Make your own free website on Tripod.com
abona (aghstinos)
drast klmat allah
Home
alasor alwosta
altagsd we taaseroh
althaloth we alalakat alagtmaia
alsalah end treesa
hawet almasehe
smile
drast klmat allah
hawet almasehe
alhabl bla dans
aldlil alrohy
alhob(the love)
alsalah alkalbia
hdor alah alaeem
alalmanieon
alfarah fe alktab almokads
almahba byn alfalsafa we alwegood

الكلية الإكليريكية بالمعادي





دراسة كلمة الله بين العقيدة
والحياة في إطار الصلاة


إعداد الأب/ أغسطينوس موريس مدرس المادة



يمتاز الكتاب المقدّس بتأثيره العميق في نفوس قارئيه الذين يتقدمون إليه بإيمان واتضاع. لقد حمل، ومازال يحمل كثيرين من قارئيه على ترك خطاياهم مهما كانت مستعصية وثقيلة. لقد استطاع الكتاب المقدّس أن يجذب ملايين القلوب إلى الله بعد أن حرّكها إلى التوبة، وأدخل إليها الفرح والسلام وملأها بالرجاء. ولا عجب في ذلك فهو كتاب حيّ قوي فعال في نفوس من يقرأونه بإيمان. الكتاب المقدّس هو كلمة الله، والكاهن هو رجل الله، ولذا يجب على الكاهن أن يكون خبير كلمة الله عن طريق البحث والدرس، بل عن طريق الصلاة والتأمّل في كلمة الله. والكتاب المقدّس الذي هو هبة الله للكنيسة، يشكّل نقطة التقاء بين مؤلَّفين: الله والإنسان. والهدف الأهمّ لمفسري الكتاب المقدّس هو محاولة الوقوف على ما أراد الله أن يكشفه لبني البشر، وما أراد الكاتب البشري أن يقوله عن الله.
المحتوى: مقدمة
1- الكتاب المقدّس في حياة رجال الله، ومكانة ومركز الكتاب المقدس لقارئيه.
2- لماذا ندرس الكتاب المقدّس؟ وكيف ندرسه؟
3- الأبعاد الروحيّة لقراءة الكتاب المقدّس.
4- منهجيّة ومراحل قراءة الكتاب المقدّس.
5- الإنجيل دعوة إلى الإيمان والحرّيّة، خطى الإيمان الخمس.
6- الثمار والعطايا الروحيّة لقراءة الكتاب المقدّس.
7- تعدّد القراءات وتعدّد الروحانيّات والأيديولوجيّات، رؤية معاصرة.

دراسة كلمة الله بين العقيدة والحياة في إطار الصلاة
لعل كلمة دراسة الكتاب المقدس تجعلنا نفكر في دراسة التاريخ والجفرافيا أو الأدب العربي وسائر العلوم الإنسانية. ولهذا يطرح التساؤول لماذا لا نكتفي بقراءة روحية تقوية عاطفية للإنجيل؟ إن كلمة دراسة بحد ذاتها تذكّرنا بالتعليم أكثر مما تشجعنا على الصلاة.
"عندما يقرأ الإنسان، يجعل نفسه وعقله يسودان على الكلام، محاولاً أن يخضع المعنى لإدراكه الشخصي، ثم يتحكم في المعنى بالقياس على المدركات الأخري، وهذه القراءة تصلح لكل كتاب من كتب العالم، علمية أو أدبية. ومثل هذه القراءة تجعل الإنسان سيد العالم كوضعه الطبيعي"
وإن قرأ الإنسان الكتاب المقدس كما يقرأ العلم، صغر الله في عقله ووجدانه وانحصر الإله واضمحلت هيبته، وأحس الإنسان في نفسه بسيادة وهمية على الإلهيات وهذا هو المحظور الذي وقع فيه آدم قبلاً.
إن المسيحية وحدة شاملة لجوانب متعددة، لا يمكن أن نفهم جانباً منها بمعزل عن الآخر، وإلا تعرضنا للخطأ. هي أسلوب شامل للحياة، يحتوي على عقيدة نؤمن بها، وحياة نحياها، وعبادة نتعبَّد بها. "وإن كان الواحد القوي يغلب واحداً اضعف منه، فإن اثنين قادران على مقاومته، فالخيط المثلث يتعذر قطعه سريعاً" (جامعة 12:4).
وقوة المسيحية تكمن في هذا النسيج المركب من هذه الجوانب الثلاثة لتشمل الحياة كلها، وقد ذكرت كلمة "نسيج" لأن هذه الجوانب متداخلة بعضها في بعض، ويقوي أحدها الآخر. فإذا تواجدت هذه الجوانب الثلاثة معاً، كانت المسيحية راسخة، أما إذا فصلنا أحدها عن الآخر فسوف يضعف كل جانب منها.
"توجد قراءة أخري وهي عندما يقرأ الإنسان يجعل الكلام في مستوي أعلى من نفسه، محاولاً أن يخضع عقله للمعنى، بل ويجعل المعنى يتحكم فيه شخصياً كقياس أعلى لا يدانيه آخر. وهذه القراءة لا غني عنها ولا بديل لها بالنسبة للكتاب المقدس. وفي مثل هذه القراءة تجعل الله سيد الإنسان، كخالق كلي الحكمة والقوة"
وقد حدث في وقت من الأوقات في تاريخ الكنيسة أن اهتم قادتها اهتماماً بالغاً بالعقيدة السليمة، وكان المسيحي الحقيقي في نظرهم هو من يؤمن بعقيدةمستقيمة واعتبروا كل من يخالف هذه العقيدة المتفق عليها، غير أرثوذكسي العقيدة، أي غير مستقيم العقيدة ، واتهم بالهرطقة.
ونحن لا نريد أن نحكم على الماضي بمقاييس الحاضر، كما أننا لا نستطيع أن نعود بعجلة التاريخ إلى الوراء، ونضع أنفسنا في موقف قيادات الكنيسة في ذلك الوقت. إلا أننا نقول إنه ربما يكون من العوامل التى شجعت على هذا الموقف، أن الجدل الفكري الفلسفي كان السمة الظاهرة لذلك العصر، وأن الكنيسة كانت تريد أن تحتفظ بنقاوة تعاليمها في وسط تشعب الأفكار والنظريات، أو أنها إرادت أن تضمن وحدتها وعدم تمزيق صفوفها في العصور الأولى من تاريخها.
على أنه من المؤكد أن ذلك الاتجاه جعل علم اللاهوت، مجرد جدل فكري أكاديمي خال من الحياة، وعزل التفكير اللاهوتى بعيداً عن المشكلات الواقعية للناس، فقد كان الاهوتيين يتلذذون بإظهار الفروق النظرية الطفيفة بين الأراء والمعتقدات.
ولا يمكن أن ينكر أحد أهمية العقيدة، وضروروة توضيح معنى الإيمان المسيحي، إلاَّ أن علم اللاهوت يجب أن يكون مرتبطاً بحياة الكنيسة، ولا يكون مجرد رياضة عقلية لصفوة من المفكرين يسعون إليها لذاتها. إن الكتاب المقدس الذي نستخلص منه العقيدة ونؤسسها عليه هو رواية لمعاملات الله مع الناس، وخبر عن ولادة المسيح وحياته وموته وقيامته وإعلانه بشارة الخلاص للبشر، ومثل هذا الإعلان الإلهي لا يمكن أن يجمَّد في صيغة عبارات ونصوص تحتويها كتب العقيدة، بل يجب أن تكون العقيدة ملامسة لحياة البشر ومشكلاتهم، وواسطة يفهمون من خلالها معاملة الله لهم في المواقف المختلفة.
ولعل أبلغ نقد للعقيدة المجرَّدة المنفصلة عن الحياة، هو قول العهد الجديد في رسالة يعقوب: "أنت تؤمن أن الله واحد. حسناً تفعل. والشياطين يؤمنون ويقشعرون" (يع 19:2).
إن الإيمان الذي لا يتعدي الموافقة العقلية، إيمان ناقص، أو بالأحري إيمان ميت، ولا يمكن أن يكون هو الإيمان العامل بالمحبة – وربما كان كثيرون ممن تواجههم اليوم صعوبة في الإيمان بالله، هم – إلى حد ما – ضحية تقديم العقيدة كحقيقة عقلية مجردة، بدون ارتباطها بالحياة.
2- على أننا نري أن الاتجاه، تطرَّف حديثاً إلى الناحية الأخري، وهي جانب الأعمال، وابتدأنا نسمع شعارات متعددة من هذا الاتجاه الذي يهمل العقيدة ويهتم بالأفعال مثل القول: "خذ ديانتك معك إلى الشارع، وإلى السوق، وإلى مكان العمل" أو "الدين المعاملة" أو "لا تسالني ماذا نعتقد بل ماذا نعمل". وهكذا..
وقد صاحب التركيز على هذا الجانب العملى، التهوين من أهمية العقيدة، وأصبح المهم هو أن تعيش حياة مسيحية صالحة، وتحب قريبك، وتحقق أهداف ملكوت الله في حياتك، فهذا يكفي – ومما لاشك فيه أن هذا الاتجاه المتطرف للتركيز على جانب الأعمال، غنما هو رد فعل للاتجاه المغاير في العصور السابقة حين كان التركيز على العقيدة وحدها. وهو في نفس الوقت محاولة لتحريك الكنيسة للعمل، لتتغلب على جمودها، وصيرورتها كنيسة تقليدية رسمية.
ولكن الخطر يكمن في أن من ينحازون للجانب العملي، ينتقصون – سواء أعلنوا ذلك أم لم يعلنوه – من قدر الجوانب الأخري التى لها نفس أهمية الأعمال – فكما أن الإيمان دون أعمال تصوير ممسوخ للمسيحية، كذلك العمل غير المؤسس على العقيدة، هو أيضاً تصوير غير صحيح للمسيحية، يحولها إلى مجرد اتجاهات خيرية إنسانية، أو أعمال شفقة اجتماعية، ذلك لأن مفهوم الأعمال في المسيحية مؤسس على فهم صحيح للعقيدة.
نحن نحتاج إذاً إلى العقيدة لتفسير لنا المعاني، وتنير لنا طريق العمل المسيحي. فالعمل المسيحي لا يمكن أن يُمارس بطريقة فعَّالة ما لم يستند إلى عقيدة واضحة ومفهومة. وفي التاريخ الحديث اعتراف أصحاب فكرة "الإنجيل الاجتماعي"" بفشل فكرتهم، وقالوا إن الإنجيل الاجتماعي يحتاج إلى عقيدة لاهوتية لتجعله فعَّالاً ومؤثراً، والعقيدة تحتاج إلى بُعد اجتماعي ليعطيها الحركة والحياة.
3- هنا نستطيع أن ندرك أهمية الجانب الثالث وهو العبادة. فالعبادة هي الخيط الذي يربط بين العقيدة والحياة، أو بين الإيمان والأعمال، لأنها هي العامل الذي يدرَّب الإنسان ويساعده على اكتساب الشخصية القادرة أن تترجم العقيدة إلى حياة.
إننا في الصلاة نلتقي بالله الذي نؤمن به، فيؤثر الحضور في شخصياتنا بصورة تدفعنا إلى نخرج إلى العالم معبرِّين بحياتنا عن إيماننا.
فالعبادة المسيحية لقاء بين الإنسان من جانب، وبين الله في المسيح من الجانب الآخر. وعلى هذا الاساس يمكن أن تنظر إلى العبادة من زاويتين.
الزاوية الأولى هي العبادة باعتبارها موجهة إلى الله لتمجيده وشكره.
الزاوية الثانية هي أثر الحضور افلهي في تغيير الحياة الإنسانية.
4- الإستذكار العقلي للكتاب المقدس يفرض على الإنسان أن ينتقل من حالة الخضوع للحقيقة (بالفهم) إلى حالة السيادة عليها وامتلاكها، فالإستذكار العقلي يستلزم أن يتحرك العقل قليلاً قليلاً (بالفحص)، حتى يصير على مستوى الحقيقة؛ ثم قليلاً قليلاً يسمو فوقها ثم يمتلكها، حتى يستطيع أن يقولها ويسترجعها بميكانيكية عقلية وقتما يشاء، كأنها مِلكة وكأنه سيدها. وهكذا يكون الإستذكار عملية حصر للحقيقة وضمِّها وتحديدها في أقل حيز ممكن، حتى يستوعبها الذهن ويستودعها أحد أركانه الكثيرة. ومن ذلك يتضح أن الإستذكار العقلي عكس الفهم الروحي، لأن الفهم الروحي يمتد بالحقيقة وتمتد الحقيقة به "إلى كل ملء الله" أي ما لانهاية. إذن فالإستذكار العقلي يُضعف الحقيقة الإلهية، ويسلبها قوتها واتساعها؛ فهو لا يتناسب مع الكتاب المقدس ونفعه قليل جداً.
5- الفهم الروحي يدور حول قبول حقيقة إلهية، تظل تكبر وتتعظم وترتفع في أفق الذهن حتى تغطي كل اتساعه، وبطاعة الذهن وانفعاله الراضي للحقيقة تباشر الحقيقة الإلهية توسعاً إضافياً للذهن، فيمتد الذهن مع الحق الإلهي حتى إلى ما لانهاية "وتعرفوا محبة المسيح الفائقة المعرفة لكي تمتلئوا إلى كل ملء الله." (أف 19:3).
ومن هذه الآية يتضح أن معرفة الله ومحبته وأموره على وجه العموم فائقة المعرفة، أي أعلى من المعرفة البشرية بتفوق لا نهائي. لذلك من العبث والجهالة أن يحاول الإنسان أن يفحص أمور الله محاولاً أن يضبطها ويُخضعها لعقله. إنما ينبغي أن يخضع الإنسان لمحبة الله حتى ينفتح ذهنه للحق الإلهي، وحينئذ يؤهَّل لقبول المعرفة الفائقة "وأنتم متاصلون ومتأسسون في المحبة حتى تستطيعوا أن تدركوا مع جميع القديسين ما هو العرض والطول والعمق والعلو." (أف 18:3).
6- الإستذكار الروحي للكتاب المقدس ، به يسترجع المكتوب ولكن ليس حينما يشاء الإنسان أو حسب ما يشاء، ولكن حينما يشاء الله وبقدر ما يشاء. وهو استذكار روحي لا عقلي، يعطيه الله بروحه للذين يخدمون اسمه القدوس ويعلمون بكلامه: "وأمَّا المعزِّي الروح القدس الذي سيرسله الآب باسمي فهو يعلِّمكم كل شيء ويذكِّركم بكل ما قلته لكم" (يو 26:14).
فكما أن الفهم الروحي يعطيه الله للذين يطلبون أن يعرفوه باخلاص وأمانة "حينئذ فتح ذهنهم ليفهموا المكتوب" (لو 45:24)، كذلك فالإستذكار هو عمل روحي أيضاً يعطيه الله للذين أُعطوا أن يشهدوا له، حيث يكون تذكير الروح القدس عميقاً ومتسعاً ولا يشمل الإستشهاد بالآية فحسب، ولكنه يعطي معها حكمة لا تُعاند، وقوة روحية تُبرز مجد الآية وسلطان الله الذي فيها، كما يرسل مع الكلام روح تأنيب فينخس القلب.
لذلك فهناك فرق شاسع بين استذكار العقل العقل الآلي، وتذكير الروح القدس. ولكن على الإنسان أن يمهد لذكير الروح بوعي قلبي لكلام الله، وذلك بكثرة التمعن فيه وإستيداعه في القلب عن حب وتلذذ: "وُجد كلامك فأكلته" (إر 16:15)، فكان "أحلى من العسل والشهد في فمي" (مز 103:118)، وكلما وجد قولاً نافعاً يَصُرُّ عليه في قلبه "خبأت أقوالك في قلبي لكي لا أخطىء إليك" (مز 118)، وتحذيرات الله "تكلم بها حين تجلس في بيتك وحين تمشى في الطريق وحين تنام وحين تقوم واربطها علامة على يدك ولتكن عصائب بين عينيك." (تث 7:6-8).
ولكن فرق كبير بين إنسان يتلو ويتمعن في كلام الله لأنه حلو ونافع لنفسه ومبهج لقلبه ومعزي لروحه، وبين أن يتمعن فيه ليردده بين الناس ليظهر كمعلم وخادم إنجيلي حاذق. الأول يبقى كوعي قلبه أو كصلة بالله، وأما الثاني فينفلت ناحية الذاكرة العقلية لينشئ صلة بالناس!!
الفهم الروحي لأقوال الله ووصاياه هو دخول في سر الإنجيل: "قد أُعطى لكم أن تعرفوا أسرار ملكوت الله" (متى 11:13)، وعلامته هي إحساس الإنسان في داخله بينبوع لا ينضب من المعاني الروحية لأقوال الله، واتصال الحقائق بعضها ببعض، فكل آية يقرأها الإنسان تتصل في قلبه بآية أخرى، وكل معنى يمتد لينسجم مع معنى آخر، وهكذا يرتبط الإنجيل كله بعضه ببعض بلا عناء.
كيف تتحول قراءة الكتاب المقدس من صلاة إلى حياة؟
لسنا نعرف واحداً من رجال الله القديسين إلا وكانت كلمة الله هي أساس حياته الروحية. ولسنا نعرف خادماً ناجحاً في خدمته إلا وكانت كلمة الله هي أساس خدمته، شبع منها وتلذذ بها، واروي بها كل النفوس العطشي... كانت كلمة الله – ومازالت – هي المائدة الروحية، التي يقتات منها كل القديسين سواء كانوا مبشرين أو خداماً أو نساكاً أو مجرد مؤمنين عاديين... كانوا يلهجون فيها نهاراً وليلاً... حفظوا كلمة الله فحفظتهم الكلمة، استناروا بها فأنارت أمامهم الطريق، وجعلتهم نوراً اضاء لكثيرين.
منذ البدء والله يشدد على أهمية الكلمة... قال موصياً عبده موسي "لتكن هذه الكلمات التي انا اوصيك بها اليوم على قلبك. وقصها على أولادك وتكلم بها حين تجلس في بيتك، وحين تمشي في الطريق، وحين تنام، وحين تقوم، واربطها علامة على يديك، ولتكن عصائب بين عينيك، واكتبها على قوائم ابواب بيتك، وعلى أبوابك" (تث 6:6-8)
وحينما بدأ عمله مع يشوع الذي خلف موسي في قيادة الشعب، كانت أولى وصايا الله له خاصة بحفظ الكلمة "لا يبرح سفر هذه الشريعة من فمك، بل تلهج فيه نهاراً وليلاً لكي تتحفظ للعمل حسب كل ما هو مكتوب فيه. لأنك حينئذ تصلح طريقك وحينئذ تفلح" (يش 8:1). أما داود العظيم، النبي والملك، فالقلم يعجز عن وصف صلته بكلمة الله... ان ترانيمه كلها مشحونة بالتغني بكلمة الله وحبه لها. فيقول في احداها "أن أفعل مشيئتك ياالهي سررت، وشريعتك في وسط أحشائي" (مز 8:40). ياللقلب الكبير المحب الذي عبر هذا التعبير "شريعتك في وسط أحشائي"... انه يحتاج إلى وقفة تأملية كبيرة. إن كلمةالله هي حياة المؤمن في كل أوقات حياته، فهي سر قوته في سن الشباب "بماذا يقوم الشاب طريقه، بحفظ أقوالك" (مز 9:118)... وهي لهج المؤمن طوال اليوم "كم أحببت شريعتك، اليوم كله هي لهجي" (مز 97:118)... بل هي لهجه في الليل أيضاً "تقدمت عيناي الهزع لكي الهج بأقوالك" (مز 148:118)... بل هي العزاء إلى الأبد الدهور "شريعة فمك صارت كلمة الله أعز شيء لديه فيهتف في حب " شريعة فمك خير ليّ من الوف ذهب وفضة" (مز 72:119)..."لأجل ذلك أحببت وصاياك أكثر من الذهب والأبريز" (مز127:119)...وبين أن دراسة كلمة الله لها لذة عميقة فيقول "أشتقت إلى خلاصك يارب، وشريعتك هي لذتي" (مز 174:119)... بل انها تعطيه روحاً جديدة "فتحت فمي واجتذبت لي روحاً، لأني لوصاياك اشتقت" (مز 131:119).
ويأتي ابنه سليمان ويقول "يا ابني احفظ كلامي واذخر وصاياي عندك. احفظ وصاياي فتحيا، وشريعتي كحدقة عينك. أربطها على أصابعك. اكتبها على لوح قلبك" (أم 1:7-3). اما أرميا النبي فيظهر اشتياقه لكلمة الله وكأنه يلتهمها التهاماً فيقول: "وجد كلامك فأكلته، فكان كلامك لي للفرح ولبهجة قلبي" (ار 16:15)... واذا انتقلنا إلى حزقيال النبي نجد أن الله يظهر لنا قوة الكلمة ولذتها بكلام عجيب " فقال لي ياابن آدم كل ما تجده – كل هذا الدرج وأذهب كلم بيت اسرائيل. ففتحت فمي فأطعمني ذلك الدرج. وقال لي ياابن آدم اطعم بطنك واملأ جوفك من هذا الدرج الذي أنا معطيك إياه، فأكلته فصار في فمي كالعسل حلاوة. فقال لي ياأبن آدم اذهب أمضي إلى بيت اسرائيل زكلمهم بكلامي..." (حز 1:3-4).
في العهد الجديد نجد ربنا يسوع المسيح يبرز مكانة الكلمة. ففي السنة الثانية عشر لتجسده الإلهي، وجد جالساً بين المعلمين في الهيكل كصبي يحب الكلمة، يسمع المعلمين ويسألهم(لو 46:2). وحينما ارتضي أن يجرب من ابليس، قهره بقوة الكلمة، فكان يجاوبه في كل مرة بقوله "مكتوب..." وأوضح لنا أن الكلمة هي طعام الروح "ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان بل بكل كلمة تخرج من فم الله" (متى 4:4)، وانها برهان حبه "ان كنتم تحبونني فاحفظوا وصاياي" (يو 15:14).... "الكلام الذي أكلمكم به هو روح وحياة" (يو 63:6)... بل أظهر لنا أن الجهل بها هو منشأ الضلال. قال لليهود المكابرين "تضلون اذ لا تعرفون الكتب و لاقوة الله" " متى 29:22). بل أكثر من هذا، أوضح لنا أن الكتب المقدسة كافية ومقتدرة في عملها لخلاص البشر.... وحينما رفعت أمرأة صوتها وسط الجمع تمدح الرب "طوبي للبطن الذي حملك والثديين اللذان رضعتهما"، كان جوابه "بل طوبي للذين يسمعون كلام الله ويحفظونه" (لو 27:11-28).
وكان المسيحيون يحرصون على تلقين أولادهم كلام الله منذ الصغر. وقد أشار معلمنا بولس إلى ذلك حينما قال لتيموثاوس "لأنك منذ الطفولية تعرف الكتب المقدسة، القادرة أن تحكمك للخلاص الذي في المسيح يسوع" (2تي 15:3)... أما الشباب فكانت الكلمة هي مصدر ثباتهم وقوتهم. فكتب اليهم القديس يوحنا الحبيب يقول "كتبت اليكم أيها الأحداث لأنكم اقوياء وكلمة الله ثابتة فيكم. وقد غلبتم الشرير" (1يو14:2)... والرسائل مليئة بالعبارات التي تظهر أهمية كلمة الله. واخيراً نجد الله يظهر مكانة الكلمة في سفر الرؤيا فيقول "طوبي للذي يقرأ وللذين يسمعون أقوال النبوة، ويحفظون ما هو مكتوب فيها" (رؤ 3:1).
الأبعاد الروحية للقراءة الربّانية
من عادة الحياة الروحية أن تستقي ينابيعها من كلمة الله بشكل مكثف ومنهجي، ليس فقط لأن الله هو الكاتب الحقيقي للكتاب المقدس، بل، وبشكل خاص، لأن الكتاب المقدس "يُفيد في التعليم والتفنيد والتقويم والتأديب في البرّ"(2تيموثاوس 16:3-17). لقد أصبح اختبار الله من خلال اسلوب القراءة الربّانية البيوم طريقة مميزة في الحياة الروحية للإنسان المسيحي وللجماعة المسيحية ككل، حتى أنه في العديد من الجماعات الرهبانية والعمل الرسولي، تُطرح طريقة القراءة الربانية كمشروع شامل وراعوي للحياة الكنسيَّة، برنامج تنشئة قادرة على الحثيّ على التفكير والتأمل في المواضيع الأساسية المكوِّنة للجماعة المسيحية.
أولاً: طبيعة القراءة الربانية ونماذجها
1- ما هية القراءة الربّانية
يُجمع المؤلفون الذين درسوا الموضوع، أن القراءة الربّانية ليست قراءة فردية للكتاب المقدس، وليست دراسته بطريقة علمية أو ثقافية. كما أنها ليست تأملاً بالمعنى المألوف لمفهوم التأمّل. القراءة الربّانية لحظة صلاة حقيقية ومواجهة مع واقع حياتنا. فهي نشاط معقد ومتسلسل يقوم على مراحل متتابعة للدخول في سرّ الله، واضعين أنفسنا في موضع الإصغاء والحوار مع كلمة الله. أما صفة "الربّانية" فتصف هذه "القراءة"، فهي قراءة تحدثنا عن الله ويدخل الإنسان بواستطها في حوار شخصي مع الرب. تصف اللجنة الكتابية البابوية القراءة الربّانية بهذه الكلمات: "القراءة الربّانية هي قراءة، فردية كانت أم جماعية، لمقطع طويل أو قصير من الكتاب المقدس، على أنها كلمة الله تتطوّر بدافع من الروح في التأمل والصلاة والتفكير... أما غاية هذه القراءة فهي بعث وتغذية المحّبة الفاعلة والمستمرة للكتاب المقدس، ومنبع حياة داخلية وخصب رسولي، وتعزيز فهم أفضل لليتورجيا، ومنبع حياة داخلية وخصب رسولي، وتعزيز فهم أفضل لليتورجيا وتأمين مكانة خاصة وهامة للكتاب المقدس في الدراسات اللاهوتية وفي الصلاة"
تُستعمل عادة عدّة تعابير أكثر شيوعاً: "القراءة الربّانية"، "القراءة الصلاة"، "الصلاة التأملية"، "صلاة الكلمة"، "التأمّل في الصلاة لكلمة الله"، "قراءة صفحة من الكتاب المقدّس هدفها أن تصبح صلاة ونور للحياة". يَعتبر بعض الكتّاب أن هدف هذه القراءة هو تحقيق الحوار مع الله، فيها يتكلم الله من خلال الكتاب المقدس ويُجيب الإنسان من خلال الكلمة، الصلاة. ويذكرنا القديس امبروسيوس: "أننا عندما نصلي، نتكلم مع الله، ونصغي إليه عندما نقرأ عظائمه الإلهية" ومن أجل تجنب الكلام المختصر الذي يُفقد المعني. يعرِّف مازيني Masini القراءة الربّانية بطريقة مفصلة ويقول: "القراءة الربّانية تشمل مختلف الكلمات العقلية بطريقة متدرجة، بها ندخل في أُلفة مع الله، لكن علينا الحذر من النيران الواهية "للفضولية" الثقافية، وأن لا تخدعنا رمال "التفكير العقلي" المتحركة. القراءة الربّانية هي "بحث"، لكنه البحث عن ما هي "الحقيقة". هي "دراسة"، لكن ملهم هذه الدراسة وموضوعها هو الله. عندما ننظر إلى القراءة الربّانية بهذه الطريقة، نري كيف أن هذه القراءة هي في الواقع عمل تصوّفي أكثر منه تقنية؛ فهي بحث في حقيقة شخص بواسطة الدخول في علاقة معه، منها صلاة ذات طابع ذهني. لذا وجب أن تكون الغاية من القراءة الربّانية "قراءة الله" أكثر منها "قراءة عن الله"، قراءة يقودها انتظار التعرّف على الله ذاته أكثر منها معرفة أمور تخص الله. ولكي ننجح في ذلك، وجب علينا الدخول في صمت كلمة الله، أن يكون فينا قلبٌ متقدٌ لتفهم الشروحات التي يوحيها الله الينا الكلمة ذاته كما فعل يوماً مع تلميذي عمواس. من ميزات هذه القراءة هي أن نحفظ أنفسنا في نور الله، وغايتها الدخول في علاقة صحيحة معه. كما أن الأب لويس بوييه Bouyer قد حاول هو أيضاً وصف ما هية القراءة الربانية بقوله أنها قراءة شخصية للكتاب المقدس، قراءة تتم في الإيمان وروح الصلاة، مؤمنين بحضور الله الآن، وأنه يكلمنا في النصّ المقدس، حيث يسعي المؤمن للإجابة على كلمة الله بوج الطاعة والثقة المطلقة بوعود الله وبما يطلبه منا.
مما قيل عن القراءة الربّانية نري أنها ليست قراءة للكتاب المقدس لكنها قراءة تقودنا إلى الصلاة وإلى ممارسة لجوهر الله في حياتنا، فنبني علاقة شخصية أصيلة مع الله الذي يحدثنا من خلال الكتاب المقدس. ويحلو لنا أن نعرف القراءة الربّانية بطريقة بسيطة: القراءة الربّانية هي قراءة صفحة من الكتاب المقدس، تتم بنور الروح القدس لتتحول إلى صلاة وتترجم إلى حياة. فالعناصر الخاصة إذن بهذه القراءة هي في الأساس أربعة: الكلمة والروح القدس والصلاة والحياة، بهذه الطريقة يكشف لنا الكتاب المقدس كلمته الحكيمة التي يحتويها والتي يجدها كل مَن كان على استعداد للبحث عنها بسلامة القلب والأمانة والحبّ.
2- نماذج القراءة الربّانية في الحياة الكنسية
تتعدد النماذج والطرق التي يدخل بواستطها المسيحي في حوار مع الله، وتُبرز منها الصلاة المسيحية الفردية والجماعية بشكل واضح طريقة القراءة الربّانية. نحن أمام منهجية تستعيد تدريجياً المعنى الحقيقي للتأمُّل المسيحي وتحل مكان العديد من نماذج الصلاة التي يظهر أنها تدوم طويلاً. نصّت على طريقة الصلاة هذه خبرات حركات التجدد الكتابي والليترجي والرهباني. كما تتمتع هذه الطريقة بدعم سلطة التقليد للآباء الذي أعيد اكتشافه من جديد. نجد في هذه الطريقة حركة العودة إلى الصلاة مع الكتاب المقدس، وعملية احتواء لقراءة الكتاب المقدس التي تصاحبها الصلاة، كما يقترح المجمع الفاتيكاني الثاني في وثيقة عن الوحي الإلهي رقم 25.
من بين الطرق المختلفة التي تتم فيها القراءة الربّانية، هنالك طريقتان لم يتم تحديدهما بشكل كاف. طريقة الآباء الرهبانية ذات الطابع النظري التاريخي، والطريقة الراعوية الليتورجية ذات الطابع الواقعي العملي. ليس من السهل تقديم عرض للنماذج المختلفة، لكننا نكتفي بعرض بعض الخصائص والميزات المشتركة بينها.
يُجمع الكّتاب على أن القراءة الربّانية في شكلها المنظم والتي بدأت في القرن الثاني عشر على يد أحد الرهبان في كتابه "سِلَّمُ الرهبان" أو السلم إلى السماء" تتكون من أربعة مراحل أو أوقات: القراءة، التأمَّل، الصلاة، المشاهدة.
ويسعي بعض الكّتاب إلى توسيع فكرة القراءة الربّانية لتشمل ثمار الروح، وذلك بسبب تعقيد البنية النفسية التي تقود من التفكير إلى العمل. منهم مَن يُضيف أربع مراحل: التعزية Discretio، الحوار والعمل، ومنهم من يُضيف "المحبة" وآخرون العمل Operatio. ليس من السهل التمييز عند هؤلاء الكتّاب حدود المراحل المختلفة للقراءة الربّانية. ففيما ينسبه البعض للقراءة، يَعزيه البعض الآخر للتأمُّل وهكذا. وسبب نقص الوضوح هذا يكمن في طبيعة القراءة الربّانية ذاتها. فالقراءة الربّانية مسيرة ديناميكية تنبع فيها كل مرحلة من مرحلة أخري. ويظهر ذلك في الإنتقال من الليل إلى النهار؛ فحين يبزغ الفجر يقول البعض "الوقت ليل" بينما يقول العض الآخر "قد بدأ النهار".
كما أن الأمر يتعلق بمواقف ثابتة مختلفة، مواقف توجَد وتعلَّل بطريقة متزامنة خلال القيام بالقراءة الربّانية، ولو كان ذلك بتركيز مختلف حسب المرحلة التي يجد فيها الأشخاص والجماعات أنفسهم. إلا أن قيمة هذه الطريقة للجميع تكمن في إمكانية الوصول إلى المعني الخلاصي والموضوعي لكلمة الله وفي القدرة على القيام بعملية استحواء شخصية عميقة، من دون أن تجعل التأمّل في كلمة الله عملية ذهنية محضة.
أما بالنسبة لشروط وأهداف القراءة الربّانية، فجميع الكّتاب تقريباً يتفقون حول العناصر التالية:
1- إستدعاء الروح القدس
2- وحدة الكتاب المقدس
3- الجوهرية والحيوية
4- الحضور الحقيقي للمسيح في الكتاب المقدس
5- تواضع ونقاء القلب
أما بالنسبة للوقت والمكان ووحدة القراءة، فهناك العديد من الطروحات حسب الظروف والُمحيط والمعنيين بالقراءة الربّانية. هدف القراءة الربّانية لمختلف المؤمنين هو نفس الهدف الذي من أجله أُعطيت لنا الكتب المقدسة. بشكل عام، هنالك أربع غايات:
1- الغاية اللاهوتية: أن يتم هذا الحوار مع الله وتظهر مشيئته.
2- الغاية المسيحانية: أن نصل إلى المعرفة السامية ليسوع المسيح.
3- الغاية الكنسية: أن تولد وتنمو جماعة مسيحية قائمة على الإيمان.
4- الغاية الإنسانية: أن يتحضر المؤمن لكل عمل صالح ويتمتّع بالمقدرة على الحكم على الأمور الإنسانية بحسب مخطط الله.
من ناحية أخري، يركز بعض الكّتاب على الصلاة العقلية أو الصلاة الجماعية. الأمر يتعلق في الواقع بصلاة مشتركة "تروي" فيها الجماعة خبرتها مع الله. فتصبح هكذا الصلاة الشخصية شركة في الروح القدس. ويمكن للصلاة أن تقوم بدور هام إما في نضوج الجماعة على انها تاريخ خلاص. تتعدد مظاهر القراءة الجماعية، وتتخذ أشكالاً مختلفة تتناسب مع الخبرات المتنوّعة. من هنا تأتي مرونة التعابير المستعملة للقراءة الربانية: "حوار تامّلي"، "صلاة الجماعة"، مشاركة في الكلمة، قراءة جماعية. وفي أصل أشكال القراءة المختلفة هذه نجد ما حدّده البالبا بولس السادس على أنه "نفسية الكنيسة الجديدة" النابعة من وعيها لسرّها. أي أنّ الأمر يتعلق بطريقة تفكير وعمل جديدة من قِبَل المؤمنين، تولد من اكتشاف جوهر الكنيسة، من كون المؤمنين عائلة الله، فيخلق هذا الوعي الجماعي منطقياً علاقات جديدة بين الأشخاص في المحبّة، ويعمل على تخطي الفردية ويحوّل الصلاة إلى شهادة وشركة.
القراءة الربانية هي أيضاً مسيرة تقوم بها الجماعة معاً، وتفترض بعض المتطلبات وهي: الجماعة الصغيرة، الثقة المتبادلة والشجاعة، المقدرة على الإصغاء والقناعة أن الآخر بمقدوره أن يُنيرني. وبين ميزات هذه الطريقة هي أن طريقة الصلاة هذه تصبح وسيلة لعطاء الذات ولقبول الأخوة، تكشف إمكانات الإيمان، والإصغاء للآخرين يعكس ما ينقص التوبة الشخصية والإلتزام للعمل. وبين مخاطر هذه الطريقة، نذكر أن الصلاة في الجماعة قد تخفي الشخص خلف تعابير تهدف إلى البناء، ويمكن بالتالي أن تقود إلى تعابير ذات أصول كتابية ولكنّها سطحية، فتدخل في عملية نفسية واجتماعية تحرفنا عن اختيار الله.
أما بالنسبة للإستعمال الرعوي للقراءة الربانية، فيتساءل بعض الكتّاب عن إمكانية تحويل هذه المسيرة الى حقيقة راعوية للمؤمنين. ولا يخفي على أحد التخوّف من ممارسة القراءة الربانية، خاصة القراءة الشخصية. التردد الأول ذو طابع ثقافي: يُقال أنّ الكتاب المقدس صعب وليس في متناول الجميع. أما التردد الثاني فهو ذو طابع كنسي: قراءة الكتاب المقدس التي يقوم بها المؤمنون وحدهم خطرة، ويمكن أن تقود إلى النظرة الذاتية وإلى الأحكام الإعتباطية والهرطقة. وهنالك خطر آخر هو اعتبار القراءة الربانية أمراً روحياً محضاً يُبعِد المؤمنين عن الالتزام العملي. على هذه المخاوف جميعها يُجيب الكاردينال مارتيني مؤكداً شرعية الاتصال الشخصي والجماعي بكلمة الله، استناداً إلى الممارسة الكنسية القديمة، وبشكل خاص تمشياً مع توجيهات المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني، الذي يحث المؤمنين على الإتصال المباشر بكلمة الله، ولو كان ذلك بطريقة تدريجية، لمعرفة الرب بطريقة العمق (وثيقة حول الوحي الإلهي، رقم 21و 25).
3- استعدادات ضرورية للقراءة الربانية
كي تُعطي القراءة الربّانية ثمارها هنالك استعدادت ضرورية لكل مَن أراد تطبيق طريقة القراءة الربانية، خاصة في تعامله مع الكتاب المقدس. كما تؤكده الكتب المقدسة، الأمر يتعلق ببعض الشروط العامة التي تسهِّل مسيرة اختبار الله من خلال الكتاب المقدس: "هذه الكلمة قريبة منك جداً، في فمك وفي قلبك لتصل بها" (تث 14:30).
هدف القراءة الربانية في الواقع هو نفس هدف الكتاب المقدس. كما يؤكد القديس بولس لتلميذه تيموثاوس: "الكتب المقدسة قادرة على أن تزوّدك بالحكمة التي تهدي إلى الخلاص في الإيمان بالمسيح يسوع" (2طيم 15:3). وفيما يلي النقاط الرئيسية الضرورية للقيام بالقراءة الربانية.
1- الإيمان بالمسيح الحاضر في الكلمة:
إنَّ الإيمانهو نقطة الإنطلاق التي تسهل اختبار القراءة الربانية. نقرأ الكتاب المقدس إنطلاقاً من الإيمان بيسوع المسيح الحيّ والحاضر في الجماعة المسيحية. المسيح هو مفتاح قراءة الكتاب المقدس في القراءة الربانية. تشكّل كل الكتب المقدسة كتاباً واحداً هو المسيح، لأن الكتب المقدسة تتحدث عن المسيح وتجد فيه تمامها. يساعد هذا الإيمان في فهم أفضل للكتاب المقدس، ويساعد الكتاب المقدس على فهم أفضل لمكانة المسيح في الحياة الروحية. فالكتاب المقدس ليس شيئاً، بل شخصاً، شخصاً حياً هو المسيح يسوع. من هنا تنشأ محبّة الكنيسة للكتاب المقدس، ولهذا يتم عرض هذا الكتاب باحترام أمام المؤمنين، ويتم تبخيره وتقبيله من قِبل الكاهن بعد قراءة الإنجيل في القداس الإلهي، كما يوضع على رأس المكّرسين لدرجة الأسقفية. في الكتاب المقدس حضور حقيقي للمسيح، وتدعو الكنيسة المؤمنين إلى تقوية رابطة الإيمان والشركة العميقة مع كلمة الله. قال اوريجينوس أنَّ الكلمات المكتوبة في الكتاب المقدس ليست سوي كلمات المحبّة يتبادلها المسيح العريس مع عروسه الكنيسة.
من ناحية أخري تؤمن الكنيسة أنّ الكتاب المقدس هو كتاب مُلهم من الله وأن الروح القدس هو في نفس الوقت مؤلّفه والمحتوي ذاته لهذا الكتاب. ومن هنا نفهم مغزي ما نشاهده في بعض الكنائس التابعة للأديرة الرهبانية أو الطقوس الشرقية. فهي لا تضع قنديلاً مُشتعلاً فقط أمام القربان الأقدس، بل أيضاً أمام المسيح _ الكلمة في الكتاب المقدس المعروض لإكرام المؤمنين.
فالكنيسة تنظر إلى الكتاب المقدس بطريقة مشابهة انظرتها إلى القربان الأقدس. فكما أنه عنصري الخبز والخمر القائم حاضر، هكذا في كلمات الكتاب المقدس المسيح حاضر نفسه حاضراً أيضاً. ويؤكد المجمع الفاتيكاني الثاني أن "الكنيسة قد أحاطت دوماً الكتب الإلهية بالإجلال الذي أحاطت به جسد المسيح. وهي تتناول دوماً خبز الحياة عن المائدة نفسها التي حملت معاً جسد الرب وكلمة الله. إنها تتناوله وتوزّعه على المؤمنين ولاسيما عندما تقوم بخِدمة الليتورجيا الإلهية" (الوحي الإلهي رقم 21). الإيمان بالكتاب المقدس جعل هذا الكتاب مرجعية وجودنا وحياتنا، والطريق المّجه لتصرفاتنا ولطريقة صلاتنا؛ يعني هذا الإيمان اعتبار الكتاب المقدس النبع الأول بامتياز الذي ننهل منه حِكمة الله، مُدركين أنه لا يجوز مقارنة هذا الكتاب بأي كتاب آخر، وأن فيه المسيح حيّ، يحدثنا ويدعونا ويدلنا على طريق الحياة.
2- توبة القلب أمام كلمة الله:
في سبيل التعرّف على كلمة الله والقيام بالقراءة الربانية فإنّ توبة القلب المستمرة أمام الكتاب المقدس، هو من الشروط الضرورية. يعلّم مُرشدو الحياة الروحية أنه لا يمكن التعمُّق في الكتاب المقدس إذا لم يقم المؤمن بخلق جوّ من الصمت الداخلي الذي يسهّل توبة القلب والسلام الداخلي. إن الإصغاء إلى الكتاب المقدس هو وسيلة أساسية للحياة الروحية للمسيحي (راجع تثنية 3:6-9). فنحن نحيا حياة الروح بقدر ما نفسح المجال للكتاب المقدس ليحيى كلمة الله في قلوبنا.
لا يستطيع الإنسان أن بلج إلى كلمة الله، بل هي كلمة الله التي تستولي على الإنسان، وتكشف له أسرارها. إنَّ وعي معاني الكتاب المقدس هو في الواقع نتيجة موهبة كنسية، لا تنكشف لأشخاص يدرسون الكتاب المقدس، بل لمؤمنين منفتحين على عمل الروح القدس. إن الاصغاء إلى الكتاب المقدس معناه الإستسلام لعمل الله الذي يخّلص ويجدد الحياة. الإصغاء إلى الكتاب معناه أن نترك صوت المسيح يقودنا لنقرأ أحداث حياتنا كتاريخ خلاص، لأن المسيح مختفي في الكتاب المقدس، كما يقول آباء الكنيسة، والذين يستمرّون بثبات في البحث والقراءة المتأمّلة في الكتاب المقدس يجدون ملكوت الله. علينا أن نقبل مخطط الله بالاستعداد نفسه الذي دفع صموئيل الشاب إلى أن يقول: "تكلّم يارب فإن عبدك يسمع" (1صم 10:3)، وندع أنفسنا ننجذب نحو الله.
هناك عاملٌ علينا أن لا ننساه في مسيرتنا للتوبة أمام كلمة الله. نعلم جيداً أنّ كُلاً منا يقترب من الكتاب المقدس إنطلاقاً من ذاته، من مُحيطه وعالمه وأفكاره وطريقة فهمه للأمور. من هنا فإن أذهاننا يجب أن تكون مُنفتحة وأن نتقبّل التغير. ومعنى هذا أن الاستعداد الداخلي لا يكفي للتوبة، بل علينا أن ننتبه إلى أفكارنا وطريقة تفكيرنا التي غالباً ما تكون غير واعية. علىالمؤمن إذن أن يكون واعياً لحريته واستعداد للتغير أمام كلمة الله. الأمر يتعلق بالشعور في داخلنا بالسؤال السليم الذي علينا أن نسأله للكتاب المقدس، وهو سؤال عن الوجود وعن الله: علينا جعل هذه الأسئلة أسئلتنا الخاصة، كجزء من الجماعة المسيحية ومن الكنيسة التي تعيش اليوم في استمرارية التقليد والإيمان.
إن التوبة الحقيقية تتأكد عندما يستجيب المؤمن لله بعد اصغاء لكلمته. على المؤمن ان يستسلم لتسبيح القلب الصامت في جوّ من البساطة والصلاة. وهكذا يمكن للقارئ لكلمة الله أن يُصبح تلميذاً "ويستطيب كلام الله الحسن" (عب 5:6).
قراءة الكتاب المقدس لا تكفي. يجب هضمها إذا رغبنا في أن تتغلغل هذه الكلمة في حياتنا، وأن نتحلي بالشجاعة لأن تقودنا كلمة الله وتتحدّانا، وأن نجعلها تغيّر حياتنا (راجع مرقس 15:1). الخطوة الأولى نحو التوبة، التي هي عطية من الله، هي الإقرار بحدودنا، الإقرار بخطايانا. من الضروري الإنتقال من عقلية الإكتفاء الذاتي إلى الإتكال الكامل على الله وعلى كلمته. فكل ما يتعارض مع نوره ومع حقيقته، مثل الأنانية ورفض إرادة الله، يجب محوه. علينا التخلي عن مسلّماتنا "لنلبسَ" الله، لأن محبة الله التي تأخذ زمام المبادرة، تملأ قلب التلميذ دون أن تفرض نفسها ودون إجبار. إن الاهتداء إلى الله هو قبول كلمته والدخول في صمت الله وفي بساطة الحياة التي هي عطية على مثال المسيح، وهي مشاركة في حوار المحبّة بين الآب والابن بنفحة الروح القدس.
3- استدعاء الروح القدس بثقة:
إن طلب عطية الروح القدس في الصلاة هو الاستعداد الثالث الضروري لفهم معني كلمة الله. نعلم أن الروح القدس ألهم الكتاب المقدس، وهو محتوي هذا الكتاب لأنه وحده يعلم أعماق الله، ويمنح النعمة المشاركة في الحياة الإلهية. يمكن استعمال كل التقنيات والطرق للدخول في عالم الكتاب المقدس، إلا أنه بدون نعمة الروح القدس يبقي الكتاب المقدس مُغلقاً. وحده الروحُ القدس يجعل رسالة الكتاب المقدس مفهومه. وقد عرض المجمع الفاتيكاني الثاني هذا الموضوع بوضوح حين قال: " إن الكتاب المقدس لا يُقرأ ولا يثفسَّر إلا في نور ذاك الروح الذي في نوره تمّت كتابته" (الوحي الإلهي رقم 12). فالصلاة في الروح القدس قادرة وحدها أن تنير العقل والقلب، وأن تنزع عن أعيننا الغشاء الذي يحول دون تأمّل المسيح الذي يكلمنا بكلمته (راجع 2كو 21:3-16). لكن مَن هو الروح القدس؟ نعلم أن الروح القدس في التقليد الغربي هو رابطة المحبّة بين المُحِبّ والمحبوب، الروح هو الحب بيننا حسب التقليد الشرقي الذي يتأمّل المسيح مائتاً على الصليب بينما يمنح الروح للكنيسة الناشئة (راجع يوحنا 30:19). فالروح القدس هو عطية الله، هو مَن يجعل الله يخرج من ذاته، هو ظهور الله. وكما يقول القديس اثناسيوس: "الروح هو مَن ظهر في الجسد ليستطيع الإنسان الظهور في الروح".
ما معني استدعاء نعمة الروح القدس في الصلاة؟ معني ذلك أن الروح ينبوع الوحدة والسلام يقودنا إلى وحدة السرّ، إلى فهم أن المسيح قد أصبح بشراً، تألم ومات وقام ليُرسل إلينا الروح القدس. كان القديس أفرام يؤكد دائماً أنه: "فقط إذا كّنا قد ارتوينا من الروح القدس نستطيع أن نشرب، المسيح". فالصلاة إذاً في هذا الإطار هي مدرسة حوار وشركة. وبما أن الروح هو كل جديد وانفتاح ورجاء، فمَن "يصلي في الروح" يكون أميناً ومجدداً ونبياً. نصبح في الروح أنبياء دون أن نعلم. فالنبوّة هي عمل الروح نكتشفه بالتدريج. يقول القديس بولس أن الروح هو الذي يولّد الصلاة في قلب المسيحي بطريقتين: يصرخ فينا "أبّاء، أيها الآب" (غل 6:4). ويُحدث فينا "أنّات لا توصف" (روم 26:8). وهاتان الطريقتان متأصّلتان في مَن يصلّي، وتتضح له بالتالي طريقان: طريق "الكلمة" التي تثبِّت فيه السرّ، وطريق "الصمت" التي تعبِّر عن التسبيح التأمّلي. وهذه الطريقة الثانية تفتح قلب الإنسان لاختبار الله، لأن الصمت هو البيئة المناسبة التي تنمو فيها الكلمة والصلاة.
إن المعنى العميق لكلمة الله هي إذن سرّ يعلمه الروح فقط ويكشفه لمن يريد، كما يُريد وحينما يُريد. من هنا أهمية استدعاء الروح القدس في كل مرّة نقرأ فيها الكتاب المقدس، لئلا نقع في خطّ الإستهلاكالفردي للكلمة أو الأحكام الاعتباطية أو الشخصية على كلمة الله. إن لم يملك المؤمن عطية الروح التي نطلبها في الصلاة، لا يستطيع أن ينفُذَ إلى عُمق الكتاب المقدس. أما إذا حصل على هذه العطية، فهو قادر على الدخول في أعماق أسرار كلمة الله. يجب إذن طلب هذه العطية في الصلاة. وتكون هذه الصلاة باسم المسيح لأنه وعد أنّ: "كل شيء سألتم باسمي أعمله، لكي يمجد الآب في الابن. إذا سالتموني شيئاً باسمي أعمله" (يو 13:14-14).
بهذه الطريقة فقط، يستطيع المؤمن الذي ينيره الروح القدس أن يكون للاخوة كلمة حيّة، والتي هي نور حضور إلهي كما يوضح لنا القديس سمعان اللاهوتي عندما كتب: "الإنسان الذي دخل في عائلة مَن ألهَمَ الكتب المقدّسة يُصبح هو ذاته للآخرين كتاباً مُلهماً يحمل الأسرار القديمة والحديثة".

4- الشركة مع الكنيسة:
إنَّ الحياة في الشركة مع الكنيسة هو استعداد آخر أساسي للدخول في نور كلمة الله في مسيرة القراءة الربّانية تقوم، ولها مبرِّر، فقط في الكنيسة التي هي جسد المسيح والتي تجمع المؤمنين. هي المكان الذي يسكن فيه الروح. إنها جماعة إيمان، فيها نصبح مسؤولين ونسعي لعيش الغاية العُظمي للكتاب المقدس " ليكونوا بأجمعهم واحد" (يو 11:17). وهو ما يجعل الإصغاء لكلمة الله، المكان الذي تنتشر فيه هذه الكلمة.
في القراءة الربانية نعي أن الكتاب المقدس كنزٌ موضوع بين أيدي المؤمنين، بطريقة حيّة، من قبل جماعة حيّة. الكتاب المقدس، حتى ولو قُرئ بطريقة فردية، يقود دائماً إلى جماعة تجعل من هذا الكتاب مركز حياتها الحيوي. كانت الجماعة المسيحية الأولى في القدس والتي نمت تحت قيادة بطرس وباقي الرسل كجماعة أخوية حول مريم، "قلباً واحداً ونفساً واحدة" في الإصغاء للكلمة وفي الصلاة وفي الإحتفال بالافخارستيا وفي وضع كل شيء مُشتركاً بينهم، والمحبة تجاه المعوزين (راجع أع 42:2-47).
وُلد الكتاب المقدس في الجماعة، ويُفهم في الجماعة التي يكشف الله لها نفسه ويمنحها فهماً للكلمة، كي لا يكون دافع المؤمن إدِّعاءً ذاتياً، بل تواضعاً أمام الكلمة وامام جماعة أخوة الإيمان. أكدّ البابا وعالم الكتاب المقدس غريغوريوس الكبير بكل تواضع: "أَعلمُ جيداً أن الكثير من حقائق الكتاب المقدس التي لم أفلح في فهمها، استطعت تبيان معانيها عندما كنت أُصغي لأخوتي المؤمنين "أي أننا نفهم الكلمة بطريقة صحيحة فقط حيثما تُعاش الكلمة، أي في الكنيسة. خارج هذا الاطار، كلمة الله هي كلمة مكتوبة تحوي في ذاتها رموزاً وأشكالاً متبلورة لفترات زمنية ماضية. الجماعة الكنسية _ الشركة _ هي وحدها المكان الملائم الحقيقي لقراءة خلاصية للكتاب المقدس في الوقت الحاضر.
تتحمّل كل الجماعة المسيحية المسؤولية النبوية في الفهم المشترك لكلمة الله، فتصبح قاعدة لصدق هذه الكلمة. حتى آباء الكنيسة اعتبروا الجماعة المسيحية جسداً حيّاً وعضوياً. كل شعب الله، الذي هو الكنيسة، هو المكان الملائم حيث يكون لكلمة الله صدي، وحيث يعمل الروح في مَن يعلن الكلمة وفي مَن يسمعها. وصية أسرار الإيمان التي يُعلنها الرعاة تُعاش معاً من قِبَل الجماعة المسيحية في العبادة و في المحياة. إنّ طريقة قراءة الكتاب المقدس "في الكنيسة" أصبحت جزءاً من التقليد الحيّ للكنيسة. الكتب المقدسة بالنسبة لآباء الكنيسة، أكان ذلك قر اءة العهد القديم قراءة مسيحية أو قراءة العهد الجديد، هي كتب ألّفت لتُعلن كبُشري سارة حيّة دائماً في ليتورجية التجمعات الافخارستيا، وهي عامل رئيس في "تجمُّع الرب المقدس"، لتجمع شعب الله الجديد، في الجماعة الأخروية والمسيحانية حول الحمل (راجع أشعيا 1:12-3، 16؛ 1كو 7:5-8؛ عب 23:12). إن الكنيسة كجماعة – شركة هي المؤتَمنة على كلمة الله الموجهة لها، هي المفسِّرة الحقيقية للكتاب المقدّس، هي الجهة المؤهلة لإعادة قراءة خلاصية للكتاب المقدس في الوضع الحياتي التاريخي الحالي: "فقط الكنيسة هي مقياس الكتاب المقدس، تتمتع هي فقط بقلب كبير بحيث تستطيع فهم هذه الكلمة التي تفوق كل الطاقات الطبيعية وفائقة الطبيعة لكل من أبنائها منفرداً". تفهم الكنيسة دائماً رسالة الكتاب المقدس بطريقة أفضل وتقدِّمة بعمق للمؤمنين بوضوح متزايد وبعمق أكبر فقط بتأثير عمل الروح القدس خلال المراجل المتعاقبة لمسيرتها، مُدركة أنّ سلطتها التعليمية "لا تعلوا كلمة الله، بل تخدمها و لاتعلِّم إلا ما تلّمته من التعاليم" (الوحي الإلهي رقم 10).
يتلقي مسيحيو اليوم، كجزء حيّ من جماعة الإيمان، من الكتاب المقدس، حياة روحية ويعيشون في وحدة مع الكنيسة الحقائق الحيوية والتاريخية لكلمة الله. لذا فقراءة الكتاب المقدس هي قراءة جماعية وكنسيّة، بمعني شركة جميع المؤمنين في كل مرحلة تاريخية، وكذلك بمعني أنّ المؤمنين قد عبروا في النص المقدّس عن إيمانهم وعاشوا بطريقة أصيلة حياة كنيسة، كجماعة حاضرة دائماً، والتي هي المكان الذي تتحوّل فيه كلمة الله إلى كلمة موجّهة لنا اليوم وفاعلة فينا، موجّهة لإنسان اليوم، كمصدر للحوار والمشاركة والوحدة. إنَّ انفصال القراءة الربّانية عن الكنيسة (الروح القدس، السلطة التعليمية، جماعة الإيمان) خيار اعتباطي وفردي.
إنَّ الكتاب المقدس والتقليد والسلطة التعليمية لا تتعارض، بل تتكامل. إنَّ مبدأ تفسير الكتاب المقدس وفهمه بشكل سليم يوحِّد الكتاب المقدس الذي يُقرأ داخل الكنيسة وعلى ضؤ السلطة التعليمية للكنيسة. ومن الضروري لقراءة الكتاب المقدس بطريقة متكاملة غير مجزّأة، العودة إلى التقليد والسلطة التعليمية الكنسية. إنَّ كلمة الله، كما يقول القديس غريغوريوس الكبير، هي "خبزٌ نتناوله في البيت، أي في الكنيسة المقدّسة حيث تغذينا الكلمة الإلهية"، دون أن نتشبّه بمن يستغلون الكتاب المقدس الذين يتناولون القشور ولا يكتشفون كُنه الكتب المقدّسة والذي هو المحبّة".

5- وحدة وشمولية الكتاب المقدس
إن وحدة وشمولية الكتب المقدّسة هي عامل آخر ضروري لضمان فهم سليم للقراءة الربّانية. فالكتاب المقدس يشكل وحدة واحدة كبيرة ففي كشف الله لمخططه الإلهي، لكل نص من الكتاب المقدس مكانته ووظيفته المنطقية في داخل الكتاب المقدس ككل. فالأجزاء المختلفة للكتاب المقدس هي كالحجارة التي نستعملها لبناء ضخم: فالأجزاء المختلفة، حينما توضع معاً، تشكِّل المخطط الخلاصي لله في تاريخنا البشري. مبدأ وحدة الكتاب المقدس يمنعنا إذن من عزل النصوص المقدّسة وفصلها عن بعض، وفصلها عن إطارها العام، وتكرار بعض هذه النصوص وكأنها وحدها تشكل حقائق قائمة بذاتها.
أَخذ ُ الكتاب المقدس كوحدة واحدة، ككلمة واحدة موجّهة للبشر، هو تقليد في الكنيسة. فالكتاب المقدس هو في الواقع سرد لخبرة بشرية ودينية لشعب العهد القديم وللجماعة المسيحية الأولى مع الله، في مسيرتها التاريخية. ويكلمنا المجمع الفاتيكاني الثاني بوضوح عن وحدة الوحي في عهديه: "إنَّ الله، واضع الأسفار المقدّسة بعهديها، القديم والجديد، ومُنزل الوحي فيها، قد رتّبها بحكمة، فكانت أفكار العهد الجديد دفينة في العهد القديم، بينما اكتسبت أفكار العهد القديم معاني واضحة في ضوء العهد الجديد: صحيح أنَّ المسيح قد أسّس عهده الجديد على ذبيحة دمه (لو 20:22؛ 1كو 25:11)، غير أن أفكار العهد القديم ما بلغت كمالها النهائي إلا في العهد الجديد. وفيه تكشف عن معانيها الحقيقية، بعد أن تبنتها واحتوتها رسالة الإنجيل (متى 17:5؛ لو 27:24؛ روم 25:16-26؛ 2كور 14:3-16). وتكتسب هذه الرسالة الإنجيلية في كتب العهد القديم شرحاً وتفسيراً" (الوحي الإلهي، رقم 16).
إنَّ تاريخ الخلاص في الكتاب المقدس له نفس الغاية؛ وتربط المراحل المختلفة لهذا التاريخ مع بعضها بعض. كلّ منهّا ويُعلن ويحقق جزئياً المرحلة التي تتبعه ولو بطريقة غير كاملة. ومن هنا فإنَّ على القراءة الربانية أن تراعي مبدأ "القراءة الشاملة" لأن العهد القديم في علاقة قوية مع العهد الجديد، فينفتح عليه كتحضير له، وكنبوءة به، ويحويه بطريقة ضمنية. كما أن العهد الجديد يوضح ويفسرِّ العهد القديم ويطوّره ليصل به إلى الكمال، بطريقة تجعل العهدين مترابطين بطريقة لا يمكن فصلها. إذا قطعت جذور شجرة ما، فإن هذه الشجرة تموت. جذور الوحي موجودة في العهد الأول، فقيمة العهد الجديد وتعاليم المسيح تفقد معانيها دون الإستنارة إلى كتب العهد القديم. في النهاية، السيد المسيح أتي ليكمل الكتب لا ليلغيها (راجع متى 17:5).
هنالك في كل الكتاب المقدس نظرة يجب التركيز عليها، وهي أنّ على المؤمن أن يكتشف في الكتاب المقدس شخص المسيح وسرّه. هذه العقلية التي يُنيرها تاريخ الخلاص، تجعل من آباء الكنيسة نموذجاً عندما نرغب في تطوير المعني التاريخي الخلاص للوحي في اللاهوت. وعلى الرغم من أننا غير ملزمين باتباع الآباء في كل جوانب طريقتهم اللاهوتية، إلا أنّ الفكرة الرئيسية تبقي ذات قيمة ونموذجية: وحدة مخطط الله الذي يحوي تدبير الله الخلاصي التاريخي، المركَّز على شخصية ورسالة المسيح. في وسط تفكير الآباء اللاهوتي نجد تعبير سرّ الخلاص. يكفي أن نفكر في بعض مفاهيم الآباء، مثل الوحدة النهائية في المسيح (récapitulation) للقديس ايرينموس، السرّ لدي أوريجينوس، بمفهومه ككلمة الله Logos الذي يُعطي للإنسان ككلمة الله، أو المسيح التاريخي، أو جسد الكنيسة؛ "التألّه" لدي اثناسيوي؛ لاهوت التاريخ والمسيح الشامل لدي القديس اغسطينوس. إنّ الفكرة المركزية عند الآباء هي هذه: يتكلم كل الكتاب المقدس عن المسيح ويهم بالتالي كل إنسان. إنّ تدبير الخلاص هذا يُنير كل دراسة مسيحية حول الإنسان جديرة بهذا الإسم. وعندما يشرح مثلاً القديس أمبروسيوس حقائق الإيمان الكبري، فإنه لا يستعمل نصوصاً، بل أمثلة واقعية من البشر: ابراهيم، اسحق، يعقوب، أيوب، داود. إنه كل واحد منا! إن كلمة الله يصبح هكذا أكثر ألوهية وأكثر إنسانية، لأننا جميعاً نشترك في تاريخ خلاص الله الوحيد، الذي يتوجّه إلى كل إنسان فيما يهمُّ الإنسان. فالكتاب المقدس يشكل وحدة واحدة شاملة لمخطط الخلاص الذي تمّ في المسيح المائت والقائم من بين الأموات. الكتاب المقدس تاريخ، وعدم أخذ هذا الأمر بعين الإعتبار يعني حرمان الكتاب المقدس من أي علاقة مع الواقع. إن القراءة الربانية تضع المؤمن في اتصال مع المسيح: بكلمته، بحياته، بوجوده كقائم من بين الأموات من خلال خبرة الشهود الأوائل، من خلال الخبرة الحية لكل كنيسة ولكل مؤمن.
+ أفكار مرشدة ضرورية للقراءة الربانية
1- القراءة الربّانية بيت للجميع
قبل أن نعرض لطريقة القراءة الربانية ومراحلها المختلفة، من المناسب التأكيد على بعض القناعات التي ظهرت من خلال خبرة السنوات الماضية، والتي يمكنها مساعدة من يسلكون هذا الطريق ويعانون من صعوبات. القناعة الأولى، والتي أكدت عليها العديد من الوثائق الكنسية، هي أن القراءة الربانية مكان يستطيع الجميع العيش فيه واتباع مسيرة الإيمان والنضوج المسيحي. إنّ بيت كلمة الله المشترك بين الجميع هو الجماعة المسيحية، الرعوية أو الرهبانية، حيث أن القراءة الربانية هي طريقة صلاة وطريقة تفكير لاهوتي في الوقت عينه. وتنبع أهمية اهذه لقناعة من عدة أسباب: تستعمل القراءة الربانية بشكل عام اليوم كطريقة صلاة. من الشائع اعتبار الصلاة والتفكير اللاهوتي طريقين منفصلين؛ إلا أنّ الخبرة تؤكد أن القراءة الربانية هي في نفس الوقت طريقة صلاة وطريقة تفكير لاهوتي، لأن من خواص القراءة الربانية تجاوز كل تمييز. وتقوم الصلاة الربانية في الصلاة وفي التفكير اللاهوتي في الكنيسة بطريقة تعرض فيه مسيرة إيمان حقيقية، كما تؤكد العديد من الوثائق الكنسية. إن الكلمة تبقي الطريقَ الملوكي لمعرفة قلب الله: "في عملية المكاشفة هذه (الوحي) يخاطب الله، وهو الذي لايري، جماعة البشر، من فيض حنانه، كما يُخاطب الأحباء. إنه يتحدث إليهم ليطلب منهم أن يشاركوه في حياته" (الوحي الإلهي، رقم 2)؛ "إنَّ كلام الله يحمل قوّة وعزماً عظيمين حتى أنه يُصبح رُكناً للكنيسة وعزّة، وللأبناء الكنيسة متعة إيمان، ولنفوس المؤمنين غذاء، ولحياتهم الروحية مُعيناً دائم الجريان" (الوحي الإلهي، رقم 21).
القراءة الربانية هي في نفس الوقت قراءة للكتاب المقدس وقراءة للخبرة المعاشة، أي أنها طريقة لقراءة الكتاب المقدس من خلال التركيز على الحياة. نستطيع القول أنها "قراءة الكتاب المقدس" و "قراءة الحياة" معاً. تجسدت كلمة الله في الماضي، وتتجسّد اليوم لتكون معنا ولتساعدنا في مواجهة الكثير من المشاكل ولتمنحنا الرجاء. يقول سِفر المزامير: "لعلنا اليوم نسمع صوته" (مز 7:95). فالقراءة الربانية هي "نبع نستقي منه الأسس كي نحكم حُكماً سوياً على معنى الحقائق الزمنية وقيمتها بالنظر إلى غاية الإنسان" (رسالة العلمانيين 4).
من ناحية أخري فإن أسلوب القراءة الربانية كما تطوّر من خلال حياة الكنيسة، هو أسلوب الكتاب المقدس نفسه. ففي الماضي شكّل هذا الأسلوب الطريقة الرئيسة لكتابة اللاهوت في الكنيسة، وكان المعلم الأساسي في عهد الأباء وزمن القديس مبارك الذي بني قانونه الرهباني عليها. وقد أصبحت القراءة الربانية اليوم أرضاً خصبة في عملية "التبشير الجديد" للشعب المسيحي ولتجديد الجماعات المسيحية والرهبانية. يؤكد المجمع الفاتيكاني الثاني: "إنَّ عِلم اللاهوت يرتكز على كلام الله المدوّن، ومعه على التقليد المقدس كأنما على أساس ثابت. بكلام الله يتعزز عِلم اللاهوت تعزيزاً متيناً، وبه يتجدد تجدداً دائماً، إذ أنه لا يفتأ يستقصي، في ضوء الإيمان، الحقائق الكاملة المخفية في سرّ المسيح" (الوحي الإلهي، 24).
القراءة الربانية تُعيد اكتشاف الكتاب المقدس في شكله الروائي
تشكّل إعادة اكتشاف الكتاب المقدس في أسلوبه الروائي عنصراً آخراً يبرز من خبرة القراءة الربانية. فما هو الكتاب المقدس؟ الكتاب المقدس ليس نصاً أو كتاباً، بل كتاب روايات غنّية بقيم الحياة يقود إلى خبرة الحياة مع الله. الكتاب المقدس هو مجموعة حقبات تاريخية تحدثنا عن تاريخ شعب الله. أسفار الكتاب المقدس هي أسفار روائية. ومع أنها تحوي حكماً أو شرائع، فهذه أيضاً لها صفة الروائية.
كُتب الكتاب المقدس لَبث قيم إنسانية ودينية. كتب الله تاريخياً لينقل إلينا قيماً، والروايات هي الوسيلة التي تنقل بها حضارةٌ ما قِيمَها. وقد يصعب فهم هذه الحقيقة في عقلية الإنسان المعاصر، الذي يحمل عقلية وثقافة مغايرة. فالحضارة الغربية السائدة، مع ما تمنحه للعقل من قيمة كبري، مقتنعة أن العقلانية هي وسيلة المعرفة والحكمة الأفضل. فتعلّم مثلاً أن الروايات تصلح للأطفال وللتسلية، لكنها ليست أموراً جديّة، بينما ما يصلح للبالغين هي الكتب التي يجب أن تحوي معلومات أكيدة ومعلومات موضوعية.
ينتج عن هذا التفكير أن القيم تنتشر دون أن يكون وراءها أشخاص واعون لها. وهنا مكمن الخطأ. فقد فقدت الحضارة الغربية فنّ ومقدرة الرواية. نحن نعلم أنه في كل الحضارات، بما فيها الحضارة الغربية، تشكّل الرواية الطريقة المفضلة لتناقل القيم والذكريات الجماعية والتقاليد. فحين نقرأ كتاباً، فإن العقل يكون فاعلاً حيوياً، والمواضيع موضوعية. بينما عندما نسرد رواية، فإن المشاعر والقلب والمخيّلة تشارك على سبيل المثال الزمن الذي كان فيه الأهل والأجداد ينقلون القيم لأبنائهم وأحفادهم عن طريق الروايات، ويربونهم على هذه القيم.
الأمر ذاته يحدث في الجماعة المسيحية التي تقرأ الكتاب المقدس. نقرأ الكتاب المقدس لأنه يسرد روايات وذكريات لاكتساب القيم. فعندما أراد الله، الذي يعرف طبيعة الإنسان جيداً، أن ينقل قيماً، وأن يلقّننا دروساً في الحياة، استعان بالروايات. وبالتالي فالله أرسل للبشرية تاريخاً حياً في شخص يسوع المسيح. فمن الضروري إذن إعادة تعليم شعب الله بجدية هذه الروايات لاكتشاف الرواية عن الله وعن يسوع المسيح في سبيل تعليم مسيحي فعّال. قراءة الرواية هي إذن الطريقة الأعمق للإتصال بالله ولنشر كلمته لكل البشر، الصغار والكبار، لأنه لهذا كُتِبَ الكتاب المقدس.
تقرأ القراءة الربانية الرواية التي يتناقلها تقليد الكنيسة الحيّ
القاعدة الثالتة التي تحكم القراءة الربانية هي التالية: هنالك طريقتان لقراءة روايات الكتاب المقدس، الأولى هي القراءة المحايدة وغير الشخصية.
والثانية وجودية وحيّة،وهي التي تأتي من التقليد. في الحالة الأولى نصل في قراءة الكتاب المقدس إلى حدّ التعرف على ذواتنا من خلال أشخاص الكتاب المقدس. إلا أنه عند انتهاء القراءة، يجد الانسان نفسه غريباً، لن هذا ليس عالمه، فهذه القراءة جعلته للجظة يخرج من ذاته وهذا كل شيء. وهذا يُشبه مَم يُشاهد في التلفزيون التمثيليات الطويلة: تشدّك البداية،إلا أنك عند النهاية تجد نفسك بعيداً وغريباً عن الحقيقة. أما قراءة الكتاب المقدس فمختلفة تماماً، فهي رواية تناقلها التقليد الحيّ. فهي تكشف لك من أين أتيت وإلى أين تذهب وما معنى حياتك. الكتاب المقدس يروي رواية تأتي من التقليد، رواية تمسّ كل إنسان بطريقة شخصية، لأنها كُتبت لهذا الغرض. الكتاب المقدس تاريخ يخصّ الجميع. ونتعلم من هذا التاريخ كيف نتعرّف على أنفسنا وعلى الله.
قناعتنا إذن هي أن القراءة الربانية تمثل الأسلوب الروائي بأشكاله المختلفة. يجب أن لا يُقرأ هذا الأسلوب كأمر في الماضي، بل كروايات تساعد على فهم مكانة الانسان اليوم وأين يتوجّه غداً. تكمن الصعوبة دائماً في أننا لا نستطيع التخيّل أن هذه الروايات تحدث في تاريخ الجماعة المسيحية اليوم، وهكذا نظن أنها أحداث حصلت فقط في الماضي مع أُناس آخرين. إنَّ الطريقة التي يقرأ بها الكثيرون الكتاب المقدس تُعطي الانطباع أننا ننظر الى هذا الكتاب ونتشبه به لكونه يحمل رسالة، لا كأمر نعيشه بالفعل الآن.
في القراءة الربانية، لا يستطيع المؤمن أن ينسى الحياة، بل العكس، عليه أن يستوعبها. وحين يُبقي المؤمن الحياة أمام ناظريه، يكتشف أن الكتاب المقدس ما هو سوى انعكاس لما يعيشه. وهكذا يُصبح الكتاب المقدس مرآة ما يحدث في حياة وفي قلب كل إنسان (راجع يع 18:1-25).
ترتكز القراءة الربانية إذاً على مبدأ أن الكتاب المقدس هو رواية هدفها تفسير ليس ما يجب أن يحدث، بل ما يحدث لكل مؤمن. من المهم اكتشاف هذا في كل رواية كتابية، والاحتفال به. لنأخذ على سبيل المثال نص النبي أشعياء 16:43-21 حيث يُظهِر هذا النص أن القراءة الربانية ملازمة للكتاب المقدس نفسه: "هكذا قال الرب، الفاتح في البحر طريقاً، وفي الحياة الطاغية مسلكاً، الُمرِج المركبات والخيل والعسكر وذي البأس، فيضجعون ولا يقومون، وخمدوا وكفتيلة انطفأوا: لا تتذكروا الأوائل ولا تتأمّلوا القدائم. هاءنذا آتي بالجديد، ولقد نبت الآن أفلا تعرفونه؛ أجعلُ في البرية طريقاً وفي القفر أنهاراً. يمجّدني وحش البرية، بنات آوي وبنات النعام، لأني أجعل مياهاً في البرية، وأنهاراً في القفر لأسقي شعبي، مختاري. الشعب الذي جبلته لي، فهم يحدِّثون بنجدي".
كُتب هذا النصّ عندما كان الشعب اليهودي منفياً في بابل، وفيه يعلّم النبي أشعياء شعبه من خلال ثلاثة أفكار ومقاطع متتابعة:
1- يذكّر أولاً رواية الخروج العظيمة، أي عبور البحر الأحمر، لكن دون ذكر تفاصيل كثيرة وبهدف إثارة مشاعر المنفيين فقط؛ ثم يُضيف أنه لا حاجته لإعادة تذكُّر هذا الحدث: "لا تتذكروا الأوائل ولا تتأمّلوا القدائم" (آية 18)، ويُضيف حالاً: "هاءنذا آتي بالجديد" (آية 19). ذكر النبي أشعياء حادثة قديمة ليساعد الشعب على الإقرار أن الأمر نفسه يتكرّر اليوم: "آتي بالجديد، ولقد نبت الآن أفلا تعرفونه" (آية 19ب). هذا بالذات هو الأسلوب المتبع في القراءة الربانية: نروي رواية قديمة لنُظهر أن هذا الحدث هو حدث حاضر فعلاً.
2- الفكرة الثانية عند النبي أشعياء هي مثال على قراءة الكتاب المقدس: "أجعل في البريّة طريقاً وفي القفر أنهاراً... لأُسقي شعبي، مختاري. الشعب الذي جبلته لي، فهم يحدثون بمجدي" (أش 19-21). غالنبي لا يستعمل الكتاب المقدس كنصّ أخلاقي، بل يروي بكلمات تُلقي ضوءاً على الحاضر. فهو يساعد على فهم ما يحدث في هذا اللحظة مع شعبه.
3- المقطع الثالث في النصّ يروي من جديد الحدث القديم، لنفهم الحاضر والمستقبل. فالنصّ القديم يُقرأ بطريقة جديدة تماماً.
هذامثال واضح للقراءة الربانية من النبي أشعياء. نفس الأمر يحدث اليوم. عندما نقرأ الكتاب المقدس قراءة صحيحة، يُصبح الكتاب المقدس ليس مجرّد كتاب المقدس قراءة صحيحة، يُصبح الكتاب المقدس ليس مجرّد كتاب من الماضي، بل من الحاضر. فنحن نستعمل لغة الكتاب المقدس في القراءة الربانية ثم نتكلم عن الحاضر بلغة لا هوتية جديدة. نتكلم عن حاضرنا بلغة الكتاب المقدس، عالمين أنه يتكلّم عن الحاضر وعن المستقبل. وهذا يتطلب معرفة الكتاب المقدس ومعرفة ما يحدث اليوم. لا يتعلق الأمر إذاً برسالة أخلاقية، فالقراءة الربانية هي قراءة الحاضر بلغة الكتاب المقدس. لا توجد قراءتان مختلفتان، فالقراءة الربانية قراءة شاملة يصبح فيها الماضي والحاضر متلازمين؛ هو رواية غنية للقيم التي تأتينا من التقليد.











الانجيل دعوة إلى الإيمان والحرية
ليس الانجيل رسالة فقط. أجل، فيه رسالة مسيحية، لكن الانجيل، قبل ان يكون رسالة، هو شخص، شخص يسوع المسيح. تعلمون بأن كلمة "انجيل" تعني "البُشري". وهذه البشري ليست أولاً ما يقوله لنا المسيح، بل ما. إنها بُشري التجسّد: أحبَّ الله الإنسان حتى أصبح انساناً. الحب هو رغبة المُحبّ في ان يصبح مَن يحبّ ويكون وايَّاه واحداً. أعمق دواعي ايماني هو العجز عن التفوُّق على التجسّد، اذ لا يمكن لإله أن يحبّ الانسان محبة أكبر إلاَّ أن يصبح انساناً مثله.
المسيح يكشف من هو الله
البشرى هي، قبل كل شيء، ما يكشفه يسوع المسيح عن الآب. البشرى هي، قبل كل شيء، الجواب عن السؤال الذي مازال الناس يطرحونه على أنفسهم منذ قديم الايام: مَن هو الله؟ ويسوع المسيح يقول لنا، قبل كل شيء، مَن هو الله. وبالنسبة الى هذا الكشف عن هوية الله، تُوجَّه رسالة الى الناس لتقول لهم: لَبُّوا رغبة الله فعيشوا وفقاً لما تعرفون الأن عنه.
وهناك جملة اساسية أخرى في الانجيل: "من رآني رأى الآب" (يو 9:14). يجب الكف عن إغفالها حين يُقام بقراءة الانجيل. فالمسيح هو أوَّلاً صورة الآب، ايقونة الآب. وان اردت ُ أن اعرف مَن هو الله، وجب عليّ أن انظر إلى حركات المسيح وأتأمَّل في مواقفه العميقة وأسمع أقواله. وما يُكشف لنا من خلال حياة المسيح نفسها هو قدرة الله هي رفض القدرة التي تسيطر.
يسألنا الله منذ الأزل ان نتقبل عطاءَ نفسه لنا. وحين نتكلّم على عطاء الله هذا، ماذا نعني؟ لا يستطيع الله ان يعطي إلاَّ نفسه. ماذا تريدون ان يعطي؟ إنه كل شيء، والذي هو كل شيء لاشيء عنده. المر واضح، وليس كيان الله هذا إلاَّ محبة. نحن نُهدي هدايا نعبِّر بها، الى حد بعيد أو قريب، عن بذل انفسنا، لكننا لا نتوصَّل أبداً غلى بذل انفسنا بكل معنى الكلمة. أمَّا الله فهو يبذل نفسه ويسألنا أن نتقبل العطية التي يعطينا ايَّاها، لكي نتمكن من تحقيق انسانيتنا على وجه تام، علماً بأن هذه الانسانية هي قدرة انسانية مؤلَّهة. لا يكون الانسان انساناً إلاَّ ان كان اكثر من انسان.
محبَّة الناس بمحبة الله نفسه
ليس الانجيل إلاَّ التعبير عن شروط تقبل عطية الله. يفيدنا الانجيل عمَّا يجب ان نكون لتقبُّل إلى أن يبذل نفسه، أي يجعلنا على صورته. المطلوب ان نُشبهه، والله لا يريد غير ذلك. المطلوب ان تقتدي به، كما يقول القديس بولس: "كونوا مقتدين بالله".
المطلوب ان نصبح أحراراً في ان نحبّ كما يحبّ الله، في ان نكون إلهيِّين كما ان الله هو إله، في ان نصبح ما هو. إنها الجملة الكبري في خطبة يسوع بعد العشاء الأخير: "أحبُّوا بعضكم بعضاً كما أحببتكم" (يو 34:13). ان فكَّرنا ولوقليلاً، رأينا اننا، اذا تخطَّينا طبقات نشاطنا أوعقلنا السطحية، بقي لنا الخيار، في آخر الأمر، بين ثلاثة: يجب الايمان إمَّا بأن الكائن هو مادة، فلنكن مادّيين، وان آمنَّا بأن الكائن هو روح، فلنكن عقلانيين. وإمَّا ان آمنّا بأن صميم الكائن هو محبة او مشاركة، فلنكن مسيحيين، لأن يسوع المسيح وحده يقول لنا إن الله محبة أو مشاركة.
المحبة ليست الاحساس. لا أتكلم بأي سؤ عن الاحساس. فغالباً ما يكون عظماء الناس ذوي احساس، لكن المحبة ليست في كنهها احساساً واهتزازاً في البشرة. انها، في حد قول القديس يوحنا، ارادة وفعل: ارادة لبذل النفس وفعل بذل النفس. وهذا التوضيح أمر هام، لأن بني جيلنا يتخوَّفون من الكلام الفارغ في الحب، واعتقد بأنهم على صواب تماماً.
احدى تجارب الزمن الحاضر هي الادّعاء أن محبة الناس ممكنة بدون محبة الله. في ذلك ردّ فعل طبيعي على زمن ادَّعى فيه الناس أن محبة الله ممكنة بدون محبة الناس. أدَّى ذلك الى جَدَل لفظي في البعد العمودي والبعد الأفقي، علماً بأن البعد العمودي هو محبة الله والبعد الأفقي هو محبة الناس. صحيح أن الانسان لا يحب الله ان كان لا يحب الناس بالحق والارادة والفعل. ان محك محبة الله هو المحبة الحقيقية، لا اللفظية او العاطفية، التى نكنّها للناس اخوتنا. كلُّنا يَعرف الأية التى وردت في رسالة يوحنا الأولى: "اذا قال احد: إني أحب الله، وهو لا يحب اخاه، كان كاذباً" (1يو 20:4). ما أصدق هذا القول!
ولكن، يخشى اليوم ان ننسي ان محبة الناس لا يمكن ان تكون صافية، ان كنَّا لا نحبّ الله. قال الأب هنري دي لوباك ذات يوم قولاً رهيباً: "خارج محبة الله، يخشى ألاَّ تكون محبة الناس إلاَّ امتداداً لمحبة النفس". لابدّ ان يكون لنا شيء من الخبرة في علم النفس فنرى أنه من شبه المستحيل ان نحبّ الآخرين حباً صافياً، إن كنَّا لا نتَّكل إلاَّ على أنفسنا. فالله وحده يحب حباً مطلقاً ويهب لنا أن نحبّ كما يحبّ.
عَيش الانجيل هو الحياة بالايمان: خُطى الايمان الخمس
أطرح عليكم هذا السؤال: ما هو رجاؤكم؟ ماذا ترجون في آخر الأمر؟ هل ترجون أن تكونوا سعداء؟ هل ترجون أن تحبّوا كما يحب الله في الأبدية؟ فإن سعادة الله – وبالتالي سعادتنا الأبدية وموضوع رجائنا – ليست ان يكون سعيداً فقط. \سعيداً بأية سعادة؟ فهناك مستويات سعادة.
ليست سعادة الراهبة التي تقضي حياتها في الاعتناء بالمرضى سعادة رجل الاعمال الغني. على أيّة سعادة تتكلّمون؟ الدين المسيحي يجيب: سعيد بسعادة الله نفسها، وهي تقوم على المحبة، لا على تحقيق رغبات النفس. والسؤال الذي يجب علينا ان نطرحه دائماً على أنفسنا، ان اردنا ان نعيش الانجيل، هو السؤال عن السعادة. الانجيل كلّه تسوده كلمة يسوع هذه: طوبى... وهذا ما نسمّيه التطويبات. عَيش الانجيل هو الحياة بالايمان.
في الانجيل، لايزال يسوع يفترض وجود الإيمان عند الرجال والنساء الذين يلتقيهم. فلا يقول أبداً: خلَّصتُك"، بل يقول دائماً: "ايمانك خلَّصك". والحال أنه غالباً ما يلتقي رجالاً ونساءً لا دين لهم، أو دينهم وثني. فقائد المئة رجل روماني لا يعرف شيئاً عن الدين المسيحي، ولا المرأة الكنعانية التي أتت من سورية. لا ينال الإنسان الخلاص عن يد الآخَر، وان كان هذا الآخر الله نفسه. الإنسان هو أحد. والإنسان هو الذي يخلّص نفسه في الإيمان وبالإيمان. لا نستطيع ان نتصوَّر إلى أية درجة من العمق يحترم الله الإنسان. وهنا لا بدّ لنا ان نكون على اكمل وجه من المنطق، وإلاّ لم يكن إلهنا سوي وثن، والله لا يريد ان يكون لنا وثناً.


الخطوة الأولى:
كل انسان هو في وضع إيمان
بمجرد ان يعيش الإنسان، يصبح في وضع إيمان. لا اقول: ايمان ديني، بل ايمان بمعنى الكلمة الدنيوي. فالزارع، سواء أكان مؤمناً ام غير مؤمن، هو في وضع ايمان، "يعمل لما لا يُرى" (راجع عبر 27:11). يقوم بفعل ايمان، لأنه غير واضح أنه سيحصد. فقد يكون هناك جفاف أو فيضانات او حرب... حين يزرع، لا تتّضح له الاستفادة من الحصاد كما لو قام بعملية حسابية. فهناك الايمان.
والمربّي أيضاً، وبقدر اكبر، في وضع ايمان، سواء اكان أباً او أماً او معلماً او معلّمة. من أراد الإقدام على تربية احد الأولاد، وجب عليه ان "يؤمن"، كما يقولون بالفرنسية. فما أكثر العقبات! وليس هناك من نتيجة فورية. ماعسى ان يصبح هذا الصبي او هذه البنت بعد عشر سنين او عشرين سنة؟ لا نعرف أي شيء عن ذلك. فعل ايمان.
فال"إيمان" متأصل اذاً في "الحياة" والحياة هي الإيمان. يجب ان نتبه غلى ذلك، ان اردنا ان نفهم ان الايمان الديني ليس شيئاً يسقط علينا من علُ: ففي السعي الإنساني الأوَّل شيءٌ من الإيمان. ولا ينعدم الايمان ووضع الايمان إلاَّ في أحلام اليقظة. لكن الايمان المسيحي هو نقيض أحلام اليقظة، بالرغم من وجود اناس يزعمون انهم مسيحيون ويغرقون في العالم الخيالي وفي تخيّثل عالم آخرَ ينتظرنا الله فيه.أسمح لنفسي أن أسمّي أحلام اليقظة علم أمراض الايمان.
الخطوة الثانية:
في كل عمل، صغير او كبير يسعي الإنسان وراء السعادة
نخطو خطوة: مهما عمل الإنسان، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، انَّما يعمل من اجل السعادة، سواء أكانت سعادة صغيرة في الحياة اليومية أم سعادة عميقة في الحب او الصداقة أو الثقافة. وحتى الذين ينتحرون يسعون وراء السعادة(سعادة سلبية، إزالة الألم).
الخطوة الثالتة:
السعي وراء السعادة يخضع للِقيَم
أرى أولاً ان حالة الإيمان الطبيعية والسعي وراء السعادة لابدّ ان يتخطَّاهما الإنسان. ولماذا؟ لأن اللصّ والمستغلّ هما أيضاً في وضع إيمان وفي السعي وراء السعادة. ان الذي يدبّر سرقة هو في وضع ايماني، لأنه لا يعلم هل تنجح عمليته، وهو، ولاشك، يسعى وراء السعادة التي يوفّرها المال.
حين أسعى وراء السعادة، يمكنني ان استهدف إشباع انانيتي المستعصية، ويمكننى ان اتوخَّي بناء سعادتي على حساب سعادة الآخرين، يمكنني ان أستغّلهم أو أسرقهم أو أقتلهم. ومن دون ان يبلغ الإنسان هذا المبلغ، لاشك ان في السعي وراء السعادة كثيراً من البحث عن المصلحة الخاصة ومن التصرّفات الأنانية. فلا بدّ ان تُنتقَد رغبتي ف السعادة وتحوَّل. قال برنانوس: "قل لي ما هي الفكرة التي تكّونها عن السعادة، فأقول لك مَن أنتَ".
وهنا يأتي دور ما يسمُّونه في علم الفلسفة القِيَم. أسمّي "قيمة" ما يستحق ان يضحّي الانسان بحياته في سبيله، وما هو علّة حياة أسمى من الحياة. الموت ولا الوقوع في مَظلمة بالغة! فالعدل هو "قيمة". العذاب ولا الكذب، فالصدق هو "قيمة". أسمّي "قيمة" ما يأمر به الضمير، وما يجعل الإنسان انساناً. ان يكون للإنسان حِسّ القيم وان يكون صاحب ضمير شيء واحد. وما يحدِّد الانسان هو أنه يقدر ان يختار وان يعيش القِيَم. الحيوان لايسمع، في صميم اعماقه، صوت ضمير يقول له: هذا الموقف غير عادل، فعليك ان تعمل على تحويله لكي يسود العدل. الحيوان هو ما هو، لا اكثر. أَمَّا الانسان فهو يسمع صوت الضمير الذي يذكّره دائماً بأوَّلية القيم. وان قلتم لي إنه لا يسمعه، وجب الاعتراف بأنه فقد الانسانية.
حين يُخضع الانسان حياته للقيم التي هي حتميّات الضمير، اي حين يرفض سعادة انانية محض، يعرف الله بطريقة معيَّنة. ألوف من غير المؤمنين، الذين لا يعترفون بإله يسوع المسيح والانجيل والكنيسة، يعرفونه بقدر ما يُخضعون سعيهم وراء السعادة لمقياس القيم، بقدر ما يقولون: السعادة، نعم! ولكن لا أيَّة سعادة كانت! لا سعادة يُحصل عليها على حساب الآخَرين! فمن الممكن ان يُقرأ الانجيل من زواية القيم، بدون الايمان بالله، بدون الايمان بأن يسوع المسيح هو الله. لا يدور الكلام فيه إلاَّ على الحق والحرية والعدل والمحبة الاخوية. بهذا المعنى، يبدو الانجيل موجَّهاً إلى كل انسان.
في تربية الأولاد المسيحية، لابدّ من الابتداء بذلك. وإلاّ، يُخشى ان نتكلّم على اله لا تكون له اية علاقة بقيم العدل والحرية والأخوَّة، على إله لا يكون إلاّ القدير، اي الذي هو الأقوى والذي من الفطنة ان نطيعه. انظروا الى النتائج، اذ يُخشى ان نبتعد عن الايمان ونقع في الدين. سيقول ذلك الولد في يوم من الايام: أصدِّق ما علَّموني. أؤمن بأن الله موجود، وأؤمن أيضاً بأن يسوع المسيح هو إله، أؤمن حتى بسلطة الكنيسة. ولكن لا تزعجوني بالكلام على العدل والأخوَّة والحق! لابدّ من الكذب ومن شق طريقي بمرفقيَّ لكي انجح في الحياة!...
قد يقول لكم بعض الناس غالباً: العدالة الاجتماعية والاخوّة البشرية الحقيقية، لا علاقة لهما بالله! انتم كهنة، فحدّثونا عن الله، ولكن لا تحدِّثونا عن واجبنا المهني! أمَّا الذين وُضعت قلوبهم في مكانها فإنهم يفضّلون الاعتراف بأنهم يؤمنون بالعدل والأخوَّة، لكنهم لا يؤمنون بالله ولا بيسوع المسيح. أذكر أني كتبتُ، بعد تحرير ليون ببضعة أشهر: " من الأفضل ان يُنكر الانسان الله وان يكون قادراً على الألم والموت في سبيل العدل من ان يؤمن بإله لا يأمر بالألم والموت في سبيل العدل"
الخطوة الرابعة:
الانتقال من القيم غير الشخصية إلى أحد
من أراد ان يعلم ما هو الايمان المسيحي، وجب عليه ان يخطو خطوتين: الأولى الانتقال من القيم غير الشخصية إلى أحد، الى شخص حيّ يؤسس تلك القيم ويعيشها نفسه. في هذه الدنيا، ما من احد يستطيع ان يقول: انا الحق، انا العدل، انا الحرية. أمَّا الذي نسمّيه الله، فهو الذي يستطيع ان يقول: الحق أنا هو، والعدل أنا هو، والحرية أنا هي.
قد تقولون لي: أضروريُّ هذا الانتقال؟ أجيب: لا، هذا الانتقال غير ضروري، بل هو اختياري، ولكنه معقول (قالت الكنيسة، في المجمع الفاتيكاني الأول بأن الايمان اختياري ومعقول). فلديّ اسباب تدعوني الى الايمان. وما هي الاسباب التي تدعوكم الى الايمان؟ اعمق الأسباب التي تدعوني الى الإيمان بأنه ليس هناك سوى قيم غير شخصية وحتميات الضمير البشري، بل انه هناك احد يعيش تلك القيم وبالتالي يؤسسها، هو أن هناك قيمة تفوق سائر القيم وتسمّى المحبة. ولا يمكن ان تكون المحبة غير شخصية، بل لا بدَّ ان تكون المحبة صلة شخص بشخص.
نتصوّر بسهولة ان يقوم العالِم بطلب الحقيقة بدون ان يجعل منها شخصاً. فلا يقول العالِم العالم إن الحقيقة هي أحد. ونتصوّر أيضاً ألاَّ يُجعل من العدل شخصاً. أمَّا المحبة فأمرها مختلف. فلا أستطيع، بدون الوقوع في التناقض، ان اتصوَّر ان تكون غير شخصية. ان كنتُ اتكلم على المحبة، وجب عليَّ ان أقول: أُحبّ وأنا محبوب، محبوب من احد. فالمحبة هي هبة النفس لأحد، لا لشيء. قال كارل ماركس في كلامه على المجتمع المستقبل: "يكفي الانسان ان يكون كائناً مُحباً من نفسه كائناً محبوباً". القول رائع، لكني لا ولن استطيع ابداً، في اي مجتمع كان، ان اقول في كائن بشري إنه يحبني وسيحبني دائماً، بما في ذلك من بذل النفس حتى الموت الذي تفترضه المحبة الحقيقية. والحال اني اقول ذلك في الله، هذا هو ايماني، هذه هي نواة قانون الايمان المسيحي، هذا هو الانجيل كلّه.
الخطوة الخامسة:
ليس هذا الأحد إلاَّ محبة
بقيت الخطوة الأخيرة: من يقول لي إن الله محبة؟ يسوع المسيح ويسوع المسيح وحده. يقول لي، لا بالكلمات فقط، بل بحياته وموته. ومن هنا ميزة الايمان الثالثة، في رأي المجمع الفاتيكاني الأول: إنه فائق الطبيعة البشرية، اي انه عطية من عطايا الله. ان الله، يهبه نفسه للانسان في يسوع المسيح، يهب للإنسان ان يتقبّل العطية التي يقدّمها وأن يعتنقها.
والعقائد؟ والاسرار؟ والأخلاقية؟ والمؤسَّسة الكنسية؟ إنها مجمل ما يلزمن لكيلا نخدع انفسنا في ما هي المحبة. بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، ليس المقصود و لايمكن ان يكون إلاَّ شروط المحبة ونتائج المحبة.
الفرق الكبير بين المؤمن وغير المؤمن هو ان غير المؤمن يخضع لضميره وان المؤمن، في خضوعه لضميره، يحبّ احداً. لماذا أنا مسيحي؟ لأنني في خضوعي لضميري الذي يأمرني باحترام وتعزيز القيم التي تسمَّى الحق والجمال والعدل والحرية، احبّ أحداً يحبّني.
في كل ذلك، حذار من تجربة الفورية! إنها تجربة من تجارب العالم العصري: كل شيء او لا شيء، وكل شيء فوراً. ان عَيش الانجيل هو الدخول في منطق المحبة طوالَ صيرورة. لابدّ هنا من التشديد على اهمية الزمن. فبدون الزمن، زمن الحياة، لا تكون سعادتنا الأبدية من عمل أيدينا. اذا لم يكن الله إلاَّ محبة، لا يسعه إلاَّ ان يريد ان تكون سعادتنا الأبدية بناء انفسنا بأنفسنا طوالَ صيرورة.

عيش الإنجيل هو اختيار المسيح مربياً للحرية
- فالإنجيل مِقياسي إذاً. هذه كلمة من الكلمات التي لا نستغني عنها لنفهم ذلك. ليس المقياس تعليمات، أي قانوناً جاداً ووصية تدخل في تفاصيل الأشياء. هناك مثلاً زيّ نسائي في زمننا: إنّه مقياسي، لا يفرض علي جميع النساء في بلد معيَّن ان يرتدين الفستان نفسه، بل في إمكان كل امرأة أن تبتكر فستانها مع المحافظة علي مقياس الزي. وإليكم مثلاً أشرف: كان باخ، من أول أعماله إلي آخرها، أميناً لمقاييس موسيقي زمنه، مع أنه كان مبتكراً رائعاً. فالمقياس خلاَّق. والإنجيل لا يمعنا أن نكون خلاَّقين، خلاَّقين في حياتنا الجنسية وفي حياتنا العاطفية وفي صلاتنا وفي حياتنا الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. وإن الله لا يخلق إلاَّ خلاَّقين. فالانجيل هو إذاً نور لحياتنا اللازمة وغير الكافية.
الاختيار الحرّ هو في ملتقى الإنجيل وتحليل معين :
- قبل أن نعمل، قبل أن نتَّخذ قراراً من تلك القرارات التي تبني كياننا، يجب أن نسأل الإنجيل، ولكن يجب أيضاً أن نحلّل الموقف الذي نحن فيه. ان كان الموقف موقفاً زوجياً أو عائلياً، فقد تكون هناك صعوبة كبري. وان كان الموقف موقفاً مهنياً، تكون الصعوبة اكبر، وأن كان الموقف موقفاً اجتماعياً أو قومياً أو دولياً، تكون الصعوبة أكثر تعقيداً. فلا أظن، علي سبيل المثل، أنه يمكن إبداء الرأي في سياسة بلد راقٍ بدون الاهتمام بالبلاد النامية.
والقرار الخلاَّق يتخذه المسيحي دائماً في ملتقى ضوءَين: ضوء ينزل من الإنجيل ويقول : عدل ومحبة، وضوء يصعد من الموقف بعد تحليله تحليلاً صحيحاً. أن اكتفيتُ بالإنجيل، من دون أن أحصل علي الكفاءة علي مستوى تحليل المواقف، تكون أخلاقي أخلاق ولد ساذج. تصَّوروا ما عسي أن يصبح أحد يكتفي بأن يكون أميناً لهذه الجملة : " من ضربك علي خدّك الأيمن، فحول له الآخر " ( متي 4/39 )، أو " من سألكَ أعطه " ( متي 5/42 ). لا يمكن بناء مجتمع علي مثل هذه الجمل، فإنه الإنجيل لا يأتينا بحلول جاهزة، ولا يملي علينا كيف نتصرّف عملياً، إذ ليس هو برنامجاً. وأن اكتفيتُ بتحليل الموقف، من دون الرجوع إلي الإنجيل، كانت اخلاقيتى أخلاقية وثنية، أو ما يسمَّي باللغة التقنية أخلاقية الحال. فلابدَّ من التوحيد بين هذين الضوءَين، وفي ملتقاهما يجب عليَّ أن أتَّخذ قراري، مع التعرّض لجميع الأخطار التي يتضمّنها هذا القرار. المحبة التي يطلبها الإنجيل يجب أن تكون فعَّالة. إليكم بعض التوضيحات، وفقاً لما ورد في " رسالة بولس السادس إلي الكردينال رُوا " التي صدرت في 1971 :
1- أن الحياة المسيحية هي في جوهرها حياة في سبيل العدل والمحبة. وقد يكون هذا التحديد مُدهشاً، إذ يمكن أن يُقال إنها حياة مكرسة لله. القضيتان لا تتناقضان، لأن المسيح نفسه أعطانا صيغة الوصية الجديدة التي تتضمَّن سائر الوصايا : " أحبوا بعضكم بعضاً كما أنا أحببتكم "، أي بمحبة الله نفسها. فليس الله مُبعداً. لكن المسيح، الذي أعطانا وصية المحبة، يدعنا نُعمل العقل لنعرف بأيّة شروط تكون المحبة صحيحة. تلك هي نقطة الانطلاق.
2- من الواضح أن العدل والمحبة يستهدفان الاشخاص. لا يستطيع الإنسان أن يكون عادلاً نحو الأشياء أو أن يحبّ الأشياء، بل المستهدفون هم البشر. لكن البشر هم مرتبطون دائماً بمواقف وأحداث. فمن اراد أن يحيا بالعدل والمحبة، وأن يكون أميناً لوصية الرب، وجب عليه ألاّ ينسي ان الأشخاص لا يطفون في بيئة هوائية. لا وجود للإنسان المجرَّد، فهو شاب أو مٌسِن، رجل أو امرأة، متزّوج أو أعزب، من سكّان المدينة أو الريف، عامل أو محام الخ. لا اعرف أيّ إنسان غير مرتبط بموقف حقيقي وفعليّ وبأحداث ( وهي تغيّر المواقف بقدر كبير أو قليل: الولادة والفشل والمرض والثورة والإضراب الخ ). وإذا أردنا أن يكون عدلنا ومحبتنا حقيقيين، لا نظريين، لابدّ أن ينُظر إلي الأشخاص في ظروفهم الحقيقية والحياتية.
3- وهذه المواقف وهذه الأحداث تتناول القيم عادة. لا وجود للوقائع المحض، بل هي تنطوي، بقدر كبير أو صغير، علي قيم، أي العدل أو الظلم، والصدق أو الكذب، والحرية أو العبودية، والمحبة أو البغض الخ. حين انهار رُكام فُسالة في انكلترة قبل سنين وأدَّي إلي حادث، بحثت النقابات عن المسؤوليات وتساءلت هل يحق بناء مدرسة علي بعد بضع المئات من الأمتار من رُكام فُسالة وفي أرض كان معروفاً أنها متحركة.
- تذكروا أن الله ليس خارجَ قراراتنا. ليس الله جوبيتر يحلّق في الغيوم، بل هو داخلَ حريتنا، فإن جوهر البشرية هو الحرية. وعَيش الإنجيل هو الالتحاق به حيث هو، أي في حرية البشر الخلاَّقة والمحوِّلة، وفي القرارات التي نتّخذها، سواء أكانت كبيرة أم صغيرة. والحال أن قراراتنا يجب أن تغلِّب القيم التي هي ضمنَ المواقف والأحداث.
4- في العالم المعقَّد الذي نعيش فيه والذي تبدو فيه جميع الأشياء مترابطة، نري أن القرارات الحقيقية التي تغلب العدل والأخوَّة هي في آخر الأمر قرارات سياسية ( بالمعني الواسع، أي كل ما يختص بحياة البشر في المجتمع ). وكيف يكون الأمر علي غير ذلك؟ أن لم نرجع إلي السياسة، لن نحصل علي نتيجة، لأن رغبتنا لا تكفي. فهل نستسلم لتفان قد يكون مؤثِّراً ويحملنا علي القيام بأعمال فردية رائعة، ولكنها لا تؤدّي إلي حلول حقيقية؟ وهنا العقدة. يستحيل علي المسيحيين عدم الاهتمام بالحياة العامة والجماعية، أن كانوا يمارسون الاهتمام بمصير أخوتهم المرتبطين بمواقف تتعلّق بالعدل والظلم.
- روي لنا المسيح مثل السامري الصالح ( لو 10 ). في ذلك الزمان، كانت الأمور سهلة إلي حدّ ما: كان هناك يهودي مسكين هجم عليه لصوص وجرحوه في الطريق. فوجد السامري فوراً ما يجب عمله: تقديم الإسعافات الأولية لذلك الرجل وسكب الزيت والخمر علي جروحه، الزيت للتسكين والخمر للتطهير، ثم الذهاب به إلي أقرب فندق والطلب من صاحب الفندق أن يعتني بهذا الرجل المسكين، وتقديم المال اللازم والوعد بالعودة في الغد مع المزيد من المال أن لم يكف المبلغ الأول.
- لو روي المسيح ذلك المثل في أيامنا، لما طلب منَّا أن نعود بالمخيٍّلة إلي البريّة وإلي لصوص يتردّدون إلي الأماكن المقفرة، كما نري اليوم في بعض الأفلام، بل لحدَّثنا بلغتنا الحالية: أن أردتم أن تكونوا تلاميذي، فلا تستطيعون أن تتركوا علي الحضيض أُناساً يتألّمون ويجوعون ويُعذَّبون ويُذبحون. عليكم أن تذهبوا إلي أقصي حد، عليكم أن تجدوا الأسباب الحقيقية التي تؤدّي إلي البؤس البشري والظلم. من هو في أيامنا اليهودي الجريح في الطريق؟ وأين هو؟ أين هم اللصوص؟ وما العمل الآن لِمَنع اللصوص من السرقة؟ تلك هي الأسئلة الحقيقية، وهي واقعية. لا يستطيع المسيحي أن يكتفي بالشفقة علي مصائب إنسان مسكين أو جريح، بل عليه أن يعمل، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، علي إيجاد الحلول التي تقلل من عدد اللصوص، لا في البراري، بل في المجتمعات المتعدّدة الجنسيَّات والمصارف والدواوين والمصالح المالية الكبرى الخ. وعليه أيضاً أن يتساءل عن نفسه وآرائه وعن الاهتمام بامتيازاته.

- ولا شك أن المسيح يضيف هذا: لا يمكنكم أن تقوموا وحدكم بذلك العمل كلّه، علماً بأنه لا يُنجز في لمحة برق. أصرِّح أنا بأني عاجز كلياً عن الوصول وحدي إلي تمييز. فحين أبحث في الأمور بحثاً جدياً لأجد حلاً فعَّالاً للمشاكل التي يشكو منها أخوتي، اعترف بأني ارتاح للعمل في مجموعة، وأُحيّي بالشكر جميع الذين في أماكنهم أن يساعدوني علي التفكير. لن يفرضوا عليّ أي شئ طبعاً. لا يجوز للكهنة ولا للحركات الكنيسة أن تفرض عليّ خياراً زمنياً، بل يقوم دورهم علي مساعدتي علي السير عبر هذا المجال الزمني، أي المجالات العائلية والاقتصادية والسياسية، لكيلاً تناقض حياتي متطلّبات الإنجيل الأساسية، بل لتعمل علي تحقيق مصالحة البشر المعبَّر عنها في سر القربان الذي اشترك فيه، لا سيّما وأن المقصود هو مصالحة، لا فردية فقط، بل شاملة: فكيف يمكن ألاّ يتدخّل البُعد الاقتصادي والسياسي ؟

5) اعتقد بأن الإنسان يخطأ، إن رفض رفضاً نظاميّاً أن يبحث عن الفعّالية فيالمجال الزمني. واجبي، لا أقول: أن أجدها، لأن الأمور معقدة، بل أن أبحث عنها. فإن عدم البحث، كلُّ واحد في مكانه وبحسب إمكانياته، هو تهرُب. ما رأيكم في الإنجيل، لو اكتفي السامري بالانحناء علي الجريح من أعلي حصانه، فقال له: أشفق عليك، يا أخي المسكين، وأني متأثّر كل التأثر بأن أراك في هذه الحالة. فإلي اللقاء يا أخي، واتمني لك التوفيق! وما رأيكم في مسيحيين يذهبون إلي زيارة إنسان فقير في بيت حقير ويقولون له: من المؤسف أن لا يزال هناك مساكن حقيرة. أعلم، يا صديق، أن الكنيسة تحبّك! لو علمتَ كم تحبّك الكنيسة ّ فإلى اللقاء! اتمني ألاّ نجد مثل تلك المواقف !
أشير هنا إلي بعض العقليات التي تستتر تحت اهتمام كاذب بالصفاء الإنجيلي وبرفض التواطؤ الزمني. هناك ملاحظة تُزعجني إلي أقصي حد. فمنهم من يقولون لي: " أنت، علي الأقلّ، تحدّثنا عن الله، لا عن السياسة!". لستُ هنا لأُطمئنكم واحدّثكم عن الله بطريقة يُخشي أن تُريح ضمائركم وأعرضَ عليكم إلهاً يبرِّر تقصيركم. قال أحدهم : " العالم يموت جوعاً والنفوس الجميلة تذهب إلي السماء". أقول لكم فقط أن ذلك الإله ليس الإله الحقيقي.
جميع الناس، عن معرفة أو غير معرفة، يمارسون السياسة. وليست المسألة أن تمارَس أو أن لا تمارَس، بل أن تمارَس بوعي. للسكوت أو الامتناع في المجال السياسي ( أفهم دائماً هذه الكلمة بمعناها الشامل، لا بمعني الالتزام في حزب سياسي ) ثقل سياسي إيجابي. كثير من الناس يرون أن لا يمارسوا السياسة. لكنهم يمارسونها بامتناعهم، لأن سكوتهم جزء من نسبة القوي. كل شئ هو نسبة قوي في بلد من البلدان وفي العالم: فهناك القوي الأدبية والعسكرية والاقتصادية الخ. لا يجوز أن نتكلم بسوء علي القوة : فالعافية مثلاً هي قوة. يجب التكلّم بسوء علي العنف، فهو شئ يختلف كل الاختلاف عن العافية، لأن العنف قوّة منفصلة عن العقل، فتصبح بالتالي حيوانية. أن حلول العنف، باستثناء التي ورد ذكرها في رسالة البابا بولس السادس " رقيّ الشعوب "، ليست حلولاً صالحة.
- هناك خاصةً قوة تسميّ المقاومة السلبية. لا يخفي علي مراكز السلطة، سواء أكان الكلام علي المسائل الاقتصادية أم الدولية، أين هي قوى المقاومة السلبية. لا أريد أن أجرح أحداً بالإشارة إلي بعض المهن التي أدّت التحاليل إلى عدّها قوى مقاومة سلبية، أي أنه، أيًّا كانت القرارات المتَّخذة في مراكز السلطة، لن يُحرَّك ساكن، أو يُكتفي بالقليل القليل، فيمكن التغاضي عن ردود الفعل المنتظرة من قبل الأوساط المهنية أو الاجتماعية المعينة.
- كان المسيحيون فيما مضي يميلون إلي التصريح بوجوب عدم الاهتمام بالسياسة، لأنه يوسخ الأيدي دائماً. وكان هناك شعار في الأوساط الكاثوليكية يقول: قبل كل شئ، المحافظة علي أيد طاهرة. لو كان الأمر لا يزال علي ذلك، لَظهرت الكنيسة نفسها في البلاد قوة مقاومة سلبية، علي مرأي جميع الناس. هذا ما كان مونييه يسمّيه " لا سياسة الأيدي الطاهرة الكاذبة ": ليست لا سياسية، أي عدم سياسة، بل هي ثقل سياسي حقيقي. أن أسوأ الأوساخ هو عدم الرغبة في توسيخ اليدين، بحسب هذا القول الشهير: من امتنع عن أيّ عمل، لا يرتكب الأخطاء أبداً، لكن حياته كلّها خطأ. فأسوأ الأمور هو أن يمارس الإنسان ثقلاً سياسياً، مع زعمه أنه لا يمارس السياسة.
- ففي هذه الحال، يذهب الإنسان ضحية وراثته: أبي الذي ... جدّي الذي ... في الوسط الفلاني ... في الدائرة الفلانية ... الخ. أن التربية التي يحصل عليها الإنسان تؤثِّر أيضاً فيه. أنك تظنّ أنك حرّ، لكنك لستَ حرًّا علي الإطلاق، لأن ضَغط محيطك يعمل من خلالك. فوراثتك وتربيتك وأنانيتك وآراؤك السابقة وميولك العاطفية أو الغرامية التي لم تنظر فيها عن كثب، كل ذلك هو الذي سيرمي ورقة في صندوق الاقتراع. لستَ حرًّا، لأنك لم تعمل علي تحرير نفسك. لا أقول أبداً إن المسيحي حرّ في خياراته السياسية أو الاقتصادية، بدون أن أوضِّح قبلاً أنّ عليه أن يعمل علي تحرير نفسه، بحيث أن يكون إنساناً حراً نظر عن كثب في نفسه ليكون له عمل أصيل علي الصعيد الزمني، لا سيّما وانه يصبح إنساناً حراً بقدر ما يعمل علي تحرير الآخرين. أن اكتساب حريتنا الشخصية يمرّ بالسعي والعمل والقيام بالمهمة البشرية من أجل حرية جميع الناس. وإلاّ، فكونوا علي حذر، لا تكون حريتنا حرية حقيقية.

يسوع هو الإنسان الحرّ بحرية الله الأزلية :
- أن سألتموني لماذا أنا مسيحي،أجبتكم: اخترت الإنجيل مربِّياً لحريتي. فلو كانت البوذية أو الإسلام يربّيان حريتي تربية أفضل، لوجب عليَّ أن اعتنق البوذية أو الإسلام. نعرف جميعاً هذا القول المأثور: أحب افلاطون، لكني أفضّل الحقيقة. فيمكنني أن أقول: أحب يسوع المسيح، لكني أفضّل أعلي مستوى للوجود، وأن لم يكن يسوع المسيح هو الذي يربّي حريتي لأدرك أعلي مستوى للوجود، أبحث عنه في مكان آخر. إذا كان الذي يكلّمكم مسيحياً، فلأنه علي يقين من انه يستحيل علي القرآن أو أُوبانيشاد أو كتب مقدسة أخري أن يرتفع بالإنسان إلي علو الإنجيل. هذا هو يقيني، هذا هو إيماني.
- لا تقوم حرية الإنسان علي القيام بما يريد، بل علي إرادة ما يعمل، أي علي تحمُّل مسؤولية أعماله. لا يكون الإنسان إنساناً صحيحاً، ما لم يتحمَّل مسؤولية حياته. فالحرية الحقيقة هي القدرة علي مواجهة الموت، لا الموت الأخير، والنهائي حتماً، بل ذلك الموت اليومي الذي تفترضه ممارسة العدل والحق والحرية. لا يستطيع الإنسان أن يبذل نفسه ويحتفظ بها. فحين يبذل نفسه حقاً، حين يلتزم تماماً في سبيل الآخرين، لا شكّ أن ذلك يؤلم ويقتضي تضحيات حقيقية. علينا أن نتعلم أن نموت عن أنفسنا، لأننا عبيد أنفسنا خاصة، عبيد تلك " الرغبة في الوجود " التي تستولي علي صميم قلوبنا. مثال الإنسان الحرّ هو المسيح، فقد فضّل الموت علي إنكار نفسه. انه شاهد لحرية الله الأزلية. افهموا أن الحرية ليست القدرة علي الاختيار بين الخير والشرّ. هذه هي حرية الاختيار، ولا وجود لها في الله، فهو لا يستطيع أن يختار الظلم أو البغض. أمَّا نحن المخلوقات، فإننا نبني حريتنا عَبرَ الاختيارات. ويسوع أيضاً وُضع أمام الاختيار وجرب.
- ان مشهد التجربة في البرية مشهد رئيسي إلي أبعد حد، وهو تركيبة أدبية لِما كان دائماً، ولا شك، في حياة يسوع، أي انه ما زالت تستهويه فكرة استخدام قدرة الله للسيطرة. لو أصغي يسوع إلي كلام الشيطان، لكانت حياته كريمة ومجيدة. ان الشيطان هو لسان حال إسرائيل ولسان حالنا نحن جميعاً، بقدر ما نريد أن يكون الله إلهاً يسودنا ويتحكّم فينا، لخوفنا أن نكون أناساً أحراراً حقاً.
- فأَن يكون الإنسان رجلاً حرًّا وامرأة حرّة أمرّ شاقّ. ولذلك نقول للمسيح: أجعل من هذه الحجارة خبزاً ! لن يكون إيماننا علي جانب كبير من الحرية، بل نُرغم علي الإيمان، إذ كيف لا نؤمن بأحد يحوٍّل الحجارة إلي خبز؟ أرغِمنا، لا تخف! لكن يسوع يقول: لا، لا أريد أن أكشف عن إله كاذب، عن وثن. لنكن علي يقين من أن الله لا يمجَّد، أن قدَّمنا له استقالة مهنتنا كبشر، وهي مهنة شاقة. ما أغرب الإله الذي يُسر بأن نستقيل بين يديه بلا قيد ولا شرط! يضع يبغي علي لسان الله هذه الجملة: ركوعُ العبيد، لا يهمّني ذلك علي الإطلاق.

بعض نقاط للتأمل في حرية المسيح :

1- لمّا بلغ يسوع الثانية عشرة من عمره، ترك والدَيه يبحثون عنه في الهيكل مدة ثلاثة أيام( لو 2 ). ولمَّا وجداه، قال لهما بهدوء: " ألم تعلما انه يجب عليّ أن أكون عند أبي؟ ". يجب علي الإنسان أن يكون حرًّا بالنسبة إلي كل ما ألِفَه: الآفاق المألوفة، والآراء المألوفة، والثوب الرهباني المألوف، واللغة الطقسية المألوفة، والسياسة المألوفة. لا وجود للإنجيل في حالة خالصة حتى اليوم، بل يجب الطموح إليه.
- الحرية هي القبول بالشعور بالغربة، وهذا أمر شاق جدًّا، لأنه الفقر الحقيقي. إنه النقطة التي تترادف فيها الحرية والفقر. والمقصود هو موقف أساسي لا يختلط بالشعور بفقدان الجذور. المحافظة علي الجذور في مكان من الأماكن هي جزء من الحياة، من بهجة الحياة. والأفضل هو التأصل ( الاجتماعي وحتى الجغرافي ) والشعور بالغربة.
- أن الشعور بالغربة التامة أمر رهيب. وهناك ألوف من الناس يشعرون بالغربة أمام الكنيسة الحالية ولا يقبلون بهذا الشعور، لأنهم ملاَّكون. نعم، قد تكون الراهبة ملاَّكة ثوبها، قد يكون بعض الناس ملاّكين لغة طقسية، وبعضهم الآخر ملاّكين طريقة معينة في صياغة العقائد. يزعم الناس أنهم يملكون الحقيقية، وينسون أن الحقيقة هي التي تملكهم، فيرفضون الشعور بالغربة ويمسون، من غير أن يعرفوا، علي نقيض الإنجيل.
2- قبل طلوع الشمس، خرج يسوع من الدار التي بات فيها ( مر 1/35-39 ). ولمَّا استيقظ الرسل، أخذوا يبحثون عنه، فوجدوه وقالوا له: عُد إلي كفرناحوم، فأنت بخير هناك، وجميع الناس يعرفونك ويصغون إليك. لابّد من النظر إلي وجه يسوع وهو وجه إنسان حرّ: ففي العالم أماكن غير كفرناحوم. يجب عليَّ أن أذهب إلي الجليل كلّه، ولا أريد أن تحتكرني طبقة اجتماعية أو عِرق أو عشيرة أو كنيسة أو أمَّة. أني حرّ ومتأهّب للعمل بمشيئة أبي. هذه هي الحرية.
3- جاع الرسل يوم سبت ( مر 2/23-28 ). فقلعوا بعض سنابل قمح وفركوا حَبهّا وأكلوه. لكن الفريسيين كانوا يراقبونهم. فدنوا من يسوع وقالوا له: كيف تدع رسلك يفعلون ما لا يحلّ فعله يوم السبت ؟ فأجال يسوع طَرفَه فيهم وقال لهم: إنهم جائعون، أفتريدون أن أمنعهم عن الأكل ؟ أجل، هناك شريعة وضيعة، لكن المحبة فوقها. حرية المسيح بالنسبة إلي أقوال الناس.
4- بعد ذلك بقليل، كان هناك رجل أشلّ اليد منذ زمن طويل، فسأل يسوع أن يشفيه (مر 3/1-6) وكان الفريسيون يراقبون ويتساءلون: أيجرؤ علي شفاء هذا الرجل يوم السبت ؟ ورد في الإنجيل أن يسوع نظر إليهم بغضب، ثم قال للرجل: " مدَّ يدك " وشفاه فخرج الفريسيون من ساعتهم وتشاوروا في أفضل طريقة لقتل يسوع. وكل ذلك منذ بداية الإنجيل كما رواه مرقس. حرية يسوع بالنسبة إلي " ماذا يعملون بي ؟ ". ليعملوا ما شاؤوا، إني إنسان حرّ.

5- لابدّ من الإشارة إلي مشهد تكثير الأرغفة، حيث يبدو يسوع حرًّا بالنسبة إلي المجد البشري( مر 6/30-46 ). كان في إمكانه أن يدعهم يقيمونه ملكاً، فالأمر كان في منتهى السهولة. ولكنه، بدلَ ذلك، أمر الرسل بركوب السفينة وبالاجتياز إلي شاطئ البحيرة المقابل، ثم ابتعد وذهب يصلّي في الجبل. حرية بالنسبة إلي المجد البشري، وبالنسبة إلي جميع الضغوط التي من شأنها إن تُحيده عن الطريق.
6- نراه مرّة أخري في أثناء المحاكمة حيث كان صامتاً. هناك جملة تكرّر عدّة مرات: " أَمَّا يسوع فكان صامتاً " ( مر 14/61و 15/5 ). ما أروع كرامة هذا الصمت ! حرية يسوع بالنسبة إلي أصحاب المناصب والأعيان والعظماء. إنه حرّ. فهل حافظت الكنيسة علي هذه الحرية علي مرّ الأيَّام ؟ لابدّ أن نقوم بفحص ضمير. يحسن بنا أن نقرأ رسالة القديس يعقوب، لأننا نجد فيها أموراً رهيبة في الحرية المسيحية الحقيقية.
7- وهناك أخيراً صورة المسيح علي الصليب، وقد غطَّي العرق والدم وجهه. انه وجه إنسان حرّ فضَّل الموت علي إنكار غاية حياته. كانت غاية حياته تعريف الإله الحق. لو عرَّف قدرة علي السيطرة، لَما ساقه أحد إلي الجلجثة، ولكانت حياته قديرة وممجَّدة، ولَعاش مطمئناً سنين طويلة، ولَما انقطعت الجماهير عن التصفيق له. لكنه عرَّف الإله الذي ليس هو إلاَّ محبة والذي لا يسعه إلاَّ أن يناقض جميع السعادات الكاذبة التي يسعى الإنسان وراءها. لا يجوز أن نخدع أنفسنا، لأن المسيحية تناقض الإنسان. إنها تُكمله وتُنمي شخصيته، ولكن بتناقضها إيّاه. إذا حُوِّل الماء في قانا( رمز العيد )، فإن الخمر حُوِّلت إلي دم في خميس الأسرار. أمامنا دائماً قُطبان: قُطب الأَنسِية وحبّ الحياة، وقُطب ضرورة الموت لملاقاة الله. الانجيل هو تحويل التوق إلي السعادة. ان كان إيمانك المسيحي لا يصدم الذين حولك، فيُخشي ألاَّ يكون صحيحاً وعميقاً. فقد " نُزرع عنه القَهوين" ، كما يقول هـ . سيمون. في عالمنا العصري، لا نمنع الناس من مراوحة مكانهم في النشاطات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. نشكو أمرنا ونقول في أنفسنا إن العالم يسير سيراً سيئاً وإننا لا نعرف إلي أين يذهب. مَن المُخطي ؟ ليت المسيحيين يكونون مسيحيين! لكن الرهان هو الصليب. فإن كان المسيحي يفعل ما عليه أن يفعل، وإن كان حرَّا بحرية المسيح، لم يستطع أن يتخلص من الصليب.
- وبكلمة واحدة، الإنجيل هو الكشف عن " حرية الله المحرِّرة ". هذا هو تحديد المحبة نفسه. محبة الناس هي الرغبة في أن يكونوا ( بالمعني القوى ). والرغبة في أن يكون الآخَر هي العدل، وبالتالي الاحترام الذي هو في قلب العدل. لكن الآخَر لا يوجد، ما لم يكن حرًّا، لأن الإنسان إنما بالحرية هو إنسان. وخارج الحرية، لا إنسانية حقيقية. وفي أخِر الأمر ، ليست الحرية إلاَّ حرية المحبة، لأنه خارجَ المحبة تسود القدرة علي السيطرة التي تَظلم وتمنع الإنسان أن يكون إنساناً علي وجه كامل. " الله محبة " ( ا يو 4/8 ) ونحن " دُعينا إلي الحرية " ( غل 5/13 ). إذا فهمنا أن بين المحبة والحرية تطابقاً وارتباطاً وثيقاً وعميقاً، فهمنا حقاً جوهر الإيمان.

كيف يتحول الكتاب المقدس إلى صلاة
الكتاب المقدس رسالة شخصية من الله للإنسان مباشرة تهدف إلى خلاصه والإرتقاء بروحه لتُعِدَّه للحياة الفُضلى، أي للحياة الأبدية. وفي هذه الرسالة يوضح الله نفسه للإنسان بصورة شخصية خاصة جداً يكشف فيها عن قدراته الفائقة لتُضاف إلى ضعف الإنسان، وعن حبه الفائق ليمتلئ به في قلبه، وعن قداسته ليلبسها فيستر بها عريه، وعن إمكانياته الهائلة في الصفح والغفران والغسل والتطهير للدخول في حياة بنوَّة جديدة لله ليرتاح ضمير الإنسان بهذا الرجاء. ثم من خلال هذا الكشف العميق عن هذه الصفات الإلهية الفعَّالة المحيية للإنسان يدعو الله الإنسان ويُهيِّئه للدخول معه في شركة صادقة طاهرة، فلا يعود الإنسان تائهاً يتلمس الخلاص بعقله وإمكانياته.
والشركة التي يدعوا إليها الله ليست وهمية ولا هي بالكلام القائم على الإقناع البشري، بل أسَّسها المسيح بدمه. إنها شركة تقوم على العطاء والأخذ: الله فيها يعطي روحه، يعطي دمه، يعطي نفسه من خلال عطاياه ومواهبه؛ والإنسان يأخذ ليزداد ارتفاعاً فوق نفسه وتزداد إمكانياته في استيعاب أمور فائقة على إمكانياته، لأن هذا من صميم طبيعة عطايا الله القدير.
ولكن أعجب ما في هذه الشركة أن عطاء الله لا يتوقف على أخذ الإنسان، فالله يعطي مواهبه بالروح بلا حدود، بلا كيل ولا ميزان، حسب سخاء طبيعته الفائقة. لذلك أصبح الجهد كله متوقفاً على قدرة الإنسان في "التصديق" ثم "الأخذ"، ثم "الإستيعاب".
كل الذين دخلوا في هذه الدائرة – دائرة الرسالة الإلهية – أي الكتاب المقدس، تعرَّفوا على الله وقبلوا منه دعوة دائمة للدخول إليه وانفتحت أمامهم خزانة عطابا الله ليأخذوا على قدر سعيهم في الأخذ، فاستوعبوا كل مقاصد الله، وتعرفوا على إرادته الكاملة المرضية من نحوهم، وقليلاً قليلاً إذ حلَّ الله في أحشائهم دون أن يدروا تغَّير حالهم وتبدَّل شكلهم وتجدد ذهنهم وتقووا من ضعفهم، وانطلقوا بما رأوه وسمعوه وذاقوه، خبرات فوق خبرات، وهكذا تحول الإنجيل فيهم من رسالة إلى خزانة إلى شهادة، ثم بشارة بحب الله الفائق.
1- كلمة الله تطبع تأثيرها على القلب.
حينما تقرأ الكتاب المقدس، كرسالة خاصة لك آتية من الله، بوعي روحي والقلب يكون مفتوحاً ومُستقبِلاً باستعداد الطاعة والفرح، تأخذ الكلمات مسارها إلى أعماق الضمير والوجدان الروحي، فتحرِّك وتشكِّل وتطبع تاثيرها الإلهي الفعال كبصمات حية مميزة لمشيئة الله ومسرته ينتعش لها الضمير وتسيل لها الدموع من فرط الإنطباع المريح الذي تتركه الكلمة على الإرادة والضمير، فتصيغ النفس صياغة جديدة أكثر قرباً وأكثر شَبهاً لإرادة الله ومسرته فتدفع الإنسان للشكر والإستزادة من التقدم نحو الله في نور الكلمة. وكأنما المسيح يمسك بيد الإنسان ويقوده ليعبر به مآزق الحياة وظلمات هذا الدهر حتى يوصله إلى قلب الله الآب.
2- المستويات الثلاثة لقراءت الكتاب المقدس والتى تعبر عن درجات ثلاثة للذهن والوعى الروحي المنفتح:
أ‌- الدرجة الأولى عندما يكون العقل نشيطاً فيقوم بعملية المقارنات وفهم الظروف والملابسات وتَطَابق المواقف والأحداث مع شدة وضوح ارتباط أعمال الله. وهذه لا تخلو من منفعة ولذة ذهنية، ولكنها تضعف على ممر الزمن؛ ولا يصيب الروح منها إلا القليل إذا لم توصِّل إلى الدرجة الثانية.
ب‌- الدرجة الثانية وهي عندما يكون الروح نشيطاً أكثر من العقل فإنه يستلهم الحقيقة من وراء العقل بسرعة خاطفة من كل كلمة وكل حادثة دون تدخل كثير من العقل من حيث الربط والوصل والقياس...الخ. وهذا يبهر الوعي الروحي وينشِّط ويفرِّ الروح، ولكن يحتاج إلى المتابعة والمزيد، حتى ينفتح الوعي الروحي أكثر ويصير قادراً على الإنفعال بالكلمة انفعالاً مباشراً.
ت‌- الدرجة الثالثة وحينما يكون وعي الروح نشيطاً جداً والجسد بالتالى معزولاً إلى حد ما وغير متداخل لا بالحواس الفكرية ولا بالحواس الجسدية، تدخل الكلمة مباشرة، كروح وحياة، داخل الوعي للإنسان الجديد فتغذيه وتنميه وتوصله أكثر فأكثر بمصدر الحياة، فيصير الوعي الروحي واسطة جديدة وقوية فوق العقل لفهم كل شيء في الحياة فهماً جديداً روحياً.
3- العلاقة بين الكتاب المقدس والصلاة
قلنا ان أصل الكتاب المقدس الالهي متأت من كون الله هو الذي ألهم كتابته. وقلنا ان الكتاب المقدّس وُلِدَ في حضن جماعة اختبرت حياة إيمان نما ونضج ووصل قمته في سر المسيح الفصحي (الموت والقيامة). ومن يريد أن يختبر معنى الكتاب المقدس العميق، يتوّجب عليه قبل كل شئ ان يحدّد ما يريد عندما يتعامل مع الكتاب المقدس. والكتاب المقدس ليس فقط مرجعاً أو كتاب مقارنة، بل هو فبل ذلك كتاب إيمان، مكان الالتقاء بشخص يسوع المسيح. فنحن نقرأ الكتاب المقدس كي نصبح مؤمنين بشكل افضل، وكي نجد في كلمة الله معنى جديداً لكلماتنا البشرية: "الى من نذهب يارب وكلام الحياة الأبدية عندك" (يو 68:6). قبول الكتاب المقدس يعنى انفتاح الإنسان الحر على عالم الله. ومن يريد أن يبقى سطحياً في تعامله مع الكتاب المقدس لا يجد فيه سوى مجموعة قصص. لذا، فقراءة الكتاب المقدس الحقيقية تعنى قبول العلاقة الموجودة بين الكتاب المقدس والكنيسة، وبين الكتاب المقدس والإيمان، وبين الكتاب المقدس والصلاة. ما هو المكان الذي تحتلّه قراءة الكتاب المقدس في الصلاة الفردية والجماعية؟ ما هي العلاقة بين الكتاب المقدس وروحانيتنا؟ أحدي الأجوبة على هذه التساؤلات نجدها في القراءة الربانية، ففيها نجد التكامل المنشود بين كلمة الله والتحاور معها في الصلاة الفردية والجماعية.
4- الكتاب المقدس هو كتاب صلاة.
للكتاب المقدس علاقة عميقة مع العناصر الثلاثة الأساسية في حياة الإنسان: الكلمة والصلاة والحياة. وهي عناصر متشابكة. فالصلاة ليست عملاً خارجياً عند الإنسان، لانها تنبع من داخله، وتحييه وتجعله واعياً لعلاقته الجوهرية بالله. الصلاة لقاء واتصال وحوار يأخذ فيه لقاء الله شكل كلمة تنير الحياة. لهذا يجب أن تتغذي الصلاة بكلمة الإيمان، كما يجب أن تنطلق من قراءة نص من الكتاب المقدس الذي يحتاج دوماً إلى ان يتجسّد في الحياة. يجب أن تدخل كلمة الله إلى عمق حياة الإنسان وتتفاعل معه بحيث تكوّن حركة مستمرة بين كلمة الله وحياة الإنسان. وهذا يفترض بالضرورة استعدادا داخلياً عند الشخص الذي يتعامل مع كلمة الله حتى يدع الكلمة تعمل فيه وتكشف له معناها الحقيقي.
ولنا في كل ذلك مثال في حياة يسوع المسيح، حيث نري العلاقة بين كلمة الله والصلاة والحياة. فكلمة الله هي الزرع التى يحتاج أرضاً مهيئة لاستقباله كي يثمر. وحياة يسوع المسيح كانت كلها متمحورة حول كلمة الله، وموجهّة نحو طاعة تامّة تنيرها روح صلاة عميقة وحوار متواصل مع الآب. جعل المسيح من الكتاب المقدس مرجعاً ثابتاً لحياته. ويعتبر تصرفه هذه مثالاً لمن يتبعه. فالحياة تؤسَّس على الكتاب المقدس، والصلاة يجب أن تمتلئ من الكتاب المقدس، والوعظ يجب ان يعتمد على نصوص الكتاب المقدّس. وهذا أمر يتطلب عملاً وجهداً، فهو يشبه إلى حدّ بعيد عملية حرث الأرض. فكلما تقلّبت الأرض أعطت ثمراً. وهكذا يمكن أن تحصل بين المؤمن وكلمة الله علاقة تبادل سريّ وحميم. فلكي أتعرّف على داخل الإنسان، لا يمكن أن اكتفي بعلاقة سريعة وعابرة، بل أحتاج إلى علاقة عميقة ومطوّلة كي استشفّ سرّه الداخلي. ونفس الأمر ينطبق على كلمة الله. فالعلاقة بين الإنسان وكلمة الله، علاقة الثقة والمحبة المثابرة، تجعل من كلمة الله خبرة حياة. وقبول كلمة الله في حياتنا، وبالتالى العمل على أن تصبح حياتنا صلاة في ضؤ كلمة الله. فالصلاة أمر ضروري للحصول على الخلاص، والصلاة هي التى تحمل إلى حياتنا نور الوحي وتسير بنا إلى الله.

منهجية ومراحل القراءة الربّانية
ننطلق في وضعنا لمنهجية ومراحل مسيرة القراءة الربانية من نص سفر تثنية الاشتراع: "... الكلمة قريبة منك جداً، في فمك وفي قلبك اتعمل بها" (تث 14:30).
فكلمة الله نقرأها بالفم، ونصليها في القلب، ونتأمل بها لنمارسها. وللقراءة الربانية نفس هدف الكتاب المقدس: "فهي قادرة على ان تجعلك حكيماً فتبلغ الخلاص بالايمان الذي بيسوع المسيح" (2طيم 15:3).
القراءة الربانية هي الاسلوب الافضل لقراءة الكتاب المقدس، فهي صلاة من الكتاب المقدس ومع الكتاب المقدس.
نستخدم في تقديمنا لمراحل مسيرة القراءة الربانية المخطط الكلاسيكي للتقليد الآبائي والرهباني، المبني على المخطط الكتابي، مع التشديد على بعض النقاط التي توحيها الممارسة الراعوية والتي تبلورت على مدي سنين طويلة، من خيرة اشخاص وجماعات كنسية ورهبانية.
المرجع المتعارف عليه لمنهجية القراءة الربانية هو رسالة الراهب الكرتوزي جويجو Guigo إلى صديقه جرفازيو Gervasio، بعنوان: "سِلَّمُ الرهبان أو في الحياة التأملية"، يقول: "بينما كنت منهمكاً في العمل اليدوي، اخذت افكر في نشاط الإنسان الروحي، فتبادرت إلى ذهني وتفكيري اربع درجات روحية: القراءة Lectio، والفهم (التفكير) Meditatio، والصلاة Oratio والتأمل Contemplatio. هذا هو السلم الذي بواسطته يرتفع الراهب من الارض إلى السماء. درجات هذا السلم قليلة، إلاَّ أنها تبلغ من العلو حدّاً يفوق الوصف. قاعدة هذا السلم منغرسة في الأرض، وقمته تخترق الغيوم وتسير اسرار السماء".
ينطلق مؤلف هذه الرسالة من نص إنجيلي يدور حول الصلاة جاء في إنجيل متى، يعرض من خلاله المراحل المختلفة لطريقته: "اسألوا تعطوا، اطلبوا تجدوا، اقرعوا يفتح لكم"( متى 7:7). ويعلق مؤلف الرسالة على كلام يسوع: "ابحثوا بالقراءة، تجدوا بالتفكير، اقرعوا بالصلاة، يفتح لكم بالتأمل"
وهكذا يختصر الراهب طريقته في اربع مراحل: القراءة، والفهم (التفكير)، والصلاة، والتامل. ثم يواصل موضحاً فكرته: "القراءة تبحث، والفهم (التفكير) يجد، والصلاة تطلب، والتأمل يتلذذ ويتذوق. تحمل القراءة، نوعاً ما، طعاماً دسماً إلى الفهم، والتفكير يمضغه، والصلاة تشم رائحته الزكية، والتأمل هو الحلاوة التي تعطي فرحاً وتشحذ القوى. تبقي القراءة على السطح، بينما يدخل التفكير في القلب، والصلاة تدفع إلى الطلب، والتأمل يمنح التلذذ بالحلاوة التي تم الحصول عليها"
يعلق E. Bianchi بيانكي على هذا بقوله: "اطلبوا الروح القدس، تحصلوا على القدرة للقراءة" أي النور للدخول في رسالة كلمة الله.
يتّضح مما سبق ان عملية التنشئة على القراءة الربانية عملية ديناميكية وواحدة، تجمع بين القراءة والفهم والصلاة وتأمل كلمة الله. يؤكد الراهب جويجو:
" القراءة بدون تأمل عملية جامدة، والتفكير بدون القراءة يؤدي إلى الضلال، والصلاة بدون تفكير فاترة، والتأمل بدون صلاة غير مثمر. الصلاة الحارة تؤدي إلى التأمل، بينما موهبة التأمل بدون الصلاة نادرة وعجيبة".
الباب الواسع الذي من خلاله ندخل غلى هذه العملية، هو الدعاء إلى الروح القدس.
المراحل الثلاث الاولى: القراءة والتفكير والصلاة، مراحل اساسية، وتكوّن الجهد الشخصي للمؤمن الذي يريد الاتصال بكلمة الله. وهذه المراحل الثلاث للجميع على حد سواء، للمثقف ولغير المثقّف وللإنسان العادي. الجميع بدون استثناء بحاجة إلى نفس الاسلوب لاستيعاب كلمة الله.
يظهر حضور الله في العالم، بحسب التقليد اليهودي، من خلال التوراة، كلمة الله، ويدخل الإنسان إلى هذه الكلمة من خلال القراءة والفهم والصلاة. وهذه المراحل الثلاث هي ايضاً في التقليد المسيحي المراحل الاولى والاساسية للقراءة الربانية.
1- استدعاء الروح القدس
استدعاء الروح القدس هو الخطوة الاولى في مسيرة القراءة الربانية، هو الصلاة التي تطلب النور الضروري للتقدم من كلمة الله ولفهمها. ان هذا الروح القدس يساعد اليوم على فهم ما يكشفه الله للمؤمن الفرد أو لجماعة شعب الله. اذاً، في كل مرة نفتح فيها الكتاب المقدس، فردياً ام جماعياً، يجب البدء دائماً بالدعاء إلى الروح القدس، لأن القراءة الربانية ليست تفسيراً علمياً للكتاب المقدس، مع انها تلجأ إلى هذا التفسير وتستخدمه، بل هي نعمة من الروح القدس. هذا الروح هو الملهم والمفسر الحقيقي للكتاب المقدس. هو الذي يُدخل في أُلفة مع الروح القدس، هو فقط يعرف غني محتوي الكتاب المقدس، وعمق كلمة الله.
يمكن الدعاء إلى الروح القدس بكلمات عفوية أو بالاستعانة ببعض آيات مزمور 118، الذي هو أفضل مزمور يساعد على سماع كلمة الله، ومن ثم للقراءة الربانية.
كانت الصلاة إلى الروح القدس عند آباء الكنيسة، العمل الاول للدخول إلى الكتاب المقدس، لان الكلمة تصبح حية فقط عندما ندخل في سركة مع الروح القدس المقيم والساكن فيها.
كان القديس افرام السرياني يعطي النصيحة التالية لمن كان يسأله عن كيفية قراءة الكتاب المقدس: "صلِّ قبل القراءة، واطلب من الله ان يكشف لك نفسه".
وكان القديس يوحنا فم الذهب يصلي عند فتحه الكتاب المقدس: " افتح، ايها الروح القدس، عيون قلبي لافهم واتمم مشيئتك[...]. نوّر عيني بنورك".
الروح القدس هو الذي يفتح عقل المؤمن ويرشد قلبه خلال سماعه للكلمة. والروح القدس، مؤلف الكتاب المقدس، هو وحده يستطيع ان يكشف الاسرار المخفية، ويسبر عمق الوحي، ويعمل على اكتشاف خطة الله الخلاصية في التاريخ (1كو 10:2). هو الذي يعلن صوت الانجيل الحي في الكنيسة ويُدخل إلى ملء الحقيقة (الوحي الإلهي 8). الروح القدس، اذن، الذي عمل في الكّتاب الملهمين والانجيليين في الماضي، يعمل اليوم في من يقرأ الكلمة، التي تثمر فقط اذا كان الروح القدس يُحي من يقرأ.
يقول القديس غريغوريوس الكبير انه كما ان الروح القدس اختار وهيأ انبياء في الماضي، كذلك يقيم ويرشد الانبياء في الزمن الحاضر: "الروح القدس الذي مسّ قلوب الانبياء يمس روح القارئ". الروح القدس هو وحده عامل النمو، إنه يحي الكنيسة من الداخل ويدفعها إلى الامام. أن الروح نفسه الذي حلّ على مريم وعلى الرسل في علية صهيون، هو نفسه يحل على كل محبّ للكلمة وكل تلميذ لها.
عديدة هي مفاعيل استدعاء الروح القدس. فالصلاة إلى الروح القدس، تستبعد اولاً احتكار كلمة الله وتفسيرها تفسيراً شخصياً واعتباطياً يقود إلى نكران حقيقة واقع كلمة الله في الكنيسة. زد على ذلك، إيجابياً، أن الدعاء إلى الروح القدس يخلق في القارئ الذي يصلي أمام الكتاب المقدس، التجرد من الذات، وطهارة القلب والارتداد إلى الكلمة، والانقياد لها. انها عواطف تحرره لأن يقبل افكار الله بكلّ حب.
تولِد الصلاة إلى الروح القدس ايضاً روح التواضع العميق، وتجعلنا نقترب من النص الكتابي بحسّ مقدس، وسجود خاضع ووداعة أمام السر. هي ثمرة التوافق بين الارادة البشرية وعمل الروح القدس. كل هذا يتطلب جوّا من الصمت، ووقفة تأمل، وهي استعدادات اولية لقراءة الكتاب المقدس، ستساعد لاحقاً على تحضير مشروع حياة مبني على كلمة الله، كمرجع أساسي لروحانية مسيحية ولنعمة التمييز التي يهبها الروح القدس.

2- القراءة
ماذا تقول كلمة الله بحد ذاتها؟
القراءة هي المرحلة الاولى في مسيرة القراءة الربانية. تخلق القراءة بين المؤمن والكتاب المقدس نوعاً من الألفة الانسجام، وتصبح كلمة الله كلمتنا القادرة على ان تعبّر عن حياتنا وعن تاريخنا (1كو 11:10).
قراءة كلمة الله ليست عملية سطحية، بل تتطلب انتباهً واصغاءً لأن الهدف منها ليس تعميقاً او تطبيقاً، بقدر ما هو اصغاء وقبول لكلمة الله باستعداد وتهيّؤ كامل.
والقراءة تتمّ في يقين الاصغاء إلى شخص: شخص حي يتكلم، وهو الله نفسه. في القراءة – يقول القديس ايرونيموس – "افتح الاشرع للروح القدس".
ماذا تعني قراءة نص من الكتاب المقدس؟
تعني أن نقرأ النص ونعيد قراءته عدة مرات، وبصوت مرتفع، معلّمين بالقلم الكلمة او الجملة او الفكرة التي اثارت الاعجاب او لفتت الانتباه. كما تعني اظهار الاقسام الاكثر اهمية في النص: المحتوي والاشخاص والبيئة والمشاعر او العواطف، والصور والرموز، ودينامية الاحداث، والنصوص المتشابهة والنصوص المشتركة. باختصار، ان نعرف كيف "نقرأ الكتاب المقدس مع الكتاب المقدس".
كما يعني ذلك طرح بعض الاسئلة على النص: من هم الاشخاص الرئيسيون والثانويون؟ ما هي الاحداث ذات المعني للكاتب؟ أين ومتى تجري الاحداث؟ ما هي الصور والرموز التي استعُعملت؟ ما هي الرسالة التي اراد الكاتب ايصالها لمعاصريه في ذلك الوقت؟
الكتاب المقدس، كتاب يجب "البقاء معه" والعمل فيه" دون تسرع. الامانة والمثابرة توصلان تدريجياً إلى فهم النص واكتشاف التدّد المستمرّ الذي تحتويه كلمة الله.
هذه المرحلة من القراءة، اذن، هي مرحلة التفتيش عن المعني الحرفي – التاريخي لنص الكتاب المقدس، مع المحافظة على احترام النص. والقراءة ليست هدفاً بحد ذاتها، بل يجب ان تهدف الى ادخال كلمة الله في حياة المؤمن والى الحوار الذهني معها. ويمكن الاستعانة في هذا الجهد، حسب متطلبات القارئ وظروفه، ببعض النصوص الكتابية – الآبائية أو الازائية، او بتعليق كتابي بسيط على النص. فالاستعانة بدليل يساعد على البحث عن معني النص بشكل جدّي.
ان ما يساعد على الدخول إلى معنى النص وعلى بدء حوار مع الله هي القراءة المتيقظة للكلمة، والمتّحدة بخبرة الحياة. يقول البابا بولس السادس في ذلك: "ان يُعمَّق فهم النص" في ذلك الزمان" بخبرة "هذه الايام" من خلال اقامة نوع من التجانس بين احتياجات اليوم ومعطيات النص المقدس، هو شرط يسمح لنا أن نسمع كلمة الله فعلاً".
تساعد القراءة بهذه الطريقة على تكوين نظرة واضحة واكيدة لقراءة الحياة في ضوء مخطط الله، وعلى تخطّي عقلية التعلّق بالمعنى الحرفي للكتاب المقدس.
ولا ختيار نصوص القراءة الربانية، يمكن الاستعانة بالنصوص الليتورجية. يتّفق التقليد المسيحي على الاسلوب الذي تتبعه الكنيسة في الليتورجية، كقاعدة للقراءة الربانية، بحيث أن استعمال القراءت الليتورجيا، يتجاوب مع وظيفة تحضير وتعميق الاصغاء الليتورجي إلى كلمة الله.
إلاَّ أنه يبدو أن الأسلوب المفضل للقراءة الربانية هو القراءة المتتابعة لكل الكتاب المقدس، كتاباً بعد كتاب، دون حذف الآيات الصعبة والتي تبدو قليلة الاهمية، (لانها هي ايضاً ضروروية لاستيعاب كل سياق الوحي، ولتربية المؤمن على العلاقة الصحيحة مع كلمة الله). على كل حال، يجب التذكير ان القراءة الكتابية تتطلب وقتاً محدداً، ومثابرة يومية، وامانة دائمة. لا يمكن ترك القراءة الربانية لأوقات متقطعة، وكمادة لتعبئة وقت فراغ من اوقات النهار. وبما أنه عمل مهم ومصيري للنمو في الحياة المسيحية، فهو يتطلب نوعاً من القشف والنظام، ووقتاً محدداً والتزاماً جاداً في مسيرة الحياة الروحية.
يجب ان تتم القراءة الربانية باستعمال جميع الطاقات: الشفاه تلفظ الكلمات، وتثبت في الذاكرة، وتفهم بالعقل، وتمارس بالارادة.
كان آباء الكنيسة يقولون باستمرار أن أي نصّ كتابي، تتم معرفته تماماً، ويحفظ غيباً، ويصبح عملياً عندما يعاد تكراره يومياً.
يقول القديس امبروسيوس: "عندما يبدأ الإنسان بقراءة الكتاب المقدس، يبدأ الله بالتنزه معه في الجنة الارضية".
3- الفهم
ماذا تقول ليّ كلمة الله؟
بعدما ادخلتنا القراءة في أُلفة مع النص الكتابي، لدرجة أنه اصبح "كلامنا نحن"، نصل إلى المرحلة الثانية في مسيرة القراءة الربانية، وهي مرحلة الفهم أو التفكير "التي لا تبقي في الخارج أو على السطح، بل تسير إلى الاعلى، وتدخل في الاعمق، وتسير كل الخصوصيات".
يقول كاسيانو Cassiano : "ان دخلنا في منطق الأحاسيس التى تَمّت كتابة النص الكتابي بها، نصبح نحن المؤلفين، إلى حد ما".
الفهم هو الوقت الذي فيه يكلمنا الله، لذلك علينا أن نصمت، ونرهف السمع: "سأسمع إلى ما يقول الرب" (مز 9:85).
الفهم يلفت الانتباه إلى الجهد الذي يُبذل لوضع النص موضع التطبيق، وإدخاله ضمن نطاق حياتنا وواقعنا الشخصي أو الاجتماعي. فالنص الذي كُتب من اجلنا، يجب ان "يتكلم معنا": "استمرار طبيعي وضروري للقراءة، ويفترض أن اعرف كيف اخلق في قلبى مساحة تدوّي فيها كلمة الله، وتتعمّق فيّ وتجعل منى مكتبة حية ". هذا ما طلبه الله من النبي حزقيال: "جميع الكلام الذي اكلمك به خذه في قلبك واسمعه باذنيك" (حز 10:3).
الفهم هو البحث عن القيمة الدائمة للنص، وهي الحقيقة المخفية التي يجب اكتشافها وتفعيلها. الفهم هو البحث عن نكهة كلمة الله، لا العلم أو المعرفة؛ هو التفتيش عن وجه المسيح وراء كل كلمة. هو هضم كلمة الله بحيث تنطبع في داخلنا. الفهم هو اغلاق العيون امام الرب، ومواجهة الحياة مع النص، وتوضيح المشاعر والمواقف التي تنبعث من كلمة الله. ولنا في ذلك مثال العذراء مريم، التي بقيت، نهاراً وليلاً، تردد وتفكر وتبحث لتفهم كلمة الله. ثم مثال الرجل الحكيم في الانجيل (لو 19:2و 51). يقول القديس اغسطينوس، على أنه يجب اجترار النص، ومضغة في الفم، قبل ادخاله إلى القلب، واظهاره في الحياة" (راجع حزقيال 1:3-3).
في التقليد الروحي، يمرّ الفهم في ثلاث مراحل:
المرحلة الاولى: هي تحديد سريع للرسالة الرئيسية في النص الذي هو موضوع الفهم. ثم ربط هذه الرسالة مع سر المسيح الذي تتوحد حوله كل النصوص المقدسة. المطلوب هو تحديد النقطة المركزية، التي ستنفتح لاحقاً على نصوص اخري مماثلة، والتي ستقود ذاكرتنا الكتابية إلى توحيد الكل، كي يتم احراز الثمار الروحية الاولى.
عندما يتكلم آباء الكنيسة عن هذه النقطة يستعملون مثل النملة التي تلتقط الطعام وتضعه على حدة، ويستعملون في ذلك الفعل اليوناني Synaghien (= يجمع، يضع معاً).
المرحلة الثانية: يتمّ فيها اختيار افكار تمّ جمعها في المرحلة السابقة. كان الاقدمون يستعملون صورة النحلة التي تعمل لتصنع العسل، ويدعون هذه العملية meletan من فعلmeletao (= يعمل العسل). يقول Guerrico d'Igny "انتم يامن يتسلّقون درجات الكتاب المقدس، يجب الا تمروا عليها بسرعة وبنوع من الاهمال. احفروا كل كلمة لتخرجوا منها الروح. تمثلوا بالنحلة العاملة التي تجمع من كل زهرة عسلها".
في هذه المرحلة يتم جمع الكلمة التي زُرعت في المرحلة السابقة وحفظها في ارض طيبة، فيُسهَرعليها بمحبة، تاركين بكل ثقة المجالَ للرب كي يعمل هو فيها.
المرحلة الثالثة: هي مرحلة المواجهة، عندما تصبح الكلمة التي تم استيعابها نورا وقوة تضيء الحياة وتوجهها بكل ثبات نحو الله. او انها كما يقول آباء الكنيسة، مرحلة اخراج البذور من القشور؛ وكانوا يستعملون كلمة Synkrisis من فعل Krinein (= يقشر). ويشعر الإنسان الذي يفكر في كلمة الله، بمفعول نار تُدفئ قلبه وتوجهه في طريق اختبار الله.
احدى الطرق العملية والبسيطة في عملية الفهم هي طرح اسئلة على النص: ما هي الفكرة والقيمة الاساسية للنص؟ لماذا هذا النص مهم بالنسبة لي؟ ماذا يقترح علي او كيف يحثّني؟ في أية شخصية من شخصيات النص أجد نفسي؟ ما هي المواقف والمشاعر التي ينقلها إلي؟ كيف استطيع بهذه الافكار تنوير حياتي؟ المطلوب هو العمل على ادخال كلمة الله في صميم القلب، ومن ثم تجنيد كل الطاقات لمواجهة الذات مع هذه الكلمة، ومن ثمّ الدخول في الكلمة والارتداد اليها.
والنص الذي يتمّ مضغه مطوّلا بهذه المواجهة الشخصية، يجب ان يستمر المؤمن في ترديده طيلة اليوم، جاعلاً كلمة أو جملة من النص تدوّي في داخله، ويردّدها في غمرة اعماله اليومية. وهكذا يساعدنا الفهم على قطف "المعنى الروحي"، أي، المعنى الذي يريد روح الله أن يوصله اليوم الينا والى كنيسته من خلال النص الكتابي.
كان كاسيانو يقول ان الحصول على فهم النص يتم عندما تصبح كلمة الله خبرة حياة:
"ما نشعر به يسمح لنا بعدم الاقتراب من النص كأنه كلمات تُسمع فقط، بل كأمر نختبره ونلمسه باليد؛ لا كقصة خارجية وغير معروفة، بل كأمر يشعل يشعل اعماق قلبنا، ويخصّ المشاعر التي تؤلف جزءاً من كياننا. نكرّر: ليست القراءة هي التي تُدخلنا في معنى الكلام، بل الخبرة المكتسبة مسبقاً من خلال الحياة اليومية".
وهنا يساعدنا الفهم على تعميق البعد الشخصي لكلمة الله. فان الكلمة الملفوظة تكتسب قيمة ليس فقط بالنسبة للفكرة التي تتضمنها، بل بالنسبة للشخص الذي يلفظها والى الطريقة التي يشهد لها. في تأمل كلمة الله، يتسع قلبنا حتي يفهم قلب الله نفسه، لان الروح يعمل في داخل الكتاب المقدس (راجع 2تيم 16:3) ويساعدنا على اكتشاف المعنى الكامل لكلماته (راجع يو 13:16).


4- الصلاة
ماذا اقول للرب بواسطة كلمة الله؟
يتم الانتقال من الفهم إلى الصلاة، عندما يصبح واضحاً لنا ماذا يطلب الله منّا. نسأل بعفوية: "ماذا اريد أن اقول لله؟. هذا هو وقت الدعاء.
فالصلاة تعنى أن نجيب على الله بعد أن نكون قد سمعناه، وان نقول "نعم" لارادته ولمخططه علينا. يقول القديس اغسطينوس: "صلاتك هي محادثتك مع الله. عندما تقرأ الكتاب المقدس، يتكلم الله معك؛ وعندما تصلى، تتكلم أنت مع الله".
اكتشفنا بالتفكير ماذا يقول لنا الله خفية في ضمائرنا. والان علينا أن نردّ على كلمته بالصلاة. بمعنى آخر، بعد أن دخلت كلمة الله في عالمنا الداخلي، تعيدها الصلاة إلى الله تحت شكل دعاء أو نداء.
الصلاة هي الفترة التى فيها نتحد بالشعور الديني الذي يوحيه ويوقظه النص في داخلنا. فكلمة الله التى اصبحت صلاة، تصبح بالنسبة لنا سبب مديح وشكر ودعاء وثقة وتوبة وبركة. يقول القديس اغسطينوس أيضاً: "اذا كان النص صلاة، فصلوا؛ واذا كان أنيناً فإنّوا؛ واذا كان عرفان جميل، فكونوا فرحين؛ واذا كان نص أمل ورجاء؛ اذا كان يعبّر عن مخافة الله، فخافوا. فإن الامور التى تشعرون بها في النص الكتابي هي مرآة انفسكم"
الصلاة هي إعادة الكلمة التى أعطانا إياها اليه. كان القديس امبروسيوس يقول" عندما نصلي، فنحن نكلّم الله؛ عندما نقرأ الكتاب المقدّس نسمع له".
في القراءة الربانية، تنمو فترة الصلاة على شكلين: من خلال ما يمكن تسميته "الصلاة المركّبة" أو "الصلاة المبسطة".
يتم التعبير عن الشكل الاول بالشكر والمديح والاحتفال، ومن ثم بالتواضع والطلب. فالاشارة الحقيقية أننا نقوم بالقراءة الربانية، هي عندما نتوصل مع كلمة الله إلى التسبيح والاحتفال بالرب كشخص حي في حياتنا وكياننا، كما في الآخرين.
ونصل إلى الشكل الثاني عندما نتحقق ان الصلاة تقودنا إلى أمر في غاية البساطة، من خلال مسيرة تحملنا اولاً على التركيز على عدد قليل من كلمات النص، ومن ثم، توحد صلاتنا، بما فيها من مشاعر التسبيح والتواضع والطلب والشكر، والثقة وغيرها، لان كل ذلك ينصهر في حوار عميق مع الله.
وعلى كل واحد ان يجد طريقته الخاصة في الصلاة، سواء بالتركيز على الصمت أو على السمع أو القدرة على الاندهاش أو الإيمان.
يجب ان يغذّي كل واحد باستمرار، من خلال صلاته، عالمه الثقافي والفيسيولوجي والروحي، وأن يكتشف ذاته، وكيفية الاتصال مع الله ومع الآخرين.
وفي هذه المسيرة، الروح القدس وحده يستطيع ان يؤسم في عمق القلب، الطريق التى تقرب من كلمة الله التى نحن مدعوّون إلى عيشها.
يجب أن لا ننسي ان اله الصلاة هو اله الخلاص وهو اله الحياة. في هذا الضؤ لا يمكن أن تكون الصلاة خبرة منفصلة عن الحياة أو عملاً منفرداً. لا يوجد صلاة من جهة وحياة من جهة اخرى. نحن نصلي ما نعيش ونحب الله من خلال اوضاعنا والامور المحسوسة والواقعية التى نعيشها.
تحويل كلمة الله إلى صلاة يعني أن نعكس انفسنا في الواقع المؤلف من افراح واحزان، من انتصارات وانكسارات، وان نواجهه مع ارادة الله.
الصلاة تعني ان نطلب من الله، بثقة بنوية وبثبات، القوة لكي نقوم بواجباتنا ونتحمل اوضاعنا كما يريد الله، وان نرغب بالفعل في الحصول على ما نطلب. فنحن لا نستطيع ان نصل إلى صلاة متجسدة والى عمل معاش بعمق روحي، طالما يوجد شرخ بين الصلاة والعمل. فقط من يحب بشكل حقيقي يستطيع ان يحول كلَّ واقع الحياة صلاة، لان الصلاة هي بداية العمل؛ ان نصلي لا يعني فقط التعبير عن عواطف، بل البحث عن ارادة الله والعمل بها بكل كرم وفرح.
5- التأمّل
ما هي العطايا التي انالها وما هي الثمار الروحية التي أجتنيها؟
يمكننا في القراءة الربانية أن نتوقف عند مرحلة الصلاة، لان كل صلاة هي تأمل. إلا أنه في موضوع القراءة الربانية، تصبّ الصلاة في التأمل، كتتويج وثمرة طبيعية له، في الوقت الذي يتم تذوق كلمة الله في القلب.
ليس التأمل مجرد تقنية أو أمراً مضافاً من الخارج، بل هو عطية من الروح القدس، ينبع من خبرة قراءة ربانية جيدة: التأمل هو معرفة الله واختباره في القلب، انه تركيز تأملي على سر الله. عن هذا يتكلّم الرسول يوحنا في انجيله: "الحياة الابدية هي ان يعرفوك انت الاله الحق وحدك ويعرفوا الذي ارسلته يسوع المسيح" (يو 3:17).
إذا كانت القراءة والفهم والصلاة هي الفترة العملية للقراءة، أي تلك التي تتطلب تعاوننا وجهدنا، وأمانتنا اليومية لكلمة الله، فالتأمل هو فترة الفراغ الخاصة، التي نترك فيها المبادرة لله.
لا يمكن أن نصل إلى التأمّل بواسطة مجهود شخصي أو تمرين إرادة؛ التأمل هو وليد صلاة طويلة متمركزة حول كلمة الله. وثمرة هذا التأمل هو حضور الرب، الذي يثير فينا الاندهاش والتعجب، وهو أيضاً نظرة صافية للواقع بعيني البسطاء، وبملء الإيمان وافرح والسلام. الألفة مع الله عميقة وحقيقية، حتى وان كانت على مستوى الإيمان، وتطلّبت الصمت، لانه لا مجال لقول أي شيء. عندها يُدخلنا الله للتأمّل في سرّه، سرّ الآب والابن والروح القدس.
التأمّل يعني أن ننسي الأشياء الهامشية وان نهتم بالاساسي والجوهري، فنكتشف بقلبنا حياتنا الشخصية، ونكتشف سرّنا أمام سرّ الله، بنظرة البساطة والسجود، بنعرفة واختبار الله الآب الذي يحبنا كأبناء. نشعر بالحاجة إلى أن ننظر فقط إلى يسوع، وان نستريح فيه، وان نقبل محبته لنا، وان نقبل ملكوت الله في داخلنا واثقين اننا اختبرنا الله.
التأمّل هو النظر بعين الاعجاب، في صمت، إلى سر الله – الآب، وسر المسيح – الصديق، وسر الروح القدس – المحبّ.
التأمّل هو الاكتشاف الصافي الشفاف لحقيقة الله. وهذه هي ميزة البسطاء واطهار القلوب وفقراء الله. وهي ليست ثمرة موهبة خاصة، او جهد مضاعف أو انخطافات. المهم هو أن نترك لروح الله المجال ليعمل فينا، عارفين أنه عطية من الآب الذي هو محبة.
التأمل، الذي هو نتيجة القراءة الربانية، هو وضع من يدخل في عمق الاحداث ليكتشف ويتذوق حضور كلمة الله العاملة فيها والخلاقة. وهو ايضاً، وضع من يلتزم بعملية التغيير التي تحقّقها كلمة الله في داخل التاريخ البشري.
التأمل يحقق ويضع كلمة الله موضع التنفيذ، جاعلاً منها خبرة لذيذة، تسبق الفرح "الذي اعده الله للذين يحبونه" (1كو 9:2). عند هذه النقطة، تنتقل أمور المؤمن وانشغالاته الشخصية إلى الدرجة الثانية مقابل الاختبار الموضوعي للتأمل، الذي يجب أن يوصل بالضرورة إلى الممارسة مع كل كائن بشري لتوصل اليه الله وحضوره، وكل قيم الحياة الإنسانية والروحية الكبري. عندئذ تصبح القراءة الربانية "التي وصلت إلى عتبة الرؤيا، اسكتولوجية (أُخرويّة)، وتحضّر إلى اللحظة النهائية التي هي مجيء المسيح، عندما يصبح التأمل أمراً لا ينتهي. تعطي القراءة الربانية تلك الثمرة التي تعجّل مجيء المسيح النهائي والاخير وتُنبئ به".
نريد، كخلاصة لهذا الوصف المرحلي للقراءة الإلهية، ان نستشهد بفكرة E. Bianchi بيانكي، الذي ينهي تقديمه لنفس الموضوع قائلاً:
"لقد تحققنا ان المؤمن الذي يتبع هذا الاسلوب، ويطبّقه حسب متطلباته الخاصة، يشبه رسّام الايقونات[...]. رسم ايقونة هو القيام بقراءة ربانية مرئية، مترجمة إلى صور، لأنه من خلال الرسم، كما من خلال النص، يظهر قليلاً قليلاً، وجه المسيح المليء بالنور والمجد الذي نراه في التأمّل".
6- التطبيق
من القراءة الربانية إلى القراءة الربانية الجماعية
مع القراءة الربانية الفردية، هناك ايضاً القراءة الجماعية، أو المشاركة في الكتاب المقدس.
ليس سماع كلمة الله عملاً فردياً فقط، اذ أن له بالضرورة وجه جماعي. فالقراءة والفهم نشاط فردي وجماعي. ومشاركة ما تقوله كلمة الله لكل واحد هو غني يجب ان لا نهمله أو نقلل من قيمته، بل أن نتقاسمه، لأنه يوضح البعد الكنسي للكتاب المقدس، ويحمل الجماعة على أن تنمو معاً في معرفة وقبول الذات والآخرين، والتقدّم في الإيمان وفي الحياة الروحية.
يقول القديس اثناسيوس في كتابه (حياة القديس انطونيوس): "تكفي الكتب المقدسة لتعليمنا، ولكن حسن جداً أن نعظ بعضنا البعض على الإيمان وان نرشد بعضنا بعضا بالكلام". لذلك من المهم أن تُقرأ كلمة الله ويُفكر فيها وتُصلى فقط بشكل فردي، بل، وبالخصوص بشكل جماعي.
ما هي القراءة الربانية الجماعية او المشاركة؟ هي السماع الجماعي للرب من خلال كلمته. فبينما يبحث كل اخ أو اخت عن بنيان نفسه أو جماعته، يعبّر بكل صراحة وبساطة قلب عن مواقفه الخاصة من الكلمة المسموعة التي استوعبها وكانت موضوع صلاته الشخصية.
الهدف من القراءة الربانية الجماعية هو تحقيق نوع من الحوار بين اشخاص التقوا، في جو من الصمت المنصت، في حضرة الله الذي يكلمنا من خلال الكتاب المقدس، لنصل بمساعدته إلى تحويل هذه الكلمة إلى صلاة.
هناك بالطبع بعض الشروط المطلوبة لكي يستطيع كل واحد أن يشترك في هذا الحوار الجماعي، على سبيل المثال: التوزيع إلى مجموعات صغيرة من سبعة إلى تسعة اشخاص، الاستعداد للتعلّم وقبوله عندما يأتي من الآخرين، قبول وانفتاح نحو كل اخ أو أخت، وتجنّب أي موقف نقد أو حكم مسبق تجاههم، الاقتناع ان كل مؤمن يملك الروح القدس، وبالتالي، يمكن أن يكون الوساطة التي يستعملها الله لينير حياة الآخرين.
هذه الاستعدادات شروط لابد منها كي نهيء بسهولة جواً حقيقياً للتفكير بكلمة الله، فنصل إلى الهدف الاخير للمشاركة، الذي هو البنيان المشترك للإيمان، والنمو في المحبة الاخوية والتعزية في الرجاء.
في مثل هذه الحوارات المشتركة بين المؤمنين، يجب ابعاد كا أنواع المجادلات والمناقشات التي من شانها أن تفقد هذه الاجتماعات صفتها الخاصة كقراءة ربانية جماعية، تبحث عن الله وةتبادل خبرات الإيمان بين الاخوة والاخوات، ومعرفة وفهم حكمة كلمة الله التي تعمل على بناء ملكوت الله في ذاتنا وفي الآخرين.
يعطي القديس باسيليوس نصائح مهمة وثمينة للذين يبحثون عن المشاركة في كلمة الله:
"تكلم بعد معرفة الموضوع؛ اسأل دون الرغبة في الجدال؛ أجب دون تكبر؛ لا تقاطع من يتكلم ويقول اشياء مفيدة؛ لا تتدخل بروح التعالي؛ كن متزناً في الكلام وفي السماع؛ تعلم دون أن تخجل؛ علّم دون انتظار منفعة شخصية؛ لا تُخف ما تعلمته من الآخرين".
انها كلمات حكيمة تعكس خبرة حياة وتظهر بعض السلبيات التي يجب تجنبها اثناء الاشتراك في حديث عام، كالرغبة في اثبات الذات وفرض الافكار الخاصة، والتفتيش عن الكلمات العلمية الصعبة، واظهار البراعة الشخصية في عرض الافكار من خلال اسئلة صعبة وقليلة الاهمية، مغلقين بذلك الطريق أمام حكمة كلمة الله الحقيقية، ومحبطين قلوب البسطاء الذين لا يملكون ثقافة وعلماً كافيين.
من الطبيعي أن تتعرّض المشاركة الاخوية في كلمة الله إلى بعض المخاطر، خصوصاً لمن هم مبتدئون في هذا المجال، كسطحية العرض، والعاطفة الدينية الطبيعية، والخوف من عرض فكره الخاص، واخفاء الشخصية تحت ستار الصمت أو التعبير عن فكرة ما بهدف لفت النظر، او الالتجاء إلى العلم الواسع للهدف عينه. هذه المصاعب يجب ان لا توقف هذه الممارسة الدينية التي اعتبرها آباء الكنيسة ذات فائدة كبيرة للنمو الروحي في الجماعة المؤمنة. كما يجب التذكر ان المشاركة الجماعية تعطي نتائج جيدة ان كان الحوار الاخوي يتغذي بكلمة الله ويصبح نتيجة خبرة شخصية لحياة روحية توضع في خدمة الآخرين.
ما هو الاسلوب الذي يجب اتباعه في عملية المشاركة الجماعية في كلمة الله؟ سنقترح، استناداً إلى خبرة نضجت عبر السنين من ممارسة القراءة الربانية الجماعية في بيئات مختلفة ومع أشخاص مختلفين، تفصيلاً من ست مراحل متتالية يجب الالتزام بها، حتى بوجود محرك للصلاة، يقوم بإحياء وتسهيل حُسن سير الأمور.
1- يبدأ اللقاء بصلاة أو دعاء عفوي – ان امكن – إلى الروح القدس، من قِبل احد أعضاء المجموعة، وبكلمات بسيطة، تدعو الحاضرين إلى سماع كلمة الله، وقبول عطايا الروح القدس، لكي يحضر ويساعد الجماعة على تقاسم كلمة الله، وعلى الاتحاد الصادق بين جميع المشتركين.
2- يفتح القارئ الكتاب المقدس بهدوء وانتباه، ويعلن كلمة الله، مع القناعة أنه يسمع شخص الرب يسوع نفسه. وبالطبع فالنص الذي قرأته الجماعة قبلاً بشكل فردي يصبح الآن موضوع اعلان جماعي.
3- تتبع قراءة كلمة الله، فترة قصيرة من الصمت والتفكير، نظراً إلى ان النص معروف وسبق التأمل فيه مسبقاً بشكل فردي. فالصمت هو وسيلة اتصال، تسهل لا حقاً قبول واستيعاب النص الكتابي، وتنير القلوب وتوحدها، وتدمجها في فلك الروح القدس.
4- وفي قلب المشاركة، يقوم المشاركون، واحداً بعد الآخر، بايصال وبث كلمة الله المسموعة في صميم القلب، استناداً إلى عبارة أو جملة من النص نفسه. ويتم توضيح الكلمة بمواجهتها بخبرة حياة شخصية هادئة، هدفها مساعدة الآخرين على التحقق من ان الكلمة تتكلم وتنتقد وتردّ وتحث. المطلوب هو ايصال خبرة نابعة من الالتقاء بكلمة الله.
5- عندما يُعطي المجال للجميع لكي يعبّروا عن ذواتهم ويشاركوا في تفكيرهم، يبدأ الحاضرون بالصلاة. وهنا يمكن التعبير من خلال أشكال الصلاة المختلفة: مديح، شكر، رجاء، طلب، توبة، ثقة... ولكن دائماً بشكل دعاء للرب، مع استعمال نفس كلمات النص الكتابي. هذا الأمر من شأنه أن يساعد الجميع على اللفة مع كلمة الله، والحصول على لغة وصلاة كتابية.
6- وقبل ان نغلق الكتاب المقدس، يؤخذ مقصد واقعي، وينتهي الاجتماع باشكال مختلفة، حسب متطلبات وحس كل جماعة: صلاة شكر جماعية، أو ترنيمة تناسب موضوع المشاركة، أو عبارة أو جملة اساسية للنص المتأمّل فيه، يلتزم المشاركون بترديدها اثناء نهارهم. ثمّ سابقاً الاشارة إلى وجود شخص يحيي ويدير القراءة الربانية الجماعية. وهنا يجدر التنويه، ان وجود مثل هذا الشخص، ليس ضرورياً فقط لإدارة خبرة المشاركة، وإنما يمكن أن يساعد على تهيئة الجو والمكان الذي يتم فيه اللقاء. يجب أن يكون مكان الاجتماع غرفة ملائمة، مرتبة، مع وجود كراسي بشكل دائري، لكي يتسنى لجميع المشتركين ان يروا بعضهم بعضاً. كما يمكن ان يساهم في انجاح خبرة المشاركة، استعمال بعض الاشارات الملائمة، التني تساعد على خلق جو من الخشوع والاتحاد الاخوي، كالكتاب المقدس مفتوحاً أو شمعةمضاءة أو وردة أو ايقونة تحمل على التأمّل والصلاة
الثمار والعطايا الروحية للقراءة الربانية
أحد عناصر القراءة الربانية المميَّزة هو تامين روحانية خاصة، وعلاقة مستمرة مع خبرة الحياة المسيحية. فإن أردنا أن نقطف ثمار القراءة الربانية الصحيحة، يجب أن تكون الحياة هي مرجعيتنا. ويمكن اعتبار الحياة على أنها انفصال ورغبة: إنفصال عن العالم وعن الخطيئة، ورغبة عميقة في الله. ويرتكز هذا المفهوم للحياة على الوعي الملموس والمُعاش لفقرالإنسان، والذي ينتج عنه من جهة شعور بالتواضع وابتعاد عن الشر وعن كل ما هو زائل، ومن جهة أخرى الرغبة والحاجة إلى الله، وهي حاجة لا يمكن تلبيتها بشكل كامل. حبُ العالم يُحبطنا، بينما حبّ الله يحفزنا ويُبقينا متيقظين. الشعور المستمر بالحاجة إلى التوبة يحمل المؤمن على الحنين القوي إلى الله، بينما التواضع يقوّي رغبة الإنسان في الاتصال بالله، وهو الوحيد الذي باستطاعته أن يملأ الفراغ المتواجد داخل الإنسان. وثمرة هذه الرغبة هي السلام في المحبة، هي الحب. فالإنسان بطبيعته يتوق إلى السعادة، وفقدان البصيرة تجعله متزعزعاً مّيالاً إلى أمور الأرض. الروح القدس الذي هو "إصبع الله" هو الوحيد الذي يشاركه في عطاياه وفي غناه الروحي. لهذا على المؤمن أن يتهيّأ للإلتقاء بالله من خلال الزهد والتصوّف والتأمل في سرّ المسيح، التأمل الذي هو خضوع للروح وثمرة الحكمة لا العلم.
والآن لكي نشرح الثمار المختلفة والعطايا الروحية التي تتدفق من التأمل في كلمة الله، سنتوقف عند أكثرها اهمية، أي تلك التي تنبُع من التأمل في وجه المسيح، من خلال مبادرة محبة الله المستمرة إلى ما هو عملي في حياتنا.


اولاً - الثمار الروحية للقراءة الربّانية
1- التعزية
الثمرة الروحية الأولى للقراءة الربّانية هي التعزية، وهو مفهوم خاصّ بالعهد الجديد (التعزية أو العزاء: راجع روما 8:12؛ 4:15؛ 2كور 31:1) وهو واقع أساسي في الخبرة المسيحية. التعزية هي تنويرٌ تأمليُّ النزعة يُثمر فرحاً داخلياً وتذوقاً لكل ما هو كلام الله، واستمتاعاً بالحقيقة وبالله. من يختبر ثمر الروح هذا يحيا في ميدان النور ويشعر أن الحب يخترقه، ويُدرك أن كلمات الكتب المقدسة سماوية وتحوي قوة حياتية قادرة على التغيير. ويكشف هكذا أن الكتاب المقدس قوة عميقة تخلق الخير في العمل. فهو كتاب التعزية وكتاب الفرح والرجاء إبان الصعوبات وتجارب الحياة. وتُعطي كلمة الله ثمار السلام الداخلي وصمت القلب والهدوء الذي هو ضبط النفس وعدم التعلق بما هو زمني، والصفاء والسكينة في الأمور الحياتية اليومية.
يؤكد بولس الرسول كل ذلك لأنه اختبر في حياته هذه الثمار الفائقة الطبيعة لكلمة الله: " فإن كل ما كُتب قبلاً إنما كُتب لتعليمنا حتى نحصل على الرجاء، إذا ما حصلنا على ما أتت به الكتب من الصبر والعزاء" (روم 4:15).
استطاعت الكنيسة من خلال ثمر الروح هذا أن تتخطي الِمحَن والاضطهادات. فبواسطة التعزية استطاع الشهداء والقديسون والمرسلون والشاهدون للإنجيل ومؤسّسو الحركات الرسولية أن يقاوموا الصعوبات الكثيرة، ويحتملوا التعب ويقوموا بأعمال فائقة الطبيعة، لا تستطيع الطبيعة البشرية وحدها أن تصل بها إلى كمالها. من يحصل على هذا الثمر الروحي يختبر حنان الله حتى في عمله اليومي الاعتيادي الذي لا لذّة خاصة فيه. فالتعزية هي انسجام ما هو فطري ومطابق لقواعد الطبيعة، مع القيم الإنجيلية التي تتكامل في الإنسان الذي يقبل من المسيح هذا الثمر الذي يعطي الحماس والقوة الداخلية والذي يقاوم كل أنواع الِمحَن والتجارب التي تأتي من العالم الذي هو عدو ّ الله.
2- التمييز الروحي
التمييز الروحي هو الثمرة الثانية من ثمار الروح، وهو الذي يدعوه الكتاب المقدس (Discretio) أي المقدرة الداخلية للتمييز بين عمل الله وعمل الشرير. هو فهم لمكان وجود الخير والشرّ. هو تقبُّل فطري لإرادة الله في ظروف الحياة العملية واليومية، لا سيما في القرارات المهمة التي يجب اتخاذها في الحياة. التمييز هو ذلك الإحساس الروحي والفطري الذي يدعوه القديس بولس "عطية تمييز الأرواح" (راجع 1كور 1:12-11) والتي هي ضرورية خصوصاً لمن يحمل مسؤولية تجاه الآخرين: "يتطلب التمييز الحقيقي ثلاثة عناصر في الشخص: النظر، أي وجود الرغبة في إيجاد الله؛ الفهم بالقلب أي الانفتاح على وسائل الاتصال بالله؛ التوبة أي التحلي بحسن الطويّة، والتخلي عن التفكير الشخصي، مع الوعي للفقر الداخلي. هذه العناصر الثلاثة هي مواقف إيمانية، وهو إيمان يعبّر عنه بوضوح لكي ننتقل من التمييز إلى الاختيار.
ينصبّ مُجمل تعليم يسوع لتلاميذه في إمكانيّة الإختيار بين الخير والشرّ، أي تمييز الأرواح. عمله وحياته ذاتها هي ثمر قوّة الروح وثمرّة هزيمة الشيطان. فهو يدعو الإنسان بكلمته إلى قبول رسالة الحياة (راجع روم 2:12). وعلى كل تلميذ إذاً أن يوافق حياته مع حياة المسيح وأن يقبل تعليمه (راجع لو 34:2؛ 18:20). حضوره فينا يجب أن يُثير التمييز والاختيار الموجّهين دوماً إلى الخير وإلى خدمة الإنسان. وهكذا يُصبح التمييز موقفاً روحياً يتحقق في المسيح بواسطة الروح القدس. إنه الروح الذي "يعلّم كل شيء" (1يو 27:2). ومن يثبت في الروح من خلال خبرة داخلية، يستلم منه تعليماً ومسحة داخلية وهداية لضميره.
3- اختيار الحياة المؤسّس على الانجيل
التفكير Deliberatio واختيار الحياة المؤسس على الانجيل هو الثمرة التي تلي التمييز. فكل اختيار مسيحي، وكل خيار في الحياة الرهبانية، بنذورها ووعودها، ينشأ ويُزهر كعمل الروح القدس، من التوافق الروحي مع المسيح. فالرب هو الذي يحرّك القلوب أوّلاً، وما على الإنسان إلاّ أن يتجاوب معه بحرية. يرتكز دوماً الاختيار الانجيلي الحقيقي على الحياة في الروح، الذي يقود إلى وعي عميق وتشابه مع المسيح. وفي عكس ذلك لا يمكن التكلم عن خيار انجيلي حقيقي.
إذا كان التمييز يساعدنا على رؤية الخير والشر، وأين يعمل روح الله وأين يعمل روح العالم، ويهدينا للتمييز بين ما هو أساسي وما هو ثانوي، ما هو مُطلق وما هو نسبي، فإن التفكير هو عطية الروح التي تمنح القوة لتحقيق الإختيار، للسير في طريق الحياة الصحيحة، ولأخذ الخطوة الأولى نحو التشبّه بحياة المسيح. نحن نعرف غالباً أن نميّز بين الخير والشر، ولكننا نفتقر إلى القوة لنعمل بتطابق مع الخيار المسيحي للحياة. فمن الذي يمنحنا القوة لتخطي الصعاب والمحن ويوجّهنا بعزم نحو المسيح؟ وحده الحب العميق لكلمة يسوع المسيح وتعاليمه، والمترجم واقعياً في خدمة القريب ومحبتّه، يساعدنا على السير في طريق الخير حسب إرادة الله.
4- العمل في الروح
ثمرة آخري للروح هي العمل، أي العمل الإنجيلي الذي ينجم عن الاختيار المسيحي الواقعي. فالحياة الُمعاشة بالروح تصبح من خلال الشخص الذي يحياها بُشري وتعليماً. فغاية التأمل ليست فقط قراءة كلمة الله ومعرفتها، تطبيقها وعيشها: "طوبى لمن يسمع كلمة الله ويحفظها" (لو 28:11). الكلمة الإلهية والحياة مرتبطتان ارتباطاً وثيقاً. كان القديس غريغوريوس يركّز على أن نفهم ونستوعب في داخلنا كلّ ما نقرأ. لا بل كان يقول أنه ينبغي، عندما نقرأ الكتاب المقدس، أن يصبح ما نقرأه في الكتاب عاملاً تغيير داخلي فينا. يجب خلق ترابط بين الكتاب المقدس والحياة. إذا كانت كلمة الله المقدسة تاريخ خلاص، فحياة الإنسان الروحي المؤسّسة على الكلمة هي استمرارية ونضوج لهذا الخلاص. الروح الذي هو في الأساس ملهم ةمحرّك مسيرة الخلاص، يعمل أيضاً في كل مؤمن ويعينه على عيش مختلف مراحل الخلاص، ويقوده نحو المسيح "في طاعة الإيمان" (روم 26:16). وإنطلاقاً من الكلمة التي تصبح حياة يمكن الوصول إلى التشبّه بالمسيح وإلى اكتشاف ما يقوله القديس بولس "لست أنا الذي يحيا بل المسيح يحيا بي" (غلا 20:2؛ فيلبي 21:1). فقد استطاع بولس التشبّه بالمسيح وبكلمته إلى حدّ أنه يقول لأخوته في الإيمان: "اقتدوا بي كما أقتدي أنا بالمسيح" (1كور 1:11).
هكذا يجب أن تكون شهادة التلميذ الحقيقي بالمسيح: التشبّه بالمسيح إلى درجة يستطيع أن يقول معه لإخوته بكل تواضع: "انظروا ماذا فعل بي الربّ، أنا نهجت هذه المسيرة، أعملوا أنتم أيضاً تشبهاً بي في المسيح مع كلمة الله". هذه الخبرة التي عاشتها الكنيسة الأولى، هي ذاتها خبرة القديس بولس ورسل المسيح العديدين في تاريخ الكنيسة. العمل هو التطابق مع المسيح، التوافق مع شخصه. التصرّف المسيحي هو إذا أن نحيا الكلمة باستقامة واستمرار ومحبّة. بعبارة أخري يدفعنا العمل بالروح إلى محبّة القريب. فالمؤمن الذي أصبح رسولاً للكلمة الإلهية يُصبح تأمّلياً في العمل، لأن العمل الانجيلي ينشأ من الصلاة، والعمل ينشأ من الكينونة، أي ممّا نحن عليه أمام الله.
ثانياً العطايا الروحية للقراءة الربّانية
1- الحكمة وتعميق وتجوين الكلمة
إقتناء حكمة الله وتجوين وتعميق كلمة الله هما العطية الأولى التي تنبع من الممارسة الأمينة للتأمل. ويؤكد ذلك ما ورد في دستور "الوحي الإلهي". يقول المجمع الفاتيكاني الثاني: "يحرّض المجمع المقدس تحريضاً ملحاً جميع المسيحيين لاسيما مَن كان منهم عضواً في الجمعيات الرهبانية، أن يُدركوا معرفة المسيح السامية" (فيل 28:3) بالمواظبة على قراءة الكتب الإلهية" (الوحي الإلهي 25). فالتأمل في الواقع ليس دراسة الكتاب المقدس أو عملاً ثقافياً بل لحظات صلاة حقيقية، وبحث حكيم عن الكلمة الإلهية التي تقود من خلال حوار الصلاة إلى عيش خبرة شخصية مع الله.
نجد في كتابات آباء الكنيسة رؤية ملهِمة حول هذه النقطة، فهم يرون في الكتاب المقدس أن ابن الله والروح القدس يتفاعلان في القارئ المؤمن. ففي كلمة الله يبحثان عن الحكمة المسيحية التي تسكن في الإنسان، ويكتشفان حبّ الله الخلاصي، ذلك "التنازل" الذي يتكلم عنه القديس يوحنا الذهبي الفم والذي جعلنا أبناء الله من خلال ابنه. فالحكمة هي الوقوف على القيمة العميقة والدائمة للحقيقة. لا ينطق التأمل من مبادئ عامة بل من نصّ بسيط يحرّك الذكريات ويحمل على التأمل وعلى الصلاة وعلى التمييز. كل هذا هو حياة وهو حكمة. وهذا يتحقق من خلال المخيّلة لا العقل. هو بصيرة القلب وخبرة التوبة التي تقود إلى العمل. إلى هذا يجب أن يقود الكتاب المقدس. لاننسي أن شعب الله. بمجمله يتحلّى بقدرة لاهوتية عميقة وبالحكمة التي من خلالها ينقاد إلى عمل الروح. وهذا يسهّل اقتناء الحكمة ويساعد البشر على انتظار اللحظة التي تصل فيها الحكمة مع السلام الداخلي.
الغاية التي اليها تتوق حكمة المؤمن هي أن يصل إلى الجوانية، إلى صلاة القلب، علماً بأن خبرة الصلاة تتم في أعماق الإنسان، وهو المكان الذي يسكنه روح الله (روم 9:8). يستلم المؤمن حقاً هذه العطية، فيبلغ إلى الصلاة التأملية، كفعل إيمان ومحبة، ومن خلاله يضع نفسه في حالة اصغاء إلى الله. وفي مسيرة التجوين هذه التي تقود إلى الاتحاد الكامل مع الله، يستطيع الإنسان أن يفهم بطريقة أفضل تدرّج التأملات الخارجية واستعمال منهجية الصلاة. حينها يدرك معني الصلاة كعلاقة مع الله الحيّ. أن يعيش في حضور الله ليحصل في الصمت والنظر والتأمل على العلاقة الحقيقية مع الله بجميع مستوياتها الأخلاقية والروحية. وفي إطار هذه الخبرة الدينامكية للصلاة نكتشف علاقة ال "أنا – أنت" كمكان للقاء الروحي، ووسيلة للإتصال الحقيقي والحياة والنمو الحقيقي في البُعد الروحي. هكذا نحيا الصلاة بالروح، لأنه أُعطيت لنا المقدرة على التفكير والإصغاء. وهنا تولد كلمة الله في قلب الإنسان. لا يستطيع الإنسان أن يتعمق في كلمة الله بل كلمة الله هي التي تستولي عليه وتغّيره وتؤهّله ليكتشف أسرارها.
تجوين كلمة الله التي تصبح صلاة هي عمل، أي موهبة كنسية، لم توضع في ايدي مفسري الكتاب المقدس فقط بل في قلوب المؤمنين الذين ينقادون إلى روح الله.
2- لاتركيز الحياة على ما هو جوهري
عطية ثانية تنبع من القراءة الربانية هي توجّه المؤمن إلى تركيز حياته على ما هو أساسي وجوهري، متجاوزاً ما هو ثانوي. الاتصال بكلمة الله يُدخل شعب الله في الروحانية المسيحية الأصيلة، التي تلاتكز على اللقاء الشخصي والجماعي مع المسيح الفصحي. الغاية هي المعرفة أن التأمل هو لحمة كل حياة الكنيسة الروحية، كما هو أساس كل روحانية. كل روحانية لا تجد مركزها في كلمة الله تؤول إلى السقوط، والمسيحي الذي يريد أن يتقدم في مسيرة الخبرة مع الله، يحتاج إلى إيمان ناضج، إيمان لا يُبني على عواطف تُقوية والتزامات غير منتظمة، بل على علاقة مستمرة وعلى ألفة مع كلمة الله المُصلاة والمعاشة.
كذلك يعلم آباء الكنيسة بوجود أشخاص كثيرين لا يملكون عطية الروح والتمييز. لذلك نراهم يجههدون في الحياة الروحية دون الحصول على النتائج المرجُوّة. ويعود السبب في ذلك إلى أن هولاء المسيحيين يعطون أهمية للأمور الخارجية لأعمالهم أكثر مما يعطون للحقيقة العميقة والتي منها يأتي ثمر الفضيلة الحقيقية. يبحثون عن الأمور الكثيرة والمميزة بدلاً من أن يبحثوا عن الأمور الوضيعة التي تساهم في نموّ الحياة الروحية. يقول الكاردينال مارتيني: "لا يستطيع المسيحي اليوم أن ينضج في الإيمان، وأن يتجاوب مع متطلبات العالم المعاصر، إن لم يتعلم أن يمارس القراءة الربانية بشكل من الأشكال". مواجهة أمور الحياة اليومية مع كلمة الله هو أجمل ما تتضمنّه الروحانية المسيحية، وهو يُعطي لمن كان أميناً أن يتيقّن أن الحقيقة والحكمة والتنوير هي التي تسمح بالدخول إلى في عالم الله.
3- تطابق الإيمان والحياة
عطية ثالثة للروح هي تربية المؤمن على التطابق بين الإيمان والحياة، لأن هدف التأمل هو أن يحمل الإنسان إلى تجسيد إيمانه في حياته اليومية، وأن يساعده أمام الاختبارات الانجيلية القوية، على المستوي الفردي أو الجماعي. إن غاية القراءة الربانية بالنسبة لمن يمارسها هي بناء شخصيته، متّخذاً من السيد المسيح مرجعية لحياته على مستوي التفكير وعلى مستوي الحياة. هذه المرجعية التي تصبح بالتدرج أكثر وضوحاً وعمقاً، تساعد على تمييز حالة الخطيئة، والوقوف على حقيقة الذات، ورؤية التاريخ الشخصي كما يراه السيد المسيح، والحكم على الحياة من منطق الإنجيل، الاختيار والمحبة والرجاء كما يعلّم السيد المسيح، فيه، الشركة مع الآب ومع الروح القدس.
على هذا الأساس يبني الشخص ذاته في وحدة أساسية: يتمّم مسؤوليته ويبحث عن المعني الأخير لحياته. يستطيع المؤمن، وسط جماعة المؤمنين، أن يعيش إيمانه بحرية، وأن يعلنه ويحتفل به بفرح في حياته اليومية، وأن يعمل على نضوج مواقفه الإنسانية التي تقوده إلى الانفتاح بصراحة على الحقيقة وإلى احترام كل أخ. تساعد القراءة الربّانية على الصلاة بطريقة تجعلها متناغمة مع إيقاع الحياة اليومية ومع الكنيسة.
3- الإدراك الروحي لكلمة الله
رأينا أن أسلوب القراءة الكتابية يبرز معنيين كتابيين متميزين وغير منفصلين: المعني الحرفي والمعني الروحي. يتناول المعني الحرفي المضمون البسيط الأحداث التي تمت، وهي بمثابة الغشاء الذي يخفي المعني الأكثر عمقاً، كما أنه يضع أسس الإيمان. أما المعني الروحي فهو الذي يُدرك عندما تصبح رواية الحدث والنص الإنجيلي "روحاً" يقدمه الروح القدس، وهو الذي يعزّز باستمرار الكلمة ومسيرة الإنسان في التاريخ. ويصبح هذا الفهم الروحي للكتب المقدسة هو موضوع التأمل والصلاة والحياة المسيحية، وهو يجد مجاله الطبيعي في القراءة الربّانية، التي تُعتبر الأسلوب الأمثل للحياة الروحية. لذا القراءة الربّانية حدث ديني واصغاء وخبرة لكلمة الله وعلامة خلاص وانتماء إلى الكنيسة.
القراءة الربّانية كتجسيد للمعني الروحي للكتب المقدسة، هي عطية روحية تقود المؤمن إلى علاقة صداقة مع الله واتحاد به، كما أنها تحقيق كامل لتاريخ الخلاص. وتتم هذه الخبرة مع الله في إطار كتابي لأن موضوعها هو الروح وهو الذي يُحييها. هكذا ندرك أن الكتب المقدسة في القراءة الربّانية ليست بهدف المعرفة أو العلم بل هي نبع خلاص. لا خلاص ذهني بل حياتي، وهو المعني الأعمق في التعامل الروحي للكتاب المقدس، وفيه نجد الحقائق التي يجب أن نؤمن بها والشرائع التي يجب أن نعيشها وهكذا، بعد أن أوضحنا في مسيرتنا مع كلمة الله ثمار القراءة الربّانية وعطاياها، ندرك أن هناك اليوم ضرورة ملحّة ولا يمكن اغفالها تقضي بإدراج القراءة الربّانية في عمل الكنيسة الرعوي كمخطّطِ متكاملٍ وواسعٍ، مؤسّسٍ على كلمة الله، مخطط يساعدنا على التفكير في القضايا المهمّة في حياة الجماعة المسيحية، ويقودنا بالتالي إلى نحيا حياة مشتركة حول كلمة الله، التي هي المرجح الأوّل والمهم لبناء علاقة عميقة مع الكتاب المقدس. "برنامج يبدأ ب "الاندهاش"، أي المواقف التأملية التي تسبق قراءة النصّ المقدس: إجلال، إصغاء، صمت، وسجود أمام السرّ الإلهي. أن نضع أنفسنا أمام الكتب المقدّسة كأننا أمام الله نفسه. وإنطلاقاً من البُعد التأملي ينبغي تطوير مخطط جماعي مبني على كلمة الله كمرجع أوّل، والقيام بمبادرات واقعية تجعل القراءة الربّانية في متناول الجميع". هكذا نري أن الكتب المقدسة هي نسيج جوهر الحياة الروحية المسيحية للمؤمن. وهي جذور وأساس الحياة الروحية للكنيسة ككلّ، وليست حظراً على فئة مختارة من البشر. القراءة الربّانية هي جوهر المسيحية لأنه قبلها هو الكلمة، والكلمة هي يسوع المسيح الذي مات وقام لخلاص الجميع.
في النهاية، ما يهمّ الكنيسة ليس طريقة التقرّب من الكتب المقدسة، بقدر ما هو معرفة الكلمة، صلاة الكلمة والتعلّم منها، والتخطيط للحياة والشهادة لها. هذا هو مختصر الحياة المسيحية. لا تستطيع روحانية مسيحية غير مؤسّسة على الكلمة المبتهلة والمعاشة أن تثبت في العالم المادي والفرداني وغير الموجّه الذي نعيش فيه. إن أردنا كجماعة مسيحية أن نعمل ونثمر في حقل التبشير في عالم اليوم الذي رجع إلى حالة الوثنية، أي بدون قيم روحية، علينا أن نعود إلى كلمة الله، علينا أن نقود البشرية إلى طريق الروحانية المتمحورة حول شخص يسوع المسيح. هذا ما يقوله الكاردينال مارتيني عن أهمية القراءة الربّانية حياة الجماعة المسيحية: "أكرّر انّي لا أجد وسيلة أكثر فعالية من هذه (القراءة الربّانية) للكشف عن الوجه الحقيقي للعقلية الجديدة التي نعيش فيها، لكي نعتاد على قراءة الأحداث كما يقرأها الله، ولكي نفتح قلبنا على الروح القدس الذي يقودنا إلى تقديم حياتنا إلى الآب في يسوع المسيح".
الصلاة
- التجاوب مع الله
- صلاة الكلمة (أطلب المساعدة، أحمدك، أشكرك، أتضرع اليك).
التأمل
- التفكير بانتباه وبشكل مطوّل.
- مراجعة القيم الثابتة في النص أكثر من مرّة.
- تجوين، أي وضع الذات أمام الكلمة والنظر إلى الذات من خلال كلمة الله.
- وضع الذات داخل النص، مقارنة الذات مع النص، وضع الذات مكان أشخاص النص.
- طرح هذه الاسئلة على الذات (ما معني ذلك بالنسبة لي؟ كيف يخاطبني هذا النص؟ ما هي التوبة التي يدعوني اليها؟ يارب هل أنت راضٍ عنّي؟ هل يجب أن أتغيّر؟ هل أعيش ما يقوله لي النص؟
- لابد من الدخول في عمق الذات ان اردتُ فعلاً أن اتأمّل.
القراءة
- قراءة النص بتمعّن.
- قراءة النص عشرات المرات ان لزم.
- قراءة النص ببطء.
- التوقف عند النص.
- عدم التسرّع أبداً.
- القراءة مع القلم( تخطيط الكلمة أو الفعل المهم، تظليل الكلمة التي تخاطب أكثر من غيرها).
- إبراز دور الأشخاص في النص.
- التفكير في الظروف المحيطة بالنص.
- البحث عن النصوص الأخري الموازية للنص في الكتاب المقدس.
المشاهدة
- معرفة الله انطلاقاً من خبرة القلب.
- التركيز للدخول في سر يسوع المسيح.
الفرح
- تذوّق أمور الله.
- فرح وسلام داخلي وهدوء في الحياة.
- تذوّق العمل والإلتزام اليومي.
- تطابق مع المثال الانجيلي.
- شجاعة في الشهادة.
التمييز
- معرفة الواقع بعيون الايمان.
- الحكم في نور الروح القدس.
- امكانية اختيار الخير.
- امكانية التمييز أين يعمل روح الله وأين يعمل روح العالم.
- امكانية اختيار الطرق السليمة.
الاختيار
- اختيار ما يتناسب مع الانجيل في حياتنا.
العمل
- طريقة عمل فعلية في الروح القدس.
- الحياة المعاشة في الروح القدس تصبح شهادة وتبشير.
- التشبّه بالمسيح من خلال كلمته.
- العمل المستقيم في المحبة.

هكذا نري ان حياة الإنسان المسيحي المؤمن، دون ممارسة القراءة الربّانية، تصبح فقيرة وهزيلة، بعيدة عن الحياة ومحرومة من خبرة الروح القدس. بينما تجعل ألفة القراءة الربّانية تلميذَ المسيح رجل إيمان وشاهداً حقيقياً لكلمة الله، لأن الكلمة فيه حقيقية وحيّة ومتجدّدة، وتُظهر نفسها بشكل تدريجيّ لمن يبحث عنها بصدق ومحبة وثبات في مختلف ظروف حياته. فهي تدخل في جميع جوانب حياة الإنسان وتنمو بنسبة دخول الإنسان في عالم كلمة الله. وهي نبع للإيمان وللتصرف المسيحي السويّ وللحياة الروحية والرسولية للمؤمن.
المراجع:
1. مجموعة من المؤلّفين، الكتاب المقدّس وحياتنا الشخصية، منشورات النور، لبنان 1983.
2. برنار سيسبويه، الإنجيل الحيّ في الكنيسة، جرجس المارديني (تعريب)، دار المشرق، لبنان1987.
3. فرنسوا فاريون اليسوعي (الأب)، فرح الإيمان بهجة الحياة، دار المشرق، بيروت، 1998.
4. رهبنة دير مارجرجس الحرف، مدخل إلى الكتاب المقدّس، منشورات النور، لبنان 1978.
5. بولس الفغالي، يسوع كلمة الله مع القدّيس يوحنّا، الرابطة الكتابيّة، لبنان 1995
6. بولس الفغالي، البدايات أو مسيرة الإنسان إلى الله، الرابطة الكتابيّة، لبنان 1998.
7. أخويات عائلات مريم، روحانيّة القديس بولس ، مار جورج صالح (تعريب)، دار المشرق، لبنان 1982.
8. متّى المسكين، القدّيس بولس حياته، لاهوته، أعماله، أبو مقار، وادي النطرون 1991.
9. متّى المسكين، المدخل لإنجيل القديس يوحنّا، أبو مقار، وادي النطرون 1989.
10. متّى المسكين، الكتاب المقدّس رسالة شخصية لك، أبو مقار، وادي النطرون، الطبعة الثانية 1987.
11. متّى المسكين، كيف تقرأ الكتاب المقدّس، أبو مقار، وادي النطرون، الطبعة الرابعة 1983.
12. يوأنس (الأنبا)، بستان الروح، الجزء الثاني، الطبعة الرابعة، 1981.
13. القراءة الربانيّة، روحانيّتها- أسلوبها- ممارستها، منشورات المعهد الإكليريكيّ في بيت جالا، 2001.
14. Giuseppe Barbaglio (a cura di), La Spiritualità del Nuovo Testamento; Dehoniano Bologna 1988.



Enter content here

Enter supporting content here

الموقع من تصميم /اليفاز