والشر ؟ ما الذى يعطينا المقدرة على التأمل،والتفكير ؟ ما الذي يعيننا لنعرف الحق،ونختار الخير ؟ . ومرة ثالثة يجيب المفكر: إنه اللوغوس في أعماق الإنسان، فهو الذى يهب الإنسان العقل المميز، ومعرفة الحق، والمقدرة على تمييز الأشياء المتخالفة. ففى عالم الطبيعة والأحداث يسير كل شىء حسب سلطان اللوغوس،وفى عالم باطن الإنسان،اللوغوس فى الأعماق هو الكائن المميز بين الحق والباطل،والقوة المعينة على قبول الخير،فاللوغوس يسيطر على هذا الوجود، كما يسيطر على كيان الإنسان . اللوغوس كلمة الله،عقل الله،فهو هذه القوة التى تفسر ظواهر هذا الوجود . وهو السلطان الذى يسيطر على نواميس الكون،فلايسوده الإرتباك والتشويش . وهو المقدرة السامية التي تدفع العوالم الى الحركة بكل هدوء ونظام .

ولاننسى فى هذا المجال "فيلون " الاسكندرى، وهو يهودى عاش فى الإسكندرية. ولقد أوقف حياته على دراسة الفلسفتين،اليهودية واليونانية . وهو أيضا خلبت لبه فكرة الكلمة أو اللوغوس، فنادى بأن اللوغوس كائن منذ الأزل، وأنه الوسيط التي بها خُلق الوجود. ثم قال بأن اللوغوس هو فكر الله مطبوعاً على العالم كما أنه وسيلة الله للخلق . وعلى حد تعبيره، كما يمسك المزارع بالمحراث ويتخذ منه واسطة لبعث الحياة والازدهار في الأرض الجرداء، هكذا الكلمة هو الواسطة لبعث الكون وتسيير دفته. ثم قال ان عقل الإنسان يحمل طابع اللوغوس . فهو الذى يهبه التمييز،والمقدرة على المعرفة،فاللوغوس هو الوسيط الواحد بين الله والإنسان...بين الكائن والحادث..وكما قال،اللوغوس هو الكاهن الذى يسموبالإنسان أمام الله .

ج- الكلمة فى مفهوم يوحنا الإنجيلي:

"في البدء كان الكلمة. والكلمة كان عند الله . وكان الكلمة الله . هذا كان فى البدء عند الله . " (يو1:2 )
وهنا فى هذه الآية الأولى تبرز أمامنا حقائق ثلاث فى حديث يوحنا عن الكلمة، اوعن يسوع..

1-الحقيقة الأولى:
إن الكلمة كائن منذ البدء "فى البدء كان الكلمة ", وهذا البدء ليس البدء الذى تحدث عنه سفر التكوين "فى البدء خلق الله السموات والأرض"(تك1:1 ). ولكن هذا البدء الذى يتحدث عنه يوحنا ، يعود بنا الى ماقبل بدء التكوين . فالكلمة كائن "كان" . إنه غير مخلوقا، أنه كائن قبل بدء الخليقة. إنه كائن منذ الأزل،قبل الزمن والوجود،وكل شىء . إن يوحنا فى هذه الفقرة يؤكد كينونة المسيح قبل كل الدهور, وهذا الفكر لابد وأن يعنى حقيقة جوهرية هامة. فإن كان الكلمة مع الله قبل بدء الزمن ،وإن كان جزءاًمن الأزل السحيق،فلابد أن يكون الله هو بعينه يسوع المسيح .

2-الحقيقة الثانية:
إن الكلمة كان عند الله. ماذا يعنى الوحى بهذا التعبير ؟ انه يتحدث عن صلة سرية كائنة منذ البدء، لايدرك أسرارها العقل البشرى، بين الكلمة، وبين الله، بحيث إن أعماق قلب الله، مكشوفة ومعلنة أمام الكلمة. إنه تعبير عن صلة أزلية بين الله وبين يسوع. على هذا لن يستطيع ملاك،ولارئيس ملائكة،ولاأى كائن مهما سما مقامه أن يخبرنا عن صفات الله،ومحبة الله،وقلب الله،وفكر الله،قدر ما يستطيع يسوع .

3-الحقيقة الثالثة:
"وكان الكلمة الله". علينا ان نغمض أعيننا فى خشوع أمام هذا الإعلان المقدس، فحيث يقصر الفهم عن الادراك، لاسبيل أمامنا إلا التعبد. هنا يبدأ عمل الإيمان.

الخلاصـــــــــــة

نستطيع أن نقول بأن الاتزان الموجود فى العلاقة بين الاقانيم الثلاثة حيث كل أقنوم متميز عن الآخر, ولكن في وحدة جوهرية مع الآخرين، هكذا يكون الاتزان فى شخص المسيح بين اللاهوت والناسوت، إذ كل طبيعة متميزة عن الأخرى من حيث الخصائص والصفات والإرداة والرغبة وكل مايخص الطبيعة. ولكن فى وحدة جوهرية مع الطبيعة فى شخص واحد او أقنوم واحد هو شخص المسيح.


سادسا: التجسد في الحياة الاجتماعية...

هل توجد ضرورة أجتماعية لتجسد المسيح ؟
التجسد هو تحقيق للمثالية فى الواقع، وفى الوقت نفسه اجتياز من الواقع للمثالية.
فالتجسد هو تجسيد لله فى الواقع البشرى الممتزج بالشر، عن طريق تجسد المسيح يتم عبور الانسان من الواقع الممتزج والمختلط بالأثم والخطيئة والاجتياز به إلى القدوس وعن طريق القداسة.

(مثالية)
الابن الكلمة قداسة وتأله
تجسد وتأنس
يتم فى مسيرة تحرر وتحرير
الواقع الواقع
وضع الانسان(قداسة،وخطيئة) (( حياة المسيح))

" ذاك الذى كان منذ البدء
ذاك الذى سمعناه
ذاك الذى رأيناه بعنينا
ذاك الذى تأملناه
ولمسته يدانا
من كلمة الحياة
لأن الحياة ظهرت فرأينا ونشهد
ونبشركم بتلك الحياة الابدية"" (يو 1: 1-2 )
سمعناه الآذان
رأيناه عيون
لمسناه أيد
تأملناه عقل وفكر

هذا الرسم يوضح صندوق الواقع.

يعلن القديس يوحنا الانجليى لنا عن اختباره لشخص المسيح من خلال ما أطلقت عليه بصندوق الواقع الموضح بالرسم.

والواقع هو الموجود داخل الزمان والمكان وله حضور أو وجود ملموس ومحسوس، وقد يكون له بعد فوقي أو خارجي عن الزمان والمكان وغير محسوس، ولكنه يصبح واقعياً حينما يصير داخل الزمان والمكان.
يتحدث القديس يوحنا عن التجسد كحياة ظهرت, فليس التجسد من صنع الخيال أو مجرد مثاليات أو ايديولوجيات، أو مبادئ نظرية، التجسد هو حقيقة وواقع يُختبر ويُعاش.
فلم يعد الله ذلك الشخص المتحجر والجامد, والذي لا يبالى بأحاسيس ومشاعر البشر, أو دون أن يقدر ما للبشر من نقص وضعف.
لقد أثرت الفلسفة والارسطوطالية على الفكر البشرى فيما يخص الحديث عن الله.
فأرسطو هو الذى قال عن الله...
"إنه هو المحرك الذى يحرك ولايتحرك"
فيتحرك الكون والموجودات وكل الخليقة بما فيهم الإنسان نحو الله عن طريق العشق والانجذاب من العاشق للمعشوق. وكأن الله لايبالى بالبشر، وإنما البشر هم الذين يتحركون نحو الله. كتحرك الحدائد صوب المغناطيس.
أرسطو يخشى من حركة الله، أو الحركة داخل الله، لأنه يعتقد أن الحركة هى بمثابة انفعال والانفعال يُعد نقصاً، والله يتنزه عن كل نقص، لأنه كاملاً.
التجسد يحدث انقلاباً خطيراً في الفكر البشرى والحياة البشرية، لأن الله صار بشراً متجسداً، ويعيش بين البشر والناس حياة اجتماعيةً، ولابدﱠ من توضيح بعض الأمور التي أحدثها فعل التجسد على المستوى الاجتماعي.






الأثر الاجتماعي لفعل التجسد.

أ: التجسد هو تخطى للعقبات وتجاوز الحواجز الإجتماعية.

لقد تخطى السيد المسيح عدة حواجز فى سبيل الوصول للإنسان الذي يحبه ونتذكر على سبيل المثال حاجزين فقط لاغير وهما:
أ - حاجز الزمان والمكان
ب- حاجز الطبيعة المتميزة
المسيح هو خارج الزمان والمكان يصبح داخلاً فى الزمان والمكان. المسيح الذى هو أعظم وأكبر من الزمان والمكان يترك ذاته ليحتويه الزمان والمكان.
المسيح الذى هو روح نورانى يتحد بمن هو مزيج من روح مخلوق وجسد وتراب.

كيف يتحد من هو قدوس وبار بمن هو مختلط وممتزج بالخطيئة والإثم؟

هذه هي قدرة محبة الله التى تزيل كل العقبات، وتهدم كل الأسوار، وتخترق الحواجز ليقترن الله بالإنسان، لقد حاول الإنسان أن يكون كبيراً "بل الله عالمٌ أنه يوم تأكلان منه تنفتح أعينكما و تكونان كالله عارفين الخير والشر" (تك 3 :5 ).
وأراد أيضاً أن يكون عظيماً " وقالوا هلمﹼ نبني لأنفسنا مدينةً وبرجاً رأسه بالسماء. ونصنع لأنفسنا اُسماً لئلا نتبدًد على وجه كل الأرض" (تك 11 :4 ).أراد الإنسان اختراق الحواجز والصعوبات، ولكنه ليس لأجل الاتحاد بالله ولكنه لكى يلاشى الله، أو أن يكون مثل الله.
إن إنسان هذا العصر يضع حواجز عدة فى علاقته بالله، ولكن الله عن طريق التجسد يعمل على إزالتها وتذليلها في سبيل الاتحاد بالإنسان.



ب: التجسد لأن الله يقدر نقص وضعف الإنسان.

من خلال تاريخ البشرية وتاريخ الخلاص، نجد أن الله لديه معرفة
بضعف ونقص البشر، ويبتكر الأسلوب والطريقة التي يتعامل بهما مع هذا الضعف والنقص منذ لحظة السقوط. وبدأ شعور الإنسان الأول يستشعر بالنقص، أى تكونت لدى الإنسان الأول عقدة نقص، هذه العقدة تتجلى فى رغبة الإنسان بأن يكون مثل الله فى معرفة كل شئ، وأن يكون مستقلاً بذاته.
ونتيجة للخطيئة الأولى، أخذ الإنسان ينظر إلى الله نظرة مَرضية، وهى أن الله كائن مستبد، يريد أن يضع كل شئ فى يديه، ويسيطر على كل شئ ومعرفة كل شئ، وفى الآن ذاته يضن على الإنسان بالشئ اليسير ولا يريد أن يمنحه أى شئ.
لقد حاول الشيطان جاهداً على إقناع الإنسان بسلطاوية وأنانية الله، ولقد نجح الشيطان فى إقناع الإنسان بذلك لفترة ليست بقليلة من الزمان.
مستخدماً حجته حديث الله ذاته مع آدم حينما قال:
" وأمر الرب الاله الإنسان قائلاً : من جميع أشجار الجنة تأكل، وأما شجرة معرفة الخير والشر فلا تأكل منها، فإنك يوم تأكل منها تموت موتاً. " تك 2: 16-17"
لقد أراد الشيطان استخدام هذا الكلام بطريقة تخدم غرضه وهواءه، أراد أن يشكك الإنسان في قصد الله، ونحن نفهم ذلك من خلال الحوار الذى كان بين الشيطان والمرأة.
" فقالت للمرأة: أحقاً قال الله: لا تأكلا من جميع أشجار الجنة. فقالت المرأة للحية من ثمر شجر الجنة نأكل. وأما ثمر الشجرة التى فى وسط الجنة فقال الله لا تأكلا منه ولاتمساه لئلا تموتا. فقالت الحية للمرأة: بل الله عالم أنه يوم تأكلان منه تنفتح أعينكما وتكونا كالله عارفين الخير والشر. " تك 1-5 ".
من هذا الحوار نفهم أن : أراد الشيطان أن يظهر الله بصورة غير صحيحة، وكأنه المتسلط والمنفرد بالمعرفة، وكأنه يريد أن يظل الانسان عبداً وخاضعاً له ومحدوداً ومقيداً به.
نتيجة لمحاولات إبليس المتكررة كاد يفقد الانسان ثقته بالله، ولكن المحاولات أثمرت عن نتيجة أخرى، وهى عقدة الشعور بالنقص التى تولدت لدى الإنسان، وكأن الله يريده فقيراً معدماً وجاهلاً. ولقد تحولت عقدة النقص لدى الإنسان إلى وهم مخيف.
ومن هنا نجد أن الإنسان أخذ يتحدى الله، وكأن لسان حال الإنسان هو ما نطق به صاحب الوزنة الثالثة فى مثل الوزانات.
" وجاء الثالث فقال : ياسيدى، هاهو دينارك، خبأته فى منديل، لأنى خفت منك، فأنت رجل صارم تأخذ مالاتُودعُ . " لو 19-20 ".
ومن منطق هذا الإنسان أراد أن يجعل من الله عدواً له. ولم يتعامل الله مع الإنسان انطلاقاً من منطقة، الذى يعبر عن عقدة نقصه. ولم يكن منطق الله هو اللامبالاه، وكأنه يقول ليذهب الإنسان وكل البشر الى الجحيم. ولم يشأ الله أن يكشف للإنسان عن الفارق والتباعد الموجود فى الواقع بين طبيعته كإله وطبيعة الإنسان كإنسان، أي الفارق والتباعد بين الله الذى يسكن فى السماء، و الإنسان الذي هو مجرد مخلوق من المخلوقات التى تعيش على الارض.

لم يشأ الله أن يكشف عن هذا الفارق والتباعد بينه وبين الإنسان حتى لا تزداد الهوة السحيقة بينهما.
إن الله الكلى القداسة، والكائن المطلق، يرفض أن يتعامل مع الإنسان بمنطق الإنسان، وبالتالي فهو يرفض أن يتعامل مع الإنسان كما يتعامل الإنسان مع أخيه الإنسان.
إن الإنسان لا يقدر ضعف ونقص أخيه الإنسان, ولا يحاول أن يظهر قليلاً من الشعور بالتعاطف مع ضعف ونقص الآخر، فنجده يزداد تكبراً وتعجرفاً على الآخرين, غير مبال بمشاعرهم وضعفهم ونقصهم، أو عدم إدراكهم، متخذاً حجته في ذلك بأنه هذا هو الواقع وعليهم القبول به والرضوخ له.
إن الإنسان يتخذ موقفاً من أخيه الإنسان وكأنه ليس بإنسان مثله، وفى نفس اللحظة يرفض الله اتخاذ مثل هذا الموقف إزاء الإنسان، ومن هنا نكتشف أن الله أكثر حساسية ومراعاة للإنسان من الإنسان ذاته.
الله يرفض رفضاً قاطعاً أن يجرح الإنسان، ويكشف له عن نقصه وضعفه وما يحتويه من سلبيات ليضعه عند حدوده البشرية، وفى نفس اللحظة يبادر باتخاذ موقف إيجابي لشفائه من الوهم وليحرره من ضعفه ونقصه.

ج: لم يأت المسيح ليكفر الناس ويعلن جحود البشر.

جاء المسيح ليعلن الخلاص لكافة البشرية، التى تتخبط فى الإثم والخطيئة، ولم يأت من السماء ليعلن على العامة كفر وجحود وفظاعة البشر، لم يستخدم المسيح سيفاً أو كرباجاً لأرجاع هؤلاء عن طريقهم أو غيهم، بل احترم حرية و إرادة الإنسان.
لقد عاش المسيح قبل أن يعلم، وعاش الحياة التى رغب فى أن الجميع يعيشونها، لقد كان المسيح هو الحياة، وأراد من ذلك أن يتخذ الإنسان موقفاً معيناً ومحدداً أو واضحاً، ليقرر بمحض ارادته وحريته ووعيه نوعيه الحياة التى يرغب فى أن يحياها.
إن حياة المسيح على الأرض كانت كالسيف المسنون ذى حدين، وعلى الإنسان أن يقرر هل يريد أن يسلك الحياة مع المسيح، وهى الحياة الحقيقية والصادقة، أم يريد أن يستمر ويكمل حياته بطريقته ومزاجه الخاص.
لقد عاش المسيح فى مجتمع لايقل رزالة وانحرافاً أو إثماً وخطيئة عن مجتمعنا المعاصر، إن لم يكن أكثر منه أنحرافاً وضلالاً، حيث كانت جميع الرزائل والخطايا والمعاصي مباحة. ولم يرد المسيح إعلان تكفير هذا المجتمع، ولم يعلن الحرب والجهاد المقدس بأسم البر والقداسة والتوحيد ضد مجتمع لايحترم القدسيات، ولقد قيل عن هذا المجتمع من قبل بعض المؤرخين: " إن كل شئ صار إلهاً فيه (المجتمع) إلا الله ذاته." وحينما نلقى الضوء على مجتمعنا المعاصر نجد أن بعض المصلحين والمتدينين يصدرون أحكاماﹰ وفتاوى باسم الدين ضد المجتمع والمجتمعات الأخرى، وفيها تباح إراقة الدماء بلا حساب أو أعتبار لحياة الإنسان أو لكرامته ولحريته أو إرادته الشخصية، تلك الاشياء التى يحترمها الله ذاته. إن متديني هذا العصر بإصدارهم الأحكام والفتاوى بهذا الشكل والأسلوب، هم في الواقع يعلنون عن خطأ معين فى منهج وأسلوب الله لإصلاح البشر، وكان الله فى حالة عجز عن تقويم وتغيير المجتمع والناس. وبمعنى آخر أنهم يريدون أن يفرضوا على الله أسلوباً هو العنف والجبروت والقسوة، وكأنه لايعجبهم أسلوب الله المتسم بالرحمة والعدل لإصلاح البشرية.
التجسد هو إعلان أسلوب ومنهج الله لخلاص جنس البشر، هو إعلان السلام والفرح والخلاص, وليس تكريساً للعنف وللإدانة وللأحكام وإراقة الدماء واستخدام السلاح. التجسد هو إعلان للحكمة الإلهية ونضوجها في التعامل مع سلبيات البشر وخطاياهم وآثامهم.
التجسد هو إعلان الرزانة والاتزان لمتديني هذا العصر فى التعامل مع افراد المجتمع الضعفاء والمنجذبين للشر.

التجسد هو إعلان القوة الحقيقية وقدرة الحب للمجتمع. هو إعلان الطاقة الإيجابية وتفجيرها لأجل خلاص البشر، وفى الوقت نفسه لتتوارى وتتلاشى الطاقة السلبية، والتى تريد سحق البشر كالحشرات.

د: التجسد ليبحث عن الأصغر والأضعف والأفقر من البشر.

إن التجسد هو تعبير عن الحب، والحب فى منتهى البساطة هو فقير، فقير لأنه لايملك ذاته أو من ذاته شيئاﹰ، الغنى في عرفنا هو من يمتلك شيئاً، وهو من يتسيد ويتسلط على الآخرين. ونجد التعبير المتداول بين الناس هو: نحن أغنياء، لأننا نملك, ونحن أثرياء لأنه لدينا ثروة وممتلكات، ولهذا الناس تهابنا وتخشى سطوتنا وقوتنا. ولكن الحب فقير لأنه لا يمتلك شيئاً، ولأنه يجعل من المحبوب ثروته وغناه. الحب معناه، أن يقول المحب لمحبوبه: ليس لدى ثروة لأنك أنت ثروتي، ليس لي شئ، لأنك أنت كل شئ لي، لا أملك ذاتي لأنها لك.
التجسد معناه أن المسيح الغنى أفتقر لنغتني نحن بغناه، فتصبح الكنيسة هي ثروة المسيح الحقيقية. جاء المسيح لأرضنا فقيراً، وولد في مجتمع فقير، وأول من عرفوا بخبر ولادته هم الرعاة الذين يمثلون فئة الفقراء والمنبوذين، وكانت العلامة المميزة لشخصية الطفل يسوع هي اللفائف المقمط بها في مزود فقير لتعبر عن طفل فقير أيضاً.

إن أكثر المجتمعات إحساساً بعضهم بعضاﹰ هم الفقراء. وكذلك يكونون أكثر ترابطاً وتفاهماً وحباً ودفئاً وتعاطفاً من المجتمعات الأخرى.

علينا أن لا نتوقف على الفقر المادي فقط، بل أن نتخطاه ونتجاوزه إلى الفقر الروحي والمعنوي. وبمقدار تفريغ الإنسان ذاته من الذات، يمتلئ بحب الله والآخرين.

وكلما أُشبعت الذات من الذات والثروات، شعرت بالاستغناء عن الله وعن الآخرين مكتفية بذاتها ومنغمسة في وهم غناها وثرواتها وممتلكاتها. التجسد هو توجه المسيح نحو عناصر المجتمع المرذولة بحسب اتساع كلمة مرذولة وبمفهومها الضيق أيضاً.
"روح الرب على لأنه مسحني لأبشر المساكين، أرسلنى لأٌنادى للأسرى بالحرية، وللعميان بعودة البصر إليهم لأحرر المظلومين.
" لو4-18".
أن حكمة البشر تصرخ وتقول هل تساوت الرؤوس؟ من يكون هذا الشخص، وهذا الأنسان ليتعامل أو يتحدث معى بهذا الشكل؟ ومن يكون هذا أو ذاك حتى تربطنى به علاقة؟ هل تعلو العين على الحاجب؟
إن المنطق البشرى يظن أن الله خلق الناس درجات، ويجب على الإنسان أن يحترم هذه الدرجات الموجودة فى المجتمع، وعليه أن يقبل ويحترم التفاوت بين طبقات المجتمع المختلفة، إن المنطق البشرى يرى أن منذ خلق الله الكون ويوجد نوعان من البشر.

النوع الأول

هم الطبقة العليا أو الفوقية وهم الأغنياء والاثرياء والأشراف والملوك والنبلاء والعلماء والفلاسفة والقضاه....الخ.

والنوع الثاني

هم الطبقة السفلى أو التحتية وهم ممثلون في عامة الشعب من المهنين والحرفيين: كالصناع والزراع والجنود والبسطاء والفقراء وأنصاف المتعلمين والفلاحين والتجار...الخ. وكأنه هناك أسياد هم في الأصل أسياد، وهناك فقراء هم فى الاصل فقراء، ووجدوا كفقراء.. وهكذا يجب أن يبقى الحال الى ماهو عليه والى نهاية الدهر.

وهذه الفكرة أو الايديولوجية هى التى خلقت صراعاً حقيقياً بين طبقات المجتمع المختلفة، فكانت الايديولوجيات المختلفة مثل الشيوعية والماركسية والوجودية والثورات الاجتماعية الدموية...الخ.

والنتيجة الطبيعية, حدث شرخ وانقلاب في المجتمع إذ ارتفعت بعض الطبقات البسيطة من البنية التحتية للمجتمع إلى الطبقة الفوقية، وكان ذلك دون مقدمات أو تمهيد: ولقد أحدث هذا الشئ خللاً فى مبادئ وقيم المجتمع، وأصبح المال والثراء هما لغة هؤلاء الأثرياء الجدد. ولم يكن هذا الشئ هو نهاية الأمر، بل صارت هناك فرصة لإخراج الحقد الدفين فى نفوس هؤلاء مع نزعة الانتقام التي لا ترحم ولا تُشفق على أحد. ومع الظروف الجديدة التى طرأت على المجتمع، سادت حالة من الفوضى والتى فيها لاعدل ولاتعاطف بشرى أو إنساني بين الناس، وكاد يذهب مجتمع الناس بحالة أقرب الى الغابة من أن يكون مجتمعاً إنسانياً تسوده المحبة والتعاطف والمودة.

لقد ظن زعماء الثورات أن بالقضاء على الطبقية يصبح المجتمع بلا طبقات، ولكن مع هؤلاء زعماء الثورات المختلفة وعلى أيديهم صارت الطبقية أكثر قوة وفاعلية مما كانت عليه فى المجتمع.

أراد الزعماء القضاء على الطبقية من خلال الثورات فجاءت الطبقية على أيديهم بشكل مخيف ومرعب. إن الطبقية السابقة ربما كانت مؤسسة على وعى وفهم وفوق كل هذا فهى موروثة من أب لجد، بينما الطبقية الحالية فهى تتصف بالعشوائية والتخبط وتقترب إلى الهمجية منها إلى الإنسانية.

وحتى لا يتكرر هذا الشئ أعنى الثورات الاجتماعية والايديولوجيات الفكرية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، والتى تحدث انقلاباً وتغييراً جذرياً فى المجتمع أو المجتمعات وذلك بعد عدة سنوات, أو بعد حقبة أو عقد أو قرن من الزمان، والمجتمع البشرى لم يعد لديه القدرة على أحتمال مثل هذه الهزات والثورات.

فلا بد من العودة الى سر التجسد وتأثيره على الحياة الاجتماعية حتى تتفادى مايمكن حدوثه من شر أو خلل، وكلما كان المجتمع قريباً من سر التجسد، احتفظ بهدوءه وسلامه.

إن الله الذي خلق الناس, وبينهم درجات على حد قول بعض الناس, هو بذاته الذي يحطم هذه القاعدة ويبحث عن أحقر وأصغر البشر والمرذولين. فما هي حجة البشر بعدئذ؟

علينا أن نزيل كل الحواجز والعراقيل القائمة أمام التعامل الإنساني النبيل، ولا ننغلق على أنفسنا، ولا نخشى على ذواتنا من قبل إنسانيتنا أو تحقيق إنسانيتنا.

هل لأجل مظهر أو وضع اجتماعي معين نقتل ماهو جوهرى فينا؟ هل نقف كحائل فى سبيل تحقيق إنسانيتنا؟ المسيح يبحث عن المجهولين من بنى البشر ويذهب للضالين والمحتقرين، ولكن يتنكر الإنسان لأخيه الإنسان وكأنه لا يعرفه، وذلك لأنه أفقر منه أو لأنه لم ينل حظه من التعليمم مثله.

إن الأخ في داخل الأسرة الواحدة والتي يرتبط فيها أفرادها برباط الدم وبصلة الرحم، نجد فيها أيضاً من يتنكر لأخيه ولايجيز له بحق الانتساب إليه ويتجاهله في المجتمع وكأن لم يكن بينهم صلة الرحم الواحد أو رباط الدم المشترك بينهم.
ه: التجسد هو إعلان الحنان والعطف والحب.

أراد المسيح بتجسده أن يكوﹼن أشخاصاً أحياء يؤلفون مجتمعاً حياً بالحب والعطف والمودة، وليس مجتمعاً جافاً جامداً ومتصلباً. فالمسيح نراه يتحنن على الجموع الجائعين، ويشفق على الأرملة الوحيدة التي مات وحيدها، ويذرف دمع العين على ميت وحيد، إن قلب المسيح مملوء بالمشاعر والعواطف والحب والحنان، ويريد للبشر نفس القلب المملوء بالملء ذاته الموجود فى قلبه.

إن المجتمع البشرى اليوم يتخذ موقفاً سلبياً إزاء العواطف الإنسانية..لماذا؟

قد يظن البعض أن العواطف ضد العقلانية وضد الحياة العملية والجدية، والبعض الآخر أن العواطف تعبر عن ضعف الشخصية أو عن الشخصية الانهزامية، لأن الشخص العاطفي يعبر عن هزيمته بالدموع، أو بمعنى آخر هو أن الشخصية الانهزامية لا تجد إلا الدموع وسيلة لتعبر بها عن ذاتها.

إن الأوضاع السياسية والأزمات الاقتصادية جعلت من البشر أشخاصاً متبلدي الحس والمشاعر، وجعلت منهم أشخاصاً يتسمون بالأنانية ولا يبالون بغيرهم. ولقد ساعد التقدم الحضاري أيضاً بجزء من هذه السلبية في العلاقات الإنسانية، حيث نجد أن العائلة تجتمع أمام التلفاز الذي يجذب الانتباه إليه دون أن يترك مجالاً للحديث والحوار بين أفراد العائلة, وبالتالي تضاءلت المشاركة العائلية إن لم تكن تكاد تنعدم نهائياً في هذا المجتمع الصغير, والذي يعد الخلية الأولى للمجتمع. وهناك أشياء أخرى حضارية، ولكن نكتفي بعرض فقط عن جانب عملي ملموس وله تأثيره الواضح. وضمن العوامل التي ساعدت على تبلد المشاعر بين أفراد العائلة أو أفراد المجتمع البشرى، هو البحث الذي يقوم به الشخص عن رزقه ليأمن مستقبله أو مستقبل أولاده، أي يوجد هناك اهتمام مادي يكون على حساب تعميق العلاقة بين هذا الشخص وبين أفراد أسرته، وبالتالي تولدت فجوة بين ما يقوم به رب العائلة, وبين الاحتياجات الحقيقية لأعضاء الأسرة التي تريد أن ترتبط معاً نفسياً ومعنوياً واجتماعيا، ويزيد من أبعاد المشكلة خطورة، هو سفر عائل الأسرة بحثاً عن رزقه بعيداً عن بلده أو وطنه, وبالتالي بعيداً عن عائلته، مما يزيد من المسافات بينهما وبالتالي تتسع الفجوة بينهما.

نجد أيضاً أن داخل كل أسرة حينما يكبرون أفرادها ويصبحون فى وظائف مختلفة أو أعمال مختلفة نجد أن كل فرد يهتم بمصالحة وأحتياجاته وأهدافه الشخصية، وكذلك يعيشون فى الحياة بأسلوبهم وبطريقتهم دون مشاركة الآخرين فيها. اذ يعتبر كل واحد أن هذه هى حياته الشخصية ولايجوز مشاركة الآخرين فيها أو إطلاعهم على أسراره، فأصبحت الأسرة الخلية الأولى للمجتمع كل فرد فيها يكون حبيساً لذاته أو فى ذاته ومغلقاﹰ على ذاته ويشكل من ذاته مجتمعاً خاصاً به بعيداً عن الآخرين.
لقد أصبح الاحتياج الأساسى للتفاعل والتداخل الاجتماعى لدى بعض الناس عبارة عن مضيعة للوقت, ولن يستطيع الإنسان بهذا الشكل الوصول الى تحقيق الهدف أو تحقيق الذات.
إن التحرر من العواطف والحنان قلل من قيمة التلاقى والترابط الاجتماعى.... أدى إلى الانعزال والانفراد والاستقلالية لدى الأفراد أو الأشخاص والجماعات, مبررين ذلك بأن الحنان والعواطف والمشاعر داخل الانسان تقتل فيه روح الإبداع والاختراع عند الإنسان.

علينا أن ندرك ما آلت اليه بعض المجتمعات الحديثة، وما آل إليه مجتمعنا الحديث على ضوء سر التجسد فكل مرة نحتفل بسر التجسد أو نتأمل فيه يكون بمثابة ناقوس الخطر الذى يحذرنا من المستقبل, إن لم نتداركه بأسرع وقت وبأقصى سرعة لأجل حياتنا الاجتماعية.

فلا نبكى تحسراً على مثال بعض الناس الذين فقدوا كل صلة بمجتمعهم، لأن مجتمعهم ذاته فقد كل صلة وترابط فأخذوا يبحثون عن مجتمعات أخرى ينذوون إليها. وذلك للهروب من آلام الجمود والعزلة القاتلة وبرودة الحياة اليومية، باحثين عن دفء الحياة فى ظل مجتمع مترابط.

" الذى رأيناه وسمعناه نبشركم به لتكونوا أنتم أيضاً شركاءنا، كما نحن شركاء الأب وابنه يسوع المسيح " "يو 1-3".

يركز القديس يوحنا عن الشركة الموجودة بين الرسل والمسيح وبالتالى بين الرسل والثالوث الاقدس وبين سائر المؤمنين. ويشركهم بهذه الشركة والتي تعنى الترابط والتعاون والتداخل والتقارب بينهم.

" ونحن عرفنا المحبة حين ضحى المسيح بنفسه لأجلنا، فعلينا نحن أن نضحى بنفوسنا لأجل أخوتنا. من كانت له خيرات العالم ورأى أخاه محتاجاً فأغلق قلبه عنه فكيف تثبت محبة الله فيه، يا أبنائى، لاتكن محبتنا بالكلام أو باللسان بل بالعمل والحق." "يو 3-16-18 ".

" نحن نعرف أننا انتقلنا من الموت الى الحياة لأننا نحب أخوتنا.. من لايحب بقى فى الموت, من أبغض أخاه فهو قاتل وأنتم تعرفون أن القاتل لانثبت الحياة الابدية فيه" "يو 3-14-15"
هذه الآيات تظهر لنا أن الحب هو الذى ينقلنا من الموت إلى الحياة. وكلما أحب الإنسان أخاه الإنسان تذوق الحياة ومعناها، وكل شخص يُريد أن يعيش بمفرده فهو لم ينتقل من الموت الى الحياة بل هو قابع فى الموت فى برودة وظلمة قاتلة ومميتة. كما أن القديس يوحنا لايرى طعماً للحياة بدون التضحية والبذل لأجل الآخرين والانفتاح عليهم وعلى مشاكلهم وتجاربهم واحتياجاتهم.
إن موت المسيح أو ذبيحة الصليب هى الأساس الحقيقي في معنى الحياة، وعلينا أن نعيش كما عاش المسيح المتجسد إزاء الآخرين ونصل إلى القمة التي وصل هو اليها وذلك عن طريق الصليب.

و: التجسد إعلان الحق بالمحبة.

يعلن المسيح الحق فى المجتمع فى اللحظات المناسبة، ولا يصمت أمام الظلم، كما أنه لم يجرح أحداﹰ و لم يوجه إهانة لأحد، أولم يهدر كرامة أحد. المسيح فى إظهاره للحق كان يحترم مشاعر الآخرين ويقدرها.

المسيح كلى المحبة، والمحبة لاتبيح لنفسها إهانة الغير مهما كانت فظاعه خطأ الآخر. قد يهين الإنسان نفسه بأفعاله وتصرفاته، ولكن هذا لايعنى إعطاء الحق لطرف آخر أن يهينه.

بعض الأمثلة الكتابية التي توضح ما نقوله من خلال تعاملات المسيح مع عناصر مختلفة فى المجتمع.

"وقدم إليه الكتبة والفريسيون امرأة أمسكت في زنا. ولما أقاموها في الوسط قالوا له يامعلم هذه المرأة أمسكت وهى تزني في ذات الفعل. وموسى فى الناموس أوصانا أن مثل هذه ترجم. فماذا تقول أنت. قالوا هذا ليجربوه لكي يكون لهم ما يشتكون به عليه. وأما يسوع فانحنى إلى أسفل وكان يكتب بأصبعه على الأرض" يو 8 :3 -8 .

كان بأمكان المسيح توجيه الإهانة للكتبة والفريسيين.. لماذا ؟

أولاً: بسبب ظلمهم للمرأة وقسوتهم عليها، فهي خاطئة أو زانية هذا لاجدال فيه، ولكن أين شريكها فى الزنا؟ هل كانت فى ذات الفعل بمفردها؟ فلماذا أمسكت هى ولم يُمسك الطرف الآخر؟ وهنا نجد أن الظلم والتعصب للمرأة وضد المرأة .

ثانياً : الأسلوب الذى استخدموه مع المرأة، لم يكن أسلوباً محترماً. كان أسلوبهم جارحاً جداً ومهدراﹰ لما تبقى لها من كرامة إنسانية. حيث تعرض فى وسط حشد الجموع ونظرتهم القاتلة وكلاماتهم اللاسعة.

ثالثاً : المسيح يعلم مسبقاً بقصدهم السيئ فى هذا الموضوع وخصوصاً أن صيغة السؤال المطروح من قبل الفريسيين يعبر عن التحدى ليسوع، ويعبر عن المكر والخبث، وذلك من خلال عملية المقارنة بين شريعة موسى وحكمها الواضح وبين أسلوب المسيح الفريد من نوعه والذى لم يتعودوا عليها.

معالجة المسيح لموقف الفريسيين وموقفه منهم.

لم ينطق المسيح بكلمة واحدة، ولكنه استغرق فى صمت عميق تاركاً الحق أن يدافع عن نفسه. وحينما اراد أن يكشف لهم أنفسهم أو أن يعبر عن رأيه، جلس على الأرض وكتب عليها، ونطق بعبارة واحدة مهذبة وتعبر عن الذوق الرفيع لشخصية المسيح وكانت هذه العبارة نافذة للأعماق وهى:
" من كان منكم بلا خطيئة فليرمها أولاً بحجر " (يو 8-7).
هذه العبارة الصغيرة أخجلتهم من أنفسهم، وبرحوا المحكمة بلا كلام ولكن كانوا مطاطى الرأس.
إن أسلوب المسيح فى تعامله مع الكتبة والفرسيين يعبر عن نضجه واتزانه. وليس هو بالشخص المندفع أو المتهور والذى يكثر من الكلام والتوجيهات والملامات للأخرين، مدعياً بذلك بأنه يملك الحق لأنه هكذا يفعل البشر.
" ولما استمروا يسألونه انتصب وقال لهم من كان منكم بلا خطيئة فليرمها أولاً بحجر. ثم انحنى أيضاً إلى أسفل وكان يكتب على الارض. وأما هم فلما سمعوا وكانت ضمائرهم تبكتهم خرجوا واحداً فواحداً مبتدئين من الشيوخ الى الاخرين."يو8 :7-9 .

2- موقف المسيح من المرأة التى أمسكت فى ذات الفعل.

وبقى يسوع وحده والمرأة واقفة فى الوسط. فلما انتصب يسوع ولم ينظر أحداً سوى المرأة قال لها: يا امرأة أين هم أولئك المشتكون عليك أما دانك أحد. فقالت لا أحد ياسيدى فقال لها يسوع ولا أنا أدينك. اذهبي ولا تخطئ أيضاً. "يو8: 9 -11".

لم يخاطب المسيح المرأة وهى محاصرة من الكتبة والفريسيين, لأنه رقيق المشاعر وطيب القلب ومملوء إنسانية وإنسانيته هذه أشعرته بمعاناة هذه المرأة. إنسانيته رفضت استجوابها ومخاطبتها أمام الناس حتى لا تزداد آلامها لقد أنتظر المسيح إلي أن صار مع المرأة على إنفراد وخاطبها بأسلوب محترم وبنفس الطريقة التى خاطب بها أمه العذراء مريم حينما قال لها... يا أمرأة" أليس فعل المرأة جعلها محتقرة من قبل المجتمع والناس، وخاصة الكتبة والفريسيين، ولكن المسيح يخاطبها بأجمل أسلوب فيه أحترام وتقدير لشخصيتها، وذلك لكى يعيد اليها كرامتها وأنسانيتها المجروحة من قبل المجتمع.

بهذا الأسلوب أعاد المسيح للمرأة الثقة فى ذاتها وجعلها تتشجع وتتحدث معه وتجيب على تساؤلاته لأنها لمست فيه الشخص المميز عن الاخرين، أسلوب المسيح مع المرأة دفعها الى تحطيم الحاجز النفسى فى داخلها، وتخرج من الدائرة المغلقة ومن حصار الخجل والشعور بالتحطيم المحاصرة بهما. المسيح يذهب معها الى قمة الكرم الانسانى والنبل ويطلقها حرة ومغفورة لها خطاياها، ولم يدينها. المسيح فى مواجهته مع البشر لايجرحهم بل يشفى جراحهم لأن المواجهة تتسم بالمحبة والحق.

ليست الشجاعة فى أعلان اخطاء الاخرين علانية، بقدر مانواجه هذه الاخطاء فى الاخرين بطريقة سحرية وبدون تجريح وبالمحبة.





المثل الثاني في لو 6-1-5.

في هذا النص نجد مواجهة بين الفريسيين وتلاميذ يسوع..

لماذا المواجهة ؟

لأن تلاميذ المسيح كانوا يقطفون السنابل ويأكلونها فى يوم السبت، والفريسيون قالوا لهم: لماذا تفعلون مالا يحل فعله فى السبوت؟

مواجهة المسيح مع الفريسيين فى هذا الموقف..

" فأجاب يسوع وقال لهم أما قرأتم ولا هذا الذى فعله داود حين جاع هو والذين كانوا معه. كيف دخل بيت الله وأخذ خبز التقدمة وأكل وأعطى الذين معه أيضاً. الذى لايحل أكله إلا للكهنة فقط.
" لو 6-3-4"

أولاً: لم يقل لهم المسيح كلمة واحدة استفزازية أو جارحة ولم يجاوبهم بما لاتحب أن تسمعه الأذان أو الاذن مثل كل شخص حر وله أن يفعل مايشاء. لم يقل لهم أذهبوا لحال سبيلكم، وليس لكم معنا كلام كما يقال عادة في مثل هذا المجال.

ثانياً: المسيح أجاب من الشريعة وأتخذ منها موقفاً مماثلاً لهذا الموقف وعلينا أن نتعلم من المسيح الهدوء وعدم العصبية فى مواجهة المواقف. وعلينا أن نواجه ولانرفض المواجهة.
ولكن علينا أن لاننسي أن المواجهة لاتعنى إهانة الغير أو تجريحه وأهدار كرامته.

المثل الثالث: لو 7-36-50.

يحكى المثل عن وجود السيد المسيح في ضيافة سمعان الفريسي، وفيما هو متكئ جاءت أمرأة خاطئة بقارورة طيب وأخذت تبكى وبدموعها غسلت قدمى المسيح وبشعرها تمسحها، وسكبت قارورة الطيب عليه، وهذا أثار حفيظة سمعان الفريسي مما جعله يتذمر فى داخله على شخص المسيح. والمسيح الفاحص القلوب والكلى يعلم بما يجوش فى داخل نفس سمعان الفريسي وكان عليه أن يواجهة باللطف حتى يصحح له مابداخله.
"فأجاب يسوع وقال له ياسمعان عندى شئ أقوله لك، فقال قل يامعلم، كان لمداين مديونان على الواحد خمسمائة دينار وعلى الاخر خمسون، واذ لم يكن لهما مايوفيان سامحهما جميعاً. فقل أيهما يكون أكثر حباً له، فأجاب سمعان وقال "أظن الذى سامحه بالأكثر، فقال بالصواب حكمت ثم ألتفت الى المرأة وقال لسمعان أتنظر هذه المرأة.... الخ.
"لو7-40".
لقد أعطى المسيح هذا المثل لسمعان الفريسي ومن معه حتى يكتشف الحقيقة بذاته.
ولقد كان المثل قريباً جداً للموقف الراهن واللحظة الحاضرة. أراد المسيح أن يواجه سمعان بالحقيقة ويواجهه بمشاعره وأحاسيسه الداخليه التى لم يستطع سمعان التعبير عنها.
هل نجد في كلام المسيح ملامة لسمعان؟ هل تجد أن هناك كلمة واحدة جارحة لسمعان أو مهينة لشخصه؟ هل تعامل المسيح مع المرأة بجفاء نتيجة لنظرات سمعان الحارقة والخارقة؟

ي: التجسد لم يكن لأجل الدفاع عن الله أو تبريرا ً له:

جاء المسيح محبة بالآخر(الإنسان) والذي يُعد شخصاً مهماً بالنسبة لله الثالوث، وهذا الشئ يظهر لنا سلبية مجتمعنا المعاصر الذى فيه نجد أن الإنسان لا يبالى بغيره من إخوته البشر.
قد يتخذ الإنسان موقفاً للدفاع عن ذاته إزاء الإشاعات والأقاويل، كاذبة كانت أو صادقة، وفى هذه الحالة نستطيع أن نقول عن هذا الانسان بأنه متكبراً أو أنانياً. وذلك لأنه لايبحث عن الآخر كآخر، لكي يصحح مفاهيمه ولكنه يسعى نحو الآخر ويبحث عنه لأجل ذاته. المسيح ليس فى حاجة للدفاع عن نفسه أو عن الأب والروح القدس، وذلك لأنه حراً ونزيهاً، ولانه يهمه الإنسان. ولذا اتخذ من التجسد أسلوباً وطريقاً للوصول للإنسان (الذي يُعد هدفاً للثالوث الأقدس) أيها الإنسان أعرف مكانتك الحقيقية لدى الله، أعرف أنك موضوع وهدف لحب وتقدير الثالوث الأقدس.
لم يكن التجسد سهلاً كما نتحدث عنه ولكنه صعباً وشاقاً جداً، لأنه يتطلب تجرد وتخلى وأفراغ ذات الى أبعد الحدود.
























الفهرس


المقدمة
أولا: المشكلة والمعضلة الأساسية بين المثالية والواقعية
ثانيا: شخص المسيح هو حل المعضلة
ثالثا: المفهوم اللاهوتي لسر التجسد في حد ذاته
‌أ- التجسد يعطى التاريخ البشرى المعنى
‌ب- بالتجسد يدخل الله التاريخ أي في داخل الزمان والمكان.
‌ج- المسيح داخل الزمان والمكان ليكون القدوة والمثال
‌د- التجسد لأجل التحرر من الخطيئة
‌ه- التجسد يكشف لنا طبيعة الله
‌و- التجسد كشف جوهر وكيان الله
‌ز- التجسد هو سكنى الله بين البشر
‌ح- التجسد يعبر عن الحب الفقير
‌ط- التجسد هو التعبير الحي عن التواضع
‌ي- التجسد بشارة فرح
‌ك- التجسد يحمل طمأنينة وسلاما للإنسان
‌ل- التجسد بين المواطنة والغربة
رابعا: أقنوم في طبيعتين
‌أ- الطبيعة الإلهية
‌ب- الإتحاد و الوحدة في شخص المسيح
‌ج- اقتران اللاهوت بالناسوت في شخص المسيح
خامسا: الكلمة المتجسد
‌أ- الكلمة في الفكر اليهودي
‌ب- الكلمة في الفكر اليوناني
‌ج- الكلمة في مفهوم يوحنا الإنجيلي
سادسا: ضرورة تجسد المسيح اجتماعياﹰ
‌أ- التجسد هو تخطي للعقبات وتجاوز للحواجز الاجتماعية
‌ب- التجسد لأن الله يقدر نقص و ضعف الإنسان
‌ج- لم يأت المسيح ليكفر الناس و يعلن جحود البشر
‌د- التجسد ليبحث عن الأصغر و الأضعف و الأفقر من البشر
‌ه- التجسد هو إعلان الحنان و العطف والحب.
‌و- التجسد إعلان الحق بالمحبة.
‌ز- التجسد لم يكن لأجل الدفاع عن الله أو تبريرا ً له.






By SottSarekh
0121052792


Enter content here

Enter supporting content here

الموقع من تصميم /اليفاز