Make your own free website on Tripod.com
abona (aghstinos)

alasor alwosta

Home
alasor alwosta
altagsd we taaseroh
althaloth we alalakat alagtmaia
alsalah end treesa
hawet almasehe
smile
drast klmat allah
hawet almasehe
alhabl bla dans
aldlil alrohy
alhob(the love)
alsalah alkalbia
hdor alah alaeem
alalmanieon
alfarah fe alktab almokads
almahba byn alfalsafa we alwegood

القسم الأوَّل
العصور الوسطى
692-1073
مقدمة
وفي هذه الحقبة نجد الآتي الإرساليات والثقافة الكنسية عند الشعب الألماني، لاتيني وسلافي. انفصال الكنيسة اليونانية الشرقية عن الكنيسة اللاتينية.
نظرة تلخيصية حول المنهج الحقبة التاريخية للـ600 وفيما بعد تسمى باسم العصور الوسطى ومعها افتتحت مرحلة بكاملها جديدة في حياة الأمة، والسياسة، والكنيسة الرهبانية والثقافة الغربية. كانت البداية مع هجرة البربر مع كل نتائجها الثورية.
المرحلة الأولى في هذه الحقبة من وجهة نظر التاريخ الكنسي وهي تقترب من أربعة قرون (من مجمع تريلانوه 692 حتى بداية حبرية البابا غريغوريوس السابع عام 1573). وهو زمن انتقالي، زمن استيعاب ومشابه للنضوج.
الكنيسة تجد ذاتها أمام مواقف وأوضاع وواجبات مختلفة تماماً عن تلك التي كانت موجودة في المسيحية القديمة. حيث لم يصبح مسرح الأحداث الأساسي هو البيئة اليونانية- الرومانية للبحر الأبيض المتوسط، ولكن شمل الدول الرومانية – الألمانية، والتي منهم تشكلت أوربا الوسطى أو التي يطلق عليها اسم أوربا الوسطى الشرقية.
الواجب الأول الذي تقدمه الكنيسة هو الاستمرارية في عملية التبشير وتنشئة الشعوب الألمانية. ارتداد الألمان إلى المسيحية (أي قبولهم للمسيحية)، ودخولهم كأعضاء في جسم الكنيسة الكاثوليكية، هذا كله قد تم في حوالي ثمانية قرون الواقع هو الذي يضع قاعدة العصور الوسطى وإنهاء الثورات. الإيمان الكاثوليكي ألقى أولاً برباط الوحدة بين العشائر والقبائل الألمانية. وإيقاظ الوعي فيهم بأنهم ينتمون إلى جماعة هي الشعب كله. الكنيسة حملت إليهم ليس فقط الخيرات الفائقة الطبيعة للخلاص الأبدي، ولكن حفظت وحرصت التقليد القديم والذي صار واسطة أو وسيلة لحضارة عليا، وتعد لتطور غير مشكوك فيه للثقافة. الألمان شعب ذكي ولديه روح منفتح، ولذا تشرب بشراهة لكل ما هو جديد قدم إليهم بتدقيق الموافق لخصائص عشائرهم .
الإيمان المسيحي والحركة الألمانية وصلابة التكوين الروماني خلقوا دولة العصور الوسطى حيث ينتسبون معاً في الإرث المشترك للأفكار الدينية، والأدبية، المرونة- الأمان، الوعي برسالة عليا.
في هذه الفترة كان هناك تفوق للدولة على الكنيسة. هذه الكنيسة في الواقع كانت في احتياج للذراع العلماني لحمايتها ولتكميل رسالتها. ومع ذلك بدأ من هذه اللحظة الاتحاد الضيق بين كل ما هو روحاني وعلماني وهكذا تُعد الخاصية الأدنى للعصور الوسطى، بكل تأكيد نستطيع أن نتحدث عن مجتمع صار إكليريكياً من مجتمع علماني. هذه النقطة الأخيرة لا تظهر فقط في قبول الكنيسة للأبعاد السياسية والاجتماعية، ولكن بالأحرى تم إدماج ذلك في البناء الكنسي ذاته وبشكل خاص لحكم الشعب الألماني ونظامهم. في مملكة الفرنجة يوجد انجذاب أو أظهروا انجذاباً نحو نظام منعزل عن دولة الكنيسة والاتجاه نحو القومية.
كل هذه المظاهر والاتجاهات تم التغلب عليها بواسطة التجديد الذي أحدثه القديس بونافتشه Bonafaitio والذي فيه ركز على الاتحاد الوحدة الضيقة أو المفروضة بين الكنيسة الألمانية وروما مركز المسيحية، والعهد بين الفرنجة والبابا.وفي إيطاليا تم بالفعل وحقيقة الدولة الباباوية أو دولة الكنيسة وحد شارلمان بين الألمان واللاتين في إمبراطورية واحدة قديرة ذات سلطة والتي شملت معظم الإمبراطورية الرومانية القديمة، ولقد وصل أيضاً إلى قمة منطقة بأنه أراد أن يجدد الإمبراطورية الرومانية، ولقد حدث هذا في عام 800م.
وبهذه الطريقة نشأت جماعة ثقاقية جديدة في الغرب، لديها مهارة لإنشاء مملكة عامة مقدسة، موحاة من فكرة مدينة الله للقديس أغسطينوس.
حدث تدهور سريع بسبب ضعف خلفاء شارلمان الإمبراطور الروماني- الألماني ومع ذلك تم تجديدها على يد أوتو الكبير في عام 962 كإمبراطور روماني – ألماني ولقد كان هناك تقارباً لعدة قرون بابوية بين السياسات والسياسة والكنيسة.
نجد أن العلاقة التي كانت موجودة بين القوتين والسلطتين السياسية والدينية قد تصل في النهاية إلى حرب بين الإمبراطور ورجال الكهنوت.

1. الكنيسة اليونانية الشرقية

لقد تأذت كثيراً هذه الكنيسة بسبب انتشار الإسلام واستمرت تعيش حياتها في ذلك العصر بدون أي تغيير جوهري. وبمعنى آخر لم تُعرف في العصور الوسطى. وبالنظر إلى البعد الإرسالي والثقافي والنشاطي لم يكن هناك من جديد في حياة الكنيسة الشرقية وصار نشاطها مقتصر على معركتها بسبب الأيقونات. وهكذا التباعد بين الكنيستين الشرقية واللاتينية (الغربية) أدى بالتدرج إلى الانفصال الكبير بينهما في عام1054 م.


1.1الغزوات الجرمانية للإمبراطورية الرومانية

1.1.1البرابرة وعاداتهم

عندما أطلقت روما على نفسها سيدة العالم، كانت تعلم أن هذا اللقب ينطوي على مبالغة، وأن حدودها ليست العالم كله. ففي شماليها، كان يوجد ثلاثة شعوب كبيرة هي الجرمان والسلاف والأمة الأسيوية. وفي الشرق كان الفرس الذين كثيراً ما اشتبكوا في حروب مع الرومان. وفي الجنوب تواجد العرب الذين لم يكونوا قد أصبحوا مصدر خوف حتى هذه المرحلة. وفي الصحاري الأفريقية الشمالية كانت قبائل البربر التي كانت من الكثرة بحيث أثارت خوف الضباط الرومان.
وفيما يتعلق بالجرمان، فقد ظهر خطرهم منذ عهد الإمبراطور فالنز بعد هزيمته ومصرعه في معركة في معركة أدرنة سنة 378م وعند وفاة خليفته الإمبراطور ثيؤدوسيوس عام 395م، ظهر خطرهم بشكل واضح بعد ما تجمعوا على حدود الإمبراطورية الشمالية مدفوعين بالعناصر السلافية من ورائهم، وهؤلاء السلاف مدفوعين بدورهم بالقبائل الأسيوية من ضفاف نهر الفولفا.

1.1. 2 قبائل السلافية: القبائل المغولية أو الهون

• القبائل الجرمانية (منها القوط) : الإمبراطورية الرومانية

كانت تقاليد وطبائع هذه القبائل على نقيض العالم الروماني، فقد كان الانضباط والعبودية، وهي مبادئ الحكم لدى الرومان، شيئاً مكروهاً لدى هذه القبائل، بينما كان حب الاستقلال الفردي والإخلاص للزعيم هما أساس طابع الجرمان. وفكرة الحرب عندهم متعة كبرى. وحكومة الجرمان تتألف من جمعية، وهي مقدسة على حد قولهم، وتتكون من جموع المحاربين، وتمارس السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية.
وعادة ما كان اختيار الملك من بين أفراد أسرة واحدة تتوارث هذا اللقب. وكان لطبيعة أعمالهم الحربية، أنهم لم يهتموا بالزراعة، ولم تكن لهم أملاك خاصة، وبالتالي لم يكن لهم مدن، بل كانت لهم أكواخ من الطين منفصلة عن بعضها. وفيما يتعلق بطرق الحياة، فلم يُسمح بتعدد الزوجات إلا للملوك ومشاهير الرجال. وتعاطي الجرمان الشراب ولعب الميسر، لكن إلى جانب ذلك فقد قامت مجتمعاتهم على كلمة الشرف، ولم يفكر الفرد في التنكر للكلمة التي يقطعها على نفسه.
1.1. 2 مرحلة الغزو الأولى للبرابرة
أ‌. تمهيد

في بداية العصور الوسطى ومع مطلع القرن الرابع الميلادي شهدت الإمبراطورية الرومانية تغيرات واسعة المدى. ولقد لعبت عدة عوامل أساسية دوراً هاماً في هذا التغيير.
ومن هذه العوامل التي لعبت دوراً كبيراً في تغيير خصائص التاريخ الأوربي، خاصة في الجزء الغربي، تدفق جماعات البرابرة على الإمبراطورية الرومانية، إلى أن انتهى بهم المطاف إلى الاستقرار داخل مساحات كبيرة من أراضيها ولفظ "بربري" قديم جداً، كان يدل على الشعوب التي لا تفقه اليونانية، وعلى ذلك كان مدلول لفظ البربري عند اليونان مرادفاً لكلمة غير مثقف أو فظّ.
ونحن عندما نستعمل لفظ البربرية فيجب ألا يتبادر إلى أذهاننا أنها تعني بالضرورة الهمجية أو الوحشية ، فإنها في أغلب الأحيان تعني مرحلة من مراحل التظيم السياسي- الإجتماعي والقبلي في مرحلته البدائية القائم على أساس رابطة الدم، حيث لم يرق هذا التنظيم إلى مرحلة الاستقرار المدني وإقامة الدول ذات الحدود الثابتة.
الواقع إذن أن هؤلاء البرابرة لم يعرفوا الحدود الثابتة بالمعنى المفهوم في تاريخ الدول المتحضرة والمستقرة، وقد كانت الإمبراطورية الرومانية محاطة بهم من جميع جهاتها، سواء كان ذلك بشكل مباشر أو غير مباشر، كما كان هؤلاء البرابرة متعددي الأنواع والأجناس، كالهون والبلغار والمغول والأتراك والكلتيين والسلاف.
لكن الشعوب الجرمانية كانت أكثر المجموعات البربرية تأثيراً بشكل فعال ومباشر في تطوير تاريخ غرب أوروبا. وما تجدر ملاحظته أن القبائل الجرمانية المتاخمة لحدود الإمبراطورية الرومانية لم يكن لها سياسة مرسومة لاجتياز نهري الراين والدانوب، وبالتالي هدم الإمبراطورية، إنما شكّلت عزواتها حركة نزوح فعلية سعياً وراء موطن جديد أكثر أماناً، تخلصاً من ضغط القبائل السلافية (الممتدة من روسيا إلى البحر الأسود). وهذه القبائل الأخيرة نزحت بدورها باتجاه الغرب تحت ضغط الأجناس المغولية القادمة من أواسط آسيا تحت تأثير الجفاف الذي أصاب تلك الجهات. والواقع أن الجرمان كانوا على معرفة بأحوال الإمبراطورية وبما تحويه من ثروات ومدنية، كما أُتيح لهم دراسة نقاط الضعف والقوة في كيان الدولة بحكم تجنيدهم كمرتزقة من قبل بعض الأباطرة.

ب‌. القبائل الجرمانية المبكرة
المقصود بالقبائل الجرمانية المبكرة تلك التي غزت أوروبا عقب سقوط الإمبراطورية الرومانية، ولم تترك أثرها الدائم على المناطق التي اكتسحتها، ونعني بهذه القبائل القوط (الغربيين والشرقيين)، وقبائل الفاندال (الوندال) وقبائل الهون...
• القوط الغربيون (أسبانيا)
تحت ضغط الغزو السلافي، عبر القوط الغربيون نهر الدانوب سنة 374م، فسمح لهم الإمبراطور فالنز بالتصدي لهم وألحقوا به هزيمة كبرى في معركة ارنة سنة 378م. وبوفاة الإمبراطور ثيؤدوسيوس الأول عام 395م الذي كان يهادنهم، ثار القوط وغزوا مقدونيا وتساليا ودخلوا أثينا، واقتربوا من القسطنطينية، فاضطر ركاديوس أن يقطعهم الليريا (اليونان) عام 398م. ولم يكتف زعيمهم الطموح ألاريك بذلك إذ توجه غرباً، فاحتل إيطاليا ودخل روما عام 410م. ولم يخرج القوط الغربيون من روما إلا بعد أن أنزل بهم الإمبراطور الهزيمة؛ ففروا هاربين إلى جنوبي غاليا حتى أسبانيا حيث أقاموا مملكة لهم (415-711م). واستمر القوط في حكم أسبانيا حتى تاريخ سقوطها على يد القائد العربي طارق بن زياد سنة 711م.
• القوط الشرقيون (إيطاليا)
نزل القوط الشرقيون في إيطاليا عام 948م بقيادة ملكهم ثيودوريك العظيم الذي تخلص من أدواكر، وانفرد في حكم ابتداءً من عام 493م.
حافظ الملك ثيودوريك على التقاليد الرومانية القديمة، ونظر إلى المدينة الرومانية كمثل يجب أن يُحتذى به، فحظى على شرعية حكمه، واعترف به الإمبراطور البيزنطي أنستاس ملكاً على إيطاليا. ارتبط ثيودوريك بالتحالف الأسري مع معظم ملوك البرابرة، فقد تزوج شقيقة كلوفيس ملك الفرنجة، وزوج شقيقته لملك الوندال، وابنة أخيه لملك الثورنجيين، وبدا ثيودوريك كما لو كان زعيم البرابرة الذين استقروا في الإمبراطورية الغربية.
كان ثيودوريك أبعد من أن يكون بربرياً في أفكاره السياسية، فقد كان مسالماً وعادلاً، إذ لم يخص قومه بأي امتياز أمام القانون، فعاد الرخاء في عهده إلى إيطاليا. لم يستطع القوط الشرقيون أن يحتفظوا باستقلال مملكتهم بعد وفاة ملكهم، فاحتل الإمبراطور جستنيان إيطاليا عام 553. وبذلك انتهت مملكة القوط الشرقيين، واندمجوا في صلب الشعب الإيطالي، وامتزجت الثقافتين الجرمانية والرومانية.
• الفِندال "الوندال" (شمال أفريقيا)
اتجه الفندال (الوندال) غربا إلى منطقة غاليا (فرنسا) في بداية القرن الخامس الميلادي، ومنها إلى أسبانيا. وبعد أن انتصر عليهم القوط الغربيون عام 419م، عبروا البحر بقيادة ملكهم جنسريك عام 429م إلى شمال أفريقيا أسسوا لهم مملكة امتدت من طنجة إلى طرابلس، واعترف بها الإمبراطور فالنتيان 435م بموجب معاهدة. وبعد أن استولى ملكهم جنسريك على قرطاج عام 439م، حاول بعث القوة البحرية، وبفضلها تمكن من الإستيلاء على جذور كورسيكا وسردينيا والبليار، وبعبارة أخرى راح يتحدى القسطنطينية كما فعل مع روما، وأصبح سيد البحر المتوسط.
ونتيجة الغزو الوندالي للساحل الأفريقي فقدت الإمبراطورية الرومانية جزءاً هاماً من أراضيها، كان يمدها بالغلال، فضلاً عن ضياع الجزية. لكن الفندال عاشوا أغراباً في هذه المنطقة لاعتناقهم المذهب الآريوسي المخالف لمذهب أهل المنطقة الذين دانوا بالأثناسيوسية. وبموت الملك جنسيرك عام 477 ماتت معه عظمة شعبه، لأن مملكة الفاندال قد مزقتها الخلافات الدينية وثورات البربر. وأخيراً سقطت على يد القائد البيزنطي بازاريوس عام 533م، في عهد الإمبراطور جستنيان الأول. واستمرت أفريقيا بأيدي البيزنطيين إلى أن استولى عليها العرب في أوائل القرن الثامن الميلادي.
• قبائل الهون
الهون من القبائل البربرية المغولية الذين فاقوا في الإرهاب جميع العناصر التي تعاملت مع الإمبراطورية. أتت هذه القبائل من أواسط آسيا، ودفعت امامها القبائل الجرمانية، وقد وصلت إلى أوربا في أواخر القرن الرابع الميلادي بقيادة ملكهم الشهير أتيلا. لكن الاتحاد المقدس الذي عُقد بين البرابرة الجرمانيين والجيوش الرومانية الأخيرة أوقف أتيلا بالقرب من تروا في عام 451م، في حين نجح البابا لاون الكبير في التفاوض مع البرابرة حتى غادروا روما 452م. ولما حاول أتيلا غزو مقاطعة غاليا، تصدى له الرومان والقوط الغربيون بقيادة ثيودوريك، وألحقوا به هزيمة في معركة شالون عام 451م. وبموت أتيلا عام 454م، تراجع الهون عن اوروبا باتجاه آسيا.
الخاتمة
إذا ألقينا نظرة عامة على الإمبراطورية الرمانية الغربية في هذه المرحلة نلاحظ أنه قد تم ضياع الكثير من أجزائها، مما آذن نهاية الإمبراطورية في الغرب. وجاءتها الضربة القاضية على يد أدواكر الذي عزل الإمبراطور رومليوس عام 476م، ونفاه إلى خارج إيطاليا. وبعزل إمبراطور الغرب أصبح الإمبراطور البيزنطي زينون 474م-491م الإمبراطور الأوحد الممثل للسلطة الرومانية التقليدية. والمهم أن الغرب الأوروبي ظل منذ عام 476م دون امبراطور حتى عام 800م، عندما نُصب شارلمان إمبراطوراً على الغرب الأوروبي.
1.1. 3 المرحلة الثانية من غزوات البرابرة

عرفت هذه المرحلة العناصر الجرمانية المتاخرة. والمقصود بها تلك التي غزت الإمبراطورية الرومانية، واستقرت في الأماكن التي احتلتها وتركت فيها طابعها. وأهمها قبائل اللمبارديين في شمال إيطاليا والفرنجة في فرنسا وألمانيا والأنكلوسكسون في انكلترا.
 اللمبارديون (شمال إيطاليا)
اللمبارديون من الأجناس الجرمانية التي اتت من الشمال واستقر بهم ملكهم ألبينوه أو البوين في عام 568م في السهول الشمالية من إيطاليا، والتي سميت باسمهم. كان اللمبارديون من أكثر الشعوب الجرمانية تآلفاً مع الرومان، أخذوا عن الرومان ألقابهم وأنظمتهم واعتنقوا المسيحية على المذاهب الرومانية الغربية. لكن حلم اللمبارديين بتوحيد إيطاليا تحت سلطتهم أساءت تدريجياً لعلاقاتهم بالإمبراطورية والباباوية على حد سواء، ذلك لأن البابوات كانوا يسعون ليكونوا هم أنفسهم حكاماً، ليس على روما وإيطاليا فحسب بل على الغرب المسيحي كله. وبمرور الوقت زالت مملكتهم عام 774م، لكنهم لم يرحلوا عن إيطاليا، بل اندمجوا في أهلها.
 الفرنجة (غاليا)
إن الفرنجة يمثلون حلقة هامة في تاريخ الغزوات الجرمانية للغرب الأوروبي وسوف نتحدث عنهم بالتفاصيل فيما بعد.
 العناصر الانكلوسكسونية
في الوقت الذي شهدت فيه غاليا حكم الفرنجة، وإيطاليا حكم القوط الشرقيين، تعرّضت بريطانيا للغزو من شعبين عاشا على شواطئ نهر الألب الأسفل، وهما الإنكليز والسكون... واستمرت هذه الغزوات قرناً، أسفرت عن الحكومة الأنجلوسكسونية (425-584م).
عندما سحب الإمبراطور الغربي هونوريوس القوات الرومانية من بريطانيا لمواجهة ألاريك، ضاعت سيطرة الرومان فاختل التوازن العسكري داخل بريطانيا فيما بين سكانها الأصليين من الكالدونيين والأسكتلنديين والولش وغيرهم. وسرعان ما دخلت قبائل السكسون والجوت والإنكليز إلى بريطانيا، فأسسوا لهم عام 455م مملكة كينت وعاصمتها كنتربري. وتلتها عام 556م مملكة اسيكس وعاصمتها لندن. ولم ينته القرن السادس الميلادي إلا وتأسست في بريطانيا سبع ممالك، ثلاثة انكليزية وأربعة سكسونية، فاكتملت بذلك الحكومة السباعية. ومن أبرز الشخصيات الجرمانية في تاريخ انكلترا الملك إثلبرت، ملك كينت (560-606م) وترجع أهميته إلى محاولته توحيد البلاد في شكل أمة واحدة، وذلك عن طريق اعتناقه المسيحية.
 نتائج الهجرات الجرمانية
أول ما نلاحظه من نتائج تلك الهجرات الجرمانية هو تغيير معالم أوروبا سياسياً وحضارياً. ومن هذه التغييرات القضاء على الإمبراطورية الرومانية في الغرب، وقيام دول ود ويلات وإمارات على أنقاضها، يتولى أمرها عناصر غير رومانية وهي العناصر الجرمانية. أما فيما يتعلق بالناحية الاقتصادية، فقد ازدادت الأحوال سوءً على إثر حصول هذه الهجرات نظراً لما صاحبها من اضطراب سياسي بسبب كثرة الحروب والافتقار إلى الاستقرار.
ومن النتائج التي ترتبت على الغزوات الجرمانية، أنه في خضم هذه الأحداث المضطربة سياسياً واجتماعياً واقتصادياً، فقد ظلت الكنيسة الغربية، وعلى رأسها البابا هي القوة الوحيدة المحترمة من كافة العناصر التي سيطرت على أوروبا، بمن فيهم الجرمان.


يقول المؤرخ لامونت La Monte أن بلاد الفرنجة كانت فيما يتعلق بأمور العلم والثقافة العامة، أقل بكثير من مستواها عن ايطاليا وبريطانيا ولذا عزم شارل على أن تنتهي بلاد الغال، وأن تفوق جيرانها، أن كان ذلك ممكناً فأهتم اهتماما خاصاً بحركة العلم والتعليم وأحياء الدراسات الأدبية، بالرغم انه لم يكن عالماً أو متعلماً بالمعني المفهوم من هذه الكلمة، فأهتم شخصياً بجمع الكتب القديمة التي ظلت باقية ولم تعد عليها عادية الزمن من مؤلفات اللاتين في ايطاليا وغيرها من دول الغرب واستدعي إلى بلاده بمدينة أكس لاشابل كثيراً من العلماء والفلاسفة اللاهوتيين، ومن بينهم ثيودولف الأسباني Theodolphus أرق شعراء ذلك العصر، وبطرس البيزوى Peter of Pisa المتخصص في النحو وقاعد اللغة اللاتينية والمؤرخ بولس الشماس Paul the deacon وكانت صرامة الشمال أكثر من يحتملها فتركه واستقر في مونت كاسينو وممن جلبهم أيضاً باولينوس من أكويليا Paulinus of aquilea وهو ثمرة نتاج الحضارة الإيطالية المباردية، هذا فضلاً عن سكرتيره اينهارد Einhard وقد استدعى شارلمان هؤلاء وغيرهم للاشتغال بأمور التعليم في مدرسة البلاط المشهورة التي أسسها في قصره لتعليم أبنائه وأبناء كبار رجال حاشيته. وقد عهد بادارها إلي الكوين Alcuin الذي استدعاه من يورك بانجلترا والذي يمثل بحق الثقافة كانت تشيع من أديرة لورثمبريا تلك الأديرة التي احتفظت بمستوى ثقافي فاق الذي بلغه الشمال الأوربي.. ولقد خدمت هذه الفئة المختارة التي جبلها شارل من دول الغرب إلى جانب مهمتهم التعليمية باعتبارهم سفراء ملكيين. فعين ثيودولف ممثلاً أسقفا على اورليانز وكان موضع ثقته.

وبالرغم من أن شارلمان كان متقدماً في السن وقتذاك، وبالرغم من كثرة أعماله ومشاغله وحروبه، إلا أنه لم يجد غضاضة في أن يجلس إلى جانب صبيان القصر الإمبراطوري في هذا المعهد الأول من نوعه في تاريخ المجتمع الغربي الوسيط، ليستزيد من نور العلم والمعرفة، وتبدو ثمار أعمال هذا الرعيل من العلماء في التالي : في انهيارد مؤرخ حياة شارلمان، وفي سمارجدوس Smarcdus وهربانوس ماوروس Hrabanus. Maurus. وغيرهم من العلماء والمعلمين الذين نقلوا النهضة العلمية إلى تلاميذهم وفي جيل أحفاد شارلمان وأحفاد أحفاده، أصبحت غالة هي مركز النشاط الثقافي في الغرب، فقد كان قادة الغرب في الناحية العلمية هم جون سكوتوس اريوجينا John Scotous Erjgena ولوروس أوف بيرس Lurus of Ferieres أكوبارد أوف ليون Agobard of lyons وسدوليوس سكوتي Sedulius Scotus وهنكمار أوف ريمز Hincmar of Rheims.

ولم تقف النهضة الكارولنجية عند مدرسة البلاط، وتثقيف فئة قليلة مختارة، إذ أصدر شارل قوانين كنسية تقضي بضرورة وجود مدرس أجرومية في كل كاتدرائية، ووجود أستاذ للاهوت في كل كاتدرائية أسقفية لتعليم الشباب بالجهات المختلفة وجدير بالملاحظة أنه بينما أرسل شارل إلى انجلترا في طلب الكوين لنشر العلم في غالة في أوائل القرن التاسع، أرسل الملك الفريد انجلو سكسوني من مقاطعة وسكس الإنجليزية في نهاية ذلك القرن في طلب العلماء من غالة لإعادة تثقيف انجلترا.

وعند التعرض للنهضة الكارولنجية، نجد أن التاريخ أحتل فيها مكانة مرموقة إذ انتعشت حركة التدوين التاريخي، فكتب بولس اللمباردي "تاريخ اللمبارديين" كما وضع اينهارد باللاتينية مؤلفة عن تاريخ حياة شالمان Vita Ka reli. وهو يعتبر المصدر الأدبي الأساسي في هذا الصدد، والعيب الوحيد فيه أن مؤلفة تقيد بمنهج المؤرخ الروماني سوتونيوس Suetonius(69-141) ووضع كاتب أخر يسمى أدلهارد Adelhard مؤلفاً باللاتينية عن النظام في البلاط الإمبراطوري De ordine palate فُقد ولم يصلنا ولكن من حسن الحظ أن أحد رؤساء أساقفة ريمز Rheims في القرن التاسع ويدعى هنكمار Hincmar أحتفظ لنا بالمادة الأساسية للكتاب المفقود في رسالة لا تزال باقية إلى اليوم ولم تهمل أيضاً سير القديسين والإباء الأول في ذلك العصر، هذا بالإضافة إلى الكتب التاريخية التي تناولت أخرا الحروب، مثل الكتاب الذي وضعه نيثارد، Nithard في القرن التاسع تحت أسم "تاريخ الحروب الأهلية".

وظهر في ذلك الحين نوع جديد من التدوين التاريخ، ونعني بذلك نظام الحوليات Annals أو نظام تدوين وتأريخ التاريخ، أو الأخبار التاريخية وهي عبارة عن يوميات تكتب يومياً للأحداث، وظل هذا النظام قائماً حتى نهاية العصر الوسيط ولم تكن تلك الحوليات تتضمن مجرد وقائع أحداث فحسب، وإنما كانت تشمل سرداً لأهم أحداث السنوات المتعاقبة، كل سنة على حده، ونعرف أن هذا النوع من الكتابة التاريخية ظهر لأول مرة في نورثمبرلاند Northumberland بإنجلترا عندما كانت الأديرة تقوم بتدوين الحوادث أول بأول. ويحتمل أن يكون الكوين هو الذي نقل تلك الطريقة في التدوين إلى غالة، وعندما أدرك شارلمان أهميتها، أمر الأديرة التي تدخل في نطاق إمبراطوريته بأتباعها عند تسجيل الأحداث.

وكان لهذه الحوليات الديرية شأنها في تدوين كثير من الأحداث والوقائع التاريخية الهامة، التي كان من الجائز إلاَّ تصلنا لولا محافظة تلك الأديرة عليها.

وإلى جانب تلك الحوليات الديرية وجد نوع أخر من الحوليات الملكية التي تناولت تاريخ الكارولنجيين، وكنت تدور تحت أشراف رجال البلاط.

وهذا أمتد تأثير النهضة الكارولنجية إلى شتى نواحي العلم والمعرفة، ومنها حركة تحسين الخطوط، إذ أن الخط اللاتيني الذي كان قد إصابة الفساد عقب غزوات البرابرة، تطور في العصر تطوراً واضحاً وأن ما وصلت إليه الحضارة الكارولنجية في الأدب يعتبر في الواقع خطوة أولى نحو الأمام وفي سبيل التقدم بعد قرون طويلة من الظلام والفوضى والاضطراب منذ سقوط الدولة الرومانية القديمة وانهيار الحضارة المدنية الرومانية واندثار التراث الكلاسيكي القديم.

وإذا انتقلنا إلى الشعر في العصر الكارولنجي نجد أنه قد فاق النثر، ولكنه مع ذلك فاقه كمالاً كيفاً. ذلك أن الاتجاه السائد كان يميل إلى استخدام الشعر في مختلف شئون الحياة، ولذلك كان معظم الأدباء أمثال بولس دياكولوس والكوين وثيودولف ممن يقرضون الشعر. ومن مآثر ذلك العصر أنه خلق عدداً كبيراً من القطع الشعرية من أغاني المآثر المعروفة باسم Chansons de Geste، وهي قصائد كتبت من عشرة مقاطع وكان الشعراء المتجولون الذين كان يطلق عليهم أسم Trouveres أو Jongleurs يشدونها داخل القلاع وفي الأماكن العامة وهي تنقسم إلى ثلاث مجموعات من القطع الشعرية تدور حول الشخصيات التاريخية، والمجموعة الأولى تتناول أعمال شارلمان وأهم، الأحداث التي تمت في عصره، ومن أهمها أغنية حجج شارلمان Le Pelerinage de Charle Macne وأغنية رولان La Chanson de Roland والثانية عصر كاليوم دورانج Cuillaume d'orange والثالثة تدور حول عصر رينودى منتوبان Renaud de montauban .

ويرى المؤرخ جاستون باريس في كتابه "الأدب الفرنسي في العصور الوسطى" أن الشعر الكارولنجي قد غلب عليه الطابع الديني لأن معظم ناظمية كانوا من رجال الكنيسة. هذا فضلاً عن أن معظم شعراء ذلك العصر استوحوا قصائدهم من شعراء المسيحية الاسبقين أمثال برودنتيوس وفورتوناتوس.

ومن أهم شعراء العصر الكارولنجي الراهب والافردسترابو Walafrid Strabo الذى عاش في النصف الأول من القرن التاسع، والراهب سدوليوس سكوتوس الايرلندي. Sedulius Scotus(848-874) كان ولأفرد راهباً في دير ريخناو Rechenau وقد تشبه بالكوين في قصائده التاريخية وغيرها.. وله أشعار تدور حول الحكمة وقصائد غنائية ورسائل دينية ولكن أفضل ما كتب على الإطلاق قصيدته المسماة هورتولوس Hortulus وهي تتألف من سلسلة من القطع الشعرية السداسية الوزن يصف فيها نباتات حديقة ديره.

أما سيدوليوس سكوتوس فهو الشاعر اللاتيني الرئيسي في منتصف القرن التاسع. وهو عالم ايرلندي متجول استقر به المطاف أخر الأمر بمدينة ليبج بفرنسا وقد ألف مجموعة من الأغاني امتازت بدقة نظمها ولم ينسي موطنه الأصلي وانتصارات الايرلنديين على الشماليين التي قام بتسجيلها في عدد من قصائده. ولعل أهم ما قام به سكوتوس هو صياغة بعض الأجزاء من الإنجيل في قالب شعري.

وعلى الرغم من وفرة الشعر الكارولنجي في النواحي الدينية والدينونة فأن أهم ما يؤخذ عليه أنه لم يتعرض للحياة العامة والحياة الشعبية وإذا تركنا النثر والشعر في العصر الكارولنجي جانباً، تجد أن أبرز ما يميز القرن التاسع هو العناية بالتراث الروماني عامة والأدب الكلاسيكي بصفة خاصة، ويكتفي أن ما نسخ في ذلك من تلك المخطوطات الكلاسيكية القديمة يبلغ أضعاف ما نسخ من تلك المخطوطات خلال القرنين العاشر والحادي عشر، ويرجع الفضل الأول إلى الكوين رئيس مدرسة البلاط بمدينة أكس لاشابل في عصر شارلمان، وكان أهم ما قام به في هذا الصدد مراجعته للترجمة اللاتينية للكتاب المقدس وإلى جانب الكوين وجد شخص آخر هو سرفاتوس لوبوس.Servatus Lupus الذي كان من كبار المعنيين بالآداب الكلاسيكية اللاتينية في القرن التاسع.

ونظراً لأن شاول العظيم كان جرماني الأصلي فلم يهمل الأدب الجرماني فوجه عناية إليه، وحاول أن يجمع قواعد اللغة الجرمانية وأحتفظ بمجموعة من الأغاني والأشعار الجرمانية، وكان تلك الأغاني تتناول موضوعات في الحب والحرب... ولما كانت تحويه من عناصر وثنية فقد نبذتها الكنيسة اللاتينية حتى أحرقها خليفة شارلمان وهو لويس الصالح (814-840) ولو كانت هذه الأغاني وغيرها من أدب الجرمان قد بقي، لربما أمكن الكشف عن بعض غوامضه وعن اللغة الجرمانية ذاتها.

الأدب في القرن العاشر:
إذا دققنا النظر في النهضة الكارولنجية في القرن التاسع نجد أنها في الواقع اقتصرت على فرنسا وجانب من ألمانيا،/ حيث توجد إمبراطورية الفرنجة وفيما عدا ذلك، فقد أصاب الأدب قدر كبير من التدهور فبعد موت شارلمان أخذت إمبراطوريته في التصدع بسبب تقسيم المٌلك بين أبنائه، إلى أن أنتهي الأمر بمعاهدة فردان Verdun سنة 843 التي انقسمت الإمبراطورية بمقتضاها إلى ثلاثة أقسام:
• القسم الغربي ويشمل فرنسا
• القسم الشرقي ويشمل ألمانيا
• والقسم الثالث عبارة عن ممر طويل بينهما وظلت الأمور غير مستقرة إلى أن قامت أسرة السكسون بألمانيا (919-1056) وبقيامها بٌعثت الفكرة الإمبراطورية من جديد.

وأعظم ملوك هذه الأسرة هو أوتو الأول (936-973) الذي نهج نَهج شارلمان في الاهتمام بشئون العلم والتعليم.. ومن كبار العلماء عصره برونو رئيس أساقفة كولونيا الذي كان مهتماً بالعلوم القديمة حتى تعلم اللغة اليونانية، وكان مشجعاً للعلم والمتعلمين.

وإلى جانب برونو أسفرت النهضة الألمانية السكسونية، عن ظهور عدد من العلماء، نذكر منهم ويدوكند WiduKind الراهب بدير كوربي Corbey وكذلك الكاتبة هرتسويث Hrothsmith الراهبة في دير جندرشايم Gendersheim ويشبه ويدوكند في تاريخه عن السكسون المؤلف بولس الشماس في مناهجه وطريقته فهو يكتب عن قومه فحسب، كما أنه مولع بالقصص والأغاني الشعبية وقد أهدى تاريخه إلى ماتيلا Matilda أبنه اوتو العظيم. وأما الشخصية البارزة في مؤلفه فهي شخصية الإمبراطور السكسوني نفسه، وقد فرغ من كتابة سنه 968. وأضيفت إليه زياد ات طفيفة بعد وفاته سنه 973. وقد تعرض في مستهل مؤلفه لعادات وتقاليد السكسون القدامى ويمكن للقارئ أن يلمس من ثنايا الكتاب بساطة الجرمان القدماء، والتي أحتفظ بها السكسون باعتبارها أحد العناصر الجرمانية، فكان يوجد عندهم – كما أشار المؤرخ بيد BEDE نظام سياسي مبسط يتساوى فيه جميع القادة، وليس بينهم ملك، اللهم إلا في أوقات الحروب فحسب، وأوضح ذلك أيضاً المؤرخ كولتون في مؤلفه "عالم العصور الوسطي في النظم والحضارة". لذلك حفظ لنا الكتاب شيئاً من أدب الملاحم السكسوني، فليس من الصعب العثور في مؤلفه على آثار من الروايات الشعبية، وإلى جانب ذلك يتمتع ويدكوند بموهبة المذكرات Memoirs وعندما تناول ويدكوند التحليل الموضوع الأساسي لمؤلفه، وهو حياة أوتو الكبير، أثبت مقدرته في الكشف عن أعمال هذا الإمبراطور وإلقاء الأضواء على شخصيته.

وأما هروتسويب فقد دونت مجموعة من الأشعار منها " أعمال الإمبراطور أوتو الأول De Gestio Oddonis Ilmperatoris" وقد تحدث فيها عن أعماله حتى تتويجه إمبراطورا سنة 962. ووضعت كذلك عدداً من القصص الدينية شعراً منها قصيدتها عن القديس جنكولفوس St.Gingulphus والقديس ثيوفليوس Theophilus وغيرهما وقد لاقت قصة ثيوفيلوس الشيوع والرواج ، وكانت متداولة بجميع اللغات.

ومن الشخصيات البارزة في ايطاليا ي القرن العاشر لتبراند اسقف كريمونا Liutprand of Cremona كان يجيد اللغة اليونانية أجادة تامة حتى لقد اختاره الإمبراطور أوتو الأول مبعوثاُ له إلي القسطنطينية، وكان أبو ليتبراند مبعوثاً من قبل الملك هوج Hugh ولم يمض وقت طويل على وفاة والده (حوالي 927م) حتى أٌرسل وهو لا يزال طبيباً إلى بلاط بافيا لتلقي العلم. وكان لتبيراند لا يزال في البلاط بعد سقوط هوج واعتلاء برنجار Beren Gar العرض، وفي سنة 949 أرسله برنجار في مهمة إلى الإمبراطور البيزنطي قسطنطين بوفيرو جنتيون Constantine Porphyroghentius، ولكنه تعرض بعد عودته لاضطهاد برنجار وزوجته ويلا Willa ولجأ إلى أوتو العظيم وفي سنة 961 أصبح أسقفاً على كريمونا. وكان له دور في الاتصالات التي تمت بين أوتو والرومانيين. وقام بترجمة خطبة الإمبراطور الألماني التي ألقاها في روما سنة 963، وفي السنة التالية قام بكتابة تاريخ رحلة أوتو إلى ايطاليا، وفي سنة 968 ذهب ثانية إلي القسطنطينية للاتفاق مع الإمبراطور البيزنطي نقفور فوكاس على موضوع الزواج بين أبنه الإمبراطور المسماة ثيرفالو وبين أوتو الصغير وبعد حياة حافلة بالأعمال الضخمة توفي 971-972.

وهكذا نرى أن حياة ليتنبراند كانت حالفة. فقد شاهد الأحداث بنفسه وعاش فيها. وكان على صلة بكبار رجال عصره، وموضع ثقة الكثيرين منهم، وأبدى مقدرة وكفاءة في المسائل السياسية. وسجل لنا ذلك كله في أبحاث وكتب. ومع ذلك فلا تخلو كتاباته من القدح الدعابات الفكاهية ونجد مثلاً لهاجيه عندما تعرض لبرنجار في كتابه المسمي Antn Podoses وأما عن دعاباته وتعليقاته اللاذعة فنجد مثلاً لها عندما تعرض لأباطرة بيزنطة وبخاصة ليوبن بازيل.

وأما في فرنسا فقد لمع اسم مؤرخين هما فلودورد الريمي Flodoard of Rheims وريتشا Richer(894-966) . من أشهر مؤرخي القرن العاشر. وهو صاحب حوليات وتاريخ رميز االكنسي historia remensis ecclesiae ويتميز لمنهجه الواضح وأمانتة ودقتة فيما يكتب 0 وأما رييتشار فهو راهب في بدير القديسى ريمى st:remyعلى يد جربرت GERBERT وهو واضح مؤلف باسم التواريخ في أربعة كتب و يتميز أسلوبة اللاتيني بصعوبتة لاستعماله خليطا من الألفاظ والاصطلاحات الفنية و الحربية و الإدارية.

الأدب في القرن الحادي عشر :
كانت أوربا في هذا القرن مسرحا لأحداث سياسية و حربية خطيرة صرفت أنظار الناس عن الأدب و كل ما يمت إلية بصلة. ففية قام الصراع المعروف بين البابوية و الإمبراطورية على المسائل العلمانية ، ما ترتب علية من أثار وخيمة بالنسبة للسياسة الأوربية . و فية أيضا قام النورمان بنشاطهم التوسعي المعروف في صقلية و جنوب ايطاليا و انجلترا . و في أخرياتة كذلك قامت الحركة الصليبية بتوجية من البابوية و تحت رعايتها لتحرير الأراضي المقدسة . كتب هذه الأحداث و غيرها لم تتح الفرصة للازدهار بعد نهضة في القرنين السابقين . و كل ما يمكن قولة في هذا الصدد أن الحركة الأدبية بصفة عامة، كانت في ركود إذا استثنينا ميدان الدراسات التاريخية . فقد ظهر بعض المؤرخين و منهم ادم اوف برمين ADAMOFBREMEN و الراهب برونو BRUNO

الأدب في القرن الثاني عشر :
إذا كان الظلام الدامس قد عم الغرب الأوروبي لقرون عديدة منذ سقوط الدولة الرومانية بسبب الظروف التي نشأت عن غزوات البرابرة و تدفق الجرمان من الشمال فى قلب الإمبراطورية الرومانية .
وهدم ذلك الجهاز العتيد في النظم و الحضارة وإذا كان الأدب اللاتيني و التراث الكلاسيكي القديم قد اندثرا و توارى فترة من الوقت الأهم الإ من بعض الأدباء و المؤرخين الذين ظهروا بين الحين و الحين فأننا نجد أن هذه الحالة من الركود , و بخاصة في الناحية الأدبية لم تستمر إلى مالأ نهاية . إذ احتفظت الكنيسة اللاتينية التي كانت معقل التفكير و منبع الحركات الأدبية في ذلك الحين بطابع على قدر مفهوم الناس في العصور الوسطى . ففيها بدأت النهضة العلمية الأولى التي اشتهرت باسم نهضة القرن الثاني عشر . ذلك إن الكنيسة كانت تجتذب لخدمتها و العمل بين جدرانها كل من تتوسم فية الاستعداد للبحث و الدراسة و التحصيل – كذلك اهتمت الأديرة منذ الإصلاح البندكتى بالعلم و الكتابة والأدب 0 فكنا نجد في معظمها المكاتب الأثرية و الناسخ المهرة و الكتاب المبرزين من بين هؤلاء الرهبان أنفسهم المهتمين بالشئون العلمية 0 و في داخل هذه الأديرة خصصت أماكن للمعنيين بشئون الكتابة والنسخ و القراءة و التأليف 0 و كانت مثل هذه القاعات العلمية تحمل الاسم الأتينى Scriptoria وذا كان الإصلاح البندكتى قد أعتني بالأدب و العلوم , كذلك لم يغفل الإصلاح الكونى أمرهما 0 فلم يهمل القائمون على أمرة هذه النزعة الأدبية و العلمية 0 فشجعوها, وألحقت بمعظم الأديرة المدارس لتعليم الأطفال الذين أعدهم آباؤهم للدخول في سلك الكهنوت والتدريج في وظائفه أو للدخول في خدمة الحكومة و القيام بالأعمال التي كانت تتطلب القراءة والكتابة مثل المحاماة و الطب و غير ذلك و ظهرت خلال القرن الثاني عشر كثير من الجماعات الرهبانية مثل الفرنسيسكان و السترشيان وغيرهما .

وقد وصلت تلك الجهود الأدبية التي بدأها من سبقهم حتى أصاب الكثير من بين أعضائها بهم وافر في الآداب ومختلف العلوم. وقامت على اكتشاف هؤلاء نهضة القرن الثاني عشر، حينما احتكت الأذهان والعقول بين العنصر الرجعي من المفكرين الذي يعبر عن الفكرة الدينية المتزمتة ويمثله القديس برنارد أوف كليرفو، وبين العنصر المجدد من المنادين بتحرير الفكر ويتزعمه بطرس ابيلارد (ليماردوس) زعيم الفكر الحر وتحرير الذهن من التقاليد العتيقة البالية.

يتضح لنا مما سبق أنه نشآ عن احتكاك الفكر بين عنصرين متابينين من المفكرين، يقظة شعوب الغرب الأوربي، فضلاً عن النهضة العلمية والفكرية التي عمت مدارس الغرب، وقد أحتل النشاط الأدبي والدراسات الإنسانية، جانباً بارزاً من هذه النهضة، فتم الرجوع إلى الأدب اللاتيني الكلاسيكي والعمل على أحيائه بالرغم من الضعف الذي أصابه في القرون السابقة للأسباب التي أسلفناها وبدأت هذه الحركة في مدينة ريمز على يد شخص يدعي جربرت Girbert of Theims ويعتبر الممثل الحقيقي للثقافة اللاتينية قبل عصر الفلسفة المدرسية والفكر الحر، وتكشف رسائله عن اهتمامه بموضوعات عديدة فضلاً عن تعمقة في الفلسفة وعلم البيان. كما أنها تلقي ضوءاً كافياً على الحياة في هذا العصر، ويتضح اهتمام جربرت بالعلم من مراسلاته وطلب تزويده بكتب معينه وكثرة إطلاعه وقراءته.

وقد انتقلت هذه النهضة الأدبية من ريمز إلى مدينة شارتر على يد أحد تلاميذهجربرت هو الأسقف فيلبرت Fulbert وإلى مدينة تورز على يد أسقفها هيلدبرت المتوفي سنة 1133 والذي امتازت قصائده بسلامه أسلوبها وجمال تعبيرها وهو يعتبر من أعظم شعراء عصره إذ كتب في معظم فنون الشعر مثل الرثاء والمديح فضلاً عن الموضوعات الدينية.

وقد وجد في القرن الثاني عشر بعض المتزمتين من رجال الدين الذين اتخذوا الحذر من الرجوع إلى الأدب الكلاسيكي القديم الذي يتسم بالروح الوثنية مقتفين في ذلك خطي البابا غريغوريوس الكبير، ولكن أمثال هؤلاء كانوا قلة في ذلك الحين، ولم تكن أفكارهم المتحفظة على الحضارة القديمة لتؤثر على النهضة الجدية التي انطلقت من عقالها نتيجة الظروف والمؤثرات التي استجدت على مسرح الأحداث وقتذاك.. وعلى هذا لم تكن هذه الفئة المتزمتة المحافظة نشكل خطراً على الأدب الكلاسيكي الذي نادي أصحاب الفكر الحر بالرجوع إليه والاستفادة منه.

وظهرت كتبات باللغة اللاتينية لها قيمتها ووزنها مثل الفيلسوف ابيلارد وجررت أوف ريمز وأشعار هيلدبرت اسقف تورز وكانت الاديرة البندكنية من أهم المراكز التي اعتنت بالدراسات الكلاسيكية القديمة، ولعل ذلك يرجع إلى عدة أسباب، منها أنها كانت أقدم الأديرة التي أسست في الغرب، كما أنتقل أليها تراث النهضة الكارولنجية، ثم أنها تشارك الهيئات الديرية الجدية في الاهتمام بما يتعلق بالشئون الدينية فحسب، ولكنها ظلت المكان الذي حافظ على الدراسات الكلاسيكية الرومانية من الضياع ويكفي أن نعرف أنه وجد في كل دير نواه لمكتبه وكان لنسخ الكتب زود بالأدوات اللازمة للتحرير والعناية بالآداب والعلوم والأبحاث، حتى يتسنى لكل من يتوسم في نفسه الاتجاه للناحية الأدبية أن يواصل نشاطه في هذا الميدان. وعلى هذا يمكن القول بأن الديرية البندكتية قامت بأكبر خدمة للحضارة الفكرية والأدبية في العصور الوسطي إذ احتفظت مكتباتها، بالإضافة إلي ما تقدم بكثير من أمهات الكتب الكلاسيكية القديمة التي كانت معرضة للفقدان والضياع أثناء غارات المتبربرين على الحرب والتخريب الذي أصاب المدن الرومانية وأثناء تحفظ الكنيسة المسيحية لكل ما يمت للتراث الروماني القديم بصلة باعتباره تراثاً ضاراً عديم الفائدة من وجهه النظر المسيحية، ففي تلك الأديرة التي كانت دور للعلم، واصل النساخ والمؤلفون تحرير الكتب التاريخية والأدبية واللاهوتية والقانونية التي مازال الكثير منها متداولاً إلى اليوم.

ولقد تمت هذه النزهة الأدبية في أغلب الأديرة في وقت كل الناس فيه في الغرب يغطون في جهل عميق، ولا يفهمون معني العلم، وكانت الأمية شائعة بين الجميع، وبمرور الزمن تأسست المدارس في تلك الأديرة لتثقيف الناس، وهكذا أصبحت تلك المدارس الديرية معاهد علمية يشتغل فيها الكثير من الرهبان بالتأليف والنسخ والمحافظة على التراث الأدبي القديم الذي أهملته القرون السابقة.

ويقول الكاتب جاستون باريس أن الترانيم الدينية كانت في الواقع أخصب أنواع الشعر في العصور الوسطي، إذ أن طبيعة العصر كانت تشجع مثل هذا النوع من الشعر الذي كان يدور معظمه حول القصة الخالدة المتعلقة بالله والإنسان كما وردت في الكتب المقدسة. وكانت مثل هذه الترانيم في الكنائس في أيام الآحاد والأعياد والمواسم الدينية، وكان الناس يحفظونها عن ظهر قلب.

وإلى جانب هذا النوع من الشعر وجد الشعر الغنائي وكان يدور حول تمجيد البطولة وسير الإبطال، ويعبر عن جمال الطبيعة وعن مختلف العواطف الإنسانية، وقد أمتاز النوع من الشعر بطابعة الدنيوي الذي يدعو إلى التمتع بالحياة، وكان الطبيعي أن تحذر الكنيسة الكاثوليكية مثل هذا الشعر الدينوي لتعارضه مع روح المسيحية.

الأدب الشعبي وأشعار الملاحم في مثل هذه الحقيقة:
كانت اللغة التي يتفاهم بها العامة أما اللغة اللاتينية الدارجة أو العامية أو اللغة الجرمانية بلهجاتها المختلفة أو باللغات المحلية الوطنية. كان يتألف الأدب الشعبي من عناصر وأساطير يتناقلها الناس جيلاً بعد جيل.. وقد حفظ هذا التراث عن طريق النقل الشفهي أو التدوين التاريخي في فترة متأخرة على غرار نظام الحوليات.

فقد طلب الملك الفريد تعليم أبنائه الشعر الغنائي الانجلو سكسوني الذي كان يتضمن أبياتا في تمجيد البطولة والتغني بها، كما أهتم الدهيم Aldhem أسقف شيربنورن Sherborne فيما بين عامي 705-709م بقرض الشعر الشعبي الدارج. وكان معاصرة القديس جوثلاك St. Guthlac في فترة صباه فلما بفنون الحرب والقتال التي أستوحى أصولها من سير الأبطال السابقين التي قرأ عنها في أشعارهم. كذلك كان القديس دستان St. Dunstan المعروف بولعه بالشعر الشعبي من سلالة الملك الفريد السكسوني. والي أمثال هؤلاء يرجع الفضل في الإبقاء على تلك الآثار الأدبية التي حافظ فيها مؤلفوها على روح الشعر الوثني والتي لم تتعرض للنواحي الدينية أطلاقا.

وإلى جانب ذلك يوجد شعر شعبي تناول موضوعات أخرى من أهمها المراثي والأناشيد الحزينة والمديح واستهدف هذا النوع من الشعر استلهام الحكمة والمعرفة من أحداث الماضي. وقد اندثر معظم هذا التراث لعدم تدوينه ولم يبق منه إلا شذرات مبعثرة حفظها لنا بعض الكتاب المسيحيين المتأخرين، وهناك أيضاً الشعر المتعلق بالحكم والأمثال السائدة، وهو يتضمن أقوال الحكماء والمفكرين ووردت فيه أشارات إلى الطقوس الدينية القديمة التي كانت سائدة بين القبائل الجرمانية، ومما ساعده على بقاء روح الشعر الوثني في الأدب الشعبي اهتمام النبلاء والعائلات الحاكمة بالأحاديث والروايات المتوارثة شفاهة عن أمجاد أسلافهم. وكان العامة يجدون متعة كبيرة في الاستماع إلى مثل هذه الأشعار التي لا تخلو من المبالغة، وقد لقيت هذه الأشعار الغنائية الشيوع والرواج بين كافة البقات، ولم تنشر عن طريق النسخ وإنما بواسطة شعراء الأغاني المتجولين.

وإلى جانب هذا الشعر الشعبي الذي تميز بالروح الوثنية القديمة وجد أيضاً نوع أخر من الشعر الشعبي الديني الذي لعب دوراً في خدمة المسيحية. وكان له أسلوبه وطريقته ومنهجه الخاص به فكتب الشعراء في موضوعات تدور حول الحكمة الإلهية وأسرار الخالق والأعياد والصوم. وكان يعبر عن أحاسيسه وانفعالاته بأمانة وصدق في مثل هذا الشعر الغنائي وفي القصائد والأناشيد، وتتضمن الشعر كذلك شروحات وتفسيرات للعهد القديم وأخرى عن سيرة القديسين والقديسات.

وقد وجد أيضاً أدب شعبي نثري بقصد الترفيه والتسلية لا شأن له بالأدب الديني وهو ما يعرف بأدب الخرافات والأساطير، وهي مستمدة من الأساطير الإغريقية التي ترجع إلى العهود الأولى للمسيحية. وقد ظهر هذا النوع من الأدب واضحاً في انجلترا نذكر منه خطاب الاسكندرإلى أرسطو Letter of Alexander to Aristotle وعجائب الشرق Marnels of the East ونجد فيها حديثاً شيقاً ممتعاً عن عجائب المخلوقات التي كان الناس وقتذاك يعتقدون أنها تعيش في بلاد بعيدة نائية. ومن هذه المخلوقات ذلك الرجل الذي يروي أن له أذنان بلغ من كبرهما وضخامتهما أنه كان يفترش أحداهما ويلتحف بالا خري، ولم يكن مثل هذا الأدب النثري في يوم من الأيام وسيلة فعالة للتثقيف أو لنشر العلم والمعرفة، وإنما كان وسيلة للترفيه والتسلية حسبما أوضحت دورثي هوايت لوك Dorothy White Lock في مؤلفها The Beginnings of English society وكيفما كان الأمر فقد كانت مثل هذه الآداب الشعبية. سواء أكانت شعراً أم نثراً وسيلة هامة من وسائل الكشف عن حياة الطبقة العامة ونظمها وعاداتها وتقاليدها ومعيشتها وطرق تفكيرها.

لقد بدأت اللغات المحلية في الانتشار والمنبثقة عن الأصل اللاتيني وهذا مما ساعد على انتشار الملاحم الشعبية ومن أهم الملاحم الغنائية أغاني المآثر De Geast Chansons ومنها قصيدة حج شارلمان. وأغنية رولان Chanson De Toland وأحداث هذه الأخيرة لها نصيب من الصحة التاريخية ولكنها تحولت زمن الحروب الصليبية إلى أسطورة شعبية لعب فيها الخيال دوراً كبيراً فصوروا شارلمان في صورة محارب صليبي في حروب مستمرة ظافرة ضد العرب. وكان الغرض من مثل هذه الأغاني والأناشيد هو حث الناس على الاشتراك في الحروب الصليبية أو تشجيعهم على زيارة الأماكن المسيحية المقدسة في فلسطين وروما. ويبدو أن جانباً كبيراً من هذا التراث كتبه رجال الدين واستغلته الكنيسة اللاتينية كنوع من أنواع الدعاية الدينية في ذلك الزمن. وقد اتخذت هذه الأشعار شكل ملاحم غنائية الأمر الذي ساعد على انتشارها وتداولها بين الناس وإلى جانب الملاحم المشار إليها سابقاً، توجد مجموعة من أشعار الملاحم المنظومة باللغات الوطنية الناشئة وهي التي تعرف باسم أشعار الملك آرثر King Arthu وهي تتضمن نوعاً من الأساطير والخرافات وسير البطولة دون تماسك تاريخي فيما بينهما. ويوجد أكثر من شخص يحمل اسم آرثر في عصور مختلفة تماماً مثل شخصية بطرس الناسك الغامضة المشهورة في تاريخ الحملة الصليبية الأولى.

لقد ظهرت أشعار الملك آرثر حوالي سنة 1200، وهي تصور المجتمع الإقطاعي بعد أن هذبته وصقلته الفروسية بآدابها وتقاليدها وتبين كيف أن الفروسية أصبحت وظيفة مقدسة تباركها الكنيسة، وكيف أن الفرسان أصبحوا جنود الله.

وأنتشر أيضاً شعر التروبادور أو الشعر البروفنسالي نسبة إلى أقليم بروفنس بجنوب فرنسا وهو يدور حول المرح والحب العنيف. وقد أنتشر هذا اللون من الشعر في جميع أنحاء الغرب الأوربي، مثل الشعراء المتجولين بشمال فرنسا الذين كانوا يعرفون باسم التروفير Trouvere وكان لمثل هذا الشعر أثره في رفع مستوى الفرسان في الغرب.

وكذلك أنتشر في أوربا فيما بين القرنين الثاني عشر والرابع عشر نوع أخر من الشعر القصص أمتاز بقصصه القصيرة التي تغلب فيها روح الفكاهة والبعد عن التكلف في الأسلوب، وهي تمثل أدب العامة، وتعبر عن الذوق الشعبي، وهناك أيضاً التمثيليات الدينية التي لم يكن لها وجود قبل القرن الحادي عشر، ووجدت داخل الكنيسة واستمدت موضوعاتها من الكتب المقدسة، وقد ظهرت هذه التمثيليات الدينية في وقت كانت قد نضجت فيه اللغات الوطنية كالإيطالية والفرنسية والأسبانية وغيرها. ولم تعد التمثيلية فيما بعد تمثل الطابع الديني البحت، ولكنها تناولت موضوعات دنيوية، وكان هذا يعني أن التمثيلية لم تعد دينية بعد أن انفصلت عن الكنيسة وأصبحت عملاً دنيوياً بحتاً.

الأدب الإيطالي ودانتي اليجييري:
يستحق الأدب الإيطالي في نهاية العصر الوسيط تخصيص كلمة سريعة عنه، فهو يلقي ضوءاً كافياً على تاريخ تلك الفترة من الزمن في نواحي الفكر والدين والسياسة والاجتماع. وهو مرآة تنعكس عليها تيارات ذلك العصور، واتجاهاته ومثله ومبادئه، فالأدب الإيطالي من الآداب العالمية الذي سجل التغيير الذي أصاب الغرب الأوروبي في فترة الانتقال من الوسيط إلى عصر النهضة الذي مهد بدوره للعصر الحديث.

ونستهل القول أن اللغة اللاتينية الفصحى كانت اللغة السائدة أثناء قوة الدولة الرومانية القديمة. فكانت لغة الأدب والعلم والثقافة والحديث، إلى جانب كونها لغة الدين والكنيسة الرومانية. وإلى جانبها وجدت اللغة الاتنية العامية التي تكونت على مراحل عديدة استغرقت فترات زمنية غير قصيرة.

في الوقت الذي ظهرت فيه هذه اللغات والآداب المحلية في جميع أرجاء الغرب الأوروبي، تأخرت ظهورها في ايطاليا، وذلك أن تلك الدول تمكنت من التخلص بسهولة من النفوذ اللاتيني الروماني، مما هيأ الجو لأن ننشأ بها لغات وآداب محلية خاصة بها، ولكن الأمر على العكس من ذلك في ايطاليا إذ لم يكن بوسعها أن تخلق لغة وأدباً خاصين بها، لأنها كانت مهد اللغة والحضارة اللاتينية الرومانية. فضلاً عن أن ظروف ايطاليا وأحوالها الداخلية لم تسمح لها فعلاً في التفكير المبكر في خلق لغة وأدب لها مثلما حدث في باقي دول الغرب.

لكل هذا لم تنجب ايطاليا عبقريات أدبية مبدعة في فترة العصور الوسطى المبكرة، وأن كان هذا يعني أنهم ظلوا بمنأى عن بقية شعوب الغرب وقتذاك، فما لا شك فيه أنه كان للإيطاليين أنتاجهم الأدبي، ولكنه كان أنتاجاً عادياً غير ممتاز وساعد على ذلك عدة عوامل سياسية صرفت الإيطاليين عن الاهتمام بالنواحي الأدبية، منها الكفاح المرير بين البابوية والإمبراطورية على المسائل العلمانية وكذلك جهاد المدن اللمباردية في سبيل الحصول على استقلالها.

وعلى أية حال، فقد كان من نتيجة تأخر ظهور اللغة والأدب في ايطاليا أن ظهر الأدب الإيطالي فجأة كقمة من القمم التي نشرت شعاعها في كافة أرجاء الغرب في أخريات القرون الوسطى.

ولقد سبق ظهور اللغة الإيطالية الناشئة والأدب الإيطالي الرفيع، عدة مراحل وعوامل ساعدت هي الأخرى على نموه وتطوره، من ذلك المنظومات الشعرية التي كتبها الإيطاليون بادئ الأمر باللغة الفرنسية أو باللغة البروفانسية نسبة إلى مقاطعة بروفانس جنوبي فرنسا، فقد ظهر خلال القرنين الثاني عشر والثالث عشر نوع من الشعر الديني والقصص الشعبي باللهجة الإيطالية المحلية. وفي القرن الثالث عشر وجدت حركة القديس فرنسيس وتلاميذه الذين دونوا شعرهم الديني التصوفي باللغة الإيطالية الجديدة، ثم ظهرت بعد ذلك مدارس أدبية عديدة منها مدرسة صقلية وكان شعرها بلغة صقلية العامية التي تأثرت بألفاظ لاتينية وفرنسية وبروفانسية. ثم مدرسة بولونيا وكان شعرها مدوناً باللغة التوسكانية (الفلورنسية) ويمتاز شعر هاتين المدرستين بطابع الجفاف وأن كان يعبر أحياناً عن اللون العاطفي وتأتي بعد ذلك مدرسة الشعر الحديث التي تميزت بالشعر الأخلاقي الفلسفي إلى جانب الشعر العاطفي. ومن شعراء هذه المدرسة الشاعر جويدو كافلكانتي Guido Cavalgant، الذي كان صديقاً حميماً لدانتي، والشاعر تشنيود بستويا Cino da Pastoia من شعراء أواخر القرن الثالث عشر وأوائل القرن الرابع عشر ومن أهم قصائد كافلكانتي قصيدته المشهورة بأسم (أغنية المنفي) التي يصف فيها لوعة فراق حبيبته بسبب النفي، بينما يمتاز رابستويا بشعره الرقيق العذب عندما يحلل النفس تحليلاً دقيقاً صادقاً، وهي في دور الحب، ويبدو ذلك واضحاً في قصيدته المسماة (اللعنات).

ومن الشخصيات التي مهدت للأدب الإيطالي بالإضافة إلى ما تقدم شخصية برونتولاتبيني Brunetol Atini الذي عاش في القرن الثالث عشر وهو أستاذ دانتي اليجييري، وتعبر قصيدته المسماة (الكنز الصغير) عن الشعر الرمزي التعليمي، وتعتبر ممهدة للكوميديا الإلهية كل هذا مهد للعبقرية الإيطالية، ونعني بذلك دانتي اليجييرى. Dante Alighiere (1265 – 1321) وقد صاحب ظهوره بروز اللغة الإيطالية وقتذاك كلغة صالحة للكتابة والتعبير الأدبي، سواء أكان شعراً أم نثراً. وكان من حسن حظ تلك اللغة أنها وجدت وقتذاك تشجيعاً من الإمبراطور فرد ريك الثاني الذي ضم بلاطه العديد من الشعراء الإيطاليين الذين استخدموا لغتهم الوطنية في الكتابة بدلاً من اللغة اللاتينية، والذين كان لهم فضل ابتكار نوع جديد من القصائد القصيرة الغزلية المعروفة باسم Sommet .

كان دانتي من أعظم العباقرة الذين أنجبتهم ايطاليا حتى انه يعرف باسم (أبو الأدب الإيطالي) وقد وضعت عنه مئات المؤلفات بمختلف اللغات تكشف عن نواحي العظمة والنبوغ فيه وتلقى ضوء واضحاً على شخصيته وعصره، لقد كان بسيطاً ساذجاً متواضعاً، وأن بدأ في بعض الأحيان صارماً جاف المظهر بسبب ظروف حياته الخاصة. وكان يتمتع بقدرات متعددة. فكان شاعراً وسياسياً ورجل حرب، كما كان يحب المرح والموسيقي والرسم، وقد عرف كل أنواع الحب، وأشتهر بحبه العميق لبياتريس، وذلك الحب الذي أثر فيه طوال حياته، وإليه يرجع الفضل فيما تركه لنا من تراث خالد لا يموت، ومما يؤخذ عليه أن حياته التعسة جعلته يتذلل للأغنياء ولأمراء، ويستجدي عطفهم وإحسانهم وكان يقضي جانباً كبيراً من وقته في الدراسة والتأمل والتفكير والكتابة والتمتع بالطبيعة وجمالها.

وإلى جانب ذلك نجد هناك بعض التعارض في أراء دانتي وأفكاره لعل ذلك يرجع إلى أنه جمع ثقافته من عناصر مختلفة متنوعة تركت أثرها في حياته وتصرفاته. فكان ملماً بتراث اليونان والرومان القدماء إلى جانب تراث اليهودية والمسيحية والإسلام.

ولد دانتي في سنة 1265. ومات أبواه وهو لا يزال صبياً صغيراُ ولا نعرف عنه الكثير في سني حياته الأولي، وكل ما نعرفه أن تتيمه المبكر جعله يشعر بالألم والحرمان والحاجة إلى من يعطف عليه ويحنو عليه ويتضح هذا من أشعاره وأثاره الأدبية، فكان يحلو له أن يٌنادي في الكوميديا الإلهية بالابن، وأن ينادي من هم أكبر منه سناً أمثال فرجيل والقديس بطرس وأدم بيا أبي. وفرجيل هو الشاعر اللاتيني الذي اتخذه دانتي في الكوميديا ليلاً ليقوده في مراحل الجحيم، وهو يعزه ويقدره، ودانتي في هذا أنما كان يعوض الحرمان الذي قاساه في حياته المبكرة، ولعل أهم النواحي البارزة في حياة دانتي هو حبه لبياتريس Beatrice الذي عبر عنه في كتابه المسمي بالحياة الجديدة Vita Nuova ونعرف منها أنها كانت متزوجة من شخص بارز في المجتمع الفلورنس، غير مزودة بالثقافة العالية، ولم تستطع فهم دانتي وتقديره حق قدره، ولم يقدر لها أن تحب دانتي وقد ماتت وهي لا تزال في سن الشباب، ومع ذلك فقد أزداد حب دانتي لها قوة وعمقاً فجعلها أقرب إلى الآلهة منها إلى البشر، ورمزاً للحب السامي والفضائل الحسنة والمعرفة الإلهية.

لقد كانت حياة دانتي في الواقع سلسلة متصلة متلاحقة من المتاعب والفشل في حبه الأول لبياتريس، وفشل في حياته السياسية كمواطن فلورنسي، وعاش معظم حياته فقيراً متشرداً. ومع ذلك فقد كان لهذا الفشل أهمية كبرى بالنسبة لدانتي إذ كان أمراً ضرورياً لنضوجه الفكري، وتعويض النقص الذي كان يشعر به، ممثلاً في هذا الإنتاج الرفيع الذي خرج به علينا وخلد أسمه في سجل التاريخ.

وهكذا ظلت حياة دانتي سلسلة متتابعة من البؤس والشقاء والآلام إلى أن توفي سنة 1231 بعد أصابته بمرض الملا ريا.

لقد كانت هذه الحياة القاسية التي عاشها هي التي ألهبت أحساسة ومقدرته في الخلق والإبداع الشعري الذي يكشف فيما خلفه لنا من تراث خالد بتوجه تحفته الشعرية الرائعة (الكوميديا الإلهية) التي تنقسم إلي ثلاثة أقسام هي الجحيم والمطهر والفردوس، وهي تعبر عن شخصية دانتي نفسه، فهو بارز في كل سطر فيها، حيث يصور نفسه ويصور بياتريس وحبه لها، وهو في ذلك أنما يحاول تخليد نفسه عن طريق الأدب، وهناك أيضاً كتابه المسمي (الحياة الجديدة) الذي يصف فيه بعض مميزات بياتريس وأثرها الروحي في شخصه وفي المعجبين بها ووضع أيضاً باللاتينية دفاعاً عن اللغة الإيطالية الوطنية تحت أسم De vulgari Eloquentia ضمنه اقتراحاته وتوصياته للنهوض باللغة الايطالية والعمل على توحيد لهجاتها المختلفة حتى تصبح أداة فعالة لها قيمتها ووزنها في0لتعبير الأدبي، وقد عمد إلى كتابة البحث باللاتينية حتى يتسنى لجمهور المثقفين قراءته، ومما خلفه لنا أيضاً رسالته عن الملكية De Monarchia وهي الأخرى مكتوبة باللاتينية.

الخلاصة:
لا نستطيع أن نفهم مسيحية العصور الوسطي بأنها السبب في التخلف أو الظلام الذي حل على أوروبا نتيجة لأسباب معروفة وهي تدهور وانحطاط الإمبراطورية الرومانية القديمة، وبالتالي أثر ذلك على حضارتها وثقافتها، والسبب الأخر هي غزوات شعوب البربر، والتي كانت تتسم بالهمجية والوثنية والأمية ولا تعرف إلا استخدام السلاح.

وفي غياب الإمبراطور، وأمام غزو البربر، كان لابد للكنيسة أن تأخذ على عاتقها قيادة تحرير الحضارة الغربية من الأفكار والعادات الوثنية، وترسيخ مبادئ جديدة لائقة بالديانة المسيحية، كان على الكنيسة تقوم بتهذيب الشعوب البربرية، وذلك عن طريق الدخول والتعايش معهم، وتحريرهم من كل ماهو مخالف للإيمان الجديد وتعليم وتهذيب هؤلاء الشعوب في الأديرة والكاتدرائيات والكنائس، وهكذا كانت على الكنيسة تقوم بأكثر من دور في مجالات عدة: في المجال السياسي للتحاور مع البربر في مجال الاجتماعي النابع من سقوط حضارة وظهور فئات وطبقات جديدة وهي البربرية، في المجال التعليمي والتثقيفي ، في المجال العباد والصلاة.

فالكنيسة أخذت على عاتقها قيادة الشعب الأوروبي عبر العصور الوسطى، وهي عصور انتقالية من حضارة إلى محاولة ترسيخ لحضارة أخرى وجديدة ذات مبادئ وقيم. وهذا ما جعل الكنيسة في حالة مواجهة وتحدى مع كل الظروف والأحوال، وفي هذه المواجهة تأتي الأخطاء كشئ طبيعي للمرحلة الانتقالية وللمواجهة، وليس معني هذا هو اتهام للكنسية والمسيحية بأنها السبب المباشر للظلام الذي حل في العصور الوسطى.







الرهبنة والديرية في العصور الوسطي

نشأة الرهبنة وانتشارها:
كان أول نشأن للرهبنة في مصر على هيئة حركة توحيدية قام بها كثير من المتوحدين الذين عاشوا في الصحراء الشرقية، ومن هؤلاء القديس بولا المتوفى سنة 270، والقديس أنطونيوس المتوفى 356م. ثم أنتقل نظام الرهبنة بعد ذلك إلى ما يعرف بحركي الحياة الاجتماعية. أو الحياة الاشتراكية. وكان ذلك على يد عدد من أباء الكنيسة الأولي، نذكر منهم أنبا باخوميوس Pachomius وأبناء شنودة Schenudi وأنبا مقاريوس Macaruis في وادي النطرون، فأصبح الرهبان يعيشون داخل حيطان دير واحد، وأن كان كل منهم له قلايته Cell الخاصة به وكانوا يأكلون معاً ويصلون معاص ويدرسون معاص ويشتغلون لكسب الرزق. ومن أهم مبادئهم أن يعيشوا فقراء متبتلين يكرسون حياتهم في خدمة الله وطاعة رؤسائهم.

وساعد على سرعة انتشار الرهبنة أمور عديدة، منها الحماس الديني الذي صاحب انتشار المسيحية في أخريات التاريخ القديم واعتناق الناس لها، وكذلك حالة الفوضى والاضطراب التي سادت العالم بسبب غزوات البرابرة مما أدي إلى هروب الناس إلى الوديان والقفار، وكذلك قيام الحروب المستمرة ، وخاصة في الغرب، عندما أنهال الجرمان في جوف الإمبراطورية الرومانية، وأخذوا يعلمون القتل والذبح والنهب والتخريب، حتى أصبح الفرد لا يطمئن على مصيره، كذلك صاحب ظهور المسيحية حركة أضطهادات أشدها في عهد كل من نيرون ودقلديانوس فأضطر الناس إلى الفرار إلى الصحارى والقفار والجبال هرباً من موجات الأضطهادات التي كانت تلحق بهم بين حين وأخر.

انتقال الرهبنة من مصر إلى أوروبا:
كان انتقال تعاليم الرهبنة من مصر الى اوربا على يد القديس اثناسيوس Athanasius Atanasio الذى كان بطريركا بالأسكندرية , ثم نفى من كرسية ورحل الى روما سنة340 م. و ساعد على سرعة انتشارها كتبات عدد من القديسين , و بخاصة القديس اغسطنيوس فى كتابة مدينة اللة، والقديس جيروم الذى الذى ترجم حياة الرهبان المصريين، وفي بلاد الشام وأنظمتهم إلى اللاتينية، وكتاب بالاديوس Palladius المعروف بأسم "بستان الرهبان" عن حياة رهبان مصر، وأخيراً كتاب كاسيان Cassien الفرنسي عن حياة الرهبان المصريين وأحاديثهم.

كل هذه الكتابات ساعدت على أنتشار الرهبنة من مصر إلى أوروبا وكان أن بدأت الحركة الديرية عندما كثر عدد الرهبان في القفار. فأخذوا يتقربون من بعضهم لتسهيل قضاء حاجياتهم الدينية تحت رعاية واحد منهم يتم انتخابه لسعة علمه وكبر سنة وقدسيته. وكان ذلك على يد القديس باسيليوس St. Basil في القرن الرابع في الدولة البيزنطية، هذا مع ملاحظة أن الحياة الديرية المنظمة للرهبان لم يكن لها وجود في الغرب في القرون الخمسة الأولى، عندما لم تكن هناك علاقات منظمة بين الرهبان وبعضهم من ناحية وبينهم وبين الكنيسة من ناحية أخرى، ولكن في أواخر القرن الخامس وبداية القرن السادس بدأت في الغرب حركة تغلغل الرهبانية في كيان الكنيسة. عندما فتح الأساقفة كنائسهم ووضعوهم تحت تصرف الرهبان ومن هؤلاءالاسقف ايوسبيوس Eusebius في أيطاليا.

الديرية البندكتية (القرن السادس):
لم تتحق الفكرة الديرية في أوروبا على الوجه الأكمل إلا في أواخر القرن الخامس وأوائل القرن السادس على يد القديس بندكت St. Benedict of Nursia الذى أدخل نظام الديرية على اسس الحياة الإجتماعية للرهبان في أديرة لها قوانينها وتقاليدها وأنظمتها. بدأ بندكت حياته راهباً متزهداً متقشفاً منفرداً في أحد كهوف منطقة تقع في أواسط أسيا، وأدرك ما كان يعانيه الرهبان المتوحدونمن صعاب، ولما كان بندكت من أسرة عريقة ويمتلك ثروة كبيرة، فقد قام بتشييد ديره المعروف في مونت كاسينو Monte Cassino والتف حوله عدد كبير من الرهبان، فوضع لهم قانونه الذى كان أساسه أنساني وروحي في آن واحد، بعكس الحال فيما مضى، إذ كانت الفكرة القديمة روحية بحتة لا تهتم براحة الجسد ومطالبه، بل كان كل ما يهم المتوحدون الأقدمون هو تعذيب أبدانهم وتعريض حياتهم الدنيوية للأخطار، ولكن بندكت أهتم بحاجات الراهب البشرية إلى جانب التزاماته الروحية.

ويقوم نظامه على أربعة إعتبارات، رئيسية هي : التبتل والطهارة ونكران الذات والطاعة العمياء. وإلى جانب هذه القواعد الرئيسية الأربع، فقد نظر بندكت إلى الراهب كمخلوق بشري، فأوصى بالاعتدال في التقشف، وجعل أتباعه في أديريته حياة إجتماعية، كما أدخل على حياتهم نظام العمل اليدوي والذهني في نشاطهم اليومي، فخصص بعض الرهبان لفلاحة الأرض، والبعض لرعاية الماشية، والبعض لإعداد الملبس والمأكل والمشرب، يصبح الدير البندكتي وحدة مستقلة لا تحتاج للعالم الخارجي في شئ.

وفضلاً عن ذلك فقد أوجد في كل دير نواة لمكتبة ومكان لنسخ الكتب Scriptorium ، لكي يواصل كل من يلمس في نفسه نزعه أدبية نشاطه العلمي والأدبي هناك، وقد حفظت هذه الأديرة الكثير من التراث الكلاسيكي والكتب القديمة التي كانت خطر الزوال أثناء غزوات البرابرة، وداخل هذه المكاتب واصل النساخ والمؤلفون تحرير الكتب التاريخية والأدبية واللاهوتية والقانونية، التي لا يزال الكثير منها متداولاً حتي اليوم، والغريب أن هذه النوعة الأدبية العلمية أخذت تنمو وتتسع في الاديرة البندكتية في وقت كان الناس يغطون في جهل عميق، وبمرور الزمن تأسست بعض المدارس في تلك الأديرة كانت تستهدف تعليم الأطفال الذين أعدوا لكي ينخرطوا في سلك الكهنوت فيما بعد، وعلى هذا كانت أديرة بندكت منبعاً للعلم والعرفان، كما أنها أدت أكبر خدمة للحضارة الفكرية في غرب أوروبا في العصور الوسطى.

وعندما ظهرت للناس فضائل هذا النظام الجديد، أخذ الكثيرون منهم يلتحقون بالاديرة البندكتية وأنتقلت تلك الحركة الجديدة من ايطاليا إلى غرب أوروبا، وحلت نهائياً محل حركة التوحد والعزلة والتقشف. ولكن ديرية بندكت، كان شأنها شأن جميع الحركات والظواهر الهامة في التاريخ، لم تبق على نشاطها وتقدمها إلى الأبد، إذ أخذت تسير نحو التدهور عندما أزدادت ثرواتها بفضل أجتهاد الرهبان أنفسهم في الاهتمام بأمور الحرث والغرس ورعاية الماشية على أساس أنكار الذات، فكان أن تكاثرت الثروات، ورأى الرهبان أن الفائض منها يغنيهم عن العمل، فأخذوا في التكاسل، الذى أعقبه الفساد والتدهور، وتركوا أمور الحرث والغرس لعامة الناس يقومون بها تحت أشرافهم.








القديس مبارك (بندكتس) والتظيم الديري
470 – 547

حياته :
نعرفه خاصة من السيرة التي كتبها تلميذه القديس غريغوريوس.
• ولد في نورسيا ( على نحو 110 كم من روما)
• تعلم الصرف والنحو في القرية، ثم الدروس العالية والأداب والحقوق في روما (نظام وقانون ومنطق)
• خاف على خلاص نفسه من التدهور الأخلاقي في روما ومدارسها.
• حياته حلقة متواصلة من التنقلات إلى أن وجد استقراره في جبل كاسينو.

مرحلة أنفيده:
هرب من المدينة مع مربيته إلى بلدة أنفيده (80 كم من روما) وأستقر بين جماعة رفيعي الأخلاق، شارك حياتهم.

مرحلة سوبياكو:
في مرحلة ثانية، انفصل عن مربيته وعن الجماعة و ذهب الى مكان منفرد يدعى سوبياكو , قرب بحيرة و لم يعرف به الا الرهبان يؤمن له القوت الضرورى بواسطة حبل يدلى منه الخبز من قمة صخرة شاهقة عاش بندكتس تحتها.
• مدة ثلاث سنوات، سكن مع نفسه أمام عيني الشاهد الأسمى "وتعود على التحدث وحيداً مع الله في مناجاه. لكنه تعرض لمخاطر الحياة النسكية: قنوط كأبة، تجارب متنوعة، وقويت عليه تجرية جسدية لم تتركه إلا بعد أن تمرغ في الشوك القارص وكاد بسببها يخسر دعوته.
• علمته الحادثة درساً، دونه في القانون:"لا يناسب أن يعتنق الانسان الحياة النسكية إلا بعد أختيار الديرية فترة طويلة لتعلم فيها ويتروض في جيش مكون من جماعة الأخوة.



مرحلة فيكو فارو:
حادثة جديدة نبهت بندكتس إلى نقص كبير في نمط حياته: وهو غياب الحياة الليتورجية، وذلك عندما زار كاهن يهنئه بيوم عيد الفصح ولم يكن بندكتس يعرف أنه العيد. وأثر الحادث فيه وكانت النتيجة تشديدة فيما بعد على الحياة الطقسية وعرف به رعيان ورهبان كانوا يعيشون في المنطقة فأختاروه رئياً عليهم رغم ممانعته.

حاول أصلاحهم فسمموا له شرابه أنما أنكسر الكوب بين يديه عند رسمه باشارة الصليب.
تركهم وعاد إلى مغارته في سوبياكو.

سوبياكو مجدداً :
تحلق حوله عدد كبير نت راغبي حياة الكمال، 12 ديراً وامتازت تلك الفترة بمعجزات خارقة اشهرها الماء المتفجر من الصخرة، والراهب الماشي على الماء لأنقاذ ولد مشرف على الغرق، والمنجل المنتشل مقر مقر بحيرة باشارة من يد القديس.
مقاومة الشيطان أتت عن كاهن تاعس نخره الحسد من نجاح بندكتوس، ولإبعاده عن المنطقة، أتفق مع سبع فتيات أخذن يرقصن الرقصات الجنونية في جوار الدير، فقرر الرحيل مع اذ سقط عليه في ذلك اليوم سطح بيته فقتله.

مرحلة مونته كاسينو:
رحلوا جنوباً مائه كليو مترا. يقوقفون على الطريق لتلاوة الساعات القانونية كما لو كانوا في الدير. تمركزوا على قمة جبل مونته كاسينو قرب نابولي وبنوا الدير وأخذوا يختبرون القوانين يوماً بعد يوم، يعدلونها ويبدلونها كما يرونه مناسباً.
في سنواته الاخيرة كتب بندكتس قانونه الشهير وسلمه للرهبان كي يعيشوه.

المرحلة الاخيرة:
ملأت قلبه سعادة صداقة وقداسة أخته القديسة سكولاستيكا، في زيارته الأخيرة لها، طلبت منه السهر معها فرفض لأن القانون لا يسمح بذلك، ركعت وصلت واستجابها الرب فأرسل عاصفة هوجاء حتمت عليهما إطالة الزيارة وبعد ثلاثة أيام شاهد نفس أخته إلى فرح خالقها.

وعلم برؤيا سماوية أنه بدوره سيمثل أمام سيده في خلال اسبوع فاستعد، وفي 21 مارس سنده الأخوة في المعبد، ومات واقفاً وهو يصلي ويداه مرفوعتان نحو السماء.


قانون القديس مبارك
1- هيكلية الرهبنة:
أ- الله:
الله في القمة، وله الأولوية والسيادة المطلقة، أول ما يطلب مني ترك ارادتي لصنع ارادته هو. أعرف تلك الإرادة بواسطة الأباتي.

ب- الاباتي:
هو الرئيس الأعلى، نائب المسيح، كما ظهر الله في المسيح، هكذا المسيح يظهر في الرئيس، الرئيس ظل الله على الأرض.
كل أكرام للرئيس عمل أيمان إذ هو إكرام الله.
الأباتي عنصر جوهري لتقديس الرهبان.
سلطته مطلقة لا يحدها إلا بالمحبة. فهو راعي وأب وطبيب وقاضي، حتي لو عمد الى القساوة مرغماً، فأنه يراعي الفطنة والرحمة "خوفاً من أن يكسر الإناء لكثرة حفة لإزالة الصدأ عنه" (من أقواله) لكنه أيضاً خادم للجماعة والأفراد، مسئول، عليه تأدية حساب لله عن كل تصرفاته.
"فتش أكثر أن تخدم مما أن تترأس"
" فتش أكثر أن تٌحب مما أن تٌخاف". (من أقواله).

ج- العميد :
بدل أن يقسم ديره إلى جماعات تحت إرادة مسئول مباشر فضل بندكتس أسلوب عميد الوظائف.
على رأس كل وظيفة مسئول إداري محدد الصلاحيات. والوظائف هي : "مٌعلم الابتداء، مٌعلم التنشئة، رئيس المسئول عن المكتبة، والمزرعة، والتموين..الخ.
هؤلاء هم مجلس الأباتي يستشيرهم في الشئون الأكثر أهمية.

د- مجلس المتقدمين:
يضم العميد ومن هم أكبر سنا أو خبرة في الدير.

هـ- المجمع الديري:
يشترك فيه كل الرهبان ويتبادلون الآراء للتقدم والإصلاح.

2- حياة الصلاة ORA:
• الصلاة هي العمل الاساسي للراهب :"عمل الله" Opuss Dei ولا يعلو عليها أي عمل أو نشاط. (نص القانون).
• قلب الدير هو المعبد، لا يمكن الاستغناء عنه، والإكفاء بكنيسة البلدة، فيه تقام كل الصلوات.
• في طليعة الصوات، السواعية، بدل تلاوة المزامير كلها يومياً يكفي تلاوتها مرة في الاسبوع.
• يقسم النهار إلى ساعات صلاة وساعات عمل وساعات استراحة على نسق "تنفس وتنهد" وتوزع الصلوات من الليل حتى النوم على 8 مراحل :الليل-السحر-الأولي-الثالثة-السادية- التاسعة – الغروب – النوم.
• لا ينسي الراهب إلى جانب الصلاة الليتورجية "الصلاة من القلب".
• يهيئ بعض الرهبان ليكونوا كهنة لتلبية حاجات أخوتهم.
• لا يقام إلا قداس واحد كل يوم.

3- حياة الشغل Labora
أ- الشغل مٌكمل للصلاة:
* على الدير أن يعيش من دخله لا من الحسنات (التسول).
* على الراهب أن يشتغل ويتعب لا ان يتسلي ويقتل الوقت.
* يٌفضل أن يصل الدير إلى الاكتفاء الذاتي.
* تٌحاط أدوات العمل بالانتباه والاحترام كما لو كانت أواني مقدسة.
* لا يٌرهق الراهب العامل بالشغل اليدوي بل يٌعطى أوقاتاً للمكتبة والمطالعة.
* الدرس وحٌب الكتب ونسخها هم من الفضائل الرهبانية.

ب- جودة عمل وطيبة قلب:
* يطلب من الرهب أتقان عمله، حتي يحث الناس إلى مدح الله ومباركته عندما يشترون من الدير الصنف الجيد بالسعر الرخيص.
أن كان الراهب لا يملك فالدير يملك، لكن أملاكه معدة للخدمة وللمحبة، وخاصة نحو المحتاجين.
لتكن عند الراهب البواب اللطافة بحيث يبارك الزوار الرب كلما أتوا إلى الدير.

الفضائل الأساسية ثلاث:
1- إصلاح الأخلاق.
2- الطاعة.
3- الاستقرار المكاني.

1- إصلاح الأخلاق : وهو يفترض قبل كل شئ الاصغاء:
• أصغاء الراهب إلى نفسه ليعرفها على حقيقتها.
• اصغاء إلى أخوته خاصة الشيوخ وذوى الخبرة.
• اصغاء إلى الاباتي الذى يتكلم باسم الله.
• أصغاء إلى الله ذاته لمعرفة ارادته والهاماته خاصة عن طريق الكتاب المقدس وقد سماها القراءة الالهية.

يتم اصلاح الأخلاق بتطبيق ثلاث التزامات:
1- حفظ القانون.
2- التفتيش المتواصل عن الله: الراهب يفتش عن الله، والراهب يفتش عن الراهب.
3- ممارسة الفضائل الديرية وخاصة العفة والفقر.



2- الطاعة :
يطلب من الراهب أن يطيع كما لو كان بنفسه أصدر ودون أي تأخير في التنفيذ أو جدل، أو فتور بل بسرعه وفرح، تلك الطاعة نوعان:
• عامودية : الطاعة لله من خلال الأياتي.
• افقية/ الطاعة المتبادلة بين الأخوة خاصة في ما يقررونه في مجمعهم الديري بأعتبارهم عائلة واحدة.

3- الاستقرار المكاني:
الراهب يقضي حياته كلها في الدير الواحد ما لم تستدع غيابه حاجة رسولية أو غيرها يحكم بصوابيتها الأياتي. وفي الدير يحفظ الحصن لإبعاد روح العالم والنساء، ويحفظ الصمت ليتلقي العابد بربه بسهولة أكبر، ذلك الاستقرار تعبير عن ارادة الثبات الدائم في الدعوة والتكريس للرب، الراهب يبقي في الدير لأنه يبقي في المسيح وتركه الدير نوع من ترك المسيح.

حاشية:
نلاحظ غياب التقشف والإماتات الصارمة التي كان يفرضا أو يمارسها النساك والحبساء والرهبان سابقاً.
"إن كنا حقاً خادم الله، لاترتبط بسلسلة من حديد، بل بسلسلة المسيح" (من أقواله) هذا الاتزان ظاهر في مختلف التدابير المفروضة، نوم 8 ساعات، كمية من الخمر لا بأس بها كل يوم، ثباب جديدة لمن يسافر يرجعها عند عودته، رحمه خاصة بالمعذبين والمرضى والشيوخ.....

ختام وتقييم:
• سيبقي بندكتس أب الرهبان في الغرب.
• خرج اجيالاً من القديسين والبابوات والعلماء وأصحاب المشاريع الاجتماعية.
• لولاه لما كانت كنيسة اليوم على ما هي خاصة في الليتورجيا والتنظيم الرهباني والتأثير الشعبي.
• أدخل نوعاً من الديمقراطية في الدير باشركه جميع الفئات في أخذ القرارات المناسبة مع أبقاء كل واحد في حدود وظيفته.
• غطي أوروبا باديار كانت منابع للعلم والعلماء والمفكرين، وواحة روحية لكل طالب سكينة وصلاة على الإجماع.
• جعل من الدير قلعة دينية تسند الكنيسة المحلية وكثيراً ما تفوقها فعالية وأنتاجاً روحياً.
• من ميزات قانونه أنه واضح في ما يفرض من الزامات مع ذلك قابل للتطور والتجديد وهو قابل للتغلب على اية مشكلة جدية تطراً، وقد تأقلم رهبان القديس مبارك مدى لعصور مع الحاجات والظروف المستجدة دون الابتعاد عن روح وتوجيهات قانونهم وكانت تلك من أسباب نجاحهم.
• ورأي محللو قانونه ومتتبعو حياة رهبانة أن قوتهم كانت من وراء شخصية وقداسة الأباتي، وبالعكس فأن "كل أزمة رهبانية في كل الأزمنة كانت في الاساس أزمة أباتية" (أرمانو أنشيلي في كتابه :"المدارس الكبرى للروحانية المسيحية: ص225).
وهكذا أصبح الراهب يجني خيرات الأرض دون أن يتعب فيها وترتب على ذلك أن دب الفساد في الاديرة البندكتية. ولم يأت القرن التاسع حتى أخحذ الناس يدعون لأصلاحها بكل الطرق والوسائل.

الاصلاح الكلوني في أوائل القرن العاشر:
كان من أثر الموقف السئ في أديرة القديس بندكب أن ظهرت في أوائل القرن العاشر جماعة جديدة دعت الي إلى الاصلاح الشامل، تلك هي جماعة دير كلوني الواقع بالقرب من الحدود الفرنسية الالمانية على بعد عدة أميال من مدينة ماسون Macon.

ركز رهبان كلوني جهودهم بادء الامر على اصلاح أحوالهم الداخلية بين الجماعات الأخرى لهم، ثم ما لبثت أن أنضمت إليهم بعض الأديرة القديمة. كما اسسوا هم أيضاً من أموالهم أديرة كلونية جديدة وسرعان ما أصبحت الحركة الكلونية في القرن العاشر نموذجاً يحتذي من نماذح الاسلاح.

ويقوم نظام كلوني على اساس الاتصال المباشر بالبابوية والاستقلال التام عن السلطات الدينية والدنيوية المحلية والاتحاد التام بين جميع الاديرة.

وقد ظلت الجماعات الكلونية على أتصال ببعضها عن طريق خضوع جميع الأديرة الجديدة لدير كلوني الاصلي، وكذلك عن طريق عقد إجتماعات دورية بين رؤساء الأديرة في كلوني، لتداول الرأي في كل ما يتعلق بشئون الاصلاح والتشاور في سياسة مختلف الاديرة.

وفضلاً عما تقدم فقد عني رهبان كلوني أيضاً بالزراعة والعلوم والأعمال الأدبية، فأصبحت اديرتهم مراكز للعلم والروحانية.

لقد بدت أثار النهضة الكلونية واضحة في أوروبا في القرنين العاشر والحادي عشر، ذلك أنها لم تقتصر على الدعوة للأصلاح في حدود الديرية، أنما دعت إلى اصلاح الجهاز الكنسي أو الكلوريا الرومانية. وحاربت وقامت زوابع الكهنة، وأنتشار السيمونية، والوظائف الكنسية لمن يدفع الثمن أكثر، وتدخل الأمراء في الشئون الديرية والكنسية، وهكذا أصبحت حركة الاصلاح الكلوني حركة قوية بأنتشارها خارج منطقة كلوني وخارج فرنسا بحيث حركة دولية تشمل معظم أجزاء الغرب الأوروبي.

الجماعات الرهبانية في القرنين الحادي عشر والثاني عشر:
من النتائج التي ترتبت على الإصلاح الكلوني أن الحياة الديرية أصبحت لها مكانة بارزة في المجتمع الغربي الوسيط وفي الكنيسة اللاتينية، وأقبل الناس على اعتناق مبادئها في أعداد كبيرة، ولما كانت أديرة كلوني لا تتسع لهذا السيل الجارف من الناس الذين اعتنقوا الرهبانية، فقد فكر الكثيرون في أنشاء جماعات جديدة لتحتضن الفائض من الناس ولتعمل في ذات الوقت على استكمال مشروعات كلوني، والقيام بإصلاحات جديدة. ومن أهم الرهبانيات الجديدة ما يلي:

1- رهبنة جراندمونت Order of Grandmont .
تأسست هذه الجماعة ما بين عامي 1073 – 1076، وهي تشبه إلى حد ما رهبنة جماعة كلوني، وأن كانت تختلف عنها في منع ملكية الأرض والكنائس على رجالها، وفي العيش على التسول والأحسان مع التزام حياة الفقر المدقع.



2- رهبنة الكارثوذيان Carthusian Order.
وقد اسسها القديس برونو Bruno في الجنوب الغربي من فرنسا على الحدود الألمانية، وكان رهبانها ينزعون إلى التوحد كل في صومعته، وأن كانوا يعيشون داخل دير واحد، وهدفهم التزام الهدوء والسكون والتأمل في ذات العلية.

3- رهبنة السترشيسان Cistercian Order
أسسها راهب فرنسي يسمي روبرت سنة 1098، وكان نظامة ينطوي على العودة إلى التعليم الندكتية مع أدخال شئ من التصوف عليها، وتجنب الملبس الفاخر، والتمسك بالبساطة في كل شئ، وقد انقطع هؤلاء الرهبان عن العالم إلى الجهات المقفرة وأختصوا برعاية الأغنام حتى زادت أدجيرتهم زيادة هائلة في وقت قصير. ومن بين جدرانها تخرج كثير من فلاسفة العصر ونوابغة أمثال القديس برنارد أوف كليرفو الذي اسس ديره الشهير في كليرفو سنة 1115.

4- رهبنة الفرنسيسكان Franciscan Order.
مؤسسها هو القديس فرنسيس الأسيزي St. Francis of Assisi وهو أيطالي من مدينة أسيزي، أسس جماعته فيما بين عامي 1138 – 1226، ولم يكن يستهدف من نظامة أن يعيش الرهبان داخل أديرتهم منكبين على الصلاة والعبادة وتخليص أرواحهم فحسب، وأنما الاندماج في الحياة العامة للوعظ والتبشير والارشاد بين الناس، وكانوا يكتفون بالنذر اليسير من القوت والعمل اليدوي متي كان متوافراً، أو التسول أذا لم يكن سبيل للكسب، وقد أنتشرت تعاليم هذه الجماعة، وأسست الكثير من المدارس، وصمدت على مر القرون والأجيال حتى يومنا هذا، وأقتصر عمل أعضائها الأصلي في الواقع على القيام بشئون العلم والتعليم في مختلف بقاع الأرض.

5- رهبنة الدومنيكان Dominican Order
وقد اسسها القديس دومنيك الاسباني St.Dominic سنة 1215 للوعظ والارشاد بين الناس، ومكافحة تيار الهرطقة الذى ظهر في الكنيسة وخارجها في أخريات القرن الثاني عشر.



الحياة الإنجيلية
القديس فرنسيس الأسيزي
1482 – 1226

حياته:
• شاب أيطالي من عائلة تاجر غني.
• بعد سنوات طيش ولهو ومرح مع شباب البلدة كانت له رؤيا غيرت طريقه، لماذا تتبع العبد بدل الرب؟
• أنعزل في كنيسة القديس داميان المهدمة يصلي أمام المصلوب وقرر الانقطاع عن العالم.
• قاومه أبوه ثم تبرأ منه فقال :"حتى اليوم كنت أقول : ابي بطرس برنردونه. والأن أقول بالحقيقة " أبانا الذي في السماوات".
• أصبحت حياته صلاة منفردة، وخدمة للبرص، وترميم للكنائس.
• التحق به رفاق أعجبوا باسلوبه فوضع لهم قانوناً خاصاً مستوحى من الأنجيل وحاول أخذ موافقة البابا. رفض قانونه، لكن البابا عاد ووافق عليه شفهياً بعد رؤياً رآها وفيها ظهر فرنسيس يدعم كنيسة الكرسي البابوي وهي تتداعي.
• التحقت به فتاه اسمها كلارا كانت معه مؤسسة الرهبنة الثانية.
• عاش بالفقر والأماتة والصلاة متنقلاً مع أخوته إلى أن جرى تحول في مسيرة حياتهم: صلوا وأستشاروا فتبينت لفرنسيس ضرورة اتباع حياة الرسالة أيضاً.
• وزع أخوته للرسالة الداخلية بين المسيحيين، وللرسالة الخارجية بين غير المؤمنين والمسلمين، وكان نصيب خمسة منهم مراكش قتلوا فيها وقال عنهم "الأن يمكن أن أقول أن عندي أخوة حقيقيين" ,اثر استشهادهم التحق بالاخوة الاصاغر كاهن شاب صار فيما بعد مار أنطونيوس البادواني.
• وكان نصيب فرنسيس الشرق : مصر وفلسطين وربما لبنان وسوريا، في محاولة فاشلة لأكتساب سلطان المماليك إلى الدين المسيحي.
• بعد عودته إلى إيطاليا أعاد تنظيم حياة الأخوة ونقح قانونه الثاني والنهائي وثبته له البابا.
• أسس الرهبنة الثالثة للعلمانيين (رجالاً ونساء) الذين استهوتهم طريقته الأنجيلية.
• قضي السنوات الأخيرة يكافح كيلا يحيد أخوته عن المنهج الإنجيلي الفقري الذي وعدوه، ولاقي بعض المقاومة فكتب وصيته الروحية يثبت فيها فكرته الاساسية بشكل أوضح وأصلب مما جاء في القانون.
• من عليه الرب ينعمتين مميزتين:
- وعده بغفران لكل من يزور كنيسة سيدة الملائكة.
- طبع في جسمه سمات جراحه الخمسة على جبل الغرنا، وكان أول من أتسم بتلك الميزة.
• تالم كثيراً من عينيه ومن جراء التقشفات ومات عارياً على الأرض العارية مقابل مدينته وهو يباركها وعمره 44 سنة.

لمحة عن قانونه الثاني النهائي:
الفصل الأول : قانون الحياة.
1- قانون الأخوة الأصاغر هو حفظ الأنجيل.
2- نخضع في كل شئ للكنيسة وللبابا.

الفصل الثاني : الدعوات:
1- من اراد الالتحاق بنا، فليبع كل ماله ويوزعه للمساكين دون أن يتدخل الاخوة بشأن توزيعها.
2- اللبس الرهباني فقير، محدود، ومرقع.، وليس لنا أن ندين الناس في ما يلبسون أو يأكلون.

الفصل الثالث: الصلاة:
1- في صلاتنا نتبع ما ترسمه الكنيسة.
2- الأخوة غير الكهنة يصلون عدداً معيناً من الصلاة "الأبانا".

الفصل الرابع: الفقر:
1- لا يحق لنا التملك، لا لبيت أو مركز أو أي شئ، نتكل على العناية ونستعطي، حصتنا هي الفقر وغنانا بالفضائل.
2- نتكيف مع الأمكنة والأزمنة لمعيشة الأخوة بواسطة أصدقاء روحيين أنما في كل الظروف يمنع استعمال المال بل لمسه أيضاً.

الفصل الخامس : العمل (الشغل)
1- الشغل ضروري، نأخذ أجرته (ماعدا المال) إذا أعطونا أجرة، وآلا نلجأ إلى مائدة الرب بالاستعطاء من باب إلى باب.
2- لا يطفئ الشغل روح التأمل والعبادة.

الفصل السادس : الأخوة:
1- نحن عائلة واحدة وعلى كل أخ أن يخدم أخاه كما يريد لنفسه أو كما تخدم الأم ابنها.
2- معاملتنا مع الناس أخوة شاملة، بلباقة وأدب واحترام ومسالمة.

الفصل السابع : التوبــــــة :
1- عاملوا الأخ المذنب بسماحة ورفق ولا تدينوه.
2- الاصوام محصورة بصوم الأربعين وصوم من عيد جميع القديسين إلى الميلاد. وهناك صوم أربعين ثالث يسومه من يشاء.

الفصل الثامن : الإدارة :
1- الأخوة ينتخبون من يخدمهم.
2- أذا رأوا انه لم يعد يصلح للخدمة فليختاروا أخراً بديلاً له.

الفصل التاسع : الرسالة الداخلية:
1- لا وعظ الا برضي المطران والرئيس.
2- رسالتنا نداء الناس بكلام رصين لممارسة الفضيلة ونبذ الرذائل، والتبصر بالعقاب وبالمجد.

الفصل العاشر : الطاعة:
1- يطلب من الرؤساء السهر على الأخوة وزياراتهم واصلاحهم بتواضع ومحبة.
2- توصيات للأخوة للطاعة والحوار مع الرؤساء بثقة حتي يكتسبوا كل ما أمكن من الفضائل التي ترضي الله.

الفصل الحادي عشر : العفة:
1- رصانة مطلوبة مع النساء.
2- لا دخول إلى اديار الراهبات دون أذن الكرسي الرسولي.

الفصل الثاني عشر / الرسالة الخارجية.
1- من يلهمه الرب طلب الرسالة الخارجية فليذهب مع موافقة الرئيس.
2- نطلب من الكرسي الرسولي كردينالا يشرف على مسيرة رهبانيتنا لنبقي أمناء للأنجيل الذي وعدنا بأن نحفظه.


روحانية مار فرنسيس:
نستخلص من حياته وكتاباته الخطوط العريضة التي تتكون منها روحانيته( ) .

1- الأنجيل هو المرجع الأول والأخير، يتعهد الأخوة بأن يعيشوه بأمانه:
القانون الأول : كله نصوص أنجيلية تربط بينها بعض النصائح. وكاد الكرسي الرسولي يرفضها لولا تدخل أحد الكرادلة "أذا قلنا هذا القانون لا يعاش، حكنا بأن الأنجيل لا يعاش".
القانون الثاني : حياة الأخوة هي حفظ الأنجيل (فصل 1) نخضع للكنيسة حتي نحفظ وعدنا بأن نعيش الأنجيل (فصل 12).
الوصية: الهمني الرب بأن أعيش حسب شكل الأنجيل.

2- شخص المسيح يسوع هو محور ومثالية الحياة الفرنسيسكانية:
المسيح في تجسده: أهمية عيد الميلاد، أول مغارة كانت في غريشيو.
المسيح في فدائه: أهمية آلام المسيح، أول من طبع في جسمه سمات المصلوب أبناؤه أبتكروا درب الصليب.
المسيح الملك: ملك الخليفة وتاجها، طالبوا بعيده إلى أن حصلوا عليه.
المسيح في كهنته: لأنهم يوزعون جسده ودمه.
المسيح في أمه: العذراء التي صارت كنسية، كافحوا حتى أنتصروا وأعلنت عقيدة الحبل بلا دنس.

3- الأخوة هي رباط ابناء فرنسيس ببعضهم وبالناس والخلائق:
• الأخوة طبقة واحدة، منهم كهنة ومنهم غير كهنة.
• الرؤساء أما كهنة أما أخوة علمانيون، ولا يعطي للكهنة أي أمتياز على غيرهم.
• الرئيس خادم يحق للأخوة خلعه لما يقصر في الخدمة.
• الأخوة على مثال الأمومة: مثلما الأم الجسدية تهتم بولدها، هكذا كل أخ يعتني روحياً بأخيه.
التعددية هي القاعدة: لا يطلب من الأخوة أن يكونوا متشابهين بل متنوعين وأن يتبع كل واحد نداء الروح والهامه.
مع الناس: الأخوة تعني أحترامهم، وعدم دينونتهم، نشر السلام والغفران المتبادل بينهم.
مع الخلائق: مناداتها لتسبيح الله معنا. التغني بجمالها وبمجد مكونها.
"تجدر الاشارة إلى أن فرنسيس شفيع الكشافة "الجراميس" والعاملين ففحفاظ على البيئة:.

4- الفقر الفرنسيسكاني يعني أمتلاك المسيح وحده دون سواه:
ينتج عن ذلك.......
أ‌- رفض المال: رفض أمتلاكه، رفض أستعماله، رفض لمسه لتأمين حاجات الأخوة، الالتجاء الى اصدقاء علمانيين.
ب‌- رفض لملكية: لابيوت، لا كنائس، لا مؤسسات، لا تعلق قلب، ولا دينونة أو أحتقار من يملك.
ت‌- الشغل بالاجرة هو القاعدة، أي شغل شريف مسموح ماعدا الأمور الادارية: يجب أن يكون الراهب تحت مسئولية غير خاصة من الناحية المالية.
ث‌- اذا حرم من أجرة الشغل، فليستط، وفي كل الظروف يتكل على عناية الرب.

5- الحياة الفرنسيسكانية هي صلاة مستمرة.
* في البدء أتجه فرنسيس نحو الحياة النسكية، يصلي ويرمم الكنائس.
* يترك المجال للأخوة أن يعيشوا في محبسة بتناوبون فيها على دور الابن (يصلي) والام (تؤمن لمن يصلي حاجاته المادية).
* وٌصف فرنسيس بأنه لم سكن إنساناً يصلي بل الصلاة تجسدت في إنسان.

6- الحياة الفرنسيسكانية رسالة بأشراف الكنيسة وكهنتها:
* بعد استشارة كلارا وأحد الأخوة تحول فرنسيس نحو الرسالة.
- الداخلية : يبشر بالفضائل ويحارب الرزائل ويساعد الكهنة.
- الخارجية : أول من وضع في القانون تدابير متعلقة بالذهاب الي المسلمين وغير المؤمنين.
* في كل الحالات، لا ينظر إلى الرسالة إلا بالتعاون مع الاكليروس بسلام، "لأن كل كاهن هو سيدي وهو وحده يعطيني جسد المسيح ودمه وكلماته التي هي روح وحياة".
* رسالتنا بالمثل الصالح، بالشغل المتواضع، أو بالتبشير بكلام موجز وبسيط.











Enter content here

Enter supporting content here

الموقع من تصميم /اليفاز